الملخص: هذا المقال استعراض لمجلة «العلم» التي كانت تصدر شهرياً في النجف بإشراف وإدارة السيد هبة الدين الشهرستاني خلال الأعوام ۱۹۱۰-۱۹۱۲م. يشير الكاتب إلى انعكاس الآراء الإصلاحية للمفكرين العرب في هذه المجلة، ويورد قائمة ببعض عناوين وموضوعات المجلة.
مقدمة
بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لصدور مجلة «العلم».
مجلة «العلم» هي مجلة شهرية كانت تصدر في النجف الأشرف في الأعوام ۱۹۱۰-۱۹۱۲م، الموافق لـ ۱۳۲۸-۱۳۳۰هـ، بهمة العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني. وقد تم طبع هذه المجلة مؤخراً، والتي تعد نموذجاً فريداً من المجلات الصادرة في مدينة العلم والأدب والثقافة هذه، في مجلدين بقطع وزيري بهمة مكتبة الحرم العلوي (الروضة الحيدرية) تحت عنوان «سلسلة منشورات النجف الأشرف».
وقد كتب الأستاذ الدكتور علاء حسين الرهيمي مقدمةً لهذا الأثر التاريخي النفيس، استهلها بسيرة مختصرة لمؤسس المجلة، مشيراً إلى الدور المؤثر للعلامة الشهرستاني في النهضة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق، ومشاركته في ثورة الشعب العراقي ضد الاستعمار البريطاني عام ۱۹۲۰م. ثم تناول تاريخ صدور مجلة «العلم»، فاعتبرها أول مجلة عربية في العراق بعد الثورة الدستورية العثمانية، وثالث مجلة في النجف الأشرف بعد المجلتين الفارسيتين «الغري» و«درة النجف»، حيث توقفت الأولى بعد عددين في عامي ۱۳۲۷ و۱۳۲۸هـ، والثانية بعد اثني عشر عدداً عام ۱۳۲۸هـ.
كان العلامة الشهرستاني من أبرز تلاميذ الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني، وقد عمد في هذه المجلة إلى نشر أفكار أستاذه وآرائه الإصلاحية، وبذل جهداً كبيراً في محاربة الجمود والتحجر الفكري والديني، ومواجهة الذين كانوا يحرّمون الصحافة ويعتبرونها من الأمور المضرة.
كانت مجلة «العلم» تستقي موادها المتنوعة وأخبارها من مصادر مختلفة لتقدمها لقرائها. ومن بين تلك المصادر، الدوريات والصحف العربية في مصر وأمريكا وغيرها من الدول، حيث كانت «العلم» تنتقي منها مواداً لقرائها وتنشرها. كما كانت تنشر النتاج الفكري لأصحاب الفكر والرأي من أمثال جميل صدقي الزهاوي، ومحمد رضا ومحمد باقر الشبيبي، وعبد الرحمن البناء، وعلي الشرقي.
وقد وصف العلامة الشهرستاني أهمية عمله في مقال له قائلاً: «أي فضل وشرف يضاهي نشر العلم الصحيح والمعارف النافعة والدين القويم… وتهذيب النفوس وإحياء القلوب وتحريكها نحو القيم… وتنبيه الجاهلين وإيقاظ النائمين، وحفظ الحقوق وصيانة الأوطان؟ ومن أجل هذا الهدف السامي والشرف العظيم، تصدّى لمهنة الصحافة عظماء وملوك وعلماء وأصحاب حمية دينية وشجاعة أدبية، من أمثال العالمين الشهيرين السيد جمال الدين الأسد آبادي والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية».
لم تكن المجلة محصورة في مدن العراق، بل وصلت شرقاً إلى اليابان وغرباً إلى أمريكا، وبلغ عدد نسخها آنذاك ألف نسخة. وكان العلامة الشهرستاني يقوم بجميع أعمال المجلة بمفرده، في حين أن إصدار مجلة شهرية يتطلب مؤسسة يعمل بها موظفون متعددون. ولهذا السبب، توقفت المجلة بعد عامين من الصدور بسبب الصعوبات الجمة.
كان المحور الأول لنشاط مجلة «العلم» هو إرشاد القراء وتوجيههم في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والتطورات داخل العراق وخارجه، أما المحور الثاني فكان تناول المناقشات والمباحث الفكرية مثل: نقد فكر المستشرقين، والتحذير من الاستبداد في النظامين السياسيين العثماني والقاجاري، ودور الاستعمار، والتأكيد على سبل إنهاء محنة المسلمين من خلال الإصلاحات ورص الصفوف. وكان هدف المجلة من خلال هذين المحورين هو إيقاظ المسلمين ودعوتهم للقيام من أجل الإصلاح. كما كانت مجلة «العلم» تُعرّف بالدوريات الأخرى في مختلف البلدان، وتنشر لقرائها ملخصاً لأخبارها ومقالاتها. وقد اعتبر الأستاذ جعفر الخليلي مجلة «العلم» «مدرسة سيّارة» تسعى لنشر الحركة الإصلاحية بين المسلمين.
وفيما يلي استعراض لبعض المواضيع المفيدة والبارزة في مجلة «العلم»:
رأي الآخوند الخراساني في حكماء الفرنجة
نُشر في العدد الأول من مجلة «العلم» نص سؤال ورد من سوريا بتاريخ الثامن من محرم الحرام عام ۱۳۲۸هـ، موجه إلى الآخوند الخراساني، وملخصه كالتالي:
ما هو رأي حضرة حجة الإسلام ورئيس الشيعة -أرواحنا فداه- في حكماء الفرنجة وغيرهم ممن يؤمنون بالعقائد الخمس التالية؟
١. أن الله خالق الكون، وهو واحد لا شريك له، ولا يجوز في العبادة التوجه إلى غيره. ٢. أن تثليث النصارى وأقانيمهم أمر لا يقبله العقل والكتب السماوية الحقة، فهي إما ساكتة عنه أو شاهدة على بطلانه. ٣. أن محمداً نبي الله كعيسى وموسى، وقد أوحى الله إليه كما أوحى إلى سائر الأنبياء، ولم يرسله إلا لهداية الخلق. ٤. أن كتاب محمد المسمى بالقرآن هو أفضل الكتب السماوية الموجودة، وأغناها من حيث العلوم الحقيقية والقوانين الصحيحة الموافقة للحضارة الصحيحة. ٥. أن شريعة محمد، أي الإسلام، هي أفضل الأديان الموجودة وأنسبها للنظام الاجتماعي وأكثرها فاعلية في تهذيب النفوس وتكميل الأشخاص.
ورغم اعتقادهم بما ذُكر، فإننا لا نعدّهم في زمرة المسلمين لسببين: الأول، أنهم لا يقبلون بعض الكرامات التي نعتقد بها إلا معجزات الأنبياء. والثاني، تسامحهم في الفروع وعدم التزامهم بالأعمال الشرعية، سواء من شريعتنا أو الشرائع السابقة.
فهل من يعتقد بالعقائد الخمس المذكورة يُعد كافراً، أم يجوز لنا أن نعتبرهم مسلمين ونحكم بطهارتهم ونعاشرهم ونتزوج منهم، ونجري عليهم أحكام المسلم الفاسق فحسب؟».
وجاء نص جواب الآخوند الخراساني في العدد الثاني من المجلة كالتالي:
«بسم الله الرحمن الرحيم لا شبهة في إسلام من أظهر الشهادة بالعقائد الخمس المذكورة في السؤال وصدّق بالمعاد وسلّم أن ما جاء به نبينا محمد ﷺ فهو من عند الله ولو بتصديق إجمالي، ولا يضر إسلامه إنكار خوارق العادات ما عدا الإعجاز الثابت حال الإعواز، ولا يضر إسلامه أيضاً مسامحته في الفروع. وبمثل هذا الاكتفاء قامت دعائم الدين المبين وقُبل إسلام أكثر المسلمين. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. حرره الأحقر الجاني محمد كاظم الخراساني».
سعة صدر علماء السلف وتحملهم
ومن النماذج الأخرى مقال في العدد الخامس من المجلة حول «الحكم بكفر المسلم»، وبيان أن تكفير الآخرين بلا دليل وحجة هو من أسوأ آثار الاستبداد. وفي هذا المقال، يُشار إلى أن الشارع المقدس قد رسم دائرة واسعة للمسلم من خلال إصدار أوامر مثل: «احمل فعل أخيك المسلم على سبعين محملاً»، و«كذّب بصرك وسمعك عن أخيك المسلم ولو شهد عليه أربعون»، و«حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة». أي لا تسيء الظن بالمسلم، ولا تحمل قوله وفعله على ما يخالف الدين فوراً، بل ابحث عن تبرير لعمله.
واعتبر سيرة رسول الله ﷺ في التعامل مع المسلمين حجة على الجميع، ثم تطرق إلى منهج العلماء الربانيين الذين كانوا يتجنبون بشدة تكفير الآخرين. مع أن البحث والجدل في فروع الدين وأصوله، والحوار حولها كان أمراً شائعاً في عصر التابعين وعهد العلماء الربانيين، وكان يتم في حرية كاملة مصحوبة بالشجاعة والسماحة، بينما لا نرى مثيلاً لذلك في عصور المتأخرين. كانوا ينكرون بكل جرأة وجسارة مسائل يعتبرها المشهور من المسلّمات والضروريات، ويعدونها في جملة الخرافات أو البدع، دون أن يتهمهم عالم أو حتى جاهل بالخروج من الدين، ولم يشكك أحد في عدالتهم، فضلاً عن ديانتهم.
ويواصل العلامة الشهرستاني بذكر أمثلة لآراء علماء سابقين لم يُتهموا قط بالخروج من الدين أو الطعن في عدالتهم، رغم إبدائهم لتلك الآراء. على سبيل المثال:
- أنكر الشيخ المفيد عالم الذر، وأن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وحمل الأرواح على الملائكة أو الأنبياء وأوصيائهم.
- أنكر السيد المرتضى حضور علي والأئمة عند المحتضر، وأوّل الأخبار الواردة في ذلك بأن المحتضر يشاهد آثار ولايتهم.
- جوّز الشيخ الصدوق السهو والنسيان على النبي وأوصيائه، وفسّر الرجعة بالقيامة.
- أنكر الملا خليل القزويني وسلطان العلماء وجود الجن بعد النبي ﷺ.
- أنكر الخواجه نصير الدين الطوسي مسألة البداء.
وذكر الكاتب أن غرضه من ذكر هذه النماذج هو تنبيه أولئك الذين يتهمون الأفراد، بل والعلماء، بالخروج من الدين أو العدالة لأتفه الأسباب، ويعتبرون الشخصيات العظيمة والمصلحين مبتدعين. وفي الختام، دعا الجميع إلى السماحة والتأسي بسيرة علماء السلف، الذين كانوا بدلاً من تتبع عثرات العلماء الكبار في القول أو الفعل، يعينونهم على دفع الشبهات عن العقائد الحقة. وهل يمكن دفع الشبهات دون الغور في المسائل العلمية المعقدة ودراستها؟
مقتطفات من مواضيع المجلة
من بين المواضيع المفيدة الأخرى في هذه المجلة، يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- انتشار الإسلام في مختلف البلدان، في أعداد متعددة من المجلة.
- التعريف بالكتب والرسائل المتنوعة لعلماء قدامى ومعاصرين، مثل: «الإنصافية في لزوم المشروطية» للشيخ عبد الرسول الكاشاني.
- رسالة مفصلة للسيد جمال الدين الأسد آبادي تحرض على محاربة استبداد ناصر الدين شاه، وتقدم خارطة طريق لمرحلة ما بعد خلعه، في العدد السابع من المجلة. وفيها يرفض السيد شبهة «وقوع الهرج والمرج في إيران» في حال خلع ناصر الدين شاه، ويقترح أن يُبلغ علماء البلاد الناس من قِبل رئيس الطائفة وفقيه القوم (يقصد الميرزا محمد حسن الشيرازي) بأن خلع الشاه يعني تحويل هذه الدولة الجائرة والخارجة عن الدين إلى دولة عادلة شرعية، وأن يأمروا الأمراء باختيار فرد عفيف ومتدين من أبناء الشاه وإخوته، يرضى برئاسته رؤساء الدين ولا تنفر منه قلوب المؤمنين. وعلى الشخص المختار أن يقسم في حضرة علماء طهران وأمام الناس بأنه بعد توليه الحكم لن ينحرف عن صراط الحق وأحكام الشرع في المجالات المالية والاجتماعية والعقوبات وما يتعلق بأحوال الرعية، وألا يخون في بيت المال، وألا يعقد أي معاهدة دون رأي العلماء العاملين والعارفين بالسياسة الإلهية، ليكون خادماً للشريعة المحمدية ومنفذاً لأحكامها.
- خطبة للعلامة الشهرستاني ألقاها أثناء هجوم الجيش الروسي على مدن شمال إيران في جمادى الآخرة عام ۱۳۲۷هـ، في خضم خلع محمد علي شاه من السلطنة على يد أنصار المشروطة، وعند فتح طهران.
- نص فتوى علماء النجف (الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ الشريعة الأصفهاني) وعلماء كربلاء (السيد إسماعيل بن صدر الدين العاملي، ومحمد حسين المازندراني) بوجوب وحدة المسلمين والابتعاد عن العناد والعداوة، واتفاق الكلمة للحفاظ على أساس الإسلام ووحدة جميع الفرق والمذاهب الإسلامية في مواجهة الأجانب (العدد العاشر، ذو الحجة ۱۳۲۸هـ). وفتوى مشابهة من علماء أهل السنة في العراق (السنة الثانية، العدد الخامس).
- أسرار وحِكَم بعض الأحكام الإلهية كحرمة شرب الخمر ووجوب الحجاب على النساء والصوم وغيرها.
- شرح لفلسفة الدفاع عن البنك وتأسيسه من قبل العلماء، وتوضيح أن الحكومات الإسلامية اليوم ليس لديها خيار سوى تأسيس البنوك لتنظيم شؤونها المالية والاستقلال عن هيمنة الأجانب. وحتى لو كانت البنوك مبتلاة بالربا إلى حد ما، فإن كل مقدمة، ولو كانت محرمة، تصبح مباحة من أجل تحقيق ذلك الأمر الأهم، مع أن للبنك منافع كثيرة حلال. (السنة الثانية، العدد الرابع).
- انتقاد العلامة الشهرستاني لنقل الأموات إلى كربلاء والنجف لدفنهم في الأماكن المتبركة، والإشارة إلى آثاره الصحية على سكان هاتين المدينتين، واعتبار هذه العادة بهذا المستوى غير مرتبطة بتوصيات الأئمة. وعرض ردود الفعل المختلفة على هذا المقال، من التأييد والإشادة، كمقال الشيخ الشريعة الأصفهاني، إلى التكذيب وتوجيه الاتهامات الباطلة للكاتب، ونشر هذه الردود في أحد أعداد المجلة، وفتاوى العلماء في عدد آخر (السنة الثانية، الأعداد الثالث والخامس والسادس).
- فتوى علماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة بوجوب اتحاد المسلمين والدفاع عن الأراضي الإسلامية في وجه هجوم الأجانب، خاصة الدفاع عن ليبيا في مواجهة الجيش الإيطالي (السنة الثانية، العدد السادس).
- نشر خبر وفاة الآخوند الخراساني ونشر مقال في التعريف به.