الملخص: في هذا المقال نقرأ نص وصية السيد محسن الأمين العاملي (م ۱۳۷۱ ق) التي كتبها سنة ۱۳۶۸هـ. وبعد بيانه لإيمانه بالعقائد الشيعية الصائبة، يشير السيد الأمين في وصيته إلى بعض النقاط في ما يتعلق بآداب دفنه، والكتب المطبوعة والمخطوطة الموجودة في مكتبته، ومؤلفاته المطبوعة وتلك التي لم تتم طباعتها بعد خصوصا أعيان الشيعة، وأمواله وأبناؤه بالتفصيل، والحبر الذي كتب به مؤلفاته، ووصاياه الأخلاقية.
إشارة
في شهر محرم الحرام من عام ١٤٣٠هـ، وخلال رحلة لي إلى دمشق، وبتوجيه من حجة الإسلام الشيخ نبيل الحلباوي المقيم في سوريا، وُفّقتُ للعثور على مكتبة العلامة السيد محسن الأمين “المكتبة المحسنية” في حي الأمين بدمشق وزيارتها. كانت المكتبة آنذاك قيد الترميم وغير مرتبة، وبعد العثور على المسؤول عنها المهندس صدّوق، حظيتُ بتوفيق الاطلاع على بعض المخطوطات والآثار للعلامة الأمين وكتبه، ومن جملتها وصيته بخط يده. وبعد مدة، وصلتني نسخة مصورة منها بمساعي الصديق الفاضل الشيخ محمد تقي الفقيه. على حد علمي، لم تُنشر هذه الوصية حتى الآن، ولذلك طلبتُ من الصديق الفاضل جناب السيد محمد خازن أن يتولى تحقيقها، وهو ما تلاحظونه أدناه.
الوصية
الحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله، وسلم تسليماً.
وبعد: فإن العبد المذنب الخاطئ الآثم المقصر محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الحسيني العاملي -كاتب هذه السطور- يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأن البعث حق، والنشور حق، وسؤال منكر ونكير في القبر حق، وأن الصراط حق، والميزان حق، والحساب حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ويؤمن بكل ما جاء به محمد من عند ربه، ويشهد أنه سيد المرسلين وخاتم النبيين.
ويعتقد أن الخلافة الكبرى والإمامة العظمى بعد النبي هي لابن عمه علي بن أبي طالب بأمر من الله تعالى، ونص عليه من الرسول الله، وأنها من بعد علي إلى ابنه السبط الحسن أبي محمد، ومن بعد الحسن إلى أخيه السبط الشهيد الحسين أبي عبد الله، ومن بعد الحسين إلى ابنه علي بن الحسين أبي محمد زين العابدين وسيد الساجدين، ومن بعد علي بن الحسين إلى ابنه محمد بن علي الباقر أبي جعفر، ومن بعد محمد الباقر إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق أبي عبد الله، ومن بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى بن جعفر الكاظم أبي الحسن، ومن بعد موسى الكاظم إلى ابنه علي بن موسى الرضا أبي الحسن، ومن بعد علي بن موسى الرضا إلى ابنه محمد بن علي الجواد أبي جعفر، ومن بعد محمد الجواد إلى ابنه علي بن محمد الهادي أبي الحسن، ومن بعد علي بن محمد الهادي إلى ابنه الحسن بن علي العسكري أبي محمد، ومن بعد الحسن العسكري إلى ابنه محمد بن الحسن المهدي أبي القاسم الحي الغائب عن الأنظار الموجود في الأمصار طال عمره وطالت غيبته كما اقتضت حكمة الله تعالى وكما طال عمر نوح وأهل الكهف والخضر من الأخيار، وكما طال عمر إبليس والدجال من الأشرار، يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وأن هؤلاء الأئمة الاثني عشر معصومون من الذنوب، مطهرون من العيوب، وأنهم الحافظون للأحكام، والمبينون للحلال والحرام، وأنهم بمنزلة باب حطة وسفينة نوح وشركاء القرآن وأحد الثقلين اللذين لا يضل المتمسك بهما، وأنهم أئمة واجبو الإطاعة قاموا أو قعدوا، ظهروا أو قهروا، بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ.
وأسأل الله تعالى أن يرزقني شفاعة جدهم وشفاعتهم ويميتني على ولايتهم ومحبتهم، ويعفو عن ذنوبي ببركتهم.
اللهم قد ضعفت قوتي وقلت حيلتي ووهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً، فارحم ضعفي وقلة حيلتي ومتعني بسمعي وبصري إلى منتهى أجلي، واجعلهما الوارثين مني، واجعل أقوى قوتك فيّ إذا كبرت، وأعزني ولا تذلني وارحمني ولا تسلط علي من لا يرحمني، ووسع علي من واسع فضلك، ولا تحوجني إلى لئام خلقك، وسهل علي خروج روحي، واعف عن سيئاتي وضاعف حسناتي، وأدخلني جنتك ونجني من عذابك، إنك أرحم الراحمين.
وهذا ما أوصي به أن يعمل بعد وفاتي، وأسأله تعالى أن يوفق أوصيائي لإنجازه على أكمل وجه:
أولاً: إذا قضيت نحبي ولقيت ربي وجاءني الأجل المحتوم الذي لا بد منه ولا محيص عنه، أن أغسل وأكفن بالكفن والحبرة التي عندي، وأحنط بالحنوط المستحب ثلاثة عشر درهماً وثلثاً تبلغ بالدراهم المتعارفة اليوم عشرة دراهم ونصفاً، ويكتب لي شهادة أربعين مؤمناً، ويوضع لي جريدتان، ويحضر غسلي وتحنيطي وتكفيني رجل عارف فيحافظ على الواجبات بأجمعها، وعلى المستحبات إلى غاية الإمكان، ويفعل ذلك حسب ما في الدر الثمين أو غيره حسب الإمكان، ويتصدق عني حال الدفن بما يراه الأوصياء، ويقرأ على قبري ثلاثة أيام بلياليها مع عمل فاتحة ثلاثة أيام، ويصلي لي ركعات الهدية أربعون مؤمناً، ويعمل طعام حسب المعتاد يوم الدفن إن لزم ذلك ويوم السابع.
ثانياً: أن تبنى على قبري قبة ويترك فسحة من الجهات الأربع أو بعضها حسب الإمكان.
ثالثاً: كنت أود أن تبقى مكتبتي التي أفنيت عمري في جمعها، وكنت أقدم أثمانها على نفقتي ونفقة عيالي الضرورية، ولا تباع لو كان يمكن حفظها من الضياع، أما حيث إن ذلك لا يمكن فتباع الكتب المطبوعة منها التي ليست من تأليفي فما يكون الأرجح بيعه في هذه البلاد يباع هنا، وما يكون الأرجح بيعه في العراق أو غيرها فينقل ويباع هناك وتحفظ أثمان الجميع وتوضع عند تاجر مؤتمن ولا توزع على الورثة.
رابعاً: الكتب المخطوطة التي ليست من تأليفي تباع أيضاً هنا أو في العراق حسب المصلحة ويضاف ثمنها إلى أثمان الكتب المطبوعة ويوضع عند تاجر مليء أمين ولا يصرف منه قرش واحد، ويحفظ للغاية الآتية، وبين الكتب المخطوطة كتب نفيسة عزيزة الوجود مثل رياض العلماء فلا يتهاون بها فقد اشتريتها بقيمة غالية جداً، وإن وجد من يبذل قيمة مكتبتي فتوقف وتحفظ ولا تباع إلا المكرر منها فلا مانع من بيعه.
خامساً: مؤلّفاتي المطبوعة -خصوصا أعيان الشيعة- تحفظ ولا توزع على الورثة ويضاف ما يباع منها تدريجاً إلى أثمان المبيعات السالفة وتودع معها عند تاجر أمين للغاية الآتية.
سادساً: ما يجتمع من أثمان الكتب المطبوعة والمخطوطة التي ليست من تأليفي والمطبوعة التي من تأليفي، يُصرف في طبع مؤلفاتي التي لم تُطبع مثل كشف الغامض في أحكام الفرائض وسفينة الخائض والقول الصادق والدرياق ونقض الوشيعة والقسم الثالث من الرحيق والرابع من معادن الجواهر والقول السديد وطلاق زوجة الممتنع عن الطلاق والنفقة وترجمتي المستقلة إن لم توضع في محلها من الكتاب وغيرها، وما يبقى من مسودات أعيان الشيعة وغيرها.
سابعاً: ما يبقى من مسودات أعيان الشيعة تطبع كما هي وإن كانت ناقصة وينقل ما يتعلق بتلك التراجم من كتب أخرى حسب الرقوم للأجزاء والصفحات الموجودة في المسودات، وإذا اقتضى الحال استئجار من ينقلها فليفعل ذلك مهما كلف الأمر. وأرجو من كرمه تعالى أن يفسح في أجلي لأباشر ذلك بنفسي إن شاء الله.
ثامناً: إذا وفق الله تعالى وتم طبع ما يبقى من أعيان الشيعة ومن مؤلفاتي التي لم تطبع، فالخيار حينئذ للورثة إن شاؤوا اقتسموا أعيانها بعد إخراج الوصية والدين، أو أبقوها تحت يد الأوصياء يبيعوها تدريجا ويقتسموها.
تاسعاً: هاشم ولدي يعطى ثلاثين ليرة عثمانية ذهباً، أما السجادات الكبار العتيقات وطقم الكنبايات الذي وجهه أخضر المعلوم ذلك كله فهذه كلها لهاشم من سابق.
عاشراً: حسن وعبد المطلب يعطى لكل منهما عشر ليرات عثمانية ذهباً متى أرادا التزويج.
حادي عشر: يخرج عني مبلغ مائة ليرة سورية للفقراء احتياطاً عما لعله في ذمتي.
ثاني عشر: تراجع دفاتري كلها، فما كان فيها من بعض الوصايا أو غيرها لم يخرج فيخرجه الأوصياء، ومنها مبلغ محرر بالدفتر لرجل يماني غاب عني اسمه واسم بلده، فيكتب مكتوب مضمون ويرسل لحاكم صنعاء ليفحص عنه، فإن لم يعرف فهي صدقة للفقراء، والرجل كان في أمريكا وتوفي هناك.
ثالث عشر: الدواة التي عندي تحفظ بما فيها من أقلام وتوضع ضمن صندوق صغير محكم من أول الأمر، ويكتب عليه: هذه دواة الفقير إلى عفو ربه فلان يطلب ممن نظر إليها طلب المغفرة له، وتوضع في مكان محفوظ من أيدي العابثين، فإني أرجو بوجودها بينكم البركة لكم وأن تكون ذكرى لي وموعظة لكم، فقد كتبت بها مؤلفات ونسخت كتباً بعد ذلك بالمئات. وإني أرجو من كرمه تعالى أن تكون حجاباً بيني وبين النار، ولئن كان المجلسي قد كتب -وله مساعدون لا يحصون- ما لو وزع على عمره لكان لكل يوم كراس، فإني قد كتبت -ولله المنة- بدون مساعد ما لو وزع على عمري لبلغ هذا المقدار إن لم يزد.
رابع عشر: هاشم وعبد المطلب لهما الدار التي في شقرا المعلومة الحدود المحتوية على سبع غرف بما فيه الغرفة الفوقانية التي سطحها قرميد، لا ينازعهما فيها منازع ولا يعارضهما معارض، فإن وجد من له وثيقة بما في ذلك فلا يعمل بها ولهما أيضاً البئر… المذكورة، ولهما زيادة على ذلك فسحة الدار… الغرب والشمال إلى الشباك الذي يدخل منه إلى … مستقيما إلى جهة الغرب. الأراضي التي في شقرا ودوبيه والصوانة وغيرها، فمن كان بيده حجة أو وثيقة بشيء يخصه فهو له، والباقي قد ملكت نصفه لأولادي الذكور بالسوية دون الإناث من مدة طويلة وما يبقى بعد إخراج الوصية والدين يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين.
خامس عشر: الأوصياء على إنفاذ هذه الوصية هم أولادي محمد الباقر وحسن وهاشم وجعفر وعبد المطلب، وعليهم أن ينفذوها بكل دقة ويستشيروا -عند التباس الأمر- أهل المعرفة والرأي والصلاح، وأن يكونوا في طاعة والدتهم وأن يرأفوا ويشفقوا على أخواتهم، وأن يكونوا يداً واحدة، ويوقر صغيرهم كبيرهم، ويرأف كبيرهم بصغيرهم.
وأوصيهم بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر الواجبات، فإن لم يفعلوا ذلك لم يفلحوا. والله خليفتي عليهم، وهو حسبي ونعم الوكيل، (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ).
وكتب هذه الوصية بيده الفانية محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الحسيني العاملي في العشرين من شهر شوال المبارك سنة ثمان وستين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية [١٣٦٨] على مهاجرها وآله آلاف الصلاة والسلام والتحية. يخرج عما في ذمته سنتان عبادة يستأجر عليهما الشيخ محمد علي صندوق الذي من شأنه أن يصلي.