الملخص: لا شك في عدم جواز التصرف في ملك الغير دون رضا مالكه؛ ومع ذلك، يرى كثير من الفقهاء جواز التصرف دون إذن المالك في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، واستدلوا في هذا الصدد بأدلة منها قاعدة “لا حرج”؛ بمعنى أن الشارع، بهدف منع وقوع المكلفين في الحرج، أجاز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، ولم يُلزم في هذا المجال بتحصيل رضا المالكين. إن الاستناد إلى قاعدة “لا حرج” في هذا الموضوع رهين بمقومات تحتاج إلى تمييز وتقييم. إن التمييز المفاهيمي للحرج وصدقه الموضوعي في مسألة الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، وكون “لا حرج” امتنانية وتأثيرها في رفع تحريم التصرفات الملكية، ونطاق شمول “لا حرج” في رفع الواجبات والحرج النوعي والأحكام الوضعية، وكذلك إجمال دليل “لا حرج”، كلها تؤدي دوراً في تمهيد جريان “لا حرج” في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. يسعى الكاتب، مع العناية بموضوع الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، وضمن كشف الجوانب الخفية لدليل “لا حرج”، إلى التوصل إلى إجابة واضحة ومبنية على الضوابط والمباني في مجال جواز التصرف دون إذن في ملك الغير. والخلاصة أن تمهيد الاستناد إلى “لا حرج” في بعض المقومات المذكورة آنفاً متاح، وفي بعضها الآخر مقرون بالصعوبة، وربما يواجه جريان “لا حرج” مشكلة.
مقدمة
إن مقولة المُلك والمالكية بين بني البشر من الاعتباريات التي وُجدت منذ البدء، وقد أقرتها الشرائع الإلهية بل كانت هي نفسها مؤسسة لها. المُلك والمالك علاقة وارتباط ثنائي ينشأ عنه نوع من السلطة، سلطة تتيح للمالك كل نوع من التصرف في ملكه وتمنع مزاحمة الآخرين وتصرفهم دون إذنه. سلطة المالك ونطاقها موضوع يحظى بالاهتمام في العرف والشرع، ورغم أنه غالباً ما يكون مصحوباً بالوفاق، إلا أنه يختلف في بعض الحالات؛ ذلك أن الشريعة قد أبطلت سلطة المالك في الانتفاعات المحرمة، أو أجازت للحاكم أن يُلزم المحتكر ببيع سلعه. هذه نماذج من انفصال الإباحة والجواز الشرعي عن الإباحة والجواز المالكي. يلاحظ الباحث هذا الانفصال في جميع أبواب الفقه وفي موضوعات متنوعة؛ ولكن يمكن اعتباره أيضاً في دائرة أصغر؛ في دائرة محدودة بالملك الشخصي وخصوص تصرف الآخرين فيه، والذي يوجد في غالب حالاته توافق بين الإباحة الشرعية والإباحة المالكية؛ لذا فإن الشارع لا يحكم بجواز التصرف في ملك الغير إلا إذا أذن المالك أيضاً للآخرين بالتصرف فيه، وكذلك في غالب الحالات التي يأذن فيها المالك للآخرين بالتصرف في ماله، فإن الشارع أيضاً يبيح للآخرين التصرف في ذلك المال ويمضي إباحة المالك المالكية.
ولكن في بعض الحالات يحدث انفصال بين الإباحة الشرعية والإباحة المالكية. هذا الانفصال يمكن تصوره على صورتين: أ) أن يأذن المالك للآخرين بالتصرف في ملكه؛ ولكن الشارع يخالف ولا يمضي إذنه؛ كما هو الحال في المحجور عليه، فعلى الرغم من وجود الإباحة المالكية، لا توجد إباحة شارعية. في مثل هذه الفرضية، تُخصَّص أدلة مثل “الناس مسلطون على أموالهم” ولا تشمل بعض تصرفات المالكين. ب) أن يحكم الشارع بجواز التصرف في ملك الغير دون أن يكون المالك قد أباحه. طبقاً لهذه الفرضية، تُخصَّص أدلة مثل: “لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ في مال غيره بغير إذنه”.
يتناول هذا البحث الفرضية الثانية من حالات انفصال الإباحة المالكية عن الإباحة الشرعية فيما يتعلق بالأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. هذه الفرضية قد نوقشت أيضاً في الكتب الفقهية في موضوعات أخرى مثل “حق المارة”، و”التقاط اللقطة”، و”تصرف الزوجة في أموال الزوج” وما شابه ذلك. إن التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة من بين الفروع التي يبتلى بها كثير من الناس في حياتهم اليومية، ومن هنا فإن البحث فيه ضروري من الناحيتين الفقهية والقانونية. إن تقييم جواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة له تاريخ عريق يمتد بامتداد الفقه؛ ذلك أن الناس كانوا دائماً مبتلين بتصرفات، ولو كانت جزئية، في هذه الأراضي والأنهار، وتبعاً لذلك، تطرق الفقهاء أيضاً منذ القدم في كتبهم الفقهية إلى هذه المسألة بمناسبة مسائل مثل اشتراط إباحة الماء للوضوء والغسل، أو إباحة مكان المصلي، ولو بشكل مختصر وعابر. وقد اهتم بهذه المسألة بعض قدماء الأصحاب مثل السيد المرتضى والشيخ الطوسي، حتى الفقهاء المتأخرين مثل العلامة والشهيد الأول، بل وبعض فقهاء متأخري المتأخرين مثل الوحيد البهبهاني؛ ولكن لم يتناولها أي منهم بشكل جامع.
تجدر الإشارة إلى أنه قد تم بيان استدلالات كثيرة لإثبات جواز التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، والتي تثبت، حسب اعتقاد الكاتب، أصل الجواز على الأقل؛ ولكن هذه المقالة تركز فقط على الاستدلال بقاعدة “لا حرج” تحديداً. ويرجع ذلك إلى أن قاعدة “لا حرج” تحظى بأهمية خاصة بين الفقهاء، وهي من القواعد المعروفة التي لها تطبيقات كثيرة في الكتب الفقهية. أحد الآثار التطبيقية لهذه القاعدة هو نفي حرمة التصرف دون إذن وإثبات الإباحة الشرعية دون وجود إباحة مالكية في موضوع الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. من بين الفقهاء الذين استدلوا بقاعدة “لا حرج” في موضوع الأراضي الشاسعة أو الأنهار الكبيرة: العلامة المجلسي في “ملاذ الأخيار”، والعاملي الكاشف الغطاء، والميرزا القمي، والشيخ حسن كاشف الغطاء. كما ذكر بعض الفقهاء “لا حرج” على سبيل الاستئناس والتأييد. ومن هؤلاء العلامة المجلسي في “بحار الأنوار” والمحقق الهمداني.
مفهوم شناسی (تحديد المفاهيم)
الإباحة هذه الكلمة تعني في اللغة ترك الشيء حراً طليقاً، وفي اصطلاح الفقهاء تنقسم إلى قسمين: شرعية ومالكية.
أ. الإباحة الشرعية: الإباحة الشرعية هي إذن وترخيص من الشارع المقدس. هذه الكلمة ذات إضافة، وتتعلق دائماً بشيء ما. دائرة متعلق الإباحة الشرعية واسعة جداً وتشمل جميع أفعال الشخص وحركاته وسكناته؛ سواء كانت أفعالاً وتصرفات تتعلق بأموال الشخص نفسه، أو بأموال الآخرين، أو حتى أفعالاً لا تتعلق بالأموال أصلاً، مثل النوم والمشي والكلام. ما هو مقصود في هذه المقالة ليس هذا النطاق الواسع؛ بل هي مجرد الإباحة التي يمنحها الشارع للشخص للتصرف في أموال الآخرين.
ب. الإباحة المالكية: الإباحة المالكية هي إيقاع ينشئ به المالك ترخيصاً وإذناً للغير بالتصرف في ماله. وبهذا العمل يجعل ماله مباحاً للآخر، دون الحاجة إلى قبول ذلك الآخر (المباح له). الإباحة المالكية هي أحد أسباب تحقق الإباحة الشرعية التي تمهد لها الطريق، بمعنى أن أحد الأشياء التي إذا تحققت، حكم الشارع بجواز تصرف الآخرين في مال المالك هو أن يبيح المالك التصرف في ماله للآخرين. المراد بالإباحة المالكية أنواع الإباحة التي يصدرها المالك أو قيمه أو وليه الشرعي مثل الأب. وكذلك يُلحق رضا المالك بالإباحة المالكية. بناءً على ذلك، فإن مقصود الكاتب من الجواز الشرعي للتصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة دون إباحة المالك، هو حيث حكم الشارع بالإباحة دون أن يكون المالك أو وليه قد أباح التصرف، أو كان رضاه بالتصرف محرزاً.
الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة المراد بهذين العنوانين في هذه المقالة هو تلك الأراضي والمساحات والأنهار المملوكة التي بسبب اتساعها، إذا أراد المسافرون في أسفارهم تجنب هذه الأراضي أو الأنهار، فإنهم يقعون في مشقة. يجب الانتباه إلى أن هدف المقالة هو نفي حرمة التصرف دون إذن المالك وإثبات الإباحة الشرعية دون وجود إباحة مالكية، وهذا لا يمكن تصوره إلا في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة التي تقع ضمن نطاق الملكية الخاصة؛ أي تلك الأراضي والأنهار التي هي ملك شخصي لأفراد الناس؛ سواء كانت ملكاً خاصاً بهم أو مشتركاً؛ وليست الملكيات العامة مثل الأراضي التي دخلت في ملك عموم المسلمين بالحرب والغلبة، لا أفرادهم؛ إذ إنه أساساً لا يمكن تحقق الإباحة المالكية في مثل هذه الأراضي؛ لأن مالك هذا النوع من الأراضي هو عنوان “المسلمين”، وبالتأكيد لا يمكن للشخص الذي يقصد التصرف في مثل هذه الأراضي أن يستأذن من المالك، أي عموم المسلمين. لقد فوض الشارع المقدس في مثل هذه الحالات الأمور إلى الحاكم الشرعي ليتخذ القرارات التي تصب في المصالح العامة للمسلمين بشأن هذا النوع من الأراضي. لذا، فإن جواز أو عدم جواز التصرف في هذا النوع من الأراضي يعتمد على تجويز أو منع الحاكم الشرعي. بناءً على ذلك، قد نقول في المستقبل بجواز التصرف في الأراضي الشاسعة التي هي ملك خاص للأفراد؛ ولكن هذا لا يستلزم أن نجيز التصرف في الأراضي التي دخلت في ملك المسلمين بالحرب والغلبة، والعكس صحيح، فقد نقول بمنع التصرف في الأراضي الخاصة؛ ولكن هذا لا يستلزم أن نمنع التصرف في الأراضي الناتجة عن الحرب والغلبة أيضاً؛ لأن جواز أو منع التصرف في هذا النوع من الأراضي يعتمد فقط على قرار الحاكم الشرعي ومراعاة المصالح العامة للمسلمين.
الحرج كلمة “حرج” هي مشترك لفظي بين عدة معانٍ؛ منها “الضيق”، و”الإثم”، و”البعير الهزيل”، و”البعير السمين”، و”خشبة حمل الجنازة”، و”الشجر المتكاثف الأغصان الملتف بعضه ببعض”، و”نوع من مراكب النساء”. من الواضح أن المعنى الأول هو المقصود. ولكن هذا المعنى الأول نفسه فسره بعض اللغويين بشكل أدق وجعلوه معادلاً لـ “أضيق الضيق”. بناءً على ذلك، لا يصدق عنوان “الحرج” على كل مشقة وضيق؛ بل يقال فقط للمشقات الشديدة (الحرج). وفي بعض الروايات، اعتبر “الحرج” أشد من “الضيق”. ففي صحيحة بريد العجلي يقول الإمام (ع): “لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَالْحَرَجُ أَشَدُّ مِنَ الضّيقِ”. وقد صرح بهذا المضمون في كلمات بعض كبار القدماء. أما كون بعض كتب اللغة قد جعلت “الحرج” معادلاً لـ “الضيق”، فلا ينافي كلام من اعتبر الحرج “أضيق الضيق”؛ لأنهم لم يكونوا بصدد بيان المعنى الدقيق للحرج وتبيين جزئياته؛ ذلك أن كلمة “الحرج” مشترك لفظي، وكما مر، لها معانٍ أخرى. هؤلاء اللغويون كانوا بصدد الإشارة، ضمن المعاني الأخرى التي للحرج، إلى معنى الضيق بشكل عام؛ أما كون معناه الدقيق أي نوع من الضيق أو الدرجات الشديدة للضيق، فلم يكونوا بصدد بيانه. بخلاف أولئك الآخرين الذين اعتبروا الحرج “أضيق الضيق” لا مطلق الضيق؛ فهؤلاء، مع الأخذ في الاعتبار التبيين الدقيق لمعاني الكلمات، قد عرّفوا الحرج؛ خاصة أبو هلال العسكري الذي بناؤه على الدقة في الألفاظ. بالطبع، سيأتي مزيد من التوضيح في هذا الصدد خلال المقالة. ينقسم “الحرج” من وجهة نظر إلى قسمين: “الحرج الشخصي” و”الحرج النوعي”. “الحرج الشخصي” يعني أن يكون أداء تكليف ما حرجياً لشخص المكلف. أما “الحرج النوعي” فيعني أن يكون أداء تكليف ما حرجياً لنوع المكلفين في نوع الحالات. “الحرج الشخصي” رافع للتكليف، بمعنى أن التكليف يُجعل للمكلفين ويُبلغ إليهم؛ لكنه يُرفع عن كل من يكون حرجياً لشخصه، بخلاف الحرج النوعي الذي يمنع من جعل أو إبلاغ التكليف من البداية من باب الدفع. على سبيل المثال، في باب الوضوء، لم ير الشارع المقدس حرجاً لنوع المكلفين في نوع الحالات، لذا جعل الوجوب وأبلغه؛ ولكن في نفس الوقت، يُرفع عن كل مكلف يكون الوضوء له حرجياً. أما في صوم المريض، فلأنه رأى حرجاً في غالب المرضى في غالب الحالات، لم يجعل الوجوب للمريض أصلاً.
العسر “العسر” في اللغة فُسِّر بمعنى “الضيق”، و”الصعوبة”، و”الشدة”، أي المشقة، ووُضع في مقابل “اليسر” و”السهولة”. وقد وردت المقابلة بين “العسر” و”اليسر” ومشتقاتهما مراراً في القرآن. يجب الانتباه إلى أن المراد بكلمة “العسر” في قاعدة نفي العسر والحرج، كما هو الحال في كلمة “الحرج”، ليس أي نوع من الضيق والمشقة؛ بل المراد مرتبة أعلى منها؛ لأن غالب التكاليف تحمل لنوع الناس، على الأقل، قدراً قليلاً من المشقة، وأساساً لهذا السبب سُميت “تكليفاً”، أي شيئاً فيه كلفة ومشقة، ولا شك أنه لا يمكن التخلي عن كل هذه التكاليف استناداً إلى قاعدة “نفي العسر والحرج”؛ ذلك أن ثبوت هذه التكاليف في الشريعة مسلم وقطعي. نتيجة لذلك، للحفاظ على التكاليف الشرعية، هناك أحد الخيارين: إما أن نخصص قاعدة نفي العسر والحرج بأدلة الواجبات والمحرمات، أو أن نعتبر المراد بالعسر والحرج المراتب العليا من المشقة حتى لا تشمل كل تكليف؛ بل تشمل فقط التكاليف التي تتمتع بمشقة أعلى. الطريق الأول باطل؛ لأن عدد الواجبات والمحرمات المسلم بها في الشريعة كثير جداً، وارتكاب مثل هذا التخصيص في “لا حرج” مستهجن. وببطلان الطريق الأول، يتعين الطريق الثاني طبعاً. بالطبع، فرّق البعض بين “العسر” و”الحرج” باختلاف المرتبة، واعتبروا الحرج مرتبة أعلى من “العسر”. هذه الجهة ليست مؤثرة في المقالة الحالية ولن يتم بحثها. تجدر الإشارة إلى أن “العسر والحرج” في هذه القاعدة ليسا بمعنى “الخروج عن حد الطاقة”. “نفي التكليف بما لا يطاق” قاعدة عقلية؛ أما قاعدة “نفي العسر والحرج” فهي قاعدة شرعية جُعلت امتناناً، ولذا لو وضع الشارع تكاليف عسرية وحرجية على العباد، لما قبحها العقل.
إمكانية انفصال الإباحة الشرعية عن الإباحة المالكية
كما اتضح، يتناول البحث الحالي تقييم الجواز الشرعي للتصرف في الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة دون إذن مالكيها، ومقصود الكاتب من الجواز الشرعي للتصرف في الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة دون إباحة المالك، هو الموضع الذي حكم فيه الشارع بالإباحة دون أن يكون المالك أو وليه قد أباح التصرف، أو كان راضياً قلباً بتصرف الآخرين. نتيجة هذا الادعاء هي انفصال الإباحة الشرعية عن الإباحة المالكية فيما يتعلق بالأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة؛ كما انفصلت الإباحة المالكية عن الإباحة الشرعية في الاتجاه المقابل، كما في حالة المحجور عليه. فمع وجود الإباحة المالكية، لم يأذن الشارع بالتصرف. السؤال الذي قد يطرح نفسه هو إمكانية حدوث مثل هذا الانفصال، والذي يلزم تقديم إجابة مناسبة له ضمن النقاط التالية:
النقطة الأولى: الإباحة المالكية هي أحد أسباب تحقق الإباحة الشرعية؛ ولكن السببية والتأثير الذي للإباحة المالكية في تحقق الإباحة الشرعية هو في حد الاقتضاء لا العلية التامة؛ لذا، لتحقق الإباحة الشرعية، يلزم توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد تتحقق الإباحة المالكية؛ ولكن بسبب عدم توفر جميع الشروط أو وجود مانع، لا تتحقق الإباحة الشرعية؛ مثل إباحة الراهن، والنابالغ، والسفيه، والمكره المالكية.
النقطة الثانية: الإباحة المالكية، في حال تحقق جميع الشروط وانتفاء أي مانع، ليست هي العلة الحصرية للإباحة الشرعية؛ بل هي مجرد إحدى علل وأسباب الإباحة الشرعية؛ لذا، قد تتحقق الإباحة الشرعية فيما يتعلق بالتصرف في مال المالك دون وجود إباحة مالكية.
مستند قاعدة “لا حرج“
الأساس الحاكم في المقالة هو قبول وحجية قاعدة “لا حرج”، أو بعبارة أخرى، قاعدة “نفي العسر والحرج”. بمعنى أننا، بغض النظر عن الاختلافات الموجودة في نطاق وتفاصيل هذه القاعدة، نعتبر أصلها حجة. أصل هذه القاعدة تقريباً من القواعد المسلم بها بين الفقهاء؛ ولكن من المناسب الإشارة باختصار شديد إلى عدد من مداركها ومستنداتها المذكورة في كتب القواعد الفقهية:
الآيات الشريفة: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) و (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) و (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) تدل بوضوح على هذه القاعدة. ومما يزيد ذلك وضوحاً استشهاد الأئمة المعصومين بهذه الآيات في مواضع متعددة لرفع الأحكام الحرجية، والتي سيشار إلى نموذج منها فيما يلي، والذي بالإضافة إلى اعتباره السندي، فإن كثرتها تغني المحقق عن تقييم السند: صحيحة عبد الأعلى مولى آل سام الذي سقط ظفره ووضع عليه ضماداً، وسأل الإمام الصادق (ع) عن كيفية الوضوء في هذه الحالة، فأجاب الإمام (ع): “يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل؛ قال الله عزّ وجلَّ: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، امسح عليه”.
بالطبع، أثار بعض المعاصرين نقاشات حول أصل القاعدة ومستنداتها، ولا يسعى كاتب هذه المقالة إلى دراستها، وقد قبل ثبوت أصل القاعدة كأصل موضوعي.
الأصل الأولي في المسألة
من المناسب، قبل بحث جواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، تبيين مقتضى الأصل الأولي. في حال واجه الاستناد إلى قاعدة “لا حرج” مشكلة لأي سبب كان، يجب العمل بمقتضى الأصل الأولي.
- الأصل الأولي العقلي: حكم العقل بقبح التصرف دون إذن في مال الغير. يحكم العقل بأن التصرف دون إذن في أموال الآخرين من مصاديق الظلم، ويحكم بقبحه استقلالاً. وضوح وقطعية هذا الحكم إلى درجة أن صاحب الجواهر اعتبره حكم العقل الفطري. وبذلك، يكفي ثبوت ملكية الشخص ليحكم العقل بوجوب الاستئذان من المالك للتصرف في ماله. في الأراضي والأنهار، ملكية الغير مفروضة في الكلام، ويترتب عليها جريان حكم العقل بقبح التصرف دون إذن في مال الغير؛ بل بالنظر إلى الملازمة بين حكم العقل القطعي والحكم الشرعي، يمكن الحكم بالحرمة الشرعية لهذه التصرفات. إذن، التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، مثل أي ملك آخر، ليس قبيحاً عقلاً فحسب، بل هو حرام شرعاً أيضاً. وجدير بالذكر أن هذا الحكم العقلي لا يقتصر على فرض النهي وإعلان عدم الرضا أو العلم بكراهة المالك؛ بل يكفي هذا المقدار من عدم الاستئذان من المالك وعدم العلم برضاه حتى يجد حكم العقل بقبح التصرف موضوعاً له. هذه النقطة يمكن استفادتها بوضوح من عبارات الفقهاء أيضاً؛ لأنهم اعتبروا مجرد التصرف الذي يكون دون إذن أو علم برضا المالك سبباً لحكم العقل بقبح التصرف، لا كون التصرف منهياً عنه أو مكروهاً.
هذا الحكم العقلي يستمر ما لم يأذن الشارع نفسه بالتصرف؛ لأن هذا الحكم العقلي حكم تعليقي لا تنجيزي. يجب أن يُعلم أن الأحكام العقلية قسمان: تنجيزية وتعليقية. الحكم العقلي التنجيزي هو حكم لا تبصرة فيه ولا استثناء، وليس معلقاً على شيء، ولا يُنقض تحت أي ظرف، وهو ثابت دائماً وفي كل مكان؛ مثل حكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين. في المقابل، الحكم العقلي التعليقي هو حكم معلق على شيء آخر، ويتحقق بفعليته بتحقق ذلك الشيء، وبانتفاء المعلق عليه، لا يتحقق الحكم العقلي التعليقي بفعليته؛ مثل حكم العقل بقبح المخالفة الاحتمالية للتكليف المعلوم بالإجمال، الذي هو، حسب رأي كثير من علماء الأصول، حكم عقلي تعليقي، ومرتبط ومعلق على عدم إذن الشارع بالمخالفة الاحتمالية. حكم العقل بقبح التصرف في أموال الآخرين هو أيضاً حكم تعليقي، مرتبط ومعلق على عدم إذن الشارع بالتصرف في مال الآخرين؛ لأنه في الحقيقة المالك الأصلي هو الله، وأساساً من وجهة نظر المتشرع، لا تعتبر المالكية والسلطة على الأموال إلا إذا اعتبرها الله مالك الملوك. لذا، في موارد مثل الخمر والخنزير، حيث لم يعتبر الشارع ملكية، لا يعتبرها المتشرعون أيضاً ملكاً، ولا يرتبون عليها أحكام الملك، ومنها حرمة التصرف دون إذن. بناءً على ذلك، يتوجه عقل الشخص المتشرع أولاً إلى ما إذا كان الشارع المقدس قد اعتبر في مورد ما ملكية أصلاً أم لا؟ وعلى فرض اعتبار المالكية، إلى أي مدى ألزم بمراعاة أحكام الملك؟ فكما أن العقل في مثل الخمر والخنزير لا يقبح التصرف دون إذن أصلاً، كذلك في الموارد التي اعتبر فيها الشارع المالكية؛ ولكنه لم يجعل أحد آثارها وأحكامها – وهو لزوم الاستئذان من المالك للتصرف – فلن يحكم العقل بلزوم الاستئذان وقبح التصرف دون إذن. النتيجة هي أن حكم العقل بقبح التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة مرهون بعدم تمامية أدلة جواز التصرف دون إذن المالك – ومنها قاعدة لا حرج – وإلا فإن حكم العقل سينتفي. ولكن على أي حال، ما لم يثبت دليل على جواز التصرف دون إذن، فإن حكم العقل بقبح التصرف، وبالتالي حرمة التصرف شرعاً، يظل قائماً كأصل أولي.
- الأصل الأولي النقلي: النصوص الشرعية الدالة على حرمة التصرف في مال الغير دون إذنه. تدل آيات وروايات كثيرة على حرمة التصرف في مال الآخرين دون إذن، ونشير إلى نماذج منها فقط:
- في الآية الشريفة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) نُهي عن أكل مال الآخرين. ليس المراد بالأكل خصوص الأكل المصطلح؛ بل هو، طبقاً لتصريح بعض الأكابر، كناية عن مطلق التصرف؛ لذا فإن معنى الآية هو: لا تتصرفوا في أموال بعضكم البعض بالباطل؛ إلا أن يكون هذا التصرف في قالب تجارة عن تراضٍ من الطرفين.
قد يُشكل بأن كون التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة باطلاً ليس واضحاً، والاستناد إلى الآية لإثبات حرمة التصرف هو تمسك بالعام في شبهة مصداقية نفسه. وفي الجواب يجب القول بأن كون التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة باطلاً وحراماً شرعاً لا يمكن استفادته من الآية، ولا يمكن التوصل إليه دون تقييم الأدلة الأخرى؛ ولكن كونه باطلاً عرفاً واضح وثابت؛ ذلك أن العرف والعقلاء، بلا شك، يعتبرون التصرفات دون إذن في مال الغير باطلة وقبيحة، ومن المعلوم أنه في هذا الخطاب أيضاً، كما في سائر الخطابات الشرعية، يجب حمل الألفاظ على مفاهيمها العرفية، وإذا كان مراد الشارع غير ذلك، فعليه أن ينبه إليه. لا فرق بين أن تكون الباء في “بالباطل” للمقابلة أو للسببية؛ لأنه إذا كانت للمقابلة، فالمعنى هو لا تتصرفوا في أموال بعضكم البعض مقابل لا شيء وعبث، وإياكم أن تتصرفوا في مال الغير؛ ولكنكم في مقابله تدفعون شيئاً لا قيمة له وتافهاً. بهذا المعنى، يثبت النهي قطعاً في محل البحث أيضاً؛ لأن الأشخاص يتصرفون مجاناً في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، فيمكن القول بالتأكيد إنهم تصرفوا مقابل لا شيء. وطبقاً لسببية الباء، يكون المعنى هو لا تتصرفوا في أموال بعضكم البعض بسبب باطل – مثل القمار – وإنما يجوز لكم التصرف فقط بسبب حق مثل التجارة بالتراضي. والآن، في محل البحث، لا يوجد سبب حق وتجارة أصلاً حتى يقع في دائرة المستثنى ويُحكم بالجواز. 2. فيما رواه الإمام الصادق (ع) عن رسول الله (ص): “لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه” والنبوي المعروف: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه” والرواية المروية عن صاحب الزمان (عج): “لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ في مال غيره بغير إذنه” وروايات أخرى قريبة من هذا المضمون، حُكم بعدم حلية مال المسلم – بل طبقاً للرواية الأخيرة – وغير المسلم دون إذنه وطيب نفسه، والعنصر الوحيد الذي يجعل مال الغير حلالاً هو رضاه وإذنه بالتصرف. لذا، ليس فقط في فرض نهي المالك، بل حتى في فرض عدم وجود إذنه ورضاه، يجب الحكم بحرمة التصرف. 3. الرواية النبوية المعروفة “الناس مسلطون على أموالهم” تدل على تسلط الناس على أموالهم. هذه السلطة ليست فقط من حيث كونهم مختارين في أنواع التصرف في الأموال كالبيع والإجارة والهبة والعارية وغيرها؛ بل هم مسلطون أيضاً من حيث إنه لا يحق للغير التصرف في أموالهم دون إذن؛ لأن جواز التصرف دون إذن يتنافى مع سلطة المالك. لذا، استند الفقهاء في مواضع شتى من الفقه إلى هذه الرواية لإثبات حرمة التصرف في مال الغير. بناءً على ذلك، وبالنظر إلى النصوص الروائية، فإن الأصل الأولي من وجهة نظر الشرع أيضاً هو حرمة التصرف في أموال الغير دون إذن، ومنها الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة؛ إلا أن يثبت خلاف ذلك.
قاعدة “لا حرج” وجواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة
كما أشير في المقدمة، استند كثير من الفقهاء في مسألة الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة إلى قاعدة “لا حرج”، بدعوى أنه لو كان الاستئذان من المالك لازماً للتصرف في هذه الأموال، ومُنع التصرف بدونه، للزم الحرج؛ ذلك أنه منذ القدم، كان المكلفون في كثير من الأسفار يواجهون أراضي ومراعي هي ملك لآخرين، ولم يكن الاستئذان من المالكين ميسوراً لهم؛ إما لأنهم لم يكونوا يعرفون مالكي الأراضي، أو لم يكونوا في متناولهم. ومن جهة أخرى، كان عدم المرور بهذه الأراضي وتجنبها، بسبب سعتها واتساعها، شاقاً على المسافرين. وكذلك، كانت هناك حاجة ماسة للتصرف في هذه الأراضي لإقامة الصلاة؛ إذ إنه في كثير من الأحيان، كان تجنب هذه الأراضي الشاسعة والوصول إلى الوطن أو مكان مباح آخر يستغرق ساعات، وربما كان يؤدي إلى فوات وقت الصلاة. وفي الأنهار الكبيرة أيضاً، كانت تنشأ مشكلات مشابهة؛ لأنه في الأسفار، خاصة في الأزمنة الماضية، لم يكن ممكناً حمل الماء بكمية كافية. وفي السفر، تنشأ حاجات متنوعة للماء، مثل الشرب، والوضوء، والغسل، والتطهير بعد قضاء الحاجة، وغيرها، ولم يكن ممكناً عادة، ولا يزال، حمل الماء بكمية تكفي لتلبية كل هذه الحاجات. لذا، فإن وجوب الاستئذان من مالكي هذه المياه، مع أنهم عادة ما يكونون مجهولين للمسافرين أو ليسوا في متناولهم، هو حكم حرجي يُرفع بمقتضى قاعدة “لا حرج”. يجب أن يُعلم أن مراد الذين استدلوا بقاعدة “لا حرج” وادعوا أنه “إذا كان التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة حراماً، لزم الحرج”، هو الحرج النوعي والغالب، لا الحرج الشخصي؛ كما صرح بعضهم بذلك. ومقتضى الحرج النوعي هو أن حرمة التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة لم تُجعل أساساً، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يكون تجنب التصرف في هذه الأراضي والأنهار شاقاً وحرجياً عليهم؛ مثل وجوب الصوم على المسافر والمريض، أو نجاسة الحديد، أو وجوب السواك، التي كلها لم تُجعل من البداية بسبب مشقتها وعسرها وحرجها على نوع المكلفين، أو لم يُؤمر بإبلاغها؛ لا أن تكون مثل الوضوء الحرجي الذي، لأنه ليس حرجياً على نوع المكلفين، وصل إلى مرحلة الجعل والإبلاغ، ورُفع فقط بشكل موردي عن كل شخص يكون حرجياً عليه.
تقييم الاستدلال بـ “لا حرج” في المسألة
في قاعدة “لا حرج” جوانب كثيرة محل بحث ونزاع، وبعض هذه الجوانب مؤثر في مسألتنا أيضاً، وبدون الالتفات إليها لا يتسنى الوصول إلى النتيجة المطلوبة. يشير الكاتب فيما يلي إلى كل من هذه الجوانب ويدرس جريان قاعدة “لا حرج” في إثبات جواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة دون إذن مالكيها.
- كون “لا حرج” امتنانية بتصريح كثير من الفقهاء، جُعلت قاعدة “لا حرج” بهدف الامتنان على الأمة؛ مثل حديث “الرفع” و”لا ضرر” وكثير من القواعد والأصول الامتنانية الأخرى. بالنظر إلى هذه النقطة، يكون الاستدلال بقاعدة “لا حرج” أو أي قاعدة امتنانية أخرى صحيحاً عندما لا يلزم من تطبيق تلك القاعدة الامتنانية خلاف الامتنان من جهة أخرى؛ إذ إنه في هذه الحالة، يقع نقض الغرض. في مسألة الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، ادُّعي أنه لو أراد الشارع، بغرض الامتنان على الأمة، نفي الحكم الحرجي وإباحة التصرف دون إذن في أموال بعض الأمة، لكان قد نقض غرضه؛ لأن مالكي هذه الأراضي والأنهار هم أيضاً من هذه الأمة، وهذه الإباحة الشرعية خلاف الامتنان في حق المالكين. لذا، بالنظر إلى استحالة أن ينقض الشارع الحكيم غرضه، يُعلم أن “لا حرج” لا تجري في مثل هذه الظروف. نعم، في أمور مثل الصوم والوضوء الحرجيين، حيث لا يلزم من جريان “لا حرج” خلاف الامتنان ونقض الغرض، لا إشكال في الاستناد إلى “لا حرج”. دليل كون الإباحة الشرعية خلاف الامتنان في حق المالكين يمكن تقريبه بصورتين: التقريب الأول: إذا كان بناءً على حكم “لا حرج” يُباح التصرف في هذه الأراضي والأنهار مجاناً ودون عوض، فسيكون ذلك خلاف الامتنان في حق المالكين الذين هم أنفسهم من هذه الأمة؛ لأن الشارع قد اعتبر أموال المسلمين محترمة، فإذا استُفيد من منافعها، وجب دفع العوض مقابلها. لذا، أشكل صاحب الجواهر على الكاشف الغطاء الذي استند في هذه المسألة إلى “لا حرج” بأن “لا حرج” لا تقتضي مثل هذا الأمر، أي أن تجعل أموال المسلمين حلالاً مجاناً ودون عوض. قد يُشكل على هذا التقريب بأن المدعى ليس مجانية التصرف في الأراضي والأنهار؛ بل المدعى فقط هو أن التصرف في الأراضي والأنهار الكبيرة دون إذن مالكيها مباح، ولا حاجة للاستئذان من المالكين. هذا لا ينافي وجوب دفع العوض أيضاً. فيمكن اعتبار التصرف دون إذن مباحاً؛ ولكن ليس مجاناً؛ بل مقابل عوض. بناءً على ذلك، من يريد مثلاً أن يتوضأ من نهر آخرين أو يشرب مقداراً منه، وإن لم يكن ملزماً بالاستئذان من المالك؛ إلا أنه يجب عليه أن يدفع له ثمن الماء، أو من يصلي في ملك آخر؛ إذا كان العقلاء يعتبرون أجرة لهذا التصرف، وجب عليه أن يدفع له أجرة المثل لتصرفه. وقد ذكر المحقق الحكيم هذا الإشكال نفسه بعد نقل كلام صاحب الجواهر في الرد عليه. وذكر المحقق الحسيني الشبر ما يشبهه. حسب رأي الكاتب، هذا الإشكال غير صحيح؛ لأن القول بأن “المدعى في المسألة ليس مجانية التصرف في الأراضي والأنهار؛ بل المدعى فقط هو أن التصرف في الأراضي والأنهار الكبيرة دون إذن مالكيها مباح، ولا حاجة للاستئذان من المالكين” يتعارض مع ظاهر كلمات الفقهاء؛ إذ إنهم بعد الحكم بالجواز، لم يتحدثوا عن لزوم دفع العوض. وظاهر هذا النهج هو جواز التصرف المجاني، وإلا لنبهوا إليه؛ خاصة تلك الكتب الفقهية التي كانت مرجعاً لعمل المكلفين. وشاهد آخر على ذلك أن بعض الفقهاء قد وضعوا هذه المسألة في مصاف مسألة حق المارة وتصرفات الزوجة في أموال الزوج وأمثالها، ولا شك في عدم لزوم دفع العوض في حق المارة. التقريب الثاني: نفس كون التصرف في مال الغير دون إذن مالكه مباحاً، هو خلاف الامتنان على المالك، وإن لم يكن مجانياً ولزم دفع العوض؛ لأن مقتضى حرمة مال المسلم والسلطنة التي اعتبرها الشارع للمالكين لا يقتصر على عدم التصرف في مالهم مجاناً؛ بل يقتضي أيضاً عدم التصرف في أموالهم دون إذنهم، ولو بعوض. والآن بعد أن ثبت أن إباحة ورفع حرمة التصرف في الأراضي والأنهار دون إذن مالكيها خلاف الامتنان بالنسبة للمالكين؛ حتى لو كان بعوض؛ فلا يمكن إثبات هذا الحكم بـ “لا حرج”؛ لأن الهدف من “لا حرج” هو الامتنان على الأمة، والأمر الذي هو خلاف الامتنان لا يثبت به، وإلا لزم نقض الغرض. نعم، لو وجد دليل آخر غير “لا حرج” مثل الإجماع والسيرة والنص على رفع الحرمة، لما لزم إشكال نقض الغرض. وقد أشار المحقق الحكيم وأكابر آخرون إلى هذا التقريب. بناءً على هذا التقريب، يمكن القول بأن “لا حرج” تجري فقط في حقوق الله، ولا تجري في حقوق الناس التي يلزم من جريانها خلاف الامتنان؛ كما صرح بذلك محمد حسين كاشف الغطاء.
- اختصاص “لا حرج” برفع الواجبات الحرجية من المباحث المهمة في قاعدة “لا حرج” هو ما إذا كانت القاعدة صالحة لنفي الحرمة في المحرمات الحرجية أم أنها تختص بالواجبات وترفع الواجبات الحرجية فقط. تأثير هذا المكون في الاستدلال بـ “لا حرج” في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة واضح وجلي تماماً. لم يفرق كثير من الفقهاء بين الواجبات والمحرمات في هذا المجال؛ بل صرح كثير منهم بجريان “لا حرج” في المحرمات أيضاً؛ حتى في موارد الحرج النوعي. بينما فصل فريق آخر بين الواجبات والمحرمات ولم يعتبروا “لا حرج” جارية في المحرمات؛ حتى أن المحقق الحكيم والمحقق البجنوردي اعتبرا هذا التفصيل “بناء الفقهاء”. بالطبع، المحقق الحكيم نفسه لا يقبل هذا التفصيل، وقد أقر ضمناً بهذا الموضوع خلال المباحث التي طرحها حول الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. إن نفي جريان “لا حرج” في المحرمات مبني على مستندات يلزم إعادة قراءتها لتقييم الاستدلال بـ “لا حرج” في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. البيان الأول: يقول أحد المحققين المعاصرين، وهو أيضاً قائل بعدم جريان “لا حرج” في المحرمات، في تقريرات نشرت عنه: في الاستعمالات القرآنية والروائية في أمثال “جُعل عليه”، “كُتب عليه”، و”وُضع عليه”، ما اعتبر متعلقاً لهذه التعابير هو الأفعال، لا الأحكام؛ مثل (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام). أما تعابير مثل “كُتب عليكم وجوب الصيام” – حيث جُعل متعلق “كُتب” حكم الوجوب لا الفعل الواجب – فليست تعابير واستعمالات قرآنية وروائية؛ وإن كان في اصطلاحات الفقهاء يُستخدم تعبير جعل الأحكام أو كتابة الأحكام وما شابه ذلك. من جهة أخرى، متعلق الإلزام في الاستعمالات العرفية أمور وجودية لا عدمية. بالنظر إلى هاتين المقدمتين، في الآية الشريفة (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، متعلق الجعل ليس الحكم ليشمل جميع الأحكام، سواء الواجبات أو المحرمات؛ بل متعلق الجعل هو الفعل، والمراد بالفعل هو الأفعال الوجودية لا العدمية؛ لأن إسناد الإلزام إلى الأعدام والتروك ليس عرفياً؛ إلا بعض التروك مثل الصوم التي لوحظت فيها ضمائم وجودية مثل النية. بهذا البيان، يكون متعلق (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فقط الواجبات التي هي أفعال وجودية، لا المحرمات التي هي أعدام وتروك. هذا البيان، حسب رأي الكاتب، يواجه إشكالات: أولاً؛ الآية الشريفة (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) تقول: “ما جعلنا عليكم في الدين من حرج”، ومن الواضح أن أفعال وأعمال المكلفين أساساً ليست قابلة للجعل؛ لأنها أمور تكوينية. نعم، هي قابلة للجعل بمعنى الخلق؛ ولكنها ليست قابلة للجعل بالمعنى المقصود في الآية. فمن الواضح أن مراد الآية هو نفي جعل الأحكام الحرجية، لا الأفعال الحرجية؛ لأن الأحكام هي التي تقبل الجعل، والآية بلسان الحكومة، تضع تبصرة على جعل الأحكام وتقول: بالطبع، إذا كان حكم ما يستلزم الحرج، فإننا لم نجعله. فالمنفي في الآية هو الحكم الحرجي، وبما أن كلمة “حرج” نكرة في سياق النفي، فإنها تفيد العموم، ويكون معنى الآية كالتالي: لم يجعل الله أي حكم حرجي؛ سواء كان ذلك الحكم الحرجي وجوباً أو حرمة. ثانياً؛ القول بأن متعلق الإلزام في الاستعمالات العرفية أمور وجودية، لا عدمية، قابل للمناقشة؛ لأن الإلزام، سواء في نظر العرف أو في نظر الشرع، نوعان: إلزام بالفعل وإلزام بالترك؛ فكما أن الأمور الوجودية تقع متعلقاً للإلزام، كذلك الأعدام تقع متعلقاً للإلزام. على فرض أننا قبلنا بأن متعلق الإلزام في الاستعمالات العرفية أمور وجودية، لا أعدام؛ فإننا لا نقبل اختصاصه بالواجبات؛ لأنه بناءً على التحقيق، حقيقة النهي والتحريم هي الزجر، لا طلب الترك، ومن الواضح أن متعلق الزجر هو الأفعال الوجودية؛ مثل شرب الخمر، والكذب، والغيبة، وأمثالها. ففي المحرمات أيضاً، متعلق الإلزام هو الأمور الوجودية. بناءً على ذلك، حتى لو قبلنا بأن متعلق الجعل هو الأفعال لا الأحكام، وقبلنا أيضاً بأن الجعل والإلزام يختصان بالأفعال الوجودية؛ فإنه لا تنشأ مشكلة في شمول آية نفي الحرج للمحرمات؛ لأن في المحرمات أيضاً، الأفعال الوجودية هي متعلق الإلزام والزجر.
البيان الثاني: قدم المحقق المذكور بياناً ثانياً يُعرض فيما يلي. إن الترك المطلق لأكثر المحرمات يعتبر حرجياً لمعظم الناس، وإذا اعتبرنا “لا حرج” حاكمة على المحرمات، فإن أدلة المحرمات تصبح ملغاة تقريباً. وأوضح في شرح دعواه أن العامل المحرك للإنسان نحو المحرمات هو طغيان الشهوة أو الغضب، ومنع هذين عند الطغيان أمر صعب للغاية ويحتاج إلى مجاهدة النفس. أليس ترك الغيبة مطلقاً أو ترك الإيذاء مطلقاً حرجياً؟ أليس الاجتناب الدائم عن الفحش والسباب لمن غضب أمراً صعباً للغاية؟ أليس كون الشاب العازب لا ينظر إلى المرأة الجميلة أصلاً أمراً شاقاً جداً؟ أساساً، بُعث الأنبياء للسيطرة على قوى الغضب والشهوة لدى الإنسان، وإذا رُفعت حرمة المحرمات في ظروف الحرج استناداً إلى “لا حرج”، فإن إرسال الرسل وإنزال الكتب يصبح شبيهاً باللغو. لازم حكومة “لا حرج” على أدلة المحرمات هو أن الدين سمح بتحقق هذه المفاسد في مثل هذه الحالات الحرجية، وهذا باطل بالضرورة؛ لأنه سيؤدي إلى القتل والنهب وسائر الجنايات، وهذه المفاسد هي مصدر اختلال النظام وتضرر المجتمع، وهي خلاف الامتنان. الامتنان يقتضي ألا تجري “لا حرج” في هذه الأمور؛ وإن وقع الأفراد في المشقة. الشاهد على كون أمور مثل الزنا والجنايات حرجية هو أن بعض الناس، مع علمهم بالمخاطر والعقوبات الشديدة، تسيطر عليهم الشهوة والغضب أحياناً لدرجة أنهم لا يبالون بهذه المخاطر ويرتكبون أفعالاً مخالفة؛ مع أن الزنا لا يجوز بسبب صعوبة الاجتناب، ولا اللواط، ولا النظر إلى غير المحرم، ولا القتل والنهب والجناية. كما أن إجراء الحدود في هذه الذنوب ليس بحيث يُرفع بسبب كون هذه الذنوب حرجية؛ إذ لو كان مجرد الحرج مانعاً من إجراء الحدود، لكان قد ظهر واشتهر بسبب كونه مورداً للابتلاء؛ لأنه “لو كان لبان واشتهر”.
هذا البيان أيضاً لا يمكن قبوله؛ لأنه أولاً؛ يمكن طرح نفس هذا الادعاء في كثير من الواجبات؛ على سبيل المثال، يمكن القول بأن قيام الشخص بأداء خمس صلوات كل يوم طوال حياته أمر حرجي، أو أن يصوم الشخص شهراً كاملاً كل عام طوال حياته، في أي فصل كان، حتى في فصول الصيف الحارة بأيامها الطويلة، واجب حرجي. وربما يكون الحرج في هذه الواجبات أشد من الحرج في كثير من المحرمات؛ على سبيل المثال، ألا يزني الشخص طوال حياته أسهل بكثير من أن يصلي خمس صلوات كل يوم طوال حياته؛ خاصة وأن لعدم الزنا بدلاً اختيارياً، ويمكن للشاب أن يطفئ نار شهوته بالزواج من امرأة، فضلاً عن أن تتوفر له شروط الزواج بأكثر من واحدة، حيث أذن الشارع المقدس للرجال بأن يتزوجوا حتى أربع نساء بشكل دائم وأكثر من ذلك بشكل مؤقت. هذا بخلاف الصلاة التي لا عدل لها ولا بديل، وبتعبير معروف لا تُترك في أي حال. ثانياً؛ في الأمثلة المذكورة – سواء في المحرمات مثل الزنا والنظر إلى غير المحرم، أو في الواجبات مثل الصلاة والصوم – لا يلزم عرفاً حرج على نوع الناس وفي نوع الحالات، وتلك الدرجة من المشقة الموجودة فيها لا تصل إلى حد الحرج؛ لأن عنوان الحرج – كما مر في المباحث التمهيدية للمقالة – لا يصدق على كل مشقة وضيق؛ بل يقال للمشقات الشديدة فقط حرج؛ كما أشار الإمام (ع) إلى هذا الموضوع في صحيحة بريد العجلي: “لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَالْحَرَجُ أَشَدُّ مِنَ الضّيقِ”. وقد صرح بهذا المضمون في كلمات بعض كبار القدماء والمفسرين. وكذلك، اعتبر كثير من أهل اللغة الحرج درجة عالية من الضيق والمشقة لا مطلق الضيق. وقد اتضح سابقاً أن تفسير الحرج بـ “الضيق” في بعض كتب اللغة لا ينافي كلام من اعتبر الحرج “أضيق الضيق” لا مطلق الضيق. نعم، ظاهر بعض الروايات هو أن كل ضيق حرج؛ مثل صحيحة زرارة: “ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ، وَ الْحَرَجُ الضيق” وصحيحة أبي بصير: “فَإِنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِمُضَيَّقٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” ورواية مسعدة بن زياد: “أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ إِذَا بَعَثَ نَبِيَّاً قَالَ لَهُ: اجْتَهِدْ فِي دِينِكَ وَ لا حَرَجَ عَلَيْكَ، وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْطَى ذَلِكَ أُمَّتِي حَيْثُ يَقُولُ: وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، يَقُولُ: مِنْ ضِيقٍ”. ولكن هذه الروايات لا تتعارض تعارضاً مستقراً مع صحيحة بريد العجلي: “فَالْحَرَجُ أَشَدُّ من الضيق”؛ لأن ظهور صحيحة بريد في هذا المعنى – ألا يقال لكل ضيق حرج – أقوى من ظهور هذه الروايات في معنى أن كل ضيق حرج. هذه القوة في الظهور ناتجة عن أن العرف لا يرى روايات الضيق بصدد بيان جزئيات معنى الحرج؛ بخلاف صحيحة بريد التي يراها في مقام بيان المعنى الدقيق للحرج، ولذا يجعلها مفسرة لهذه الروايات. بالإضافة إلى ذلك، كما مر، لو كان مطلق الضيق حرجاً، للزم تخصيص مستهجن؛ لأن غالب الواجبات والمحرمات المسلم بها في الشريعة تحتوي على مشقة وكلفة وضيق؛ فضلاً عن أن البعض أساساً اعتبر لسان آية نفي الحرج، بسبب كونه امتنانياً، آبياً عن التخصيص. أما إذا كان معنى الحرج “أشد من الضيق”، فإنه لا يصدق على ذلك القدر من المشقة الموجود في التكاليف، وطبعاً يكون خروج الواجبات والمحرمات المسلم بها في الشريعة من آية نفي الحرج خروجاً تخصصياً لا تخصيصياً. الحاصل أنه مع وجود الجمع العرفي، لا يبقى تعارض بين الروايات. الروايات المطلقة بصدد بيان أن الحرج من سنخ الضيق، وأن مرتبة من مراتب الضيق هي الحرج، ورواية “الْحَرَجُ أَشَدُّ مِنَ الضِيق” بصدد بيان المعنى الدقيق للحرج. هذه المرتبة من الحرج النوعي، كما أنها غير موجودة في الواجبات، فهي منتفية في المحرمات أيضاً. لذا، فإن التفصيل بين الواجبات الحرجية والمحرمات الحرجية غير تام، وكما تجري “لا حرج” في الواجبات الحرجية، تجري في المحرمات أيضاً. نعم، في الواجبات والمحرمات، أحياناً يكون ملاك التكليف من المصالح والمفاسد ذا أهمية بحيث لا يرضى الشارع بفوات ذلك الملاك عن المكلفين بأي وجه، ولذا حتى لو كان ذلك الواجب أو الحرام حرجياً لنوع الناس، فإنه يجعله، مثل التكليف بالجهاد؛ كما صرح بذلك أكابر. بالطبع، هذه الموارد ليست كثيرة لدرجة أن يلزم تخصيص مستهجن؛ كما أن ادعاء كون “لا حرج” آبياً عن التخصيص غير تام أيضاً؛ نعم، إذا قبل شخص نظرية الإباء عن التخصيص، فعليه أن يجيب بطريقة ما عن هذا الإشكال: لماذا لا ترتفع تكاليف مثل الجهاد مع وجود الحرج النوعي بل والشخصي؟
- اختصاص “لا حرج” بالحرج الشخصي من المباحث الهامة في قاعدة “لا حرج” التي لها تأثير كبير في صحة وكيفية الاستدلال بها في مسألة الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، هو نطاق جريان “لا حرج” بالنظر إلى الحرج النوعي والشخصي. يظهر أثر اختلاف وجهات النظر في هذه المقولة في الحالات التي يكون فيها التكليف حرجياً لنوع المكلفين، ما عدا قلة نادرة؛ لذا، فإن من يحصر “لا حرج” في الحرج الشخصي يعتبر التكليف ثابتاً لتلك القلة النادرة، ويسقطه فقط عمن يقعون شخصياً في الحرج. في المقابل، من يعتبر “لا حرج” نافية للحرج النوعي أيضاً، فبمجرد أن يكون التكليف حرجياً لنوع المكلفين، يسقطه عن الجميع؛ حتى عن تلك القلة النادرة التي لا تقع في الحرج بأداء التكليف، وبتعبير أدق، فإن وجود الحرج للنوع يكشف عن أن مثل هذا التكليف لم يُجعل أساساً. يقول الميرزا الآشتياني: ربما تُنسب نظرية عدم اختصاص “لا حرج” بالحرج الشخصي إلى المشهور؛ ولكنه هو نفسه يعتقد باختصاص “لا حرج” بالحرج الشخصي، وأورد ثلاثة أدلة لإثبات ذلك: الدليل الأول: ظاهر الخطاب في أدلة نفي العسر والحرج هو أنها تتعلق بكل مكلف على حدة، لا بالمجموع من حيث المجموع. الدليل الثاني: كون أدلة نفي العسر والحرج امتنانية يتوافق فقط مع معيارية الحرج الشخصي؛ لأنه باعتبار الحرج النوعي معياراً، يُرفع التكليف عن جميع المكلفين، حتى المكلف الذي ليس لديه حرج، وهذا يؤدي إلى تقوية المصلحة الملزمة منه؛ دون أن يعوضها شيء، ومثل هذا الأمر خلاف الامتنان. الدليل الثالث: تعبير “أحدكم” في بعض أخبار نفي العسر والحرج، له ظهور في كون الحرج الشخصي هو المعيار. المحقق الحكيم من الفقهاء الذين ردوا الاستدلال بـ “لا حرج” في جواز التصرف في أموال الغير مثل الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، وسبب ذلك هو اختصاصه بالحرج الشخصي.
قد يُشكل بأنه في بعض الآيات والروايات، نُفيت بعض التكاليف بسبب كونها عسرية وحرجية، مع أنها بالوجدان ليست عسراً وحرجاً على جميع المكلفين؛ بل هي حرجية فقط لنوع وغالب المكلفين؛ مثل رفع تكليف الصوم عن المرضى والمسافرين، حيث بُيّنت علة ذلك في الآية الشريفة بأنها إرادة الله تعالى نفي العسر: (وَ مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذا نفسه يدل على أن المعيار هو الحرج الغالبي والنوعي لا الشخصي. لأنه لو كان المعيار وعلة نفي التكليف هو الحرج الشخصي، للزم من ذلك أن يكون نفي التكليف عن تلك القلة النادرة التي لا حرج عليها قد تم دون وجود علة؛ لأن الحرج الشخصي – الذي هو حسب هذه الفرضية علة الرفع – غير متحقق بالوجدان في حق هذه القلة النادرة، والحرج النوعي والغالبي – بالنسبة لغالب المكلفين وإن كان متحققاً – فإنه فرضاً ليس علة. بناءً على ذلك، فإن نفي التكليف عن الجميع، حتى تلك القلة النادرة، وتعليل نفيه بالحرج، يستلزم تعليل المعلول بعلة لا علاقة لها به، ومثل هذا الشيء بعيد عن ساحة الشارع الحكيم. والآن بعد أن ثبت أن الحرج النوعي هو علة نفي التكليف في هذه النماذج، يمكن، استناداً إلى قاعدة “العلة تعمم”، أن نعتبر التكليف منتفياً في موارد أخرى يكون فيها التكليف موجباً للعسر والحرج النوعي أيضاً. بعد بيان الأدلة الثلاثة السابقة، يطرح الآشتياني هذا التقرير نفسه كإشكال على نظرية اختصاص “لا حرج” بالحرج الشخصي. هذا الإشكال غير صحيح؛ ذلك أنه أولاً؛ كما ذكر الآشتياني نفسه في دفاعه عن القائلين بمعيارية الحرج النوعي، يمكن القول بأن ذكر الكبرى الكلية (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) هو من باب الإشارة إلى حكمة الرفع لا علته؛ أي أن حكمة وسر نفي وجوب الصوم عن جميع المسافرين والمرضى هو أنه حرجي لغالبهم، وحيث إنه أصبح حكمة لا علة، فلا يمكن الاستناد إلى قاعدة “العلة تعمم”. ثانياً؛ حتى لو قبلنا بأن مراد أدلة “لا حرج” هو نفي الحرج النوعي؛ لا يمكن الاستناد إلى عمومها؛ لأن هذه الأدلة أصبحت موهونة وضعيفة بسبب كثرة التخصيص، لذا في الحالات الحرجية النوعية، لا يمكن الاستناد إلى هذه الأدلة واعتبار التكليف الذي يتضمن حرجاً نوعياً مرفوعاً إلا في الموضع الذي يكون فيه وهن وضعف الأدلة قد قُوّي بعمل الأصحاب بتلك الأدلة في ذلك المورد. هذا الجواب ذكره الشيخ علي كاشف الغطاء؛ ولكنه جواب غير تام؛ ذلك أن دليل موهونية أدلة “لا حرج” في نظره هو أن الحرج النوعي موجود في أغلب التكاليف الشرعية، مع أن ثبوتها في الشريعة وعدم سقوطها عن المكلفين أمر مسلم به؛ ولكن الوهن المذكور غير صحيح؛ لأنه قيل سابقاً إن الحرج درجة أعلى من الضيق والمشقة، وفقط تكاليف محدودة هي التي يكون امتثالها لنوع المكلفين مصحوباً بتلك الدرجة العالية من المشقة.
نتيجة لذلك، لا يمكن الادعاء بأن حرمة التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة قد رُفعت عن جميع المكلفين، بدعوى أن هذا التكليف حرجي لنوعهم؛ بل يُرفع فقط عن كل شخص من المكلفين يكون حرجياً عليه.
- إجمال دليل “لا حرج” ولزوم الاقتصار على القدر المتيقن يعتقد الشيخ الحر بأن نفي الحرج مجمل، ولا يمكن به نفي التكاليف الحرجية؛ لأنه لو كان من المقرر نفي التكاليف الحرجية، لوجب رفع جميع التكاليف؛ لأن الحرج موجود في جميع التكاليف؛ لذا، فإن معنى وحدود وثغور دليل “لا حرج” ليست واضحة لنا بالضبط، ولا بد من الاكتفاء بالقدر المتيقن منه، والقدر المتيقن منه هو موارد “التكليف بما لا يطاق”؛ أي أن الفرض الوحيد من التكليف الذي يمكن القول قطعاً بأنه مقصود أدلة “لا حرج” ونُفي في الشريعة هو فرض “التكليف بما لا يطاق”. طبقاً لهذا المبدأ، لا يمكن رفع التكاليف بـ “لا حرج” إلا تلك التي تصل إلى حد “التكليف بما لا يطاق”؛ مع أن حرمة التصرف في أمثال الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، وإن كانت تتضمن حرجاً بمعنى “أشد من الضيق”، فإنها قطعاً لا تعتبر “تكليفاً بما لا يطاق”. بناءً على ذلك، فإن الاستدلال بـ “لا حرج” لرفع حرمة التصرف في أموال الآخرين مثل الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة غير تام. في تقييم وجهة النظر هذه، يجب القول بأن ادعاء إجمال “لا حرج” مبني على وجود الحرج في جميع التكاليف؛ ولكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه كما قيل سابقاً، الحرج درجة أعلى من الضيق والمشقة، وفقط عدد قليل من التكاليف هي التي يكون امتثالها لنوع المكلفين مصحوباً بدرجة عالية من المشقة. لذا، لا يوجد إجمال في كلمة “حرج”، وطبقاً لمفهومها الواضح – أي معنى “أشد من الضيق” – يمكن الادعاء بضرس قاطع بأنه بحكم الوجدان لا يوجد حرج نوعي في غالب قريب من اتفاق التكاليف. بناءً على ذلك، لا يوجد دليل للاكتفاء بالقدر المتيقن، وفي تشخيص وتطبيق مفهوم الحرج – كما قال المحقق النراقي أيضاً – يجب الرجوع إلى العرف. نعم، من الناحية المصداقية، قد يحصل تردد في بعض الحالات فيما إذا كان هذا القدر من المشقة الموجود في تكليف ما مصداقاً للحرج أم لا؟ ولكن هذا التردد قد يحدث في كثير من المفاهيم العرفية الواضحة، كما يقول المحقق التنكابني: أحياناً تكون أوضح المفاهيم العرفية مترددة من حيث المصداق، مثل كلمة “الماء” التي لها مفهوم واضح جداً؛ ولكن يُشك في صدقها على ماء الورد الذي فقد رائحة وطعم ماء الورد، أو في صدقها على السيل الغليظ، ويترتب على ذلك تردد في حكم التطهير أو الوضوء بهما أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، لو كان دليل “لا حرج” مجملاً، للزم من ذلك عدم إمكان التمسك به في أي موضع من الفقه، وعملياً لأصبح “لا حرج” ملغى؛ لأنه ما لم تصل مشقة التكليف إلى حد “التكليف بما لا يطاق”، لا يمكن نفيه بأدلة “لا حرج”؛ لأنه مجمل ويجب الاكتفاء بالمتيقن منه وهو “التكليف بما لا يطاق”، وإذا وصل إلى حد “التكليف بما لا يطاق”، فلا حاجة لأدلة “لا حرج” لنفيه؛ بل بتصريح الشيخ الحر نفسه، يدل العقل استقلالاً على بطلان “التكليف بما لا يطاق”؛ نتيجة لذلك، سيُسد طريق الاستناد إلى أدلة “لا حرج”؛ مع أن سيرة الأصحاب كانت خلاف هذا المطلب، وبقول المحقق النراقي، استند جميع الأصحاب في مواضع كثيرة إلى “لا حرج”.
- تحقق موضوع الحرج في فرض الاجتناب عن الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة قاعدة “لا حرج” – كغيرها من القواعد – تجري في مسألة وفرع فقهي عندما يتحقق موضوعها، أي الحرج. والأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة ليست مستثناة من هذه الضابطة، وفي حال كان اجتناب التصرف حرجياً لنوع الناس في نوع الحالات، تجري “لا حرج” وتثبت جواز التصرف، بالطبع بناءً على قبول هذا المطلب وهو أن الحرج النوعي رافع للتكليف كبروياً.
قد يقال: أساساً لا يترتب على تجنب الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة حرج لنوع الناس في نوع الحالات. شاهد هذا الادعاء هو إطلاق أدلة حرمة التصرف في مال الغير، التي تشمل التصرف في الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة أيضاً؛ بينما لو كانت حرمة التصرف في الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة تسبب عسراً وحرجاً لنوع الناس، لكان على الشارع أن يستثنيها من أدلة حرمة التصرف في مال الغير؛ كما استثناها في صوم المسافر والمريض. هذا التعامل من الشارع يدل على أنه أساساً لم يعتبر تجنب الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة حرجياً لنوع المكلفين. نعم، في الحالات التي يلزم فيها حرج لشخص مكلف، يكون التصرف جائزاً قطعاً؛ ولكن هذه الفرضية – كما قال المحقق الحكيم أيضاً – خارجة عن موضوع البحث الحالي؛ لأن الخلاف بين الموافقين والمخالفين لجريان “لا حرج” في الأراضي الواسعة والأنهار الكبيرة هو الحرج النوعي، لا الحرج الشخصي. وقد طرح صاحب الجواهر هذا الإشكال. هذا الإشكال غير صحيح؛ ذلك أن دليل “لا حرج” حاكم على سائر أدلة الأحكام، ويكفي فقط إحراز الحرج في مورد ما حتى يتقدم دليل الحرج على عمومات التحريم أو الوجوب لذلك المورد ويرفع الوجوب أو التحريم. وفي الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة أيضاً، مفروض كلام الذين استدلوا بـ “لا حرج” هو وجود الحرج النوعي؛ لذا فإن “لا حرج” من وجهة نظرهم تجري وترفع حرمة التصرف. وقد أجاب المحقق الحكيم على صاحب الجواهر بهذا التقريب نفسه. بتعبير آخر، إن كون عموم أدلة الحرمة يشمل الحالات الحرجية هو نفسه مركز النزاع وعين المدعى؛ لأن الموافقين لـ “لا حرج” يدّعون أنه مع وجود الحرج النوعي في اجتناب الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، لا يعود هناك عموم لدليل حرمة التصرف في مال الغير بالنسبة لهذه الموارد؛ لأن أدلة مثل “لا حرج” تحكم على عمومات وإطلاقات التكاليف، وإلا فطبقاً لبيان صاحب الجواهر، سينسد باب التمسك بـ “لا حرج”، وفي كل مكان، بالاستناد إلى عموم أو إطلاق الدليل، سيثبت التكليف، وعملياً سيُترك دليل “لا حرج” جانباً؛ كما أشار البعض إلى هذه النقطة.
بناءً على ذلك، يجب على صاحب الجواهر، لمناقشة الاستدلال بـ “لا حرج” صغروياً، أن يقول: في رأينا، لا يلزم أصلاً من حرمة التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة، في الواقع الخارجي، بحكم الوجدان، حرج نوعي، أو على الأقل نشك في ذلك ولا نحرز تحقق الحرج. ولكن عندما يقول المستدلون بـ “لا حرج” إننا نحرز الحرج النوعي، فإنه لا يمكنه بعد ذلك إبطال كلامهم بعموم دليل حرمة التصرف في مال الغير؛ لأن دليل “لا حرج” (حسب رأي الأصحاب) يحكم على عمومات وإطلاقات التكاليف. نعم، هل يلزم خارجاً من تجنب الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة في بعض التصرفات المذكورة في كلمات الفقهاء حرج نوعي أم لا، فهذا محل تأمل، وعلى الموافقين لـ “لا حرج” إثبات ذلك؛ خاصة في تصرفات مثل الوضوء من الأنهار الكبيرة، حيث قد يُدعى أن تركه ليس حرجياً؛ لأن له بدلاً، ويمكن للمكلف أن يؤدي وظيفته بالتيمم. وربما يكون تجنب بعض التصرفات التي أجازها الأصحاب في كلماتهم ليس حرجياً أساساً لنوع الناس في نوع الحالات؛ ولكن الأصحاب مثلاً أجازوها بسبب السيرة. يذكر المحقق الخوئي، بعد ذكر هذا الإشكال، الفرض التالي كنموذج: “من خرج لتوه من المدينة ولم يبتعد عنها كثيراً، إذا وصل إلى أراضي الناس وقت الصلاة، يمكنه أن يصلي في تلك الأراضي؛ لأن السيرة العملية قائمة على ذلك، مع أن رجوع الشخص إلى المدينة والصلاة فيها ليس حرجياً حتى لنوع الناس”.
الجمع والنتيجة
لقد استُدل بقاعدة “لا حرج” لإثبات جواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. صحة هذا الاستدلال تعتمد على مكونات، بعضها موجود ولا توجد مشكلة من ناحيتها، ومنها جريان “لا حرج” في المحرمات وعدم اختصاصها برفع الواجبات، وكذلك عدم إجمال دليل “لا حرج” وعدم وجاهة الاقتصار على القدر المتيقن منه، الذي هو، من وجهة نظر الشيخ الحر، نفس موارد “التكليف بما لا يطاق”. وكذلك من حيث الإحراز الصغروي لموضوع “الحرج النوعي” بالبيان الذي نُقل عن صاحب الجواهر. في الوقت نفسه، هناك مكونات مؤثرة أخرى داخلة في الاستدلال بـ “لا حرج”، والتي تبدو مفقودة، ومع فقدانها يكون الاستدلال غير تام. ومنها كون “لا حرج” امتنانية وعدم جريانها في الحالات التي يلزم من جريانها خلاف الامتنان، وكذلك اختصاص “لا حرج” بموارد الحرج الشخصي وعدم جريانها في موارد الحرج النوعي، وأيضاً الإحراز الصغروي لموضوع الحرج (النوعي) بالنظر إلى الواقع الخارجي بالنسبة لكثير من الانتفاعات والتصرفات التي أجازها الفقهاء فيما يتعلق بالأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة. بالنظر إلى عدم تمامية هذه المكونات، فإن الاستدلال بـ “لا حرج” لإثبات جواز التصرف في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة ليس صحيحاً. بناءً على ذلك، وبالنظر إلى الأصل الأولي العقلي والنقلي القاضي بحرمة التصرف في أموال الغير دون إذن ورضا، يجب القول بأن التصرف دون إذن في الأراضي الشاسعة والأنهار الكبيرة حرام أيضاً كسائر أموال الغير، إلا إذا أُقيم دليل آخر غير “لا حرج” على جواز التصرف دون إذن فيها.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- ابن دريد، محمد بن حسن، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم، ج۱، ۱۹۸۷م.
- ابن سيده، علي بن اسماعيل، المحكم والمحيط الأعظم، بيروت: دار الكتب العلمية، ج ۱، ۱۴۲۱ق.
- ابن فارس، احمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، قم: انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، ج۱، ۱۴۰۴ق.
- احسائي، ابن ابي جمهور، محمد بن على، الأقطاب الفقهية على مذهب الإمامية، قم: انتشارات كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، چ۱، ۱۴۱۰ق.
- اردبيلي، احمد بن محمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، ج ۱، ۱۴۰۳ق.
- ازدي، عبدالله بن محمد، كتاب الماء، تهران: بينا، ج۱، ۱۳۸۷ق.
- ازهري، محمد بن احمد، تهذيب اللغة، بيروت: دار احياء التراث العربي، ج ۱، ۲۰۰۱م.
- اصفهاني، مجلسي دوم، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الطبع و النشر، ج۱، ۱۴۱۰ق.
- اصفهاني، مجلسي دوم، محمد باقر، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، قم: انتشارات كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، چ۱، ۱۴۰۶ق.
- اصفهاني، محمد تقى نجفى، تبصرة الفقهاء، قم: مجمع الذخائر الإسلامية، ج۱، ۱۴۲۷ق.
- آشتياني، محمد حسن بن جعفر، الرسائل التسع، قم: انتشارات زهير، ج۱، ۱۳۸۳ش.
- آشتياني، محمد حسن بن جعفر، بحر الفوائد في شرح الفرائد (جديد)، بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، ج۱، ۱۴۲۹ق.
- آملي، ميرزا محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، تهران: مؤلف، ج ۱، ۱۳۸۰ق.
- بجنوردي، سيد حسن بن آقا بزرگ موسوى، القواعد الفقهية، قم: نشر الهادي، ج۱، ۱۴۱۹ق.
- بغدادي، مفيد، محمد بن محمد، المسائل الصاغانية، قم كنگره شيخ مفيد، ج ۱، ۱۴۱۳ق.
- بهبهاني، محمد باقر، حاشية مجمع الفائدة والبرهان، قم: مؤسسة الوحيد، ج۱، ۱۴۱۷ق.
- بهبهاني، محمد باقر، مصابيح الظلام، قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، ج۱، ۱۴۲۴ق.
- تبريزي، جعفر سبحاني، الحج في الشريعة الإسلامية الغراء، قم: مؤسسه امام صادق، ج۱، ۱۴۲۴ق.
- تنكابني، محمد، إيضاح الفرائد، تهران: بينا، ج۱، ۱۳۸۵ش.
- جمعي از پژوهشگران زير نظر شاهرودى، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت، ج۱، ۱۴۲۳ق.
- جوهري، اسماعيل بن حماد، الصحاح، بيروت: دار العلم للملايين، ج ۱، ۱۴۱۰ق.
- حائري اصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، قم: دار احياء العلوم الاسلامية، ج۱، ۱۴۰۴ق.
- حائري، سيد محمد مجاهد طباطبايي، كتاب المناهل، قم: مؤسسة آل البيت، ج۱، بي تا.
- حر عاملي، محمد بن حسن، الفصول المهمة في أصول الأئمة، قم: [بينا]، ج ۱، ۱۴۱۸ق.
- حر عاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت، ج۱، ۱۴۰۹ق.
- حسيني زنجاني، احمد، إيضاح الأحوال في أحكام الحالات الطارئة على الأموال، قم: مؤسسة الإمام الباقر الفقهية، ۱۴۴۰ق.
- حكيم، سيد محسن طباطبايي، مستمسك العروة الوثقى، قم: مؤسسة دار التفسير، چ۱، ۱۴۱۶ق.
- حلي، علامه، حسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء (الحديثة)، قم: مؤسسة آل البيت، ج۱، ۱۴۱۴ق.
- حلي، علامه، حسن بن يوسف، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم: دفتر انتشارات اسلامي، ج۱، ۱۴۱۳ق.
- حلي، علامه، حسن بن يوسف، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، قم: دفتر انتشارات اسلامي، ج ۲، ۱۴۱۳ق.
- حلى، فخر المحققين، محمد بن حسن، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد، قم: مؤسسه اسماعيليان، ج۱، ۱۳۸۷ق.
- حلّي، مقداد بن عبدالله سيورى، نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، قم: كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، ج۱، ۱۴۰۳ق.
- حميري، عبدالله بن جعفر، قرب الإسناد (الحديثة)، قم: مؤسسة آل البيت، ج۱، ۱۴۱۳ق.
- خميني، امام سيد روح الله موسوى، القواعد الفقهية و الاجتهاد والتقليد (تهذيب الأصول)، قم: دار الفكر – كتابفروشي اسماعيليان، چ۱، ۱۳۸۲ق.
- دربندي، آقا بن عابد، خزائن الأحكام، قم: [بينا]، چ۱، بي تا.
- روحاني، محمد، منتقى الأصول، تقرير عبد الصاحب حکیم، قم: دفتر آيت الله، ج۱، ۱۴۱۳ق.
- سبزواري، سيد عبد الأعلى، مهذب الأحكام، قم: مؤسسة المنار – دفتر آيت الله، ج ۴، ۱۴۱۳ق.
- شبر، سيد على حسينى، العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى، نجف: مطبعة النجف، ۱۳۸۳ق.
- صاحب بن عباد، اسماعيل بن عباد، المحيط في اللغة، بيروت: عالم الکتاب، ج۱، ۱۴۱۴ق.
- طوسي، محمد بن حسن، المبسوط في فقه الإمامية، تهران: المكتبة المرتضوية، ج ۳، ۱۳۸۷ق.
- طوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، تهران: دار الكتب الإسلامية، ج ۴، ۱۴۰۷ق.
- عاملي، حرّ، محمد بن حسن، الفوائد الطوسية، قم: المطبعة العلمية، ج ۱، ۱۴۰۳ق.
- عاملي، سيد جواد بن محمد حسيني، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة (الحديثة)، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، ج۱، ۱۴۱۹ق.
- عاملي، شهيد اول، محمد بن مكى، القواعد و الفوائد، قم: كتابفروشي مفيد، ج۱، بي تا.
- كركي، محقق ثاني، علي، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم: مؤسسة آل البيت، ج ۲، ۱۴۱۴ق.
- عسكري، حسن بن عبدالله، الفروق في اللغة، بيروت: بينا، ج۱، بي تا.
- فراهيدي، خليل بن احمد، كتاب العين، قم: هجرت، چ ۲، ۱۴۱۰ق.
- قزويني، سيد على موسوى، ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم: دفتر انتشارات اسلامي، ج۱، ۱۴۲۴ق.
- قمي، علي بن ابراهيم، تفسير القمي، قم: دار الکتاب، ج ۳، ۱۴۰۴ق.
- كليني، ابوجعفر، محمد بن يعقوب، الكافي، تهران: دار الكتب الإسلامية، چ۴، ۱۴۰۷ق.
- كوه كمري، سيد محمد، كتاب البيع، قم: دفتر انتشارات اسلامي، ج ۲، ۱۴۰۹ق.
- گيلاني، ميرزاي قمي، ابو القاسم بن محمد حسن، غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، قم: انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، ج۱، ۱۴۱۷ق.
- مامقاني، محمد حسن بن ملاعبدالله، غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب، قم: مجمع الذخائر الإسلامية، ج ۱، ۱۳۱۶ق.
- مامقاني، ملا عبد الله بن محمد حسن، حاشية على رسالة في المواسعة و المضايقة، قم: مجمع الذخائر الإسلامية، ج ۱، ۱۳۵۰ق.
- نجفي، صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، لبنان: دار إحياء التراث العربي، چ۷، بي تا.
- نجفي، كاشف الغطا، حسن، أنوار الفقاهة (الطهارة)، نجف: مؤسسه کاشف الغطا، ج ۱، ۱۴۲۲ق.
- نجفي، کاشف الغطاء، على، النور الساطع في الفقه النافع، نجف: مطبعة الآداب، ج۱، ۱۳۸۱ق.
- نجفي، کاشف الغطا، محمد حسين، الفردوس الأعلى، قم: دار أنوار الهدی، ج۱، ۱۴۲۶ق.
- نراقي، مولي احمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام، قم: انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، ج۱، ۱۴۱۷ق.
- نراقي، مولي محمد بن احمد، مشارق الأحكام، قم: کنگره نراقيين، ج ۲، ۱۴۲۲ق.
- همداني، آقا رضا بن محمدهادي، مصباح الفقيه، قم: مؤسسة الجعفرية، ج ۱، ۱۴۱۶ق.
- يزدي، سيد محمد كاظم، العروة الوثقى (المحشى)، قم: دفتر انتشارات اسلامي، ج۱، ۱۴۱۹ق.