مؤلف كتاب «الياقوت» 

الملخص: إن مؤلف كتاب الياقوت من شخصيات الشيعة التي يكتنف الغموض الكثير من جوانب سيرتها الذاتية، والأمر الوحيد الذي يتفق عليه المؤرخون بشأنه هو انتسابه إلى أسرة النوبختي وأنّ لقبه هو ابن نوبخت. يسعى كاتب المقال إلى دراسة ومناقشة آراء المؤرخين حول هذا الموضوع، فيتطرق إلى آرائهم حول مكانة مؤلف الياقوت وأهميته واسمه والعصر الذي عاش فيه، ثم يخلص إلى ما يراه مناسباً منها. يرى الكاتب أن المؤلف هو إبراهيم بن نوبخت، وأنه عاش في النصف الثاني من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس. ثم يتناول بالتعريف كتابي المؤلف وهما «الابتهاج» و«الياقوت في علم الكلام». أما النقاط الأخرى التي يتضمنها هذا المقال فهي بحث حول اسم الكتاب، والشروح المكتوبة عليه، وترتيب مطالبه والنسخة المطبوعة منه. وفي نهاية المقال يستعرض الكاتب أهم مضامين الكتاب. 

مقدمة 

على مرّ التاريخ، يبرز العديد من الأعلام الذين واجهوا الإهمال وعدم الاكتراث، حتى لَيصعُب العثور على ترجمة موجزة لهم في كتب التراجم. ومن بين هؤلاء الأعلام، مؤلف كتاب «الياقوت». الأمر الوحيد الذي أجمع عليه المؤرخون بشأنه هو أنه من أسرة النوبختي ولقبه «ابن نوبخت»، إلا أنه لا توجد معلومات قطعية ومتفق عليها حول اسمه، وتاريخ ولادته ووفاته، ومحل إقامته، وسائر تفاصيل حياته. ولم يرد أي ذكر له قبل زمن العلامة الحلي (المتوفى سنة ٧٢٦ هـ)، ولهذا السبب، تعددت الآراء حول فترة حياته واسمه. في هذا المقال، سنتناول نقد ودراسة هذه الآراء، لنخطو خطوة في سبيل التعريف بهذه الشخصية الشيعية. 

مكانة مؤلف الياقوت ومنزلته 

يتمتع مؤلف الياقوت بمكانة ومنزلة رفيعة بين علماء الشيعة. ويمكن استنباط هذا الأمر من وصف العلامة الحلي له في مقدمة شرحه على الياقوت، حيث قال: «وقد صنف شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم أبو إسحاق إبراهيم ابن نوبخت – قدس الله روحه الزكية ونفسه العلية – مختصراً أسماه الياقوت». كما يضعه في مصافّ السيد المرتضى وأبي الحسين البصري، فيقول مثلاً: «قال الشيخ أبو إسحاق والسيد رحمهما الله»، ويقول أيضاً: «ذهب إليه الشيخ أبو إسحاق – رحمه الله – واختاره أبو الحسين أيضاً». ودائماً ما يذكره بكنيته «أبو إسحاق». كذلك، اهتم علماء الشيعة بنقل آرائه، مما يدل على مكانته العلمية الرفيعة. إضافة إلى ذلك، قام ابن أبي الحديد بشرح هذا الكتاب إلى جانب شرحه لكتب مثل «الذريعة» للسيد المرتضى، و«المحصل» للفخر الرازي، مما يدل على مكانة مؤلفه. وأخيراً، يمكننا أن ندرك المنزلة الرفيعة للمؤلف من خلال إلقاء نظرة على مضامين كتاب الياقوت نفسه. ذكر الأستاذ مادلونغ أنّ أقدم إشارة إلى الياقوت، على حد علمنا، وردت في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (المتوفى سنة ٦٥٦ هـ)، وأرجع ذلك إلى كتاب «خاندان نوبختى» (انظر: تشيع إمامى وعلم كلام معتزلى، للسيد مادلونغ، ترجمة أحمد آرام، ص ٢٥). ولكن بعد بحث متكرر في شرح ابن أبي الحديد، لم نعثر على أي إشارة لكتاب الياقوت. 

اسم مؤلف الياقوت 

في هذا المجال، يوجد رأيان رئيسيان: الرأي الأول: أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت على حد علمنا، فإن أول من تبنى هذا الرأي هو العلامة الحلي في مقدمة كتابه «أنوار الملكوت في شرح الياقوت». وعبارته التي أوردناها في السطور السابقة تدل على هذا المطلب، ولا شك في أن هذا هو رأي العلامة، وذلك لعدة أدلة: ١. ينقل العلامة السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» أنه رأى في جبل عامل نسخة خطية من كتاب «أنوار الملكوت» يعود تاريخ كتابتها إلى سنة ٧٣٢ هـ (مع العلم أن وفاة العلامة الحلي كانت سنة ٧٢٦ هـ)، وقد ورد فيها اسم «أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت». ٢. ذكر الأستاذ عباس إقبال الآشتياني في كتابه «خاندان نوبختى» أنه اطلع على ثلاث نسخ من كتاب «أنوار الملكوت»، وفي جميعها ورد اسم «أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت»، وهذه النسخ محفوظة في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة ومكتبة مجلس الشورى، بالإضافة إلى النسخة التي كانت بحوزة الميرزا شيخ الإسلام. ٣. ينقل العلامة المجلسي قولاً عن مؤلف الياقوت فيقول: «وقال الشيخ إبراهيم بن نوبخت في كتاب الياقوت»، ويقول أيضاً: «وقال العلامة – رحمه الله – في شرحه…»، وهذا يدل على أن نسخة العلامة المجلسي من «أنوار الملكوت» كانت تحمل اسم «إبراهيم بن نوبخت». 

ولكن في مقابل هذه الأدلة التي تشير إلى أن اسم المؤلف في نظر العلامة هو «إبراهيم»، يوجد دليلان معارضان: ١. ينقل العلامة السيد محسن الأمين أنه رأى نسخة من «أنوار الملكوت» في مكتبة مجلس الشورى بطهران ورد فيها اسم مؤلف الياقوت «إسماعيل بن إسحاق» بدلاً من «إبراهيم». ولكنه يصر على أن اسمه إبراهيم وأن هذه النسخة مغلوطة. ٢. يورد السيد حسن الصدر في كتابه «الشيعة وفنون الإسلام» عبارة العلامة الحلي في مقدمة «أنوار الملكوت» دون ذكر اسم «إبراهيم»، حيث ينقلها على النحو التالي: «لشيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم أبي إسحاق بن نوبخت». ولكن ليس من الواضح ما إذا كان قد استخرج هذه العبارة من نسخة كانت لديه، أم أن ذلك مجرد استنباط شخصي منه؛ لأنه هو نفسه يرى أن اسم مؤلف الياقوت هو «إسماعيل»، وهو الرأي الثاني. بالنظر إلى هاتين المجموعتين من الأدلة، يمكن ترجيح المجموعة الأولى لوجود أربع نسخ خطية تؤيدها، خاصة النسخة الأولى التي تكتسب قيمة خاصة لقدمها، حيث كُتبت بعد ست سنوات فقط من وفاة العلامة الحلي. وإذا كانت نسخة العلامة المجلسي مختلفة عن تلك النسخ الأربع، فإن عدد النسخ المؤيدة يرتفع إلى خمس. أما المجموعة الثانية، فلا يوجد ما يؤيدها سوى نسخة واحدة، وليس من المعلوم إن كان السيد حسن الصدر قد اطلع على نسخة أخرى. بناءً على ذلك، يكون رأي العلامة هو أن اسم مؤلف الياقوت هو «أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت». وقد أيّد هذا الرأي – أي أن اسمه إبراهيم – عدد آخر من العلماء، منهم العلامة المجلسي، والمحدث القمي، والعلامة السيد محسن الأمين، والبروفيسور مادلونغ. 

الرأي الثاني: أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن نوبخت يبدو أن أول من أبدى هذا الرأي هو الميرزا عبد الله أفندي في «رياض العلماء»، وتبعه في الميل إلى هذا الرأي الآقا بزرك الطهراني والسيد حسن الصدر. 

بالنظر إلى هذين الرأيين حول اسم مؤلف الياقوت، يمكن ترجيح الرأي الأول لسببين: ١. التقدم الزمني للعلامة الحلي الذي كان يعتقد بالرأي الأول على صاحب «رياض العلماء» الذي قال بالرأي الثاني. كما أن احتمال خطأ العلامة في معرفة اسم مؤلف كتاب قام هو نفسه بشرحه ضعيف جداً، مما يقوي صحة الرأي الأول. وبالطبع، هذا الدليل مجرد شاهد وليس دليلاً قطعياً. ٢. كما سيأتي في نهاية البحث التالي، فإن مؤلف الياقوت عاش في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، في حين أن إسماعيل بن إسحاق عاش قبل هذا التاريخ بقرنين على الأقل؛ لأن والده إسحاق كان يعمل في بلاط هارون الرشيد، وقد توفي هارون في أواخر القرن الثاني، وبناءً على ذلك، لا يمكن لإسماعيل أن يعيش بعد ذلك بقرنين. 

الرأي الثالث: حسن بن الحسين بن نوبخت يعرّف السيد يعقوب جعفري في مجلة «كلام إسلامي» المؤلف على النحو التالي: «حسن بن الحسين بن علي بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت» المتوفى سنة ٤٠٢ هـ، والذي وردت ترجمته في كتب التراجم. ولكنه لم يقم في تلك المجلة دليلاً على هذا الرأي، ويبدو أنه لا يوجد أي دليل مساعد عليه، بل يوجد دليل على عكسه، وهو نفس أدلة الرأي الأول. بناءً على ما سبق، فإن الرأي الأول هو الصحيح، واسم مؤلف الياقوت هو «إبراهيم بن نوبخت». 

زمن مؤلف الياقوت 

يوجد اختلاف كبير في الآراء حول زمن حياته، وخلاصتها كما يلي: 

الرأي الأول: القرن الثالث لم يذكر الميرزا عبد الله أفندي زمن المؤلف، ولكنه ذكر أن اسمه «إسماعيل بن إسحاق بن نوبخت». وبما أن إسحاق بن نوبخت عاش في القرن الثاني، فيجب أن يكون ابنه إسماعيل قد عاش في حدود القرن الثالث. ولكن لم يُقَم دليل واضح على هذا الادعاء. 

الرأي الثاني: النصف الأول من القرن الرابع مال إلى هذا الرأي كل من الأستاذ عباس إقبال الآشتياني، والعلامة السيد محسن الأمين، وهنري كوربان. وقد أورد الأستاذ الآشتياني عدة أدلة على هذا الرأي: ١. في كتاب الياقوت، تم الاهتمام ببحث غيبة الإمام صاحب الزمان، واختلافات الشيعة في هذا الشأن، وإشكالات أهل السنة على الغيبة. بناءً على ذلك، لا ينبغي أن يكون مؤلف هذا الكتاب قد عاش قبل زمن الغيبة وظهور اختلافات الشيعة. وبما أن اختلافات الشيعة وقعت في النصف الأول من القرن الرابع، فلا يمكن أن يكون تاريخ كتابة هذا الكتاب أقدم من ذلك. ولكن السيد الآشتياني لم يذكر دليلاً واضحاً على أن اختلافات الشيعة وقعت في النصف الأول من القرن الرابع. ولكن بغض النظر عن اختلافات الشيعة لعدم وضوح تاريخها، يمكن القول إنه بالنظر إلى اهتمام كتاب الياقوت ببحث الغيبة وإشكالات أهل السنة عليها، فإن تاريخ كتابة الكتاب لا يمكن أن يكون أقدم من النصف الثاني من القرن الثالث – أي تاريخ بدء الغيبة. ٢. تطرق مؤلف الياقوت إلى الرد على أهم الآراء الشخصية لأبي الحسن الأشعري – أي الكسب، والكلام النفساني، وقدم الصفات. ونحن نعلم أن الأشعري هو مبتكر هذه الأفكار، ولم يكن لها قائل قبله. وبما أن الأشعري ولد سنة ٢٦٠ هـ وحضر درس أبي علي الجبائي حتى سن الأربعين، ثم انفصل عنه وأسس المذهب الأشعري، فإن أفكار الأشعري الخاصة بدأت وانتشرت منذ النصف الأول من القرن الرابع، أي من سنة ٣٠٠ هـ، وبالتالي فإن كتابة الياقوت كانت في ذلك التاريخ. 

حول هذا الدليل تبدو عدة نقاط: أ) فيما يتعلق ببحث الكسب، هذا الدليل ليس تاماً؛ لأنه لا يمكن إثبات أن الكسب من العقائد التي ابتدعها الأشعري ولم يكن له قائل قبله، لأن العلامة الحلي وابن عودي – الشارح الآخر للياقوت – نسبا الكسب إلى النجار الذي كان من المتكلمين البارزين، وقد توفي النجار حوالي سنة ٢٢٠ هـ، أي في النصف الأول من القرن الثالث. بناءً على ذلك، من المحتمل أن يكون مؤلف الياقوت عند رده على نظرية الكسب يقصد النجار، لا الأشعري. ب) فيما يتعلق ببحث قدم الصفات، هذا الدليل تام؛ لأن الشيخ المفيد يصرح بأن القول بقدم الصفات من مختصات أبي الحسن الأشعري: «وأحدث رجل من أهل البصرة يعرف بالأشعري قولاً خالف فيه ألفاظ جميع الموحدين ومعانيهم فيما وصفناه، وزعم أن لله عز وجل صفات قديمة وأنه لم يزل بمعان لا هي هو ولا غيره، من أجلها كان مستحقاً للوصف بأنه عالم حي قادر سميع بصير متكلم مريد، وزعم أن لله عز وجل وجهاً قديماً وسمعاً قديماً وبصراً قديماً ويدين قديمتين، وأن هذه كلها أزلية قديمة. وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من منتحلي التوحيد فضلاً عن أهل الإسلام». بالطبع، كان السيد الآشتياني ملتفتاً إلى رأي الشيخ المفيد هذا، ولكن النقطة المثيرة للاهتمام هي أن الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الساجي، الذي كان من المحدثين ومن شيوخ الأشعري، يقول: «وكان من أئمة الحديث، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات»، وهذا يدل على أن القول بقدم الصفات متقدم على زمن الأشعري والنصف الأول من القرن الرابع. ولكن في الواقع، لا يمكن اعتباره نقضاً للدليل الثاني للآشتياني؛ لأن القول بقدم الصفات لم يكن معروفاً في كتب الكلام قبل الأشعري، وقد تمكن الأشعري من نشره، بدليل كلام الشيخ المفيد في هذا الصدد الذي يدل على أن هذا القول إما لم يكن له قائل قبل الأشعري أو إن كان له قائل فلم يكن معروفاً. بالإضافة إلى ذلك، ربما أشار «الساجي» إشارة عابرة إلى هذا البحث فقبله الأشعري وطوره ثم نشره. بناءً على ذلك، فإن مؤلف الياقوت في إشكاله على بحث قدم الصفات كان ناظراً قطعاً إلى الأشعري، ودليل الآشتياني الثاني من هذه الجهة تام. ج) إشكال الدليل هو أن هذا الدليل كل ما يثبته هو أن كتاب الياقوت لم يُكتب قبل النصف الأول من القرن الرابع – أي قبل ظهور آراء الأشعري – ولكنه لا يدل على أن كتابة الياقوت قد حدثت حتماً في النصف الأول من القرن الرابع؛ إذ من الممكن أن تكون قد حدثت في القرون اللاحقة مثل القرن الخامس أو السادس أو السابع، وأن مؤلف الياقوت في تلك القرون كان ناظراً إلى آراء الأشعري. ٣. في كتاب الياقوت، تم بحث القول المشهور لأبي بكر زكريا الرازي حول «اللذة»، والرازي توفي سنة ٣٢٠ هـ، أي في النصف الأول من القرن الرابع، فبالتالي لم يعش المؤلف قبل هذا التاريخ. ولكن هذا أيضاً لا يمكن أن يكون دليلاً مقنعاً على أن مؤلف الياقوت عاش في النصف الأول من القرن الرابع، لأنه من الممكن أن يكون زكريا الرازي قد بحث في مسألة اللذة في النصف الثاني من القرن الثالث واشتهر هذا القول في ذلك الوقت. بالإضافة إلى ذلك، يرد نفس الإشكال الأخير للدليل السابق؛ أي من الممكن أن يكون مؤلف الياقوت قد عاش في القرون اللاحقة وفي تلك القرون نظر إلى رأي الرازي. النتيجة: لم تكن كتابة الياقوت قبل النصف الثاني من القرن الثالث، ولكن هل حدثت بعد ذلك أم لا، فإن أدلة السيد الآشتياني عاجزة عن إثباتها أو نفيها. النقطة الأخيرة هي أن المرحوم الآقا بزرك الطهراني في «الذريعة» يشير إلى أدلة السيد الآشتياني الثلاثة ويحتمل أن تكون هذه المطالب – أي ذكر مطالب من الغيبة، وآراء الأشعري، ولذة زكريا الرازي – قد أُضيفت لاحقاً إلى كتاب الياقوت، ولكن كما هو واضح فإن هذا الاحتمال ضعيف جداً. 

الرأي الثالث: القرن الخامس أو ما بعده يهتم البروفيسور ولفرد مادلونغ بهذا الرأي في مقالته «التشيع الإمامي وعلم الكلام المعتزلي». وهو يعتقد أن كتاب الياقوت كتب في القرن الخامس أو ما بعده. دليله على ذلك هو أن العقائد المنقولة عن النوبختيين، خاصة تلك التي نقلها الشيخ المفيد (المتوفى ٤١٣ هـ) في «أوائل المقالات»، لا تتوافق مع العقائد الكلامية لمؤلف الياقوت. وعليه، فإن مقتضى هذا الدليل هو أن الشيخ المفيد لم يكن على علم بآراء الياقوت، وهذا عدم العلم ناتج عن أن الياقوت كتب في زمن لاحق لزمن الشيخ المفيد، أي في القرن الخامس أو ما بعده، ولا يمكن أن يكون قبله، وإلا لكان الشيخ المفيد قد علم به. دليل مادلونغ جدير بالاهتمام، لأن الشيخ المفيد في مقدمة «أوائل المقالات» تعهد بذكر آراء النوبختيين. وبناءً عليه، لو كان لأحد منهم رأي مخالف لبقية النوبختيين، لأشار إليه حتماً كما فعل عند نقل أقوال الفرق المختلفة كالمعتزلة والأشاعرة. لكننا نرى أن مؤلف الياقوت له آراء مختلفة عن النوبختيين، ومع ذلك لم يشر الشيخ المفيد إلى ذلك. على سبيل المثال: ينقل الشيخ المفيد عن بني نوبخت أنهم ينكرون ظهور المعجزات على أيدي الأئمة، بينما يرى مؤلف الياقوت جواز ذلك، ولم يشر الشيخ المفيد إلى هذا الاختلاف، وهذا الأمر يدل على تأخر زمن الكتاب عن زمن الشيخ المفيد (المتوفى ٤١٣ هـ). 

الرأي الرابع: بين النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السابع طرح هذا الرأي السيد علي أكبر ضيائي – محقق كتاب الياقوت. وهو يعتقد أن المؤلف عاش بين سنتي ٤٥٠ و٦٥٠ هـ. والأدلة التي طرحها هي كالتالي: ١. اختلاف الآراء الكلامية للنوبختيين المذكورة في كتب «أوائل المقالات» للشيخ المفيد، و«الذخيرة» للسيد المرتضى، و«تمهيد الأصول» للشيخ الطوسي، مع ما طرح في كتاب الياقوت. وبناءً عليه، فإن الكتاب كتب بعد سنة ٤٦٠ هـ، أي بعد وفاة الشيخ الطوسي. ولكن يجب التمييز بين عبارة الشيخ المفيد من جهة، وعبارتي السيد المرتضى والشيخ الطوسي من جهة أخرى؛ لأن الشيخ المفيد وعد ببيان جميع عقائد بني نوبخت كجماعة – مما يشمل مؤلف الياقوت لو فرضنا تقدم زمنه على الشيخ المفيد – ولكن عبارة السيد المرتضى والشيخ الطوسي كانت بصيغة التثنية «ابنا نوبخت»، وهي ناظرة إلى شخصين من النوبختيين كانا أشهر من غيرهما – أبو سهل إسماعيل بن نوبخت وأبو محمد بن نوبخت – وهذا لا يشمل أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت مؤلف الياقوت؛ ولهذا السبب، فإن هذا الدليل يدل فقط على تأخر المؤلف عن زمن الشيخ المفيد – لا السيد المرتضى والشيخ الطوسي. ٢. يرى مؤلف الياقوت أن مناط حاجة الممكن إلى العلة هو الإمكان، وينسب الخواجة الطوسي في «تلخيص المحصل» هذا الرأي إلى متأخري المتكلمين، وبناءً عليه، فإن مؤلف الكتاب معاصر للخواجة الطوسي (المتوفى ٦٧٢ هـ). ولكن يجب الانتباه إلى أن تعبير «المتأخرين» لا يدل على المعاصرة، بالإضافة إلى ذلك يمكن إيجاد مورد نقض من كلام الخواجة نفسه في كتاب «تلخيص المحصل»، وهو أن الخواجة الطوسي قال: إن متأخري المتكلمين يقولون إن الحكم باحتياج الحادث إلى محدث من البديهيات، ولا يحتاج إلى الاستدلال بالإمكان. حيث يقول: «المتأخرون من المتكلمين يقولون: الحكم بأن كل محدث فلا بد له من محدث بديهي غير محتاج إلى الاستدلال بإمكانه على احتياجه إلى المحدث»، بينما يستدل مؤلف الياقوت بالإمكان على احتياج الحادث إلى محدث، فيقول: «وثبوتُ حدثٍ يوجب ثبوت صانع، لأنه ممكن فلا بد له من مؤثر». وبناءً عليه، لا ينبغي أن يكون مؤلف الياقوت من المتأخرين، خلافاً لما أراد السيد ضيائي إثباته. ٣. شرح ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفى ٦٥٦ هـ) كتاب الياقوت، فلا ينبغي أن يكون مؤلفه بعد هذا الزمان. في الواقع، ما يثبته هذا الدليل هو أن الكتاب كتب قبل سنة ٦٥٦ هـ، ولكنه لا يدل على أنه لم يكتب قبل ذلك بزمن طويل. ٤. المقارنة بين كتاب الياقوت و«المحصل» للفخر الرازي (المتوفى ٦٠٦ هـ) تكشف عن أن ترتيب المسائل في الياقوت يتبع ترتيب المحصل؛ بالإضافة إلى ذلك، تعرض مؤلف الياقوت لبعض آراء الفخر الرازي فقبلها أو ردها. ولكن هذا الدليل أيضاً لا يمكن أن يكون دليلاً محكماً، لأنه كما أنه من الممكن أن يكون ابن نوبخت قد اتبع الفخر الرازي، فالعكس أيضاً ممكن، أو من الممكن أن يكون كلاهما قد اتبع كتاباً ثالثاً لم يصل إلينا. أما بخصوص آراء الفخر، فيجب أولاً إثبات أن هذه الآراء من إبداعاته حتى يمكن الحديث عن كون الياقوت ناظراً إلى المحصل. 

الرأي الخامس: القرن السابع ينقل السيد بول كراوس أن الآقا محمد خان القزويني أخبره شفاهاً أنه من الممكن أن يكون هذا الكتاب قد أُلّف في عهد ليس ببعيد عن زمن شرح العلامة. هذا القول لا دليل عليه وهو مجرد ادعاء. 

الرأي المختار: بين النصف الثاني من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس (٣٥٠ – ٤٥٠ هـ) دليل هذا المطلب كما يلي: ١. بالنظر إلى ذكر بحث الغيبة وإشكالات أهل السنة عليها، لا يمكن أن يكون هذا الكتاب قد أُلّف قبل سنة ٢٦٠ هـ، أي سنة بدء الغيبة. ٢. بالنظر إلى تناول الكتاب لأهم العقائد الكلامية لأبي الحسن الأشعري التي لم تنتشر قبل سنة ٣٠٠ هـ، فإن كتابة الكتاب لم تكن قبل بداية القرن الرابع. ٣. بالنظر إلى عدم إشارة الشيخ المفيد (المتوفى ٤١٣ هـ) إلى عقائد مؤلف الياقوت في «أوائل المقالات»، فإن الكتاب لم يؤلف على الأقل قبل أواخر القرن الرابع، لأنه من المحتمل أن يكون مؤلف الياقوت معاصراً للشيخ المفيد، وعادة لا يُلتفت كثيراً إلى المعاصرين. أما لو كان قبل هذا التاريخ، فإن احتمال عدم التفات الشيخ المفيد إليه يصبح ضعيفاً جداً. ويؤيد هذا المطلب – أي أن الكتاب كُتب في أواخر القرن الرابع – إشارة مؤلف الياقوت إلى دليل أبي بكر الباقلاني (المتوفى ٤٠٣ هـ) على المعاني القديمة. ورغم أن مؤلف الياقوت لم يشر إلى أن هذا الدليل للباقلاني، إلا أن العلامة الحلي نسبه إليه وصرح بأنه ورد في «تمهيد الأوائل». فإذا ثبت اختصاص هذا الدليل بالباقلاني، فيمكن أن يكون دليلاً قوياً جداً على عدم تقدم كتابة الياقوت على أواخر القرن الرابع، لأن كتاب «تمهيد الأوائل» كُتب في هذا الزمان، فلا يمكن للياقوت أن يكون قبله. ٤. يقول العلامة الحلي في مسألة إرجاع صفة الإرادة إلى العلم: «فالذي ذهب إليه الشيخ أبو إسحاق رحمه الله تعالى مؤلف الياقوت أن المراد به أنه عالم بما في الفعل من المصلحة الداعية إلى الإيجاد، وتبعه على ذلك أبو الحسين البصري فجعل الإرادة هي الداعي والداعي نوع من العلم». ظاهر عبارة «وتبعه» أن كتاب الياقوت لم يؤلف على الأقل بعد أبي الحسين البصري الذي توفي سنة ٤٣٦ هـ في أوائل القرن الخامس. ولكن مادلونغ التفت إلى هذا الدليل ونقده، مصرحاً بأنه لا يبدو محتملاً جداً أن يتبع المتكلم المعتزلي المعروف مؤلفاً شيعياً مغموراً. ولكن هذا التصريح لا يبدو صحيحاً تماماً؛ لأن التاريخ يشهد على وجود علماء كثيرين بلغوا درجات علمية رفيعة وتفوقوا على أساتذتهم، ومع أن أساتذتهم كانوا مغمورين، إلا أنهم تأثروا بهم. وبغض النظر عن هذا الجواب وقبول إشكال مادلونغ، يمكن القول إن عبارة «وتبعه» تدل على أن تقدم ابن نوبخت الزمني على أبي الحسين أو على الأقل معاصرته له كان أمراً مسلماً في ذهن العلامة الحلي، سواء كانت تأثر أبي الحسين بابن نوبخت صحيحاً أم غير صحيح. إلا إذا طرح أحدهم احتمال خطأ العلامة في تحديد زمن حياة ابن نوبخت، وهذا احتمال ضعيف؛ لأنه يتضح من القرائن أنه لم يكن في زمن العلامة أي شك في اسم ابن نوبخت أو زمنه، ولم يكن هذا البحث مطروحاً أصلاً، وإنما طُرح هذا الشك والتردد فيما بعد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تقدم العلامة الزمني وامتلاكه لمصادر وفيرة لم تصل إلينا يقوي أرجحية رأي العلامة. ٥. يقول العلامة الحلي في المقارنة بين بعض نظريات السيد المرتضى (المتوفى ٤٣٦ هـ) ومؤلف الياقوت: «أما السيد المرتضى فقد استدل على مذهبه»، ثم يقول: «وأبطل الشيخ أبو إسحاق (ره) ذلك». ظاهر هذه العبارة أن مؤلف الياقوت لم يكن يعيش قبل زمن السيد المرتضى – أي قبل أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس – لأنه يقول إن صاحب الياقوت أبطل كلام السيد، فلا يمكن أن يكون قبله. بناءً على ذلك، بعد استعراض الأقوال المتعددة حول زمن كتابة الياقوت، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن هذا الكتاب كتب في حوالي النصف الثاني من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس. ولكن بعد هذا البحث، يجب أن نبحث عن متكلم من بني نوبخت اسمه إبراهيم وعاش في هذه الفترة الزمنية. 

تحديد شخصية المؤلف 

في هذا المجال أيضاً يوجد اختلاف في الآراء؛ لأن عدة أشخاص من بني نوبخت يحملون اسم «إبراهيم»، وهم: ١. إبراهيم النوبختي الذي ذكر الشيخ الطوسي اسمه في كتاب «الغيبة» ضمن ذكر اسم ابنه أحمد بن إبراهيم النوبختي. ولكن هذا الشخص لا يمكن أن يكون مؤلف الياقوت؛ لأنه كما يُفهم من كتاب «الغيبة»، عاش هذا الشخص في زمن الغيبة الصغرى، لأن ابنه أحمد كان معاصراً للشيخ أبي القاسم النوبختي، السفير الثالث في الغيبة الصغرى. ٢. إبراهيم بن جعفر بن أحمد بن نوبخت: ورد اسم هذا الشخص في «أعيان الشيعة»، وهو حفيد إبراهيم النوبختي المذكور في الرقم السابق. يقول العلامة السيد محسن الأمين في ترجمته: «العالم المتكلم الفقيه، وكانت داره بالنوبختية. وهو من أهل المائة الرابعة في طبقة ابن عمته الشيخ أبي نصر هبة الله بن محمد ابن بنت أم كلثوم بنت الشيخ أبي جعفر العَمْرَوي، وهما ممن رويا عن الشيخ أبي القاسم الروحي، وجده أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن نوبخت». ولكن هذا الشخص أيضاً لا يمكن أن يكون مؤلف الياقوت؛ لأنه عاش في النصف الأول من القرن الرابع، لأنه من تلاميذ الشيخ أبي القاسم الروحي النوبختي، السفير الثالث في الغيبة الصغرى، الذي توفي في النصف الأول من القرن الرابع. لذلك، يبدو من المستبعد أن يكون الشيخ المفيد غافلاً عن نظرياته وكتابه، ولم يشر إليه في «أوائل المقالات» عند ذكر آراء بني نوبخت الكلامية. ٣. يحتمل مادلونغ أن يكون مؤلف الياقوت هو إبراهيم النوبختي الذي ذكره عبد الجليل الرازي القزويني في كتاب «النقض» المؤلف حوالي سنة (٥٦٥ هـ). ولكن لا يوجد دليل لإثبات أو نفي هذا الرأي؛ لأن القزويني عند ذكر اسمه لم يشر إلى زمنه. نعم، إن مؤلف الكتاب المناهض للشيعة «بعض فضائح الروافض» الذي جاء كتاب «النقض» رداً عليه، ذكر اسم إبراهيم النوبختي إلى جانب أبي سهل النوبختي وشخصيات كبيرة من متكلمي الشيعة ووصفه بـ«الزنديق»، مما يدل على شخصيته العلمية والكلامية، ولم يكن لأي من إبراهيمات أسرة نوبخت هذه الخصوصية. وبناءً عليه، يتقوى احتمال اتحاد هذا الإبراهيم مع إبراهيم مؤلف الياقوت، ولكنه لا يصل إلى درجة القطع. ٤. أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، حفيد أبي سهل إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت. يعتقد المحدث الكبير الشيخ عباس القمي بهذا الرأي. ولكن هذا القول أيضاً غير مقبول؛ لأنه ورد في التاريخ أن والده، أي أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، مُدح من قبل الشاعر المعروف «البحتري»، ومن جهة أخرى، توفي البحتري سنة ٢٨٣ هـ. وبناءً عليه، فإن إسحاق والد إبراهيم عاش في القرن الثالث، ويجب أن يكون إبراهيم حياً في النصف الأول وربما الثاني من القرن الرابع. أي في طبقة شيوخ الشيخ المفيد مثل ابن قولويه (المتوفى ٣٦٨ هـ) والشيخ الصدوق (المتوفى ٣٨١ هـ)، فلا ينبغي أن يكون الشيخ المفيد غافلاً عن كتاب هذا الإبراهيم. إذن، يبدو أن أياً من أفراد بني نوبخت الذين حملوا اسم إبراهيم ووردت أسماؤهم في التاريخ لا يمكن أن يكون مؤلف الياقوت، ويجب علينا مواصلة هذا البحث. خلاصة البحث: حاصل هذا البحث المتشعب أن اسم مؤلف الياقوت هو إبراهيم بن نوبخت، عاش بين النصف الثاني من القرن الرابع والأول من القرن الخامس، ولكننا لم نتمكن من العثور على شخص بهذه المواصفات. وبالطبع، يتطلب هذا الأمر تتبعاً أكثر؛ لأن «عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود». 

كتب إبراهيم بن نوبخت مؤلف الياقوت 

من المرجح أن عالماً مثل إبراهيم بن نوبخت قد ألف كتباً عديدة، ولكن للأسف، لا نعرف سوى اسمي كتابين من كتبه، وصل إلينا أحدهما فقط. وهما: ١. كتاب الابتهاج: هذا الكتاب، كما يتضح من عنوانه، يتناول بحث لذة الله تعالى. ويشير المؤلف نفسه في كتابه الآخر «الياقوت» عند بحث اللذة إلى هذا الكتاب، فيقول: «وهذه المسألة سطرنا فيها كتاباً منفرداً وسميناه بكتاب الابتهاج». ولكن هذا الكتاب كان مفقوداً في زمن العلامة الحلي، وصرح العلامة بأنه لم يقع في يده. وذكر الآقا بزرك الطهراني اسم هذا الكتاب كالتالي: «الابتهاج في إثبات اللذة العقلية لله تعالى». ولكن في الواقع، هذه الإضافة توضيحية من الآقا بزرك، لأنه لم يكن لديه مصدر للتعرف على هذا الكتاب سوى كتاب الياقوت. في هذا الكتاب، كما يتضح مما ورد في الياقوت، يرى ابن نوبخت أن الله مبتهج وملتذ، وهذا ينشأ من علمه بكماله الأعظم، بدليل أن كل واحد منا يلتذ عند علمه بكماله الناقص. وبناءً عليه، إذا كان الكمال لا متناهياً، فإن الالتذاذ سيتحقق حتماً. وكون لذة الإنسان ناشئة عن اعتدال المزاج لا يوجب نفيها عن الله تعالى لتنزهه عن المزاج؛ لأنه من الممكن أن يكون للشيء الواحد أكثر من علة. وبناءً عليه، من الممكن أن تكون علة لذة البشر شيئاً واحداً وهو اعتدال المزاج، ولكن علتها في الله تعالى شيء آخر وهو العلم بالكمال الأعظم. من جهة أخرى، القائل بلذة الله لا يقول إنه يلتذ بخلق مخلوق حتى يستلزم قدم اللذة قدم ذلك المخلوق فينشأ إشكال قدم العالم، بل المراد أن الله بذاته ملتذ لا بشيء خارج عن ذاته. هذا ملخص مطالب بحث «اللذة» في الياقوت، الذي أحال المؤلف تفصيله إلى كتاب الابتهاج. ٢. كتاب الياقوت في علم الكلام: هذا الكتاب عبارة عن دورة كلامية مكثفة ولكنها كاملة، تناول فيها المؤلف أهم المسائل الكلامية بعبارات مختصرة. وقد حظي هذا الكتاب بعد زمن العلامة الحلي باهتمام خاص من علماء الشيعة، حتى أنه تمت الإشارة إليه في الكتب الفقهية. وحول كتاب الياقوت عدة مباحث: 

أولاً: اسم الكتاب يوجد اختلاف حول اسم الكتاب، الاسم الأول هو «الياقوت»، وهو الاسم الذي اختاره كثير من العلماء والكتّاب. والاسم الآخر هو «فص الياقوت»، ولكن يبدو أن هذا هو اسم شرح ابن أبي الحديد المعتزلي على كتاب الياقوت، حيث سمّى شرحه «فص الياقوت». ودليل ذلك أن المرحوم الأفندي في «رياض العلماء» عند ذكر شرح ابن أبي الحديد على الياقوت يقول: «في البال أنها تسمى: فص الياقوت». وبناءً عليه، فالأرجح أن اسم الكتاب هو «الياقوت». 

ثانياً: الشروح كُتبت عدة شروح على هذا الكتاب. وفي كتاب «إشراق اللاهوت» الذي هو شرح على «أنوار الملكوت»، أشير إلى وجود عدة شروح على الياقوت، ونُقل في هذا الكتاب مطلب من أحد هذه الشروح وتم نقده. ولكننا لا نعلم إلا بثلاثة شروح، وهي: أ) فص الياقوت؛ لابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة. اسم هذا الشرح، كما مرّ أعلاه، مأخوذ من كتاب «رياض العلماء»، وهذا الشرح لم يصل إلينا. ب) أنوار الملكوت في شرح الياقوت؛ للعلامة الحلي، الذي انتهى من تأليفه سنة ٦٨٤ هـ. وهذا الشرح محفوظ، وقد تم تحقيقه من قبل السيد محمد نجمي الزنجاني – مع أخطاء كثيرة – ونُشر سنة ١٣٣٨ هـ.ش. ولكن القسم الأخير منه حُذف لأسباب غير معلومة ولم يُطبع. إلا أن السيد يعقوب جعفري قام بنشر ذلك القسم في مجلة «كلام إسلامي». ومن الجدير بالذكر أن السيد علي أكبر ضيائي قد أعاد تحقيق كتاب «أنوار الملكوت»، ونأمل أن يُطبع قريباً ليعوض نواقص التحقيق السابق. لم يكتفِ العلامة في هذا الشرح بمطالب الياقوت، بل أضاف إليها مطالب أخرى، كما أورد في بعض المواضع إيرادات على المصنف وبيّن رأيه الخاص. وقد كتب السيد عميد الدين أبو عبد الله عبد المطلب بن مجد الدين الحسيني العبيدلي (المتوفى ٧٥٤ هـ) شرحاً على هذا الشرح بعنوان «إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت». وقد شرح فيه متن «أنوار الملكوت» بأكمله تقريباً، فتارة يفصّل البحث، وتارة يكتفي بشرح مختصر، وفي مواضع كثيرة تناول آراء الخواجة الطوسي والفخر الرازي. ج) أرجوزة في شرح الياقوت في علم الكلام؛ للشيخ شهاب الدين إسماعيل بن عودي الأسدي الحلي. حوّل هذا الشرح مطالب الياقوت إلى منظومة شعرية، وقد تم تحقيقه ونشره بقلم السيد محمد رضا الأنصاري القمي – مع أخطاء طباعية وغير طباعية كثيرة، خاصة في الإعراب – ضمن «ميراث إسلامي إيران»، الدفتر الثامن، الصفحات ٥١٣-٥٣٣، سنة ١٣٧٧ هـ.ش. نظم ابن عودي أرجوزته في ٣٢٦ بيتاً. في الواقع، لم يشر في جميع أرجوزته إلى اسم الياقوت أو مؤلفه، والدليل الداخلي الوحيد الذي يمكن إيجاده على ارتباط الأرجوزة بكتاب الياقوت هو مطابقة أشعارها مع مطالب كتاب الياقوت؛ لأن ابن عودي اتبع نفس ترتيب الكتاب تماماً، وأحياناً يذكر عبارة الياقوت نفسها. مثلاً في بحث ابتهاج الله، يقول ابن نوبخت: «دقيقة: والمؤثر مبتهج بالذات… إلخ»، وينظم ابن عودي: دقيقة: الصانع الحكيم مبتهج لأنه عليم هنا، نرى أن كلمة «دقيقة» وردت نفسها في الياقوت والأرجوزة. تجاوز ابن عودي نظم أقسام اعتراضات الياقوت، وأشار إلى شخصيات مثل ابن سينا، والفخر الرازي، وابن محفوظ. يوجد خلاف في الرأي حول لقب وزمن ناظم هذه الأرجوزة، وقد رجّح المحقق المحترم للأرجوزة لقب «الأسدي الحلي» على «العاملي الجزيني»، ورجّح احتمال معاصرة ابن عودي لابن شهر آشوب (المتوفى ٥٨٠ هـ). كان هذا عرضاً لشروح الياقوت. ولكن السيد عبد الله نعمة في «فلاسفة الشيعة» بعد الإشارة إلى شروح ابن أبي الحديد والعلامة والأرجوزة وحتى شرح عميد الدين العبيدلي على أنوار الملكوت، يخبر عن وجود شرح على الياقوت لمؤلف مجهول، فيقول: «وفي مكتبة الحسينية الشوشترية في النجف كتاب شرح الياقوت، مخطوطة سنة ٧٨٧، ولا أعرف لمن هو». بالنظر إلى علم السيد نعمة بشرح العلامة والأرجوزة، فإن ذلك الشرح إما أن يكون «فص الياقوت» لابن أبي الحديد، أو شرحاً رابعاً خفي على الفهرسين. ومن الجدير بالذكر أنه في «معجم التراث الكلامي» ورد تقرير عن وجود نسخة خطية من شرح «أنوار الملكوت» للعلامة في مكتبة الحسينية الشوشترية، ولكن تاريخ هذه النسخة ذُكر أنه سنة ٩٨٩ هـ، وهو يختلف عن سنة النسخة التي رآها السيد نعمة، وربما تكون نسخة أخرى. 

ثالثاً: ترتيب مطالب الكتاب يتمتع النصف الأول من الكتاب بترتيب وانسجام جيدين، ولكن في النصف الثاني تسود الفوضى؛ لأنه بعد انتهاء بحث التوحيد والعدل، يعود المؤلف مرة أخرى إلى مباحث حول العلم والقدرة والحياة. كذلك، بعد انتهاء بحث الوعد والوعيد والدخول في بحث النبوة، يقطع هذا البحث ويدخل في مباحث أخرى مثل الإعادة وبقاء الجواهر، ثم يعود إلى بحث النبوة ويطرح بحث عصمة الأنبياء. يبدو أن سبب ذلك هو أن الكتاب كُتب في فترات زمنية متفاوتة، والشاهد على ذلك قول ابن نوبخت نفسه في بعض المباحث التي نسي أن يوردها في موضعها، حيث يقول: «نكت في التوحيد أغفلناها في بابها»؛ أي أنه نسي إيراد هذه النكت في موضعها، ولذلك أوردها في غير محلها المخصص. 

رابعاً: النسخة المطبوعة من الياقوت طُبع الياقوت بتحقيق السيد علي أكبر ضيائي الذي اعتمد على نسختين خطيتين، سنة ١٤١٣ هـ. ولكن، مرة أخرى، ومثل «أنوار الملكوت»، حُذف القسم الأخير من الكتاب – أي قسم: «في أحوال المخالفين» – لسبب غير معلوم، وكان من الأجدر توخي دقة أكبر. وقد طُبع ذلك القسم المحذوف في «إشراق اللاهوت» – الذي حققه السيد ضيائي نفسه بالمناسبة. 

أهم مطالب الكتاب 

أهم عقائد ابن نوبخت الكلامية هي كالتالي: ١. نظرية التوليد: كان يعتقد بنظرية التوليد، ويرى أن مولِّد النظر هو العلم. ٢. إثبات الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد. ٣. جواز خلو الأجسام من الطعم واللون والمذاق: اتفق المعتزلة على هذه المسألة، وخالفهم الأشاعرة. ٤. ضرورة وجود الخلاء: قال بضرورة وجود الخلاء تبعاً لجميع المتكلمين. ٥. حدوث العالم: من عقائده الأخرى حدوث الأجسام الذي يساوي حدوث العالم، وقد طرح الدليل الذي يذكره المتكلمون بعد إزالة نقاط ضعفه. ٦. عدم وجوب أبدية العالم، خلافاً للفلاسفة. ٧. وجود كل شيء عين ماهيته. ٨. الإرادة تعني العلم بالداعي الذي هو المصلحة. ٩. المتكلم هو فاعل الكلام، ويبطل الكلام النفسي للأشاعرة. ١٠. بطلان القول بالمعاني القديمة، خلافاً للأشاعرة. ١١. استحالة الرؤية على الله، خلافاً للأشاعرة والمجسمة. ١٢. الله مبتهج بالذات: يوافق ابن نوبخت الفلاسفة في هذه المسألة ويخالف جميع المتكلمين. ١٣. الحسن والقبح العقليان، خلافاً للأشاعرة. ١٤. بطلان الكسب الأشعري. ١٥. بطلان نظرية الإحباط، خلافاً لأكثر المعتزلة. ١٦. الإيمان عبارة عن التصديق، فإذا ارتكب المؤمن ذنباً صار فاسقاً، ولكنه لا يخرج من الإيمان. 

في الختام، نأمل أن نكون قد خطونا خطوة في التعريف بهذه الشخصية النوبختية العظيمة، وإن لم يكن هذا نهاية المطاف، فمن الممكن أن نتوصل في المستقبل إلى المزيد من النقاط حول شخصية إبراهيم بن نوبخت. 

قائمة المصادر 

  • الشيخ الطوسي، تمهيد الأصول في علم الكلام، تصحيح عبد الحسين مشكاة الديني، جامعة طهران، ١٣٦٢ هـ.ش. 
  • شيعة در حديث ديگران، بإشراف الدكتور مهدي محقق، ترجمة أحمد آرام، طهران، ١٣٦٢ هـ.ش، الناشر: دائرة المعارف الإسلامية الكبرى. 
  • مارتن مكدرموت، نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد، ترجمة علي هاشم، منشورات مؤسسة البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة، الطبعة الأولى، ١٣٧١ هـ.ش. 
  • العلامة الحلي، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، تحقيق محمد نجمي، منشورات الرضي – منشورات بيدار، الطبعة الثانية، ١٣٦٣ هـ.ش. 
  • الخواجة نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، منشورات دار الأضواء، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.ق – ١٩٨٥ م. 
  • العلامة السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، تصحيح حسن الأمين، منشورات دار التعارف للمطبوعات، بيروت – لبنان. 
  • الباقلاني، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تصحيح الشيخ عماد الدين أحمد حيدر، منشورات مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.ق – ١٩٩٣ م. 
  • عباس إقبال الآشتياني، خاندان نوبختى، طهران – مطبعة مجلس، ١٣١١ هـ.ش. 
  • العلامة المجلسي، بحار الأنوار، منشورات مؤسسة الوفاء، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، مصححة، ١٤٠٣ هـ.ق. 
  • الشيخ الطوسي، كتاب الغيبة، منشورات مكتبة نينوى الحديثة – طهران – ناصر خسرو – مروي. 
  • السيد حسن الصدر، الشيعة وفنون الإسلام، بمقدمة الدكتور سليمان دنيا، منشورات مكتبة الأندلس – بغداد. 
  • القزويني الرازي، النقض، تصحيح الأستاذ جلال الدين محدث، منشورات جمعية الآثار الوطنية، ١٣٥٨ هـ.ش. 
  • الشيخ الحر العاملي، أمل الآمل، تصحيح السيد أحمد الحسيني، منشورات مكتبة الأندلس – بغداد. 
  • عميد الدين العبيدلي، إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت، تصحيح علي أكبر ضيائي، الناشر: ميراث مكتوب. 
  • الشيخ عباس القمي، الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، طهران، بمقدمة محمد هادي الأميني. 
  • مجلة «كلام إسلامي»، السنة الأولى، العدد الثاني. 
  • أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت، الياقوت في علم الكلام، تصحيح علي أكبر ضيائي، منشورات مكتبة آية الله المرعشي – قم المقدسة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.ق. 
  • عبد الله نعمة، فلاسفة الشيعة، حياتهم وآراؤهم، دار الكتاب الإسلامي، قم – إيران، الطبعة الأولى، ١٩٨٧ م. 
  • ابن عودي، أرجوزة في شرح الياقوت في علم الكلام، تحقيق محمد رضا أنصاري قمي (ضمن مجموعة ميراث إسلامي إيران، تحقيق: رسول جعفريان، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الأولى، ١٣٧٧ هـ.ش، الدفتر الثامن). 
  • معجم التراث الكلامي، تأليف اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (ع)، بإشراف الشيخ السبحاني، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (ع)، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.ق. 
  • ابن أبي الحديد (ت ٦٥٦ هـ)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، ١٣٧٨ هـ.ق / ١٩٥٩ م، بيروت. 
  • الزركلي، الأعلام، منشورات دار العلم للملايين، بيروت / لبنان، الطبعة الخامسة، ١٩٨٠ م. 
  • المدني الشيرازي، السيد علي خان (ت ١١٢٠ هـ)، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (ع)، تحقيق السيد محسن الأمين، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الرابعة، محرم ١٤١٥ هـ.ق، قم. 
  • الشيخ المفيد، أوائل المقالات، تصحيح إبراهيم أنصاري، منشورات دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.ق. 
  • الذهبي، سير أعلام النبلاء، إشراف وتخريج شعيب الأرنؤوط، تحقيق حسين الأسد، منشورات مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان، الطبعة التاسعة، ١٤١٣ هـ.ق. 
  • الحلي، حسن بن يوسف بن مطهر الحلي (ت ٧٢٦ هـ)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق حسن حسن زاده آملي، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة السابعة، ١٤١٧ هـ.ق، قم. 
  • الدكتورة زابينه اشميتكه، انديشه هاى كلامى علامه حلى، ترجمة أحمد نمايي، مؤسسة البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة، الطبعة الأولى، ١٣٧٨ هـ.ش. 
  • المازندراني، الملا صالح (ت ١٠٨١ هـ)، شرح أصول الكافي، تحقيق السيد علي عاشور، مع تعليقات العلامة الميرزا أبو الحسن الشعراني (ت ١٣٩٣ هـ.ق)، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.ق / ٢٠٠٠ م، بيروت. 
  • السيد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام، تصحيح السيد أحمد الحسيني، منشورات جماعة المدرسين، ١٤١١ هـ.ق. 

 

Scroll to Top