الملخص: في هذا القسم نطالع عددًا من الوثائق، منها: رسالة من الشيخ محمد رضا الأصفهاني إلى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، مكتوبة في العام ١٣٣١، وفيها إشارات إلى كتب “المراجعات”، و”الدين والإسلام”، و”نقد فلسفة داروين”؛ ووثيقة من قطب الدين النهروالي حول شهادة الشهيد الثاني، تم الكشف عنها حديثًا؛ وثلاث رسائل من السيد محمد النقوي ممتاز العلماء، الأولى موجهة إلى المفتي المير محمد عباس الشوشتري، والأخريان موجهتان إلى المير حامد حسين الهندي؛ ورسالة تعزية من السيد دلدار علي النقوي موجهة إلى السيد محمد المجاهد بمناسبة وفاة والده السيد علي الطباطبائي؛ وكلمة للسيد موسى الصدر حول السيد عبد الحسين شرف الدين.
نُشر هذا المقال بقلم الإمام موسى الصدر بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، بتاريخ ١ / ١ / ١٩٦٥ م في “رسالة الجعفرية”، النشرة الداخلية لكلية الجعفرية في صور بلبنان.
بسم الله الرحمن الرحيم
عبثًا حاولت الأيام أن تبعدك عن قلوبنا، أيها الغائب الكبير، وحاول التراب، وبعد المزار، أن يغيب وجهك المشرق عن حياتنا. وحاولت الأطوار والتغيرات العميقة التي طرأت على مجتمعنا، وغيرت منه كل شيء، أن تزيل آثارك فينا.
عبثًا حاولت هذه العوامل ذلك، فأنت بالرغم من هذا كله، بيننا، وفينا، حاضر لدينا تضيء دروبنا، وترشدنا وتبارك أعمالنا. إنك أيها الغائب الحاضر عندنا، نسمع صوتك الرهيب الحبيب، عند كل معروف، فتأمر به، وعند كل منكر فتنهى عنه. نرى وجهك المشرق المرهق، يطل علينا في أيامنا العابسة، فيملؤها أملًا ونشاطًا، وفي ليالينا الدافقة الخافقة، في كل محنة، وعند كل معركة.
هذه كلماتك الخالدة، تملأ مسامع الكون، لتعطينا قواعد للسلوك المستقيم. وهذه كتبك الكريمة، ترفرف على العالم الإسلامي، من إندونيسيا إلى كانو، ومن القاهرة إلى الصومال. وهذه بطولاتك تحرك ضمير مواطنيك، فتدعوهم إلى القيام لله مثنى وفرادى. وهذا خلقك النبوي، يهز كل مسؤول وكل كبير، فيعطيه الطريقة المثلى للسلوك. وهذا صرحك الشامخ “الكلية الجعفرية” تؤذن كل صباح وتنادي كل مساء، فتهيب بنا إلى تحمل مسؤولياتنا وتذكرنا بثقل أمانتنا، وتوحي إلينا: هكذا فليعمل العاملون. وهذه قوة إيمانك الدافعة الرافعة، تشق لنا الطريق، تدفعنا إلى الأمام، وترفعنا إلى السماء.
سيدي، عرفك بيتك أبًا عطوفًا، وارف الظل، مضيافًا يخدم الضيف الذي يحج إليه رجالًا وركبانًا، وعلى كل ضامر يأتيه من كل فج عميق. وعرفك صحبك مرشدًا مربيًا، لا ينقطع عن النصيحة والتوجيه لحظة واحدة. وعرفك بلدك مصلحًا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، تقيم الشعائر، وتنصر المظلوم، وتحكم بين الناس بالقسط. وعرفك وطنك قائدًا ثائرًا، يبذل أقصى ما يمكن بذله ولا يثنيه جبروت المستعمر ولا حيلة العدو الماكر، ولا إيلام الحرب الباردة التي يشنها الخصم الداخلي. وعرفك العالم شمسًا تنير الأفق المدلهم الواسع، فتبعث من خلال رسائلك وكتبك، إلى مختلف الأقطار، حديث الحق وقصة الحياة المثالية. وعرفك التاريخ صفحة بيضاء، لا زيغ فيها، ولا تحريف، بل مطلع فصل، يأبى المغالطة، ومدخل كتاب فيه تبيان وفرقان، بين الحقيقة والوهم. وأنت أمام الله حي ترزق، فرحًا بما أتاك وتستبشر بالذين لم يلحقوا بك فأصبحت الخالد المبدع.
سيدي، حولت فكرك إلى كتبك الخالدة، فأهديتها إلينا. وحولت طاقتك إلى مؤسساتك العظيمة، فوهبتنا إياها. وحولت عواطفك الرقيقة، فأصلحت ما فسد من أمرنا، وجبرت ما انكسر في مجتمعنا. وحولت خلقك الكريم إلى تنشيط الحق، وتعميم الجمال، وتهدئة القلوب وتسلية المحزون وراحة اللاجئ والإصلاح بين الناس. حولت وجودك كله إلى كمال مجتمعنا، وأهديت كل ما تملك إلينا، ثم حملت جسدك المرهق المتهدم، حملته إلى منبت علمك إلى باب مدينة العلم، إلى بلد النور والولاء، إلى النجف لكي تجذب قلوبنا، وتحافظ على رباط إيماننا وتمسكنا بسفينة النجاة وأحد بحياتك.
ذهبت بعدما أعطيتنا كل شيء سموًا في الحياة وفي الممات، لكى تضرب مثلًا آخر بموتك بعدما ضربت الأمثال للناس بحياتك.