الملخص: يشتمل هذا المقال على سبعة مقاطع، استلّها الكاتب من إجازات الرواية التي منحها عدد من علماء الشيعة الإمامية للميرزا محمد علي الأردوبادي ، أمثال: الميرزا محمد الطهراني العسكري، والشيخ آقا بزرك الطهراني، والشيخ أسد الله الزنجاني، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد أحمد الجزائري الشوشتري. يطالع القارئ في هذا المقال مطالب عديدة حول علماء الشيعة في سامراء وخوزستان وزنجان في القرن الرابع عشر ، وبخاصة الميرزا حسين النوري الطبرسي ، ومباحث في علم الحديث والاجتهاد والفهرسة والأحاديث المتعلقة بتدوين الحديث.
المقطع الأول
تقرير عن سامراء ونخبة من علمائها في أوائل القرن الرابع عشر بقلم آية الله الميرزا محمد الطهراني العسكري
إشارة
يستند هذا المقال إلى إجازة الرواية التي أصدرها آية الله الميرزا محمد العسكري في عام ۱۳۵۴ هـ لثلاثة من العلماء المحققين الأجلاء، وهم: الشيخ محمد علي الأردوبادي، والشيخ عبد الحسين الأميني التبريزي، والمولى علي الخياباني. تتضمن هذه الإجازة نكاتٍ وفيرة في التعريف بعلماء سامراء ومراجعها في النصف الأول من القرن الرابع عشر ، وهي رواية مباشرة عن سامراء وعلمائها قلّما نجد مثيلاً لها في المصادر الأخرى. يمكن لهذا المقال أن يكون مرآة لمراكزنا التعليمية والبحثية اليوم؛ لنوقن أن الإمكانيات المتنوعة لا تؤتي أكلها من دون همّة وإرادة وإخلاص، كما أن الأعمال القليلة التي أثمرت، إنما كانت في ظل تلك السجايا لا الإمكانيات.
الميرزا محمد حسن الشيرازي
هو أعظم مشايخي وأفقههم وأعلمهم، فريد دهره ووحيد عصره -بل العصور- ونادرة الزمان، الذي لم يرَ الدهر له مثيلاً في العلم والزهد والتقوى وحسن الأخلاق. كان للأيتام أباً رحيماً، وللأرامل زوجاً عطوفاً. لقد عمّر سامراء وأحيا فيها آثار التشيع. وقد وفّقتُ لحضور دروسه في الفقه والأصول والكلام، برفقة نجله العالم الميرزا علي الشيرازي -أدام الله تعالى أيامه-. وكان لي في محضره آنذاك بحث خاص يبدأ من ساعة ونصف بعد المغرب ويمتد إلى أربع ساعات.
ومن نعم الله تعالى التي خصّنا بها منذ نعومة أظفارنا، أني كنت نفوراً من الناس، محبّاً للاعتزال عنهم ؛ لأني كنت أرى أن السلامة من الوقوع في الغيبة في معاشرة أهل هذا الزمان أمر عسير. وكنت أسأل الله تعالى أن يرزقني بحثاً خاصاً عند من تذكّرني رؤيته بالله، ويرغّبني عمله في الآخرة، ويزيد كلامه في علمي، كما ورد في أخبار الأمر والنهي عن المجالسة. إلى أن رزقني الله تعالى الحضور عند ذلك الأستاذ الكبير. ولم يبقَ من تلامذته أحد سواه ونجله العالم السيد علي -دامت أيامه-. كانت له كرامات ظاهرة، وقد جمعتُ شطراً منها. أسأل الله تعالى إن أمهلني الأجل أن أكتب رسالة في ترجمته لتكون دستوراً للعلماء الأصفياء ؛ عساني أؤدي بعض حقوقه -قدس سره-، وهي نكات عرفتها خلال ما يقرب من عشرين عاماً من معاشرتي له.
المحدث النوري
هو الإمام الهمام، علّامة علماء الإسلام، ووحيد عصره، ومجلسي زمانه، الخبير بفنون الفقه والحديث والتفسير، وأفضل أهل زمانه في علوم الحديث التي كان ضليعاً فيها. وهو صاحب الآثار الفائقة، ومنها “مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل”، الذي كابد في تأليفه المشاق، فأحيا الليالي وأتعب الأيام حتى دوّن هذا الكتاب، واستدرك فيه على مدى عشرين عاماً الأحاديث التي فاتت صاحب “الوسائل”. وكنتُ أحياناً أساعده في هذا العمل. وقد انتهى هذا الكتاب بانتهاء عمر مؤلفه. فما أن صدر الكتاب من قلمه الشريف وأتم تأليفه، حتى ذاع صيته في كل مكان ؛ فاشتهر كالشمس في رابعة النهار، وأجمع كافة العلماء الأصفياء على مطالعته والاستفادة منه واستنباط الأحكام منه ؛ حتى إن اثنين من أكابر الفقهاء، وهما: فخر المحققين، والمدرس الكبير في الحوزات العلمية، المولى محمد كاظم الغروي الهراتي الخراساني صاحب “كفاية الأصول”، وأستاذنا خاتمة المحققين والمجتهدين، الميرزا محمد تقي الحائري العسكري الشيرازي، كانا لا يريان جواز الاستنباط والفتوى دون الرجوع إليه.
وقد حضرتُ دروسه في الدراية والرجال، وقرأتُ عليه قسماً من كتاب “الوسائل” لتطبيق قواعد هذين العلمين عليه. ولازمته سنين طوالاً في السفر والحضر ، وما جلست إليه قط إلا وتعلمت منه علماً جديداً. وكان لذلك الكبير -قدس سره- اهتمام عظيم بقضاء حوائج المؤمنين، لا سيما طلبة العلم. وفي يوم من الأيام، رأى مني بعض التباطؤ في قضاء حاجة شخص كان قد أمرني بها ، فقال لي حينها: “ليس في المستحبات الشرعية ما هو أفضل من زيارة الإمام الحسين ، إلا أن قضاء حاجة المؤمن أفضل منها”. وقد عثرتُ بعد هذا الكلام على خبر بهذا المضمون. وكان المحدث النوري يقول أيضاً: “أحياناً تقضي حاجة مؤمن، فتوفّق في تلك الليلة لفهمٍ لمسألة، هو أفضل مما كنت تفهمه في الليالي الأُخَر”. وكان الأستاذ يستحسن مني أني لا أعاشر إلا أمثاله. وأنشدني يوماً هذا البيت: وكن طيراً سماوياً … فعش فرداً وطب نفساً
كان المحدث النوري دائم الوضوء، حتى إنه في مرة ذهبنا معه لزيارة السيد محمد نجل الإمام الهادي (ع). وكانت الأرض كثيرة السدر، ونزلنا وبحوزتنا ماء قليل. فأراد أن يتوضأ، وفي تلك الحال كان ينزع الحصى من قدمه ويزيل الدم عنها، ثم يطهّرها ويتوضأ، ولم يبقَ في ذلك الوقت أيضاً بلا وضوء. وكان يتهجد ويقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي في السرداب المقدس في ليالي شهر رمضان. وكان المرحوم النوري حريصاً جداً على عمره، فلا يصرف دقيقة منه إلا فيما ينفعه لآخرته. وكان سبّاقاً إلى الخيرات، تراه يسعى فيها سعى الفارس المسرع.
تقرير عن سامراء في أوائل القرن الرابع عشر
وا أسفاه على مفارقة أمثال هؤلاء الأكابر الذين كنت في صحبتهم كأني في جنات تجري من تحتها الأنهار. كنت أجتني من أغصان شيمهم الرفيعة أطيب الثمار ، وأستضيء بأنوار علومهم، وأستفيد من حسن أخلاقهم، وأتأدب بآدابهم الحسنة، كما قيل: إن الطبع يكتسب من كل مصاحبة نصيباً. كانوا علماء أبراراً أتقياء، مجاهدين أهل رياضة للنفس، تذكّرك رؤيتهم بالله، وترغّبك صحبتهم في الآخرة، ويزهّدك عملهم في الدنيا، ويزيد التحدث معهم في علم السامع. كانت تلك الفترة شبيهة جداً بصدر الإسلام. ففي الناحية المقدسة (سامراء)، وللاستفادة من سيدنا الأستاذ الأعظم المجدد الميرزا الشيرازي، اجتمع أكمل العلماء في كل فن من فنون العلوم الإسلامية، وأفضل الأفراد في كل علم ديني. فإذا احتاج أحدنا إلى مطالب تتعلق بالتفسير أو المعارف، قصد أستاذنا العالم العامل والإنسان الكامل المولى فتح علي السلطان آبادي، الذي كان أكمل أهل زمانه في تلك الفنون. وإذا احتاج إلى مطلب يتعلق بعلوم الحديث وتمييز غثّه من سمينه وصحيحه من سقيمه، تعلمه من الأستاذ الإمام الهمام المحدث العلامة الطبرسي صاحب “مستدرك الوسائل”. وإذا استعصت عليه معضلة من دقائق الفقه والأصول ، حلّها عند أستاذنا الأكبر خاتمة المحققين الآقا ميرزا محمد تقي الشيرازي. وكان سيدنا الأستاذ الأعظم (الميرزا الشيرازي) أسمى منهم جميعاً، وجامعاً لكل تلك العلوم ، كما قال الشاعر: ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
المولى حسين قلي الهمداني
من مشايخي الآخرين، العالم العامل والمحقق الورع الكامل، التقي النقي، الصفي الوفي، صاحب الكرامات الظاهرة، المولى حسين قلي الهمداني، وهو من أكبر تلامذة المحقق الأنصاري. حضرتُ في خدمته عام ۱۳۰۰ هـ في النجف الأشرف، واستفدت من درس أخلاقه ما يقرب من عام واحد. لم أرَ كلاماً أشد تأثيراً من كلامه، فقد كانت القلوب القاسية التي هي أشد من الصخر تخشع لسماع مواعظه.
المولى فتح علي السلطان آبادي
هو جمال العارفين ومصباح المتهجدين، العالم العامل والإنسان الكامل، الزاهد العابد، المولى فتح علي السلطان آبادي. كان مربياً للعلماء العاملين، ومن الواصلين إلى مرتبة اليقين. كنت أرى أستاذنا العلامة الطبرسي صاحب المستدرك، على الرغم من مهارته وتبحره في كل العلوم، يجلس بين يديه كالصبي أمام معلمه. وكان أحياناً في السفر أو الحضر يتقرب إلى الله بخدمته وأداء حقه. وقد نال من كل علم جوهره. وذكر المحدث النوري شطراً من كراماته في كتابيه “دار السلام” و “كلمة طيبة”. وقد صحبته طوال مدة إقامته في سامراء، فقد هاجر إلى كربلاء بعد عام من وفاة سيدنا الأستاذ الأعظم الميرزا الشيرازي، وتوفي بها، ونُقل جثمانه إلى النجف ودُفن في حجرة تقع على يسار الداخل من الباب المشهور بـ “الباب السلطاني”. وفي تلك الحجرة دُفن جماعة من العلماء، مثل السيد صدر الدين العاملي، والمولى محمد حسين الأصفهاني صاحب المقالات العالية في العلم والزهد والتقوى، نجل الشيخ الجليل الشيخ محمد باقر، حفيد المولى محمد تقي الأصفهاني صاحب الحاشية المفصلة على “المعالم”، وغيرهما من الأكابر. وقد كتب أستاذنا العلامة الطبرسي المحدث النوري على قبره الشريف: “هذا قبر العالم العامل والإنسان الكامل…..”. وكنتُ أنا أيضاً أسارع إلى خدمته، وأتقرب بذلك إلى الله تعالى؛ رجاء أن أحظى منه بدعوة في حقي، وأملاً أن يلحقني الله بهم.
الميرزا حسين الخليلي
ومن مشايخي الآخرين، العالمان العلّامتان، وحيدا العصر وفريدا الدهر، فقيهَا أهل البيت، اللذان أجازاني إجازة كلية تامة في جميع تصانيف علماء الإسلام -من الخاصة والعامة- في النحو والصرف والمنطق واللغة والمعاني والبديع والبيان والكلام والتفسير والفقه والأصول والمعارف والأخلاق والدعاء والتاريخ وكل ما كُتب في علوم الإسلام. وقد أجازني في عام ۱۳۲۵ هـ عند تشرفي لزيارة الغدير في الحرم العلوي المطهر، ثم أرسل لي إلى سامراء نسخة مكتوبة منها، مؤرخة في ۱۴ صفر ۱۳۲۵ هـ. وقد أشار في نص إجازته المكتوبة لي إلى إجازته للحاج محمد حسن كبة، والتي أوردت نصها الكامل في المجلد الرابع من “مستدرك مجلد إجازات بحار الأنوار” الذي كتبته استدراكاً على بحار جدي العلامة المجلسي.
السيد أبو تراب الخوانساري
ومن مشايخي في الإجازة أيضاً، العالم العلّامة، الحبر المتجر الفهّامة، جامع المعقول والمنقول، العارف بالفروع والأصول، الضليع في كل العلوم، سيد المحققين الحاج السيد أبو تراب الخوانساري، صاحب كتاب “سبيل الرشاد في شرح نجاة العباد” الذي طُبع منه كتاب الصوم وكتاب الميراث. وقد أجازني ذلك الفقيد -قدس سره الشريف- عند تشرفه لزيارة العسكريين في ۲۷ ذي القعدة ۱۳۲۹ هـ.
إجازة للمولى علي الخياباني والعلامة الأميني
وبالطرق التي أجازني بها السيد أبو تراب الخوانساري والميرزا حسين الخليلي، أجزتُ بالإضافة إلى الشيخ محمد علي الأردوبادي، المولى علي التبريزي الخياباني والميرزا عبد الحسين التبريزي. وقد طلب مني المولى علي التبريزي الإجازة كتابةً منذ سنوات، وتشرفتُ بخدمة الميرزا عبد الحسين التبريزي في زيارة الغدير هذا العام ۱۳۵۴ هـ فطلب مني الإجازة أيضاً. وها أنا أجيزهما بتاريخ يوم الإثنين ۲۶ جمادى الأولى عام ۱۳۵۴ هـ في مسقط رأس حجة الله [عجل الله فرجه] -أي مدينة سامراء-.
المقطع الثاني
نكات في علم الحديث بقلم الشيخ آقا بزرك الطهراني
إشارة
من بين مئات إجازات الرواية التي صدرت عن شيخ المحدثين الشيخ آقا بزرك الطهراني، يتميز بعضها بميزة خاصة. ومنها هذه الإجازة التي منحها للعلامة المحقق الميرزا محمد علي الأردوبادي بتاريخ الخميس آخر شهر ربيع الآخر أو أول جمادى الأولى عام ۱۳۵۴ هـ. تشتمل مقدمات هذه الإجازة على نكات في علم الحديث ذات أهمية كبيرة على الرغم من إيجازها ، ولهذا قمنا بترجمتها.
۱. لا يخفى على الباحث في أحوال الرواة المتقدمين وأصحاب الأئمة الطاهرين والعلماء الأبرار (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) أنهم أولوا اهتماماً خاصاً وعناية فائقة لقيمة الحديث ومكانته. وكان هذا الاهتمام نتيجة اتباعهم لتعاليم النبي وآله -صلى الله عليهم أجمعين- ، وامتثالهم للأوامر الأكيدة الصادرة عن الأئمة الأطهار في التشجيع على كتابة الأحاديث ونشرها وتداولها، بأساليب القراءة والسماع والرواية والتحديث. كما حث الأئمة على أمور تتعلق بمتون الأحاديث، مثل: حفظها وضبطها والوصية بها للورثة.
۲. بناءً على ذلك، قام العلماء المحدثون بواجبهم تجاه هذه التعاليم الشريفة ، وبذلوا جهوداً ثمينة في سبيل تدوين الأحاديث في “الأصول الأربعمائة” المعتمدة وغيرها من الكتب المؤلفة في عصر حضور الأئمة، والتي تجاوز عددها ستة آلاف كتاب. ثم سعوا لترتيبها وتبويبها في المجاميع القديمة، والتي بقي منها الآن أربعة كتب متاحة (الكتب الأربعة).
۳. ومن بين المجاميع الحديثية التي دوّنها المحدثون المتقدمون استناداً إلى الأصول الأربعمائة، وكذلك الأصول المذكورة نفسها، بقي بعضها كما هو، بينما ضاع البعض الآخر في خضم التحولات المختلفة وزال أثره ، أو هو على وشك الاندثار وقد نسجت عليه العناكب خيوطها في زوايا الإهمال. ولعل سبب ذلك هو تعامل بعض العلماء المتأخرين، أي: قلة الاهتمام ، وتقاصر الهمم، وعدم مراعاة قانون “الأهم فالأهم”. وهذا وضع مؤسف. وقد قال البعض إن سبب هجران الأصول هو الشعور بالاستغناء عنها؛ لوجود متون أحاديثها في المجاميع الحديثية اللاحقة بشكل مرتب ومبوب. وفي هذه الحالة، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا ضاع أكبر وأهم المجاميع القديمة، وهو كتاب “مدينة العلم”، ولم يصل إلينا؟ كان هذا الكتاب من آثار الصدوق، وحجمه يقارب مرتين ونصف حجم كتاب “من لا يحضره الفقيه” ، كما ذكر الشيخ الطوسي قائلاً: “مدينة العلم عشرة أجزاء، ومن لا يحضره الفقيه أربعة أجزاء”. ويُحتمل أن هذا الكتاب كان موجوداً حتى زمن قريب من عصر الشيخ حسين بن عبد الصمد (والد الشيخ البهائي، المتوفى عام ۹۸۴ هـ) ، حيث يقول في كتابه “وصول الأخيار”: “كتبنا المحورية الخمسة هي: الكافي، ومدينة العلم، والفقيه، والتهذيب، والاستبصار”. وكذلك الحال مع أكبر التفاسير، أي “تبيان القرآن” للشيخ الطائفة، وكتب أخرى لم تصلنا الآن.
۴. على أي حال، فإن أدلة الاشتراك في التعاليم الإلهية الخالدة لا تترك عذراً لمن يسلك طريقاً غير طريق الأكابر المتقدمين، وهو الطريق المستقى من التعاليم المقررة في شأن الحديث ، أي: أخذه وكتابته وتحمله وروايته. فهذه التعاليم الإلهية لم تترك لأحد مجالاً للإهمال والتقاعس في هذا الأمر، ولم ترخص لأحد بالغفلة عن هذا الأمر المهم إلى آخر أيام الدنيا.
۵. وهذا الوجوب أثقل علينا بصفة خاصة؛ لأن شكر المنعم واجب عقلاً ؛ ذلك أننا نأخذ أحاديث الأئمة الأطهار من كتب استقاها علماؤنا المتقدمون من الأصول الأربعمائة ودونوها. ونحن ننظر إليها بعين القبول ونضعها على رؤوسنا ، ونتسلم هذه الأمانة منهم لنوصلها إلى الأجيال القادمة. لقد دوّن العلماء المتقدمون هذه الكتب خدمةً للدين، وهم يرجون ثوابهم من الله العظيم، والله غني عن عملهم. فنتيجة عملهم تعود إلينا وحدنا، ولا يستفيد من خدماتهم أحد سوانا. لقد عمل أولئك العلماء الأجلاء طوال أعمارهم لخدمتنا ، فهم بذلك أولياء نعمتنا الذين بسطوا لنا موائد إحسانهم التي ننهل منها، ونستقي منها أصناف معارفنا ووسائل سعادتنا في الدنيا والدين. لذا، وبحكم العقل المستقل الذي نثبت به جميع أصول ديننا وفروعه، نرى شكر المنعم واجباً علينا. ومن هذا المنطلق، يقع على عاتقنا واجب عقلي، وهو أن نعرب لهم عن شكرنا اللساني والعملي، وأن نُجلّ على الصعيد العالمي جهود هؤلاء الرجال الرواد، ونعظّم إحسانهم إلينا، ونقدّر المشقات الشديدة والمتاعب الجسيمة التي تكبدوها ليوصلوا إلينا هذه الهدايا الإلهية الثمينة.
۶. الواقع أننا قصّرنا في حفظ هذه الأمانة العظيمة ونسخها ونشرها، حتى ضيّع الزمان جزءاً منها. ونحن نعتذر إلى أولئك العلماء المتقدمين وإلى الله تعالى عن نعمة أوصلوها إلينا بجهودهم القيمة، لكننا لم نصنها. قد نبرّئ أنفسنا من التقصير، ونعزو ضياع تلك الكتب والموروثات الثقافية إلى أن التقدير خالف التدبير ؛ أو أن عوامل أخرى لم تكن مواتية لنا، فوقعنا في القصور. ولكننا على يقين بأن الله تعالى لم يتركنا وشأننا، وأن العقل يرشدنا إلى سبيل الرشد والهداية، وهو أن نؤدي واجبنا في حدود المستطاع والمقدور في جميع الأمور.
۷. فبفرض عجزنا عن استنساخ ما تبقى من كتب الحديث وطبعها ونشرها، فإن العقل لا يجيز لنا أن نترك واجباتنا تجاه مؤلفي هذه الكتب من باب شكر نعمتهم ولا نؤديها. بل يجب علينا بحكم العقل أن نهتم بحفظ كتب الحديث التي بقيت بعينها ، وأن ننقلها بكل ما أوتينا من قوة إلى الأجيال اللاحقة.
۸. وللحفاظ على أعيان الكتب، ينبغي تنظيم جهود، منها:
- جمع نسخ تلك الكتب بكل الوسائل الممكنة.
- حفظها في الخزائن والمكتبات المخصصة لصون هذه الموروثات.
- صيانة الكتب من عوامل التلف والضياع.
- انتزاعها من أيدي غير المؤهلين وإعادتها إلى أهلها.
- عدم منع أهل العلم من الاستفادة من هذه الكتب.
- المداومة على قراءة هذه الكتب.
- سماعها في مجالسها الخاصة.
- تخليد ذكرها، ببيان أسمائها ومواصفاتها ومزاياها.
- نقل هذه الكتب إلى الأجيال القادمة لتنتفع بها وتستفيد منها. وللحفاظ على أسانيد الكتب وتوثيقها، يجب بذل جهود، منها:
- الرواية عن المؤلفين.
- تحمّل الكتب عنهم.
- الأخذ عن المؤلفين، ولو بوسائط كثيرة. وينبغي أن يتم هذا العمل بإحدى طرق التحمل المشهورة، والإجازات تسهل هذا الطريق الذي يترتب على الرواية، فتخرجها من حد الإرسال وتدخلها في حيز المسندات ، وتصونها من عدم الاعتبار وتزيد في وثوقها واطمئنانها واعتبارها.
۹. ومن البديهي أن هناك فرقاً في درجة الاطمئنان بين كلام من تُلقّي عنه بطريق السماع، وما وصل إلينا عن طريق كتابته. فالخط يكشف عن نكات لا يوصلها السماع. ولهذا، فإن ما يقتضيه الشرع وتشجع عليه الأحاديث الشريفة هو الرواية والتحمل عن المؤلف والراوي بأسانيد تزيد الوثوق والاطمئنان. وهذا هو الدرس الذي علمنا إياه سلفنا الصالح منذ عصر حضور الأئمة الأطهار إلى يومنا هذا. ومما لا شك فيه أن الرواية والتحمل لا يصدقان ولا يتحققان خارجاً إذا وجدنا كتاباً عند شخص دون أن يكون له طريق رواية إلى مؤلفه. فلا يمكن القول إن واجد الكتاب بهذا الشكل قد تحمل الكتاب ورواه وأخذه عن مؤلفه. فكل أهل العلم والعرف واللغة يكذّبون قول هذا القائل. وإذا قال: “حدثني مؤلف هذا الكتاب”، أو قال: “روي لي”، أو قال: “أخبرني بكذا”، يصدّقونه في الحال إذا قال: “روى المؤلف في كتابه”، أو قال: “حدث أو أخبر فيه بكذا”، دون أن يضيف الجملة إلى نفسه.
۱۰. وبناءً على ذلك، إذا ثبتت نسبة الكتاب إلى مؤلفه في نظر واجده، وكان المؤلف جامعاً لشروط القبول، فإن روايته في كتابه تكون حجة لواجد الكتاب، ويمكنه العمل بها. ولا يُشترط في جواز العمل بها أن يكون واجد الكتاب راوياً له أيضاً. نعم، إذا كان له طريق تحمل عن المؤلف، جازت له روايته عنه أيضاً، فيقول: “حدثني المؤلف”، أو يقول: “روي لي بكذا”. فالتحمل عن المؤلف ليس شرطاً في جواز العمل بما رواه المؤلف في كتابه، بل هو شرط في جواز رواية الآخرين عنه.
۱۱. ومن هنا يتضح خطأ رأي القائلين بعدم الحاجة إلى الإجازة في الرواية، أو أن الإجازة للتبرك والتيمن. ومراد هؤلاء هو عدم الحاجة إلى الإجازة في مقام الحجية وفي مقام جواز العمل بالرواية. وفي نظر هؤلاء، فإن الذين لا يكتفون بـ “الوِجادة” إنما هو في مقام جواز الرواية عن المؤلف؛ لأن الرواية عن المؤلف بمجرد “الوِجادة” ليست من طرق التحمل. فما هو ضروري في الرواية عن شخص ما، هو أن يكون هناك طريق صحيح للرواية عنه، حتى في الكتب التي تواترت نسبتها إلى مؤلفيها ؛ لأن مجرد “الوِجادة” في تلك الكتب لا يصحح الرواية عن مؤلفيها.
۱۲. نعم، لا حاجة في الكتاب المتواتر إلى رواية عن مؤلف معين من حيث تحمل الآحاد الشخصي عن المؤلف، كما يحتاج إلى هذه الرواية كتاب ذو نسبة غير متواترة ؛ لأن تواتر الكتاب عن المؤلف لا يتحقق إلا بتواتر التحمل عنه بطريق الإعلام. وعندما يحصل التحمل التواتري عن المؤلف، فلا حاجة إلى تحمل آحادي آخر. وكلام صاحب “المعالم” وغيره ناظر إلى هذا المطلب، حيث قالوا: إن الرواية عن الكتب الأربعة المتواترة لا تحتاج إلى إجازة، وفائدتها للتبرك فقط. مرادهم أن صدق عنوان التحمل عن المؤلف لا يستلزم إجازة شخصية من شيخ رواية معين حتى يتحقق شرط جواز الرواية. وفي الواقع، التحمل عن المؤلف في المتواترات هو نفس تواترها. وليس مرادهم أن الرواية في المتواترات عن المؤلف جائزة بمجرد “الوِجادة”، حتى مع فرض عدم وجود أي طريق للتحمل، كما توهم البعض. بل عدم الحاجة إلى طريق تحمل يعود إلى أن طريق التحمل في المتواترات حاصل ؛ لأن تواتر نسبة الكتاب إلى مؤلفه في جميع الطبقات لا يتحقق خارجاً إلا بإعلام المؤلف نفسه لجميع الأفراد الذين تحقق التواتر بهم في الطبقة الأولى، وإن لم يجزهم صراحة. وبهذا الإعلام، يروي أهل كل طبقة الكتاب عن مؤلفه، وهو بإجماع الآراء أحد طرق التحمل.
۱۳. وهكذا تتحمل الطبقة الأولى الكتاب عن المؤلف. ثم يخبرون عدد التواتر من الطبقة الثانية بأن هذا هو الكتاب الفلاني الذي نرويه عن مؤلفه بإعلامه هو لنا. وبهذا الكلام، تروي الطبقة الثانية الكتاب عن الطبقة الأولى. وهكذا يصل إلى الطبقة الثالثة والطبقات الأخرى، حيث يقول كل منها نقلاً عن عدد التواتر، إن كتاب “الكافي” مثلاً هو من تأليف الشيخ الكليني. وهذا القول الذي تقوله كل طبقة للطبقة التي تليها هو إعلامهم لنا، وهو طريق تحملنا لذلك الكتاب. وهذه الإعلامات في كل طبقة لا تتضمن الإجازة. فروايتنا لكتاب “الكافي” عن مؤلفه (ثقة الإسلام الكليني) لا تحتاج إلى إجازة شخصية آحادية أخرى؛ لوجود طريق إعلامي متواتر لنا، لا لأن مجرد “الوِجادة” تكفي فيه، فالوِجادة ليست من طرق التحمل، والرواية بدون تحمل كذب صريح.
۱۴. يطلب منا الشرع أن نجعل جواز الرواية موقوفاً على أحد طرق التحمل. ولذا جرت السيرة على التحمل بهذا الاهتمام الجاد، حتى إنهم كانوا يتجشمون عناء الأسفار الطويلة لتحمل الأسانيد. وحتى في الحالات التي لم يكن السفر والهجرة ممكناً، كانوا يطلبون الإجازة عن طريق المكاتبة والمراسلة. وبطبيعة الحال، كانوا يسعون للحصول على طرق أكثر، قدر الإمكان، لزيادة الوثوق والاطمئنان، ولم يكتفوا بشيخ حديث واحد أو اثنين، بل بعشرة وعشرين شيخاً. وأحياناً كان عدد مشايخ الراوي الواحد يتجاوز العشرات، كما نرى في مشايخ الشيخ الصدوق، والشيخ التلعكبري، وأبي المفضل الشيباني وأمثالهم.
المقطع الثالث
نكات في الاجتهاد بقلم الشيخ أسد الله الزنجاني
لقد ذكر المرحوم الأردوبادي في إجازة غير منشورة أصدرها لآية الله السيد محمد هادي الميلاني، وعدد فيها ستين من مشايخه، الشيخ أسد الله الزنجاني بوصف “العلامة المدقق حجة الإسلام الشيخ أسد الله الزنجاني”. إن تذكيراته المشفقانة في هذه السطور جديرة بالقراءة، والتقرير الذي يسرده في نهاية هذا المقطع عن شح الإمكانيات لأدنى مستويات العيش مدعاة للعبرة. نأمل أن تدفعنا مراجعة هذه الكلمات إلى مزيد من شكر النعمة، وتصدنا عن كفرانها.
۱. يجب على الأفراد المستعدين والمتمكنين من بلوغ مرتبة الاجتهاد في هذا الزمان وجوباً عينياً أن يقدموا على هذا الأمر ؛ لعدم وجود من يقوم به. كما يجب عليهم وجوباً عينياً أن يحافظوا على هذه المرتبة ؛ لأنه يجب على الله تعالى عقلاً -بمعنى قبح تركه- أن يحفظ وجود البشر والمكلفين ويكمله، والدليل على ذلك لزوم نقض الغرض من الله المنزه عن النقائص الإمكانية، لو لم يكن ذلك الحفظ والتكميل ثابتاً في الواقع.
۲. توضيح ذلك: أن جاعل الأحكام الشرعية الكلية النوعية هو الذات الأقدس الأحدية. فولي العصر -أرواحنا له الفداء-، خليفة الله في الأرض، هو بالضرورة مبين الأحكام الكلية النوعية، والمستنبط -أي مرجع التقليد- يجب أن يضع قدمه موضع قدم ذلك الإمام الهمام -صلوات الله وسلامه عليه- ؛ لقوله (ع): “أنا خليفة الله والعلماء خليفتي” (نقل بالمعنى). فلا بد أن يكون عادلاً وآية من ذلك الإمام المعصوم.
۳. وبهذا، يُنتقد كلام الفاضل المعاصر في “الكفاية” الذي زعم أن اشتراط العدالة في المستنبط النائب عن الحجة (ع) هو من جهة الاطمئنان بإخباره. فلو فُرض فسق شخص مستنبط، ولكن حَصل الاطمئنان بصحة فتواه وإخباره عن فتواه، فإن المقصود حاصل. وهذا الزعم خطأ ؛ لأن النيابة عن ذلك الإمام المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه- لا تتحقق في تلك الحال. وما قاله هو شرط صحة النيابة لا صحة الإفتاء. فهذا الشخص الفاسق -وإن كان مستنبطاً، بل وإن كانت قوة استنباطه في أعلى الدرجات- لا يمكن أن يكون نائباً عن حضرة ولي العصر، ولا يجوز تقليده. وبهذا التنبيه يجب الاستيقاظ من نوم الغفلة. وقد أحسن المولوي في المثنوي إذ قال: “قل بمَ تشبه النبي؟”.
۴. عندما يكون جاعل الأحكام الكلية النوعية هو الذات الأقدس الأحدية المنزهة عن النقائص الإمكانية ، فإنه يجب على الله -عز وجل- أن يحفظ تلك الأحكام ويكملها. وتوضيح ذلك: وردت تصريحات في بعض الآيات والأحاديث القدسية ، منها ما جاء في الحديث القدسي: “كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف”. وهذه الفقرة متواترة بين جميع الفرق الإسلامية، وإن كان هناك اختلاف في بعض الفقرات الأخيرة من الحديث القدسي. وجاء في القرآن المجيد أيضاً قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. فالغاية الأسمى من خلق البشر، المركب من النفس الناطقة والبدن بتركيب مبين في محله، هي معرفة الله وعبوديته. وهذان هما أسمى غايتي الله في خلق البشر. ومن البديهي أن تحقق هاتين الغايتين والوصول إليهما موقوف على الحفظ والتكميل. فلو تركهم الله وشأنهم، للزم نقض الغرض من الله الذي تنزهت ساحة كبريائه وجلاله عن القبائح. فيجب في شريعة العقل أن يحفظهم، إما بأشخاصهم أو بأنواعهم التي تتبدل بتبدل الأفراد، ولو في دورة زمنية كعشرة آلاف عام.
۵. سؤال يطرح نفسه: صريح كل من الآية والحديث أن كلاً منهما غاية مستقلة، وهو محال. ولذا، فُسّرت العبادة في أخبار أهل العصمة -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- بمعنى المعرفة؛ لدفع المحذور العقلي، وهو توجه علتين مستقلتين إلى معلول شخصي واحد. الجواب: رأينا أن الإنسان مركب من نفس ناطقة وبدن. فالمعرفة تكليف النفس الناطقة ، والعبودية تكليف البدن. وهما غايتان مستقلتان لأمرين مستقلين. وهذا التفسير لا ينافي ما قلناه ؛ لأن المعرفة الكاملة ملازمة للعبودية الكاملة ، والعكس صحيح. فالمقصود من الآية -والله أعلم- الإشارة إلى هذه الملازمة.
۶. سؤال آخر: الاعتقاد بصريح هذين النصين يستلزم الالتزام باستكمال الله تعالى، وساحة جلاله مبرأة من النقائص. ولهذا، التزم أهل الفلسفة بأن أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة والمصلحة، ولا يقبلون أن تكون تلك الأفعال معللة بأهداف لعلة غائية، خلافاً للأشاعرة الذين لا يقبلون بأي وجه أن تكون أفعال الله معللة؛ لأنهم يقولون إنه سلطان لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. الجواب: نعم، صريح هذين النصين أن كلاً منهما علة غائية تامة، أي أن ذات الفاعل تتصف بالفاعلية الفعلية، ولا إشكال في لوازم هذا المعنى.
۷. صحيح أن النقصان في البشر يوجب الاستكمال، ولكن لم تثبت ملازمته لهذا المعنى، ولا ملازمته لهذه الحقيقة في العرف واللغة بمعنى له ملازمة، وإن كان لا بد أن يكون حقيقة في معنى ملازم للاستكمال. فنلتزم باستعماله في المعنى المذكور مجازاً، وبوجود قرينة عقلية قطعية توجب الصرف. وبالطبع، لنا هنا كلام مع أهل الفلسفة والأشاعرة، وليس هذا مقام التعرض له.
۸. الدليل على وجوب التكميل هو أنه كلما كملت النفس الناطقة، بلغت العبودية كمالاً أكبر. وكلما كملت العبودية، أوصلت إلى كمال معرفة الله وتوحيده في الشخص. وكذلك يجب حفظ وجود أنفسهم وتكميلها. وسر ذلك أن المكلفين يصلون إلى العلم التفصيلي بأن المولى مستحق ذاتاً للعبودية والطاعة والامتثال، بحكم العقل المستقل استقلالاً. ثم يدركون أن للمولى عز وجل غايات من الخلق، وهي أن يصل الناس إلى العرفان والعبودية. حينئذ يجب الوصول إلى تلك الغايات بالكيفية التي يعرفهم بها. وهذا الحكم أيضاً من الأحكام المستقلة المطلقة التي تقتضي إيجاب مقدماتها. ولا شك أن من مقدماتها حفظ وجودهم وتكميله، بل يجب على الأول حفظ وجود الآخر وتكميله. وكذلك العلم بعدم تمكن كل فرد بنفسه من القيام بهذه الوظيفة. فكما أن انتظام الحياة الدنيوية لا يمكن إلا بالاجتماع، كذلك انتظام أمورهم الأخروية لا يمكن إلا بالاجتماع، وحفظ كل منهم لوجود الآخر. نقول: كل من لم يتربَّ في حجر فرد ملتزم بدين من الأديان الإلهية ، فإنه بمجرد رجوعه إلى عقله الذي لم يتلوث بأحكام شيطانية، يحكم عقله بحفظ وجود نفسه وتكميلها. بل هذان الحكمان من الفطريات التي فُطرت عليها فطرة العقلاء من حيث هم عقلاء. وأبعد من ذلك: كل من ينظر إلى حال الحيوانات يرى أنها تحفظ وجودها وتطلب علوه وكماله. بالطبع، باب المناقشة في بعض هذه النقاط مفتوح ، ولكن المقصود الأصلي الآن هو تقريب المطالب إلى الذهن من كل جهة، وإلا فإن أصل المطلب من حيث البرهان العقلي تام. ثم إن الموانع التي ترجع إلى الناس، بمعنى أن رفعها بيد الناس ، فرفعها واجب عليهم، بخلاف الموانع التي ليست بأيديهم، بل بيد المولى الآمر، كعدم القدرة، فهي واجبة على الله تعالى. والكلام هو هو في الشروط، كما حُرر في الأصول. فقاعدة اللطف تامة. وعندما تحيط بما حققناه إحاطة تامة، فلا يبقى وجه لمناقشة المحقق النراقي -عليه الرحمة- في غاية اللطف.
۹. كما أن الدنيا دار تكليف، والتكاليف باقية، وحضرة الحجة -صلوات الله وسلامه عليه- حاكم، ووجوده لطف، وتصرفه لطف آخر، وغيبته منا، كما قال المحقق الطوسي -أعلى الله مقامه- في “التجريد”. وما دام الوضع كذلك، فإن الخلق ينقسمون إلى صنفين: إما مجتهد أو مقلد. ومرجع الفريق الثاني هو الفريق الأول. والزمان زمان قحط الرجال، ونقص -بل فقدان- المجتهد. فيجب على جميع الأفراد المستعدين والمتمكنين وجوباً عينياً أن يبلغوا رتبة الاجتهاد. وكل هذه المطالب قد ذكرت بالشرح والتفصيل في محلها. وهذه كلها من مصاديق حفظ الوجود وتكميله، وإن صعب تصديقها على الجاهل.
۱۰. تتميم: الاجتهاد موقوف على عدة علوم:
- أولاً: علم اللغة العربية؛ لأن عمدة الأدلة هي الكتاب والسنة والحديث، وهي باللغة العربية.
- ثانياً: علم الصرف؛ لأنه يعلمنا تصاريف مفردات الكلام التي تسبب تغير المعاني.
- ثالثاً: علم النحو؛ لأنه به تُعرف معاني الألفاظ المركبة في الكلام.
- رابعاً: علم المنطق؛ لأن استنباط الأحكام من مصادرها يحتاج إلى استدلال ، وكيفية الاستدلال لا تُكتسب إلا بواسطة المنطق.
- خامساً: علم أصول الفقه، وهو من أهم العلوم للوصول إلى ملكة الاجتهاد. ولا يمكن الوصول إلى العلم التفصيلي بالفقه إلا بواسطة أصول الفقه، فيجب أن يكون مجتهداً فيه؛ لكثرة الاختلافات فيه، بينما لا حاجة إلى الاجتهاد في اختلافات اللغة والصرف والنحو، وإن قال به البعض، بل يكفي قبول قول المشهور فيها.
- سادساً: علم تفسير آيات الأحكام ومواضعها، وهي في نظر الفقهاء خمسمائة آية.
- سابعاً: العلم بالأحاديث المتعلقة بالأحكام، سواء كان حافظاً لها، أو كانت موجودة لديه في كتب وأصول مصححة يرجع إليها عند الحاجة، ويعرف مواضعها وأبوابها.
- ثامناً: العلم بأحوال الرواة، ولو بكتاب صاحب “المعالم” ؛ لأن الزيادة عليه ليست ضرورية.
- تاسعاً: العلم بموارد الإجماع؛ ليجتنب مخالفتها. وهذا العلم يُكتسب بممارسة كتب الفقه.
- عاشراً: أن تكون له قوة وطبع مستقيم، يتمكن به من رد الفروع إلى الأصول، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، وتطبيق الترجيح عند التعارض ؛ لأن معرفة كل تلك العلوم لا تكفي في ملكة الاستنباط بدون هذا العامل العاشر. والطبع المستقيم أمر موهبي يختص به بعض الأفراد؛ “لأن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء”. فإذا وجدت هذه الحالة في نفس شخص، وانضمت إليها معرفة العلوم المذكورة، حصلت له ملكة الاستنباط والفقاهة. وقد رأيت جماعة من الفضلاء يشتغلون بالتدريس ليلاً ونهاراً، حتى إنهم يحفظون مطالب الكتب المعروفة عن ظهر قلب، ولكنهم مع ذلك لا يملكون القدرة على رد الفروع إلى الأصول.
۱۱. استقامة السليقة في مقابل اعوجاجها، وهذا الاعوجاج من العيوب الحاصلة في الذهن. البعض يتمتع بحدة فهم بحيث إن ذهنه ينصرف إلى فهم المسألة بمجرد سماعها، كالمستنبط الحقيقي، في مقابل بطيئي الفهم. ويجب على الإنسان أن يكون ذا طبع معتدل ومستقيم. وفي تلك الحال، تكون الملكة الحاصلة من الممارسة والموهبة هي المناط في حرمة تقليده للغير وجواز تقليد الغير له. وقد أحسن شيخنا الإمام الأنصاري (ره) في باب دليل الانسداد إذ قال: “رزقنا الله الاجتهاد الذي هو أشق من طول الجهاد”.
۱۲. سؤال: كيف يعرف الإنسان أنه بلغ الاجتهاد وصار صاحب ملكة الاستنباط؟ الجواب: أولاً، يرى أن استنباطاته تتطابق مع استنباطات العلماء الماهرين في علم الفقه. ثانياً، يعرض علمه على المجتهدين المسلّمين. فإذا صدّقوا اجتهاده، شكر الله سبحانه وتعالى وحمده على هذه النعمة، وهذا مقام تزل فيه الأقدام وتزيغ.
۱۳. قال صادق آل محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: “إياك أن تجعل رقبتك عتبة للناس” (كذا، والظاهر: جسراً للناس). ولا شك أن المخاطب بهذا الحديث هم المجتهدون المسلّمون، لا فاقدو ملكة الاستنباط ؛ لأن توجيه مثل هذا الكلام للفريق الثاني من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. فمن لا يملك ملكة الاستنباط، لا يحتاج إلى هذا النهي ليكون متعلَّقاً له.
۱۴. لهذا المطلب تفصيل لا أملك القدرة على كتابته لشدة الضعف وحرارة الهواء ، والحال أني لا أملك سرداباً ولا إيواناً أتقي به حرارة الهواء. اللهم إني أحمدك وأشكرك على جميع نعمائك، وأنا عبدك الضعيف المسكين الفقير إليك. اللهم اغفر لي ولوالدي بحق خاتم النبيين. مولاي ونور عيني! [مخاطباً الميرزا محمد علي الأردوبادي] خشيت أن يدركني الموت الذي لا بد منه ، فاستعجلت في الكتابة ولم أتمكن من التصحيح، فعهدت بتصحيحه إليك.
المقطع الرابع
فهرس مؤلفات السيد هبة الدين الشهرستاني
إشارة
يُعرف العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني بين علماء الإمامية في القرن الرابع عشر بكثرة تصانيفه. وفي هذا المقطع، نقرأ تقريراً عن ۹۴ كتاباً من كتبه مصنفة في ۷ أقسام، يشرحها حتى تاريخ كتابة هذه الإجازة (۲۸ ربيع الأول ۱۳۷۹ هـ).
أولاً: في مجال تفسير القرآن وروايات الأئمة الأطهار ۱. الهيئة والإسلام: في استخراج مكتشفات الهيئة الجديدة من ظواهر الشريعة. أُلّف عام ۱۳۲۷ هـ، ولله الحمد. طُبع عام ۱۳۲۸ هـ. تُرجم إلى الهندية عام ۱۳۲۹ هـ وطُبع، وتُرجم إلى الفارسية عام ۱۳۳۰ هـ. المادة التاريخية الهجرية له: “نعم المعجزة الهيئة والإسلام”. شرحه باسم “مفصل الهيئة والإسلام” سيأتي ذكره لاحقاً. ۲. الشريعة والطبيعة: في التوافق العملي بين ظواهر الشريعة وعموم مظاهر الطبيعة. لم يتم. ۳. معجزات القرآن: في الأسرار الغيبية التي كُشفت في هذا الزمان. فارسي، غير تام. ۴. الإيماء إلى خلق الأرض والسماء: رسالة غير تامة. ۵. التكوين في خلق الجنين: موافق للعلم والدين. ۶. فيصل الدلائل: جواب لمسائل سألها فيصل بن تركي سلطان مسقط وإمام عمان. تم عام ۱۳۳۱ هـ. ۷. مواقع النجوم: في تحقيق السماء الدنيا ومعنى الرجوم. كُتب عام ۱۳۳۶ هـ. ۸. المنابر: تقريرات معدة لمنابر الوعاظ المرشدين لمعارف الدين. فارسي، كُتب عام ۱۳۲۳ هـ. ۹. المحرز: في تحقيق عالم الذر. غير تام. ۱۰. البقية: في شرح الخطبة الشقشقية. ۱۱. الهيئة المحمدية: في الهيئة الإسلامية. كُتب عام ۱۳۲۶ هـ. ۱۲. الوافي الكافي: في بيان جبل قاف. كُتب عام ۱۳۲۷ هـ، وطُبع عام ۱۳۲۸ هـ.
ثانياً: علم العقائد وأصول الدين ۱. الجامعة الإسلامية: في العقائد القرآنية. كُتب عام ۱۳۳۲ هـ. ۲. مواهب المشاهد: في واجبات العقائد. أرجوزة، طُبعت عام ۱۳۲۶ هـ. ۳. نظم العقائد: أرجوزة مختصرة. كُتبت عام ۱۳۳۲ هـ. ۴. الناطق بحكمة الخالق: غير تام. ۵. المرجانية: تلخيص منظومة اعتقادية. كُتبت عام ۱۳۲۴ هـ. ۶. فيض الباري في تهذيب منظومة الحكيم السبزواري: أرجوزة، كُتبت عام ۱۳۲۴ هـ في ۴۵۰ بيتاً. ۷. الغالية: في الرد على المغالية. كُتبت عام ۱۳۳۶ هـ. ۸. الرسالة في ختم الرسالة: كُتبت عام ۱۳۳۵ هـ. ۹. حديث مع الدعاة…: طُبع عام ۱۳۲۹ هـ. ۱۰. رد البابية: بالفارسية والعربية. كُتب عام ۱۳۲۹ هـ، وطُبع في مجلة المنار. ۱۱. الفاروق: في فرق المسلمين. غير تام. ۱۲. وادي السلام: في علم الكلام. غير تام.
ثالثاً: علم أصول الفقه وفروع الأحكام ۱. أصفى المشارب: في حكم حلق اللحية وتطويل الشارب. كُتب عام ۱۳۲۳ هـ. ۲. التفتيش: في مفاسد حلق اللحية. فارسي، كُتب عام ۱۳۳۳ هـ. ۳. أجوبة المسائل الهندية. ۴. أربع عشرة مسألة: جواب مسائل راجه بلهرة (بهرة؟). فارسي، كُتب عام ۱۳۳۱ هـ. ۵. التحنيط: في ۴۰۰ بيت. ۶. تهديد الحاكمين بتكفير المسلم: طُبع عام ۱۳۲۸ هـ، وطُبع مراراً. ۷. السراج لأحكام الحاج. ۸. مناسك الإمام: برواية زيد الشهيد. ۹. ياقوت النحر في ميقات البحر: كُتب عام ۱۳۳۲ هـ. ۱۰. تحريم نقل الجنائز المتغيرة: طُبع عدة مرات عام ۱۳۲۹ هـ. ۱۱. دليل الحائر: في التحديد وتاريخه. غير تام. ۱۲. در النجف في حل الصدف: كُتب عام ۱۳۳۱ هـ. ۱۳. خطب في الجهاد والاتحاد: كُتبت عام ۱۳۳۳ هـ. ۱۴. الضررية: واسمها الآخر: المعيار في الضرر الموجب للإفطار. كُتبت عام ۱۳۳۶ هـ. ۱۵. الفياض: حواشٍ على رياض المسائل. كُتبت عام ۱۳۲۴ هـ. ۱۶. قاب وقوسين: في حكم ساكني القطبين. كُتب عام ۱۳۳۲ هـ. ۱۷. وقاية المحصول في شرح كفاية الأصول: زبدة تقريرات أستاذنا العلامة آية الله الخراساني. ۱۸. فتح الباب: في تقبيل الأعتاب. كُتب عام ۱۳۲۱ هـ. ۱۹. النقية في أحكام التقية: غير تام. ۲۰. فيض الساحل في أجوبة أهل السواحل.
رابعاً: سائر العلوم النقلية ۱. إجازات: غير تام. ۲. السلسلة في إجازات مسلسلة: غير تام. ۳. الشجرة الطيبة: مشجر في إجازات العلماء. كُتب عام ۱۳۳۶ هـ. ۴. ثقاة الرواة: في رواة الكتب الأربعة الذين زكّى كل واحد منهم راويان عدلان. كُتب عام ۱۳۳۵ هـ. ۵. الشمعة: في حال ذي الدمعة. كُتب عام ۱۳۳۵ هـ. ۶. الإيلاقية: شرح حال جعفر بن علي بن أحمد الإيلاقي القمي نزيل الري. كُتبت عام ۱۳۳۵ هـ. ۷. ترجمة جابر بن حيان الصوفي الكيمياوي. ۸. شجرة طوبى: في نسب ذوي القربى. غير تام. ۹. صدف اللآلي في شجرة جدنا العالي أبي المعالي: غير تام. ۱۰. ذرى المعالي في ذرية أبي المعالي: كُتب عام ۱۳۳۶ هـ. ۱۱. سلسلة الذهب: منظومة فارسية في نسبي حتى أبي البشر. ۱۲. طيّ العوالم في أحوال شيخنا الكاظم (الآخوند الخراساني): كُتب عام ۱۳۳۳ هـ. ۱۳. فضائل الفرس. ۱۴. المأثور في زيارة القبور: كُتب عام ۱۳۳۶ هـ. ۱۵. زبور الإسلام: في أدعية القرآن. كُتب عام ۱۳۳۱ هـ. ۱۶. المختصر في الأئمة الاثني عشر: كُتب عام ۱۳۳۰ هـ. ۱۷. المناط في شرف الأسباط: غير تام. ۱۸. المصنوع: في نقد “اكتفاء القنوع بما هو مطبوع” لإدوارد فنديك. كُتب عام ۱۳۳۵ هـ. حوالي ۸۰۰ بيت ذكرت فيها ما يقرب من مئة زلة للكاتب. ۱۹. التمهيد في ترجمة شيخنا المفيد: كُتب عام ۱۳۳۵ هـ. ۲۰. أسرار الخيبة من استرجاع الشُعيبة: كُتب عام ۱۳۳۳ هـ.
خامساً: علوم العربية وفنون الأدب ۱. الدر والمرجان: أرجوزة في المعاني والبيان. كُتبت عام ۱۳۲۱ هـ، حوالي ۳۰۰ بيت. ۲. الأوراق: في الاشتقاق. كُتب عام ۱۳۱۷ هـ. ۳. عقد الحباب: أرجوزة في الإعراب. كُتبت عام ۱۳۱۹ هـ. ۴. كسر العجيب: تلخيص منطق التهذيب. كُتب عام ۱۳۲۱ هـ. ۵. رواشح الفيوض: في علم العروض، بأسلوب جديد. طُبع عام ۱۳۲۶ هـ. ۶. رائيات النجف: قصائد. عام ۱۳۳۶ هـ. ۷. قلادة النحور في أوزان البحور. ۸. متون الفنون: غير تام. ۹. نادرة الأزمان في دلالة الفعل على الزمان: غير تام. ۱۰. نهاية الإيجاز في المعميات والألغاز: كُتب عام ۱۳۱۵ هـ.
سادساً: المباحث الفلسفية ۱. أداء الفرض في إثبات سكون الأرض: كُتب عام ۱۳۲۲ هـ. ۲. نقض الفرض في إثبات تحرك الأرض: كُتب عام ۱۳۲۲ هـ. ۳. التدخين. ۴. التدوين: في تقديم الدين على رأي داروين في أصل التكوين. غير تام. ۵. جنة المأوى: في الإرشاد إلى التقوى. مثنوي، فارسي. ۶. زينة الكواكب في هيئة الأفلاك والثواقب: غير تام. ۷. الساعة الزوالية: طُبعت عام ۱۳۳۰ هـ. ۸. فغان إسلام: فارسي، طُبع عام ۱۳۳۱ هـ. ۹. فذلكة المحاسب في الأعمال الأربعة: غير تام. ۱۰. قصارى الحكم في قصار الكلم: جوامع كلمات اجتماعية. كُتبت عام ۱۳۳۳ هـ. ۱۱. قامت عوج. ۱۲. نتيجة المنطق: فارسي. كُتب عام ۱۳۱۸ هـ.
سابعاً: موضوعات مختلفة ومجموعات متفرقة ۱. العلم: مجلدان في عامين، طُبعا عامي ۱۳۲۸ و ۱۳۲۹ هـ. ۲. أنيس الجليس في المنتخب من كل مطبوع نفيس. ۳. الملتقط من كل خط وسفط. ۴. الظرايف. ۵. كشكول. ۶. نتائج التحصيل. ۷. سبائك الأفهام. ۸. دلائل المسائل.
ملاحظة: يكتب السيد هبة الدين بعد هذا الفهرس: “أسأل الله ربي بحرمة أوليائه الصالحين أن يوفقني لتدوين ما أكملته منها، وتكميل ما شرعت فيه، والشروع فيما أتمنى القيام به من المؤلفات؛ فإن المؤلفات من أنفع المخلفات وأبقى الصدقات وأبر الباقيات الصالحات، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً”.
المقطع الخامس
أحاديث مسندة في الأمر بكتابة الحديث برواية السيد هبة الدين الشهرستاني
إشارة: روى المرحوم السيد هبة الدين الشهرستاني في إجازته أحد عشر حديثاً مسنداً في الأمر بكتابة الحديث، وفي إعادة قراءتها عبرة دائمة، خاصة في هذا الزمان.
۱. في “الكافي” بسنده الصحيح عن الصادق (ع) أنه قال: «القلب يتكل على الكتابة». ۲. فيه بإسناده الصحيح عن الصادق (ع) أنه قال: «اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا». نكتة: “تحفظوا” بفتح التاء، ويجوز قراءتها بالضم. ۳. فيه بإسناده عنه (ع) أنه قال: «احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها». ۴. فيه بإسناده عن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله (ع): «اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم». نكتة: الهرج – بهاء هوز – عدم انتظام الأحكام؛ ويجوز قراءتها بحاء حطي. ۵. في “السرائر” عن النبي (ص) أنه قال: «قيدوا العلم بالكتابة». نكتة: وفي معناه المثل المشهور: “الحفظ صيد، والكتابة قيد”. ۶. سندي عن الشيخ البهائي (زيد بهاؤه) قال: قال رجل من الأنصار للنبي (ص): إني لأسمع الحديث ولا أحفظه. قال: «استعن بيمينك». ۷. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! أكتب ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول في ذلك إلا الحق». ۸. عن السبط المجتبى الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) أنه كان يقول لبنيه وبني أخيه: «تعلموا العلم؛ فإن لم تستطيعوا حفظه، فاكتبوه وضعوه في بيوتكم». ۹. عن إمامنا الحسن (ع) أنه دعا بنيه وبني أخيه فقال: «إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم. فمن لم يستطع منكم أن يحفظ، فليكتبه وليضعه في بيته». ۱۰. عن عبد الله بن عمر قال: قلت لرسول الله (ص): أقيد العلم؟ قال: «نعم»، قيل: وما تقييده؟ قال: «كتابته». ۱۱. قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «عقل الكاتب في قلمه، ومَسعَدَة الأقلام مطايا الفتن».
المقطع السادس
نخبة من علماء خوزستان في النصف الأول من القرن الرابع عشر برواية آية الله السيد أحمد الجزائري الشوشتري
في هذا المقطع، نجد نكات قيمة ومفيدة حول خمسة من أكابر خوزستان، تنفع في دراسة تاريخ تلك الديار.
أولاً: السيد أحمد الجزائري
- نسبه: السيد أحمد بن حسين بن محمد بن حسين بن عبد الكريم بن محمد جواد بن عبد الله بن نور الدين بن نعمة الله الموسوي الجزائري الشوشتري النجفي.
- تاريخ إجازته للميرزا علي الأردوبادي: ۲۹ شعبان ۱۳۵۴ هـ في النجف الأشرف.
- آثاره:
- تعويد اللسان بتجويد القرآن.
- تقويم المعرفة في معرفة التقويم.
- صنيع النكاح.
- الفوائد المختلفة والخرائد المتشتتة.
- الكواكب الدرية.
- تعليقات على الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية.
- العجالة في نبذة من تراجم بعض الرجال الذين ينقل عنهم الشيخ الطبرسي في تفسير مجمع البيان، كقتادة والسدي والجبائي وشبههم.
- الفوز العظيم في ترجمة السيد حسين بن عبد الكريم، وهو جده.
- مقالة صغيرة في آداب صلاة الليل.
ثانياً: السيد عبد الصمد بن أحمد الجزائري
- نسبه: السيد عبد الصمد بن أحمد بن محمد بن طيب بن محمد بن نور الدين بن نعمة الله الجزائري.
- وفاته: يوم الجمعة ۹ جمادى الآخرة ۱۳۳۷ هـ بعد طلوع الفجر الصادق في شوشتر.
- مدفنه: نُقل إلى النجف الأشرف ودُفن في حجرة كان مدفوناً فيها عمه الحاج السيد علي بن محمد طيب الجزائري وجماعة من أقاربه وأكابره.
- روايته: يروي عن جماعة منهم: المولى علي الخليلي، والميرزا حبيب الله الرشتي (المتوفى ليلة الخميس ۱۴ جمادى الآخرة ۱۳۱۲ هـ)، والمولى محمد حسين الأردكاني اليزدي الكربلائي (المتوفى ۱۳۲۰ هـ)، والشيخ محمد طاهر المعزي الدزفولي، والشيخ جعفر الشوشتري.
ثالثاً: الشيخ محمد طاهر المعزي الدزفولي
- نسبه: الشيخ محمد طاهر بن محسن بن إسماعيل الدزفولي.
- آثاره: شرح على “شرائع الإسلام”، كُتب منه عدة مجلدات ولكنه لم يتم.
- صفاته: عالم عامل، فاضل كامل، تقي نقي، ورع متقٍ، حجة الإسلام، مرجع الناس في أخذ الأحكام، صاحب احتياط في العلم والعمل، كان مرجعي ومقلَّدي منذ بلوغي حتى آخر حياته. لم أره قط طوال حياته إلا وازداد اعتقادي به واعتمادي عليه في جوانب العلم والعمل والأخلاق والزهد والتقوى والاحتياط. وليس هذا المقام كافياً لبيان ترجمته وصفاته الحميدة وخصائصه الطيبة. توفي عام ۱۳۵۵ هـ.
- والده: كان والده الشيخ محسن أخاً للشيخ أسد الله الكاظميني صاحب “المقابيس” و “كشف القناع”.
رابعاً: الشيخ محمد رضا المعزي الدزفولي
- نسبه: الشيخ محمد رضا بن محمد جواد بن محسن بن إسماعيل الدزفولي، عالم نقاد وصاحب ذهن وقاد.
- مكانته: حجة الإسلام، مرجع التقليد في شوشتر وأطرافها بعد عمه الشيخ محمد طاهر المعزي.
- آثاره: له آثار متعددة في الفقه والأصول ، مثل:
- فيض الباري في شرح مكاسب المحقق الأنصاري.
- جهد المقل في أجوبة المسائل، بالطريق الاستدلالي، بعضه بالعربية وبعضه بالفارسية.
- حاشية على الرسائل، مستقلة.
- تعليقات على الفصول في هامشه.
- وفاته: توفي في ۷ جمادى الأولى ۱۳۵۲ هـ في بروجرد ؛ إذ كان مريضاً وذهب من دزفول إلى بروجرد لتغيير الهواء، فتوفي ودُفن في تلك الديار.
خامساً: السيد أبو القاسم الجزائري الشوشتري
- نسبه: السيد أبو القاسم بن أحمد بن حسين بن عبد الكريم الموسوي الجزائري الشوشتري، ولد عام ۱۲۸۱ هـ.
- وفاته: توفي ليلة الخميس ۱۷ جمادى الآخرة ۱۳۵۴ هـ، وهو خالي وابن عم والدي.
- صفاته: عالم عامل، فاضل كامل، زاهد ورع، تقي نقي، زين الفضلاء الأعاظم، درس عند العالم الزاهد، نادرة الزمان في العلم والعمل والزهد والتقوى وسائر الفضائل الكمالية والصفات الإلهية المحمودة، السيد مرتضى بن مهدي بن محمد بن كرم الله الكشميري النجفي المسكن والحائري المتوفى والمدفن (توفي ۱۳ شوال ۱۳۲۳ هـ). كان من تلامذته الخواص ويقتدي به في ترك الشبهات واجتناب الأمور الملتبسة. وكانت بينهما معاشرة وزيارات ومآدب ومذاكرات علمية. ودرّس الفقه خارجاً مدة مديدة من إقامته في النجف الأشرف، في بحث خاص به وبنفر قليل من أمثاله، بعد صلاتي المغرب والعشاء في حجرة من حجر الرواق المقدس قرب المنبر الملقب بـ “خاتم”. ثم عاد إلى شوشتر وقام بواجباته من التدريس وإقامة الجماعة ووعظ الناس وإرشادهم وترويج الدين وإحياء سنن سيد المرسلين -صلوات الله عليه وآله- بكل شكل ممكن ومقدور ؛ حتى إنه إذا وجد شخصاً صالحاً لإمامة الجماعة، قدّمه للإمامة واقتدى به هو، ليقتدي به الناس أيضاً باطمئنان. ثم عاد إلى الأهواز -التي تشتهر في هذه الأيام بـ “بندر ناصري”- وواصل وظائفه الدينية. وفي العام الماضي جاء لزيارة الأئمة المعصومين في العراق وعاد إلى وطنه، وكان قد استعد للعودة إلى العراق وأرسل بعض لوازمه إلى النجف ليقضي بقية عمره مجاوراً فيها. ولكن الأجل لم يمهله ، فتوفي ليلة الخميس ۱۹ جمادى الآخرة ۱۳۵۴ هـ ، ودُفن بجوار مزار علي بن مهزيار، وخلفه من بعده ولده الخلف الصالح السيد مصطفى في أداء الواجبات الدينية.
المقطع السابع
أساتذة الشيخ أسد الله الزنجاني بروايته
إشارة: قدم المرحوم الشيخ أسد الله الزنجاني تقريراً موجزاً عن أساتذته، وهو ضروري لمعرفة هذا الجزء من التاريخ. وطريقة بيانه لها غرائبها الخاصة التي تستحق الاطلاع.
۱. سيدي ومولاي حجة الإسلام السيد علي المشهور بالقزويني، مع أن أصله وأصل صاحب “الضوابط” من زنجان، كانت له كتب كثيرة على مبنى الشيخ الأنصاري، ولم يكن يخرج من بيته إلا لصلاة الجماعة. كان مرجع تقليد في بعض البلاد، منها قزوين والقفقاز. وكان أهل ولايته يرجعون إليه في مرافعاتهم وتُنفذ أحكامه. وكان صاحب كرامات. قرأت عليه المجلد الأول من “القوانين” لمدة خمس سنوات. ۲. السيد الجليل ومولاي النبيل، الحاج السيد حسين الذي اشتهر باسم والده “السيد قريش”. كان سيدنا ومولانا الأستاذ الأكبر (أي الميرزا محمد حسن الشيرازي) وكذلك السيد الأستاذ المتبحر، الحاج السيد حسين الكوهكمري التبريزي، قد أجازاه بالاجتهاد، مع أن السيد حسين “السيد قريش” نفسه كان مقلداً للأستاذ الأكبر (الميرزا الشيرازي). وعندما كان الطلبة يسألونه عن تقليده، كان يحيلهم إلى الأستاذ الأكبر، والعوام إلى السيد الكوهكمري. وسألته يوماً عن سبب إحالته إلى أستاذيه مع أن لديه خطهما بتصديق اجتهاده ، فأجاب: “الإنسان على نفسه بصيرة. ملكة الاستنباط التي هي مناط حرمة التقليد غير موجودة فيّ”. وكان قطعاً صاحب كرامات وطي الأرض. ۳. تشرف المرحوم الآخوند الملا إسماعيل القره داغي إلى العراق ، وكان هذا التشرف في زمن الأستاذ الأكبر ، وذهب أولاً إلى سامراء. وفي اليوم الأول ذهبت لخدمته، وجرى الحديث عن السيد حسين السيد قرشي ، فذكرت أحواله. وبعد الظهر، جاءني الآخوند الملا إسماعيل. عرضت عليه أن دلاكاً قرب بيتنا يمكنه أن يخدمه ، فأحال الأمر إلى الاستخارة. وفي بداية جلوسه سأل عن حال السيد ، فقلت ضمن بيان أحواله إنه صاحب طي الأرض. فصدقني وقال إنه قابله في طهران. ومن هناك فهمت أنه هو أيضاً صاحب طي الأرض. شخصية قابلتها في قزوين، ثم جاءت إلى سامراء في زمن الأستاذ الأكبر، وكان حافظاً للكتب الأربعة بجميع أسانيدها. لم يأذن لي بذكر اسمه. وكان يعتقد أن الفتوى لا تصح بدون إجازة، وإن بلغ الشخص ملكة الاستنباط. ۴. المولى حجة الإسلام الحاج الملا علي، نجل الحاج الميرزا خليل. وصلت إلى خدمته في النجف، وكانت تُنسب إليه كرامات. ۵. السيد الجليل، ومولاي النبيل، حجة الإسلام السيد محمد الهندي -أعلى الله مقامه-. ۶. المولى حجة الإسلام والمسلمين الحاج ميرزا هاشم الخوانساري، صاحب المصنفات الكثيرة، أخذت منه إجازة الرواية في سامراء في حياة سيدنا الأستاذ الأكبر. والآن، تعتريني أمراض كثيرة، ومانعي الآخر عن التفصيل هو شدة حرارة الهواء في النجف الأشرف. اللهم اشفني بشفائك.