سيكولوجيا النص في ضوء الاختبارات القبل-تفسيرية مع التأكيد على المتون الروائية

الملخص: سيكولوجيا النص هو العنوان المقترح لهذا المقال، والذي يحتل من منظور الدراسات المستقبلية مكانة خاصة في الدراسات الدينية. سيكولوجيا النص في الواقع عبارة عن توظيف أساليب التحليل الانعكاسي للنص من أجل بحث ودراسة المسلّمات والتصورات المسبقة للمؤلف وناقل النص، بهدف الوصول إلى معرفة أدق بفضاء النص. إنّ عدم كفاءة المناهج المعتمدة على خبر الواحد من جهة، ودور التصورات المسبقة في فهم النص من جهة أخرى، يبرزان ضرورة الاهتمام بسيكولوجيا النص. من هنا، تبرز ضرورة تصميم اختبارات لفهم النص، وهو ما سيتناوله هذا البحث. ومن نماذج هذه الاختبارات: اختبار إلغاء الخصوصية، واختبار تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي، واختبار إيجاد التمايز بين السنّة الواقعة والمحكية. إن تطبيق سيكولوجيا النص المرتكزة على هذه الاختبارات القبل-تفسيرية من شأنه أن يرتقي بفهمنا للنصوص الدينية. سيوضح هذا التحقيق، من خلال منهج سيكولوجيا النص، أنّ قسماً أعظم من التراث الحضاري الإسلامي قابل للتوثيق والتحليل الدلالي في أطر تتجاوز الخطاب المرتكز على أخبار الآحاد.

١. طرح المسألة

في عالم اليوم، ومع التوسع الهائل لما يسمى بالمتون الدراسية، ابتعدنا إلى حد كبير عن أدبيات النصوص الأصلية. وتبرز هذه المسألة بشكل أكبر لدينا نحن الذين نصنف، بشكل أو بآخر، ضمن حقل العلوم الإنسانية النصية المحور. فنص القرآن الكريم والأحاديث والتقارير التاريخية عادة ما يغيب عن أنظار الطلاب. لأدبيات النص أدبيات خاصة، لا نجربها عادة بأنفسنا، بل ننتظر أن يصفها لنا الآخرون. على سبيل المثال، نقرأ كتاباً عن لغة القرآن لنتعرف على لغة القرآن، وربما لا نقرأ القرآن نفسه. وكمثال على ذلك، فإن أدبيات القرآن الكريم هي أدبيات وصفية لا استدلالية؛ بينما نتعامل نحن عادة مع القرآن ككتاب استدلالي. أو فيما يتعلق بالروايات، يمكن القول إننا نواجه أدبيات تحفيزية؛ في حين تحول هذا المحتوى في كتبنا إلى أدبيات محايدة مليئة بالتصنيفات والمصطلحات.

بناءً على ذلك، يمكن اعتبار البعد عن النص سمة مهمة من سمات الدراسات القرآنية والحديثية المعاصرة. وتزداد هذه الآفة خطورة عندما تسعى الكتب الوسيطة، كالمتون الدراسية، بالإضافة إلى زيادة الهوة بيننا وبين النص، إلى فرض نوع من الاستبداد في الفهم على النص من خلال بناء هياكل تجريدية وتصنيفات ذهنية. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى التمييز الواضح بين العقلي والنقلي في تاريخ التفسير، والذي تسرب إلى دراساتنا من المستشرق المعاد للإسلام جولد تسيهر. من جهة أخرى، فإن النص في العلوم الإسلامية النصية المحور هو محور جميع فروعها المعرفية. على سبيل المثال، يتضح بأدنى تأمل في مباحث تاريخ الحديث أن غالبية محتوى تاريخ الحديث المتداول – على الرغم من التصور الأولي بأنه مستمد مثلاً من التواريخ العامة السياسية أو المحلية – هو في الواقع تحليل لبعض النصوص الدينية والمقولات الحديثية. إن المسار بين النص والفكرة في فضاء الدراسات المعاصرة – وربما بتأثير من مناهج البحث المقترحة – عادة ما يكون من الفكرة باتجاه النص. والقواعد التي تطرح كمعايير أكاديمية لهذه الدراسات، عادة ما تكون ناظرة إلى فهم بعض النصوص الخاصة. فأساساً، يطرح طرح القاعدة بهدف حل المشكلات. هذا في حين أن فهم قسم عظيم من التراث المكتوب لا يحتاج إلى هذه القواعد المصطلح عليها. وبالاتفاق، هذه النصوص هي التي يمكن أن تكون أساساً لطرح موضوعات مهمة أخرى. على سبيل المثال، رواية «لا یَنْقُضُ الْیَقِینَ بِالشَّكِّ» أصبحت أساساً لتصميم أحد الأصول والقواعد الفقهية المسمى بالاستصحاب. أو عبارة الكشي «أَجْمَعَتِ الْعِصَابَةُ عَلَى تَصْحِیحِ مَا یَصِحُّ عَنْهُمْ»، أصبحت أساساً لتصميم نظرية أصحاب الإجماع.

«النص» بصفته المحور الرئيس في العلوم النصية المحور، يمكن أن يواجه تفسيراً مقلوباً تماماً. هذه المسألة يمكن ملاحظتها في هذا النموذج الروائي: «سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقِیلَ لَهُ – إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثَ یَرْوُونَ عَنْ أَبِیكَ یَقُولُونَ إِنَّ أَبَاكَ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَهُمْ یَسْتَحِلُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ مُحَرَّمٍ قَالَ مَا لَهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إِنَّمَا قَالَ أَبِی عَلَیْهِ السَّلَامُ إِذَا عَرَفْتَ الْحَقَّ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ خَیْرٍ یُقْبَلُ مِنْكَ». إن تفسير النصوص وكيفية الربط بين النص الديني والمسائل المعرفية موضوع جدير بالاهتمام. مشكلتنا الرئيسة في البحوث الدينية النصية المحور ليست فقدان النص، بل كيفية التعامل مع النص والاستنباط منه. من جهة أخرى، أدت سهولة الوصول إلى كم هائل من البيانات في وقت قصير إلى تزايد أهمية «المنهج» من ناحية، وإلى تلاشي معنى كثير من أشباه البحوث في فضاء العلوم الإنسانية النصية المحور من ناحية أخرى. في الواقع، تتجلى أهمية منهج البحث في العلوم النصية المحور اليوم في منهج الاستنباط من النص أكثر من تجليها في الوصول إلى النص. إن التعامل مع النص الديني لا يمكن أن يكون مجرداً من المنهجية لمجرد تبرير دينية النص. فالاستدلال لا يتحقق بمجرد الاستناد، ولا يمكن أن يكون بلا أساس أو بدون الارتكاز على أصول.

اليوم، يشكل النص في العلوم الإسلامية النصية المحور نقطة انطلاق غالبية المخرجات العلمية، من مقالات وكتب وندوات علمية. وهذه التفسيرات – المسماة – المبتكرة للنصوص هي التي تجعلنا نشهد كل يوم ظهور نظرية وفكرة ومقالة وكتاب جديد. هذا التعدد والتكثر في الاستنباطات، الذي لا يمكن رفضه كله بوصمة التفسير بالرأي، يعتمد، أكثر مما يعتمد على قواعد وأصول فهم النص المتداولة، على مصطلح – مستعار بالطبع من علم الفقه – يسمى «الظهور». ورغم أن هذه القواعد – التي تطرح عادة في الفضاء الأكاديمي للعلوم الإسلامية فيما يتعلق بفهم النصوص الدينية – أولاً، هي غالباً قواعد تجريدية ولا تحضر عملياً عند حاجة الباحث إليها ومواجهته للنص. ثانياً، هي ناظرة إلى قسم من النصوص – التي تتسم بنوع من الشذوذ والغموض في الفهم – وتترك المخاطب عملياً حيال القسم الأعظم من التراث الديني.

على أي حال، هذا الظهور هو النقطة التي يُغلق فيها عملياً باب البحث والاستدلال، وغاية استدلال صاحب الفكرة وكل ناقديه هي أنني أفهم هذا من النص، ومن الطبيعي أن يتوقف البحث عند هذه النقطة. ما يمكن أن يساعدنا في الوصول إلى الظهور بشكل منهجي ومنظم هو معالجة النص من خلال اختبارات متعددة. فطالما لم يقم المستدل بفحص النص من حيث هذه الاختبارات ولم يقدم إجابات لها، فمن الطبيعي ألا يترتب أثر على الظهور المدعى. لا يمكن إغفال أصل كلي فيما يتعلق بالنصوص الدينية، وهو لزوم الفحص عن القرائن والوصول إلى الظهور – الاستظهار – وبكلمة واحدة، يجب إحراز مقام بيان التقرير، وقبل هذا الإحراز، فإن الحديث عن الإطلاق والظهور بالاستناد إلى عدة أصول (أصالة الظهور، أصالة الإطلاق و…)، ليس صائباً إلى حد كبير. من هنا، تبرز أهمية إجراء الاختبارات على النص حتى الوصول إلى نص معالج، قابل للحكم، وقابل لاستخلاص الظهور منه. إن قابلية النص للحكم من حيث الفهم تشبه قابليته للحكم من حيث الأصالة، ولهذا السبب كان السند دائماً ملحقاً بالنصوص الدينية.

٢. مدخل إلى سيكولوجيا النص

يسعى هذا المقال، مع التأكيد على سيكولوجيا النص، إلى تبيين نمط التعامل مع النص، باعتباره الحدث الأهم في مجال بحوث العلوم الإسلامية النصية المحور، وذلك في قالب تصميم اختبارات مختلفة. إن إضفاء قابلية الحكم على البحث، وتقليل احتمالية التفسير بالرأي، وتهيئة النص للتفسير، وبالمجمل، إحداث قفزة نوعية في العلوم الإنسانية الإسلامية، هي من أهم وظائف الاختبارات القبل-تفسيرية. أحد العوامل التي تؤدي إلى ظهور التفسير بالرأي فيما يتعلق بالنص هو عدم المعالجة الصحيحة للنص. في الواقع، إن جزءاً مهماً مما يوقعنا في مهاوي التفاسير المتكثرة والمتعارضة أحياناً، هو عدم تجهيز النص على طاولة عمل المفسر. بناءً على ذلك، يمكن القول إن إحدى المسائل التي تواجه تفسير النصوص الدينية في العصر الحاضر هي تهيئة النص للتفسير. وفي هذا السياق، نحن بحاجة إلى بعض القواعد القبل-تفسيرية أيضاً. ففي عملية تحليل النص، يتطلب التعامل مع المقولات الدينية، وخاصة النصوص الحديثية والتاريخية، بغض النظر عن منهج تحليل النص، مجموعة من الأصول والاختبارات المسبقة التي تهيئ النص للتفسير. إن تقليل حجم التفاسير الخاطئة للنصوص الدينية على نطاق واسع، وتهيئة المجال للاجتهاد الصائب والتفسير الأدق للنص، هي من نتائج تطبيق الاختبارات القبل-تفسيرية للنص.

كون هذه القواعد قبل-تفسيرية يعني أن الباحث عند تفسير النص يجب أن يحدد موقفه تجاه نتائج هذه الاختبارات. إن القواعد القبل-تفسيرية واختبار النص قبل التفسير يضع النص عملياً بشكل جاهز ومعالج تحت تصرف الباحث. نتيجة هذا المحك واختبار النص ليست بالضرورة تفسير النص، بل هي وضع جميع الاحتمالات الممكنة للنص على طاولة عمل المفسر. بحيث يهيئ استخدام القواعد القبل-تفسيرية للنص المجال لحكم أفضل للمفسر وتفسير أدق للنص. قد تتعدد الاحتمالات والفرضيات المتعلقة بكل اختبار، ولكن المهم هو ألا تُحذف جميع هذه الاحتمالات في المرحلة الأولى من على طاولة عمل الباحث، بل إن رفض أي من الاحتمالات، بناءً على دليل منطقي فقط، يمكن أن يؤدي إلى إخراج ذلك الاحتمال من على طاولة العمل. من الواضح أنه كلما زاد عدد هذه الاختبارات على النص، قلت نسبة احتمال الخطأ وتأثر النص بالتفسير بالرأي.

سيكولوجيا النص (Psychology of the text) هو عنوان يمكن، من منظور الدراسات المستقبلية، اعتباره أحد الفروع القابلة للطرح في فضاء الدراسات الدينية. نُعرّف سيكولوجيا النص كالتالي: توظيف أساليب التحليل الانعكاسي للنص من أجل بحث ودراسة المسلّمات والتصورات المسبقة للمؤلف وناقل النص بهدف الوصول إلى معرفة أدق بفضاء النص. يمكن القول إن كل نص، قبل أي بحث أو وضعه كجزء من استدلال في مجال معرفي ما، يجب أن يكون قد اجتاز الاختبارات اللازمة من منظور سيكولوجيا النص. إن تطبيق هذه الاختبارات على النص سيرفع بطبيعة الحال مستوى الاستدلالات في مجال المسائل المعرفية الدينية وسيقلل من آفة التفسير بالرأي. في تتبع سابقة البحث في سيكولوجيا النص، يمكن الإشارة إلى مجالين معرفيين: دراسة التصورات المسبقة ونظرية التحليل الانعكاسي للنص. إن معرفة التصور المسبق في فهم النص تشبه، من حيث الصعوبة، الشرك الخفي في المعتقدات. بالطبع، يواجه التنبيه إلى أهمية التصورات المسبقة في فهم النص تصوراً مسبقاً أقوى، وهو تصور النص لذاته. فنحن عادة ما نشير في قواعد فهم النص إلى أدوات مثل القواعد العقلية وقرائن السياق… ولكن هذا التقنين لفهم النص نفسه قد وقع في تصور مسبق، وهو الغفلة عن النص ذاته كقرينة مهمة لفهم النص. إن سيكولوجيا النص ستؤدي في الواقع إلى التمثيل الاجتماعي للنص وإدراك ظروف صدوره ونقله، وفي النهاية فهم النص ذاته.

التحليل الانعكاسي للنص هو أيضاً مقاربة مختلفة تماماً للنص يمكنها الارتقاء بمستوى النظرة إلى النص وتخليصها من الآفات المتداولة في النظرات التقليدية للنص. تشكل الدوال العدمية والسلبيات جزءاً مهماً من التحليل الانعكاسي للنص. إن تغيير نمط التعامل مع النص في العصر الحاضر ضرورة ملحة. ويحدث شيء مشابه لهذا الإجراء اللازم للنص في مجال التفسير والتاريخ، في مجال الفقه أيضاً. فمباحث مثل سيرة العقلاء، والارتكاز، ومقاصد الشريعة، والشخص الاعتباري، وغيرها، هي محاولات حديثة للخروج من آفة محورية خبر الواحد في الاستدلالات الفقهية.

يمكن اعتبار محورية مقام بيان التقرير وهيمنة الجهاز الفقهي أساس التحليلات في العصر الحاضر. في حين أن تقريراً تاريخياً يمكن تقييمه خارج مقام بيانه ومن حيث الانعكاس الذي يحدثه في بيئة زمان صدوره ونقله. إن ما تشكل حتى الآن كسير لفهم النص في فضاءات الدراسات الدينية الإسلامية، يستند نوعاً ما إلى اهتمام المفسر بمجموعة من الأحداث والظروف السابقة لصدور النص (قبلية). بالإضافة إلى هذه النظرة، يمكن دراسة النص بناءً على الخلفيات والتحليلات اللاحقة لزمان صدوره (بعدية). في سياق التحليل التقليدي للنصوص، يصل فهم التقرير في أقصى قدرته إلى خلفيات الصدور، أسباب النزول، شأن النزول، سبب الصدور، القرائن الحالية والمقالية، وغيرها. ولكن من الضروري أيضاً أخذ انعكاس النص في زمان صدوره ونقله كمتغير مهم في الاعتبار. إن انعكاس النصوص في المجتمع – وهو في الواقع ردود أفعال المخاطبين الناتجة عن فهم النص – سيوفر معلومات محيطية جيدة عن النص، ومعتقدات الناس، والأهم من ذلك كله، البنية الحالية لفضاء المجتمع، كما سيثري قرائن فهم مراد ومقصود المؤلف.

عدم كفاءة المناهج المعتمدة على خبر الواحد

بشكل عام، في المباحث الدينية، وخاصة في المجال المنهجي، يجب التمييز بين مجالي المعرفة والعمل. إن تقييم الرواية بشكل سلبي وإيجابي وربط النتيجة بهذا النوع من التقييم هو توجه فقهي في التعامل مع الحديث. الحقيقة هي أن نظام حصول المعرفة نظام شبكي يمكن الوصول إليه من خلال جهاز معادلة. في جهاز المعادلة هذا، يساهم كل متغير، بحسب درجة تأثيره، في نتيجة المعادلة. ولكن المهم هو ألا يُحذف أي متغير من المشاركة في المعادلة نتيجة لتقييم سلبي أو إيجابي. المعرفة ليست ظاهرة ذات ضلع واحد. إن نتيجة نقد متن الرواية وتوافقه أو تنافيه مع القواعد العقلية والنقلية والقرآن الكريم تؤدي إلى إثبات كون الرواية مجعولة أو عدمه؛ لا أن تؤدي رواية بشكل مستقل وفي عملية غير معادلاتية إلى حصول المعرفة. وهذا العمل لا يتيسر إلا لمن أَلِفَ الحديث وكان على دراية بهذه الشبكة المعنائية.

أساساً، يكتسب مصطلح «الحجية» معناه في المباحث الفقهية، واستخدامه في مجال التفسير والفهم، فضلاً عن أنه يدل على إشكالية اعتبار الموضوع، يجب حمله على نوع من التسامح. ذلك لأن الحجية تتعلق بعمل المكلف والواجبات والمحظورات، أما التفسير فيتعلق بفهم مراد ومقصود الله وهو من سنخ الاعتقاد والمعرفة. نظراً للطبيعة الفقهية لمصطلح «الحجية»، فإن مستندات حجية الحديث، مثل: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» (النساء: 59) و «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ» (الأحزاب: 36)، هي أيضاً ذات طبيعة سلوكية وعملية في الغالب. في الفقه، بناءً على حجية خبر الواحد، قد يضطر الفقيه حتى في حالة مخالفة القاعدة، من باب النص الخاص، إلى بيان الحكم الخاص رغم مخالفته للقاعدة الكلية، وبالطبع لا يتجاوزه. هذا بينما يمكن للمفسر في مواجهته لرواية، حتى لو كانت صحيحة السند، ألا يرتب عليها أثراً. يكتب العلامة الطباطبائي (ره): «الحجية الشرعية من جملة الاعتبارات العقلائية التي تناط بوجود أثر شرعي في موضوع يمكن تحقق الجعل والاعتبار الشرعي فيه. ومن هنا، لا معنى لجعل الحجية في المسائل التاريخية والأمور الاعتقادية، إذ لا يترتب أي أثر شرعي على مثل هذه الأمور».

في سبيل تجاوز آفة الاستناد إلى خبر الواحد، اتجه الفقه المعاصر إلى مقاربات حديثة. الاهتمام بالسيرة العقلائية، سيرة المتشرعة، إلغاء الخصوصية، تنقيح المناط، مذاق الشرع، الارتكاز، مقاصد الشريعة… هي نماذج لموضوعات حظيت بالاهتمام كتبيين للأدلة الاجتهادية في الفقه. وفي التاريخ والمقولات التاريخية، حظي موضوع التأريخ باهتمام خاص، لا سيما من قبل المستشرقين. وفي مجال التفسير أيضاً، يمكن اعتبار التحليل الانعكاسي للنص اقتراحاً مهماً. كل تقرير تاريخي يحكي عن الفضاء الذي يحيط به. النص يساعدنا في معرفة فضاء النص. التقارير التي تُنقل كذكريات، تحظى بالأهمية من هذه الجهة. التحليل بناءً على فضاء النص هو أحد خصائص المنهجية ومن أسس التحليل التاريخي لدى المستشرقين أيضاً. هذا الفضاء الذي وُلد فيه النص، ليس بالضرورة قابلاً للتقرير من قبل المؤرخ. وعلى هذا الأساس، تشكل علم تأريخ الحديث. قد يرى البعض أن تفسير النص بالنسبة لفضاء النص أمر صعب؛ ولكن إذا لم نحصر دلالة النص في إطار مقام بيان التقرير فقط، فسيكون قبول هذا الأمر ممكناً. كل جملة من الجمل التوصوية يمكن أن تكون أرضية لإنتاج انعكاسات لمقولات متعددة. على سبيل المثال، هذه العبارة على لافتة «الرجاء عدم التدخين!» تعكس المقولات التالية:

  • في هذه المدينة، يدخن عدد كبير من الناس.
  • التدخين هنا ظاهرة اجتماعية غير طبيعية.
  • إمكانية التدخين هنا موجودة.
  • في هذه المدينة، يوجد تبغ.
  • التدخين ليس أمراً يعاقب عليه القانون.
  • أهل هذا المكان يعرفون اللغة الفارسية.
  • أهل هذا المكان أناس محترمون.
  • صادر هذه التوصية شخص مهذب.
  • التدخين معضلة اجتماعية.
  • أهل هذه المدينة مبصرون.
  • هذه الجملة مثبتة في مكان عام.

من نوع تلقي المخاطب للنص – دون أن نريد إعطاءه موضوعية في فهم النص، ولكن باعتباره لاحقاً للنص – لا يمكن التخلي عنه من حيث طبيعته كقرينة.

٤. دور التصورات المسبقة في فهم النص

لا شك أن معرفة الأحكام المسبقة في تفسير النص ليست دائماً بالأمر السهل. ذلك أنه في بعض الأحيان يلقي ظل تصورات عصر المفسر بظلاله على النص إلى درجة يصعب معها النظر إلى الخارج وفضاء الواقع من تحت هذه الأكوام من التصورات. وتزداد هذه المسألة أهمية مضاعفة عندما نواجهها بمنهج النصيين الذين يعتبرون الاستناد إلى النص، بشكل أو بآخر، فصلاً للخطاب في كل القيل والقال. يمكن للمنهج النصي أن يوثق هذه التصورات نفسها، وبعبارة أخرى، أن يضفي عليها الاعتبار. كان تصور تحريف القرآن أحد هذه التصورات التي وُثِّقت بالضبط بهذه الطريقة بمساعدة المنهج النصي. ورغم أن هذا التوثيق ووضع الروايات جنباً إلى جنب بناءً على التصورات لم يكن أكثر من أصفار متجاورة. إن تفسير القراءات في الأدبيات الروائية الشيعية بناءً على تصور تعدد القراءات، وهو أمر متأخر، يعد مثالاً بارزاً على هذا التأثر بالتصورات. وقد ألقى هذا التفسير التصوري في مجال القراءات بظلاله بشدة على تفسيرنا لروايات أهل البيت (ع). فالروايات في المجالات المدعاة، في أقل تقدير، ستخرج عن وظيفتها التوثيقية وتتحول إلى روايات مجملة.

كمثال على تأثير التصورات على النصوص، يمكن الادعاء بأن البحث المتعلق بالنصوص يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفضاء الحاكم على النص. فكلما أصبح الفضاء معادياً للتيار المتناغم مع النص، زادت محاولة الاستدلال وإثبات أصالة النص. إن معظم النقاشات التاريخية في علوم القرآن والحديث، والتي تتركز غالباً على إثبات الأصالة، قد تشكلت في ظروف الهيمنة الناتجة عن عصر الثورة الصناعية الغربية. في هذه الظروف، يصبح منهج الاستدلال والبرهان أكثر استخداماً من منهج الوصف والتبيين. إن زيادة محاولة تبرير تيار أو مذهب ما في فترة معينة، يدل على أن الظروف تعاكسه. على سبيل المثال، في عصر النهضة العلمية، نواجه سيلاً من الدفاعات من قبل المسلمين في مواجهة المستشرقين وتيارات التفاسير العلمية وغيرها؛ أي أننا نحاول إثبات هويتنا. إن نوع المسائل الإلهياتية المطروحة في هذه الفترة ليس له سابقة في التاريخ الحضاري الإسلامي، ولكنه مع ذلك استأثر بحجم كبير من طاقة البحوث الدينية.

يمكن القول إنه كلما كانت الظروف الاجتماعية في صالح التيار الإسلامي، قلّ التوقع تجاه التيارات العقلانية والتبيينات الاستدلالية. يعتقد البعض أن أدبيات القرآن الكريم هي أيضاً أدبيات وصفية أكثر منها استدلالية. إن نوع فهم الناقل للنقل، وما هو مقام البيان من وجهة نظره، هو انعكاس للتقرير يتجاوز مقام بيان المتحدث بالخبر، وهو في الواقع لا يقتضي شيئاً بالنسبة له. إن الإجابة عن السؤال حول رد الفعل الذي يحدثه نقل تقرير ما لدى المخاطب، والذي يحكي عن فهم متواتر في زمن النقل، هو محاولة لتحليل مفهوم التواتر الانعكاسي النقلي. رواية «الْجَارُ ثُمَّ الدَّارُ» مثال جيد لإظهار التمايز بين زمن الصدور وزمن النقل. كون هذه الرواية تدل على أهمية الجار في شراء المنزل، أو على لزوم الاهتمام بالآخرين وأولويتهم على النفس، هو محاولة لفهم الرواية في زمن الصدور. وقد استخدم العلامة الأميني في الغدير الاستدلال من المستوى الثاني وهذا النوع من التواتر. فمفهوم «المولى» في حديث الغدير يمكن تقييمه بناءً على انعكاس هذا القول في أشعار شعراء القرون المختلفة.

أساساً، لا يمكن تجاهل نوع انعكاس النص لدى المخاطبين السابقين. كثير من التقييمات الشائعة تتم من خلال التحليل الانعكاسي. فملاحظة نوع تعابير وجه المخاطب وتغيرها أداة لتحليل محتوى نص يقدمه متحدث ما. فمن خلال انعكاس النص في الفضاء الخارجي للنص، يمكن الوصول إلى معنى النص. وأحد معايير التقييم النوعي للنصوص هو أيضاً نوع انعكاسها بين المخاطبين. إن دراسة النص من خلال التوضيحات التي تُلحق اليوم بالنص في الفضاءات الافتراضية هي نوع من التحليل في الفضاء الانعكاسي. وتقرير المعصوم هو نوع من التحليل الانعكاسي. كثير من المعارف الدينية هي نتاج التحليل الانعكاسي؛ كما أن عدم ردع الشارع، كأصل فقهي، يؤكد قسماً مهماً من العرفيات والأخلاقيات الاجتماعية. وفي الفقه أيضاً، كان البعض يؤكد على تلقي الأصحاب المتقدمين، وكانوا يتعاملون مع فتاوى العلماء القدامى مثل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والشيخ الصدوق كما يتعاملون مع الروايات. بشكل عام، يمكن للمخاطب عند نقل نص أو رواية أن يلعب دوراً في حقن نوع من الغرض (الثانوي) في النص، وهو ما يمكن تسميته بمعامل التأثير الانعكاسي. من هنا، يجب دائماً ترك مجال لاختبار النص من حيث انعكاسه بين المخاطبين. في الواقع، يجب مراعاة مرحلتين لفهم روايات الفئة الثانية. أولاً، فهم الراوي، ثم فهم المخاطب. للوصول إلى المراد الحقيقي للمعصوم، يجب تجاوز مرحلة فهم الراوي أيضاً. هذا التأكيد ينبع من أن فصل التقرير عن تفسير الخبر في مثل هذه الحالات غير ممكن أساساً، وكل هذه التقارير قد اكتسبت هويتها بناءً على نوع من التفسير. كلام حضرة علي في أقسام رواة الحديث وكيفية تأثير فهم الراوي في نقل الرواية، جدير بالاهتمام: «… وَ قَدْ كَانَ یَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَكَلامٌ عَامٌّ، فَیَسْمَعُهُ مَنْ لَا یَعْرِفُ مَا عَلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَلَا مَا عَلَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَیَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ یُوَجِّهُهُ عَلَى غَیْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَ لَیْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) مَنْ كَانَ یَسْأَلُهُ وَ یَسْتَفْهِمُه …».

من أهم الأمور التي تتدخل في فهم راوي الحديث، بروز المرئيات على مستوى المجتمع؛ في حين أن كل ما يجب نقله ليس بالضرورة شيئاً ظاهراً على مستوى المجتمع. مثل الشخص الذي تختصر ذكراه عن عالم ما في المساعدة التي كان يقدمها للمحتاجين أثناء مروره في الطريق، أو ذكراه عن سفره إلى بلد أجنبي ما تقتصر على علامات مفهومة للجميع مثل نوع ملابس الناس وطريقة قيادتهم للسيارات. من هنا، فإن نقل مساعدة المعصوم للسائل والفقير، على سبيل المثال، كان له عادة دافع نقل خاص، لا سيما بين الطبقات المحتاجة. أما تشخيص نوع السلوك وأهمية قول المعصوم، فلم يكن ممكناً للجميع. ويصل هذا الأمر إلى حد أن المعصوم كان يمتنع في بعض الحالات عن تقديم مطلب خاص إلا لشخص خاص. إن عدم انفصال التقرير عن التفسير يصل إلى درجة أن نقل عدة روايات خاصة يمكن أن يوسع الفهم المرتكز على فهم رواة تلك الروايات. ويتقوى هذا عدم الانفصال بالابتعاد عن القرون الأولى – بسبب اختلاف البنية. من هنا، في تشخيص آفات التيارات المنحرفة، لا ينبغي إغفال دور نشر فهم نقل الرواية وتأثيره في إيجاد وتقوية تصور مسبق. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالروايات التي توهم التحريف، فإن نقل الروايات المرتكزة على راوٍ خاص كان يمكن أن يساهم في إيجاد وتوسيع تصور التحريف. يمكن القول إن الآفة الأخطر تحدث عندما ترتبط بعض الروايات بمرور الزمن بفهم خاص، ويصبح الفهم الخاص للرواية عملياً جزءاً من الرواية، إلى درجة أن مجرد الإشارة إلى رواية خاصة يكفي لتحقيق مراد المتحدث، شاء أم أبى.

يجب أيضاً أخذ مسألة الإشراب في مرحلة النقل على محمل الجد. ربما يمكن الادعاء بأن جزءاً من الحمولة المعنائية في كل كلام مقتطع يُشرَب في النص من خلال المخاطب. من وجهة نظر تاريخية، يمكن تقسيم الروايات إلى فئتين. الفئة الأولى هي الروايات التي لا يتدخل فيها الزمان والمكان في صدورها بشكل كبير. على سبيل المثال، الرواية التي تذم رذيلة أخلاقية لا ترتبط بزمان معين، وإن كانت ظروف تاريخية خاصة قد أدت إلى صدورها. أما الفئة الأخرى من الروايات، فهي متشابكة بشكل كبير مع ظروفها الزمانية والمكانية. هذه الروايات – وهي ليست قليلة – اكتسبت اسم الرواية لكونها منسوبة إلى المعصوم؛ ولكنها تجد ظروف تحليل أخرى لكونها متأثرة بالظروف، بما في ذلك فهم المخاطب. هذه الفئة من الروايات تنشأ في بعض الحالات عن طرح مسألة خاصة من قبل الراوي أو فهمه الخاص لفعل المعصوم أو حتى قوله. في هذه الحالات، يكتسب الاهتمام بفهم مخاطب الحديث أهمية خاصة، ولا ينبغي تجاهل هذا الفهم تحت هيمنة مكانة الحديث (عدم انفصال التقرير عن التفسير).

٥. الاختبارات القبل-تفسيرية للنص

إحدى المسائل التي تواجه تفسير النصوص الدينية في العصر الحاضر هي تهيئة النص للتفسير. وفي هذا السياق، هناك حاجة إلى بعض القواعد القبل-تفسيرية. كون هذه القواعد قبل-تفسيرية يعني أن المفسر عند تفسير النص يجب أن يحدد موقفه تجاه نتائج هذه الاختبارات. إن القواعد القبل-تفسيرية واختبار النص قبل التفسير يضع النص عملياً بشكل جاهز ومعالج تحت تصرف المفسر. إن تقليل حجم التفاسير الخاطئة للنصوص الدينية على نطاق واسع، وتهيئة المجال للاجتهاد الصائب والتفسير الأدق للنص، هي من نتائج تطبيق الاختبارات القبل-تفسيرية للنص. كون هذه القواعد قبل-تفسيرية يعني أن الباحث عند تفسير النص يجب أن يحدد موقفه تجاه نتائج هذه الاختبارات. الاختبارات المقترحة في هذا المقال هي: ١. اختبار إلغاء الخصوصية ٢. اختبار تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي ٣. اختبار إيجاد التمايز بين السنّة الواقعة والمحكية.

١-٥. اختبار إلغاء الخصوصية

يهدف بحث المفاهيم في أصول الفقه إلى تحديد تأكيدات الكلام. في الواقع، تؤثر القيود (المفاهيم) المختلفة من حيث كونها احترازية أو توضيحية أو ذات مفهوم أو عديمة المفهوم في نوع الاستدلال بالكلام. هذا التأثير ليس مجرد تأثير هامشي يقتصر على تقوية وجهة نظر ما، بل قد يؤدي إلى نقض ورفض وجهة نظر. على سبيل المثال، الاستدلال بـ «آية النبأ» بناءً على وجود مفهوم الشرط يؤدي إلى إثبات وجهة نظر القائلين بحجية خبر الواحد. هذا في حين أن إعادة النظر في وجود مفهوم الشرط في آية النبأ من حيث تشابهها مع الشرط الموجود في آية «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (الأعراف: ٢٠٤)، ينقض وجهة النظر المذكورة.

إن ظهور مصطلح «العنوان المشير» (العنوان الذي لا يتدخل في الحكم)، وبشكل عام تقسيم قيود الكلام إلى زائدة، وتوضيحية، وغالبية، واحترازية، ومفهومية في المباحث الأصولية، يشير أيضاً إلى جزء من هذه التأكيدات الداخلية في الجملة وسياق الكلام، ويوضح أكثر من أي شيء آخر أهمية تحديد نوع كل قيد وتجنب التبادر الفوري إلى مفهوميته. ومن المثير للاهتمام أن كون القيد احترازياً لا يعني بالضرورة أن له مفهوماً. من هنا يكتب آية الله السبحاني: «غاية دلالة القيد هي كونه احترازياً. أما معنى انتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع، فلا دليل عليه».

أساساً، في تحليل أي مقولة، يجب قبل كل شيء توضيح مدى تدخل العنوان المطروح في موضع الموضوع في المحمول. بعبارة أخرى، هل يتدخل العنوان بما هو عنوان، أم أن ذكر العنوان من باب المثال والمصداق؟ مثلاً، إذا قيل: «الْغِیبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ»، فهل هذا المحمول خاص بـ «الغيبة» فقط، أم أن مطلق الذنب له هذا الوصف وهو علامة على عجز المذنب واضطرابه الفكري؟ أو في «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِیٍّ»، هل هذا الوصف خاص بـ «الصلاة» فقط، أم أن «الصلاة» من باب المثال والمصداق؟

لتبيين التأثير الجاد للانتباه إلى هذه المسألة في الاستدلال، نشير إلى مثال فقهي. في الاستدلال على إثبات حجية الشهرة الفتوائية، استُند إلى رواية «خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ». بينما قام الشيخ الأنصاري، من خلال تحليل سياق الكلام ونوع التأكيد في «ما» الموصولة، بتعطيل هذا الاستدلال – الذي يبدو مقبولاً ظاهرياً – عن وظيفته. فمن وجهة نظره، المراد من الموصول (ما) هو الرواية المشهورة لا الحكم المشهور؛ كما لو أننا في معرض الإجابة عن أي مسجد أفضل؟ نقول: «المسجد الأكثر ازدحاماً». فمن الواضح أن التعليل بـ «الأكثر ازدحاماً» ينظر فقط إلى المسجد، لا أن نستنتج أن كل مكان أكثر ازدحاماً هو أفضل. الشهرة المتشكلة بين المتقدمين، حتى الشهرة الحكمية، عادة ما كانت تتمحور، بما يتناسب مع البنية، حول رواية ما، لا مجردة عن الرواية. من هنا، فإن إشكال الشيخ بأن المراد من الشهرة في رواية «خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ» هو شهرة الرواية لا الحكم، جدير بالتأمل.

قاعدة «الوصف مشعر بالعلية» التي يمكن طرحها أيضاً في اختبار التوسعة والتضييق، جديرة بالاهتمام أيضاً من حيث اختبار إلغاء الخصوصية. البعض، بحملهم الوصف على ما هو أعم من الوصف الأصولي، يعتبرون عملياً كل قيد في الكلام ذا وصف. إذا تم قبول هذه المسألة، ووضع الأصل في القيد على الاحتراز؛ فإن هذا «الإشعار» يتوسع عملياً إلى نوع من «الدلالة»، ونتيجته هي إمكانية استخراج مناطات الأحكام من الروايات على نطاق واسع. من ذلك، في رواية جواز أكل صيد الكلب المعلم (الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ)، إذا تم إعطاء موضوعية لقيد «المعلم»، فإن الحكم بالجواز يتوسع ليشمل سائر الحيوانات المعلمة (غير الكلب). إن اختبار كون الدليل توسعياً أو تضييقياً له أهمية كبيرة في الاستنتاجات الفقهية أيضاً. مثلاً، استدلال القائلين بالرؤية بالعين غير المسلحة بآية «مَوَاقِیتُ لِلنَّاسِ» (البقرة: ١٨٩)، يكون تاماً إذا كان تحديد هذا المؤشر من باب التضييق.

في بعض الحالات أيضاً، لا يمكن قطعاً إلغاء الخصوصية، بل يجب الاكتفاء بالقدر المتيقن في مقام التخاطب. في بعض الحالات، يجب النظر إلى أي مدى يتدخل المخاطب الشخصي أو الصنف الخاص أو الفضاء الشخصي الخاص في الموضوع «قَضِیَّةٌ فِی وَاقِعَةٍ». في الحالة التي يسأل فيها الراوي الإمام بشكل خاص، وفق أي ضابطة يُعمم حكم الإمام على غيره (رواية ذريح المحاربي)؟ مثلاً، في «إِذَا رَأَیْتَ الْجِدَارَ»، هل القدر المتيقن في مقام التخاطب يقيد الموضوع أم لا؟ المستثنى في «إِلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ»، هل هو مطلق الحيوانات أم المرتكز الاحتمالي في مقام التخاطب؟ (مثلاً، عادة في ذلك الزمان كانت الكلاب معلمة، وإن كان هناك فرق بين الارتكاز اللبي والقدر المتيقن. في الثاني، الرأي المشهور على عدم التأثير). في ذلك الزمان، لأنهم كانوا يستيقظون باكراً، هل كان عدم أداء صلاة الليل يُحمل على الاستخفاف؟ هل في ذلك الزمان، لأنهم كانوا ينامون عادة بعد العشاء (بعد العتمة)، يدل على جواز التأخير حتى منتصف الليل أو وقت النوم مثلاً (آخر عبادة قبل النوم)؟ هل المخاطب النوعي هو المقصود أم لا؟ هل هذه الرواية تشرف على فتاوى أهل السنة أم لا؟ (مثل السؤال عن صلاة الضحى مثلاً). «الناس» في الروايات عادة ما تنصرف إلى أهل السنة. أساساً، الفضاء الغالب للروايات، بناءً على نظرية هامشية فقه أهل السنة، ناظر إلى مرتكزات فتاوى أهل السنة.

من الضروري أيضاً الإشارة إلى أنه في بعض الحالات يجب أساساً تجاهل المخاطب. قاعدة «اسمعي يا جارة» ورواية نزول القرآن بناءً على «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِإِیَّاكِ أَعْنِی وَاسْمَعِی یَا جَارَةُ» جديرة بالاهتمام من حيث أنه عند التعامل مع النصوص يجب اختبارها من هذه الجهة أيضاً. في كثير من الأحيان، يجب أساساً تجاهل ظاهر الجملة والاهتمام بالمراد الأصلي.

٢-٥. اختبار تطابق المعنى الاصطلاحي واللغوي

يمكن تقسيم الألفاظ إلى فئتين: الألفاظ الاصطلاحية وغير الاصطلاحية. خصوصية الألفاظ الاصطلاحية هي أنها تتضمن مجموعة من المعاني المترابطة، بحيث لا يمكن فهم معنى اللفظ الاصطلاحي دون تصور مجموعة هذه المعاني. في الواقع، تكتسب مراعاة نظر الواضع أهمية كبيرة في هذا الصدد، ولا يمكن حمل الاصطلاح، من خلال التلاعب المعنائي، على معنى آخر. على سبيل المثال، «الصلاة» كمصطلح شرعي، هي مجموعة مترابطة من الأفعال مثل القيام والركوع وغيرها. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات التاريخية التي تأخرت معانيها الاصطلاحية زمنياً عن استخدامها اللغوي. إن الطبيعة الخاصة للألفاظ الاصطلاحية تقتضي أن يكون تحليل وتفسير مفردة ما في إطار مصطلح ما مبنياً على إثبات كون ذلك الاستخدام الخاص اصطلاحياً. عند تحليل معنى مصطلح ما، لا يمكن الاعتماد على المعنى اللغوي، ولا يمكن، عند تحليل لفظ لم يثبت معناه الاصطلاحي، افتراض المعنى الاصطلاحي كمسلّمة. إن المقاربة الاصطلاحية لبعض الألفاظ المستخدمة في الاستعمالات القرآنية تحتاج إلى إثبات كون استخدامها اصطلاحياً. ولهذا السبب، ذهب البعض مثلاً فيما يتعلق بمصطلح «النسخ» إلى عدم ارتباط هذا المصطلح بالآية ١٠٦ من سورة البقرة «مَا نَنسَخْ مِنْ آیَةٍ…». إن تفسير اللفظ بناءً على المعنى المتبادر الاصطلاحي هو أحد الآفات الشائعة في التحليلات اللغوية. من هنا، عند التعامل مع مصطلح ما، يجب إثبات المعنى الاصطلاحي.

إن آفة عدم الانتباه إلى التمايز بين الاستخدام الاصطلاحي وغير الاصطلاحي للمفردة هي إحدى أهم الآفات في مباحث تتبع الأصول التاريخية للموضوعات المختلفة. عادة ما يسعى ذهن الباحث، لإبراز الأصول التاريخية، إلى تضخيم الأصول التاريخية للمعنى الاصطلاحي المقصود من خلال جمع أي استخدام للفظ دون الانتباه إلى هذا التمايز. من هنا، يجب النظر إلى «عدم التزام الاصطلاح بالمعنى اللغوي» كأصل.

في التحليل التاريخي للمصطلحات، يجب الانتباه إلى أن الاصطلاح هو حزمة معنائية تحتوي على مفهوم متخصص متعدد الأوجه، نشأ بشكل اتفاقي وضمن وضع ثانوي، ولا مجال للاجتهاد اللغوي وتوسيع أو تضييق معناه. إن كون الاصطلاح من سنخ الحزمة المعنائية يمنع تطبيق منهج تعميم وتسريب المعنى اللغوي إلى الاصطلاحي، وكذلك يجعل تحليله بناءً على التحليل اللغوي غير منطقي. مخرج الأصل المذكور أعلاه هو عدم إمكانية الاجتهاد فيما يتعلق بالمصطلحات التاريخية. بناءً على هذا الأصل، فإن محاولة الاجتهاد في الحزمة المعنائية للاصطلاح وإيجاد علاقة معنائية بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي تشكل أرضية لتكوّن «مغالطة التحليل اللغوي». مغالطة التحليل اللغوي تعني تحليل الاصطلاح بناءً على طبيعة الألفاظ غير الاصطلاحية وفي قالب التحليل الاجتهادي اللغوي لمعنى اللفظ. يرى البعض أن هذا النوع من تأصيل الجذور ليس أكثر من تأصيل عامي.

إن الفرق بين التحليل الاصطلاحي لـ«قنادي» و«عطاري» والتحليل اللغوي لهذين المصطلحين يصل إلى حد أن لا «قناد» يبيع القند (السكر) ولا «عطار» يبيع العطر. على هذا الأساس، يجب التساؤل: إلى أي مدى يرتكز بحث القول اللغوي على ضرورة اتخاذ مقاربة تاريخية؟ إن المقاربة اللغوية وتصور أن واضع اللغة قد ضمن العلاقة بين المعنى واللفظ لمدة تصل إلى أربعة عشر قرناً، هو أساس خاطئ وأرضية لظهور تحقيقات عامية. أقل ما يمكن قوله هو أنه في تحليل كل مفردة، يجب، إلى جانب المعنى اللغوي، إحراز نوع الإشكالية التي أدت إلى استعمالها.

كثيراً ما يُلاحظ أنه في التعامل مع مفردات النصوص المتقدمة، يتم تفسيرها بالاعتماد على الفهم اللاحق وبشكل لا شعوري وبناءً على المسلّمات العصرية (مغالطة الاستصحاب التاريخي). وللأسف، فإن نتيجة مثل هذه المغالطة، على الرغم من مظهرها التعبدي، تشبه التفسير بالرأي أكثر. إن عدم قبول «أصل التغاير» وتصور ثبات المعنى التاريخي للفظ يمكن أن يكون مجرى لتكوّن «مغالطة» ناتجة عن مغالطة الاشتراك اللفظي. يتجلى تكوّن هذه المغالطة في المصطلحات التاريخية بشكل أوضح؛ لأن المستدل يعمد، بمجرد وجود اشتراك، إلى تسريب المعنى الحالي للاصطلاح إلى استخداماته السابقة. في حين أن تأخر زمن وضع الاصطلاح عن زمن الاستعمال غير الاصطلاحي للفظ يمنع وقوع مثل هذا الاستصحاب. مع وجود التغير التاريخي لمعنى اللفظ، لا يمكن في فهم النصوص الاكتفاء بالمعنى الاستعمالي للفظ؛ بل يجب التوصل إلى المراد الحقيقي للمتحدث من اللفظ. مثلاً، فيما يتعلق بمصطلح «متعمق» في حديث الإمام السجاد: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ یَكُونُ فِی آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وَالْآیَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِیدِ إِلَى قَوْلِهِ {عَلِیمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فَمَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ». يرى البعض، مثل الفيض الكاشاني والملا صدرا، أن الحديث في مقام مدح الأقوام المتعمقين. ولكن هناك شواهد تدل على أن المقصود من هذا الحديث هو نكوهة وذمّ «الْمُتَعَمِّقُونَ». ذلك لأن القدر الجامع لعائلة هذا الحديث هو أن التعمق يعني الإفراط في عمل ما والخروج عن حد الاعتدال. بناءً على ذلك، فإن الرسالة الأساسية للحديث هي تجنب التفكر في ذات الله وصفاته.

سبب كون هذا الاستصحاب مغالطة هو أيضاً أن المعنى الاصطلاحي متأخر، ولا يمكن فرض هذا المعنى اللاحق على اللفظ المشترك المستخدم في الماضي. لا يمكن تفسير الاستخدامات السابقة بالاعتماد على المعنى المتأخر الاصطلاحي لها. هذه التفسيرات الخاطئة هي التي تسببت في كثير من حالات سوء الفهم. ومن هنا، يجب التعامل بحذر أكبر مع تعابير «نَزَلَتْ» و «هَكَذَا نَزَلَتْ» في أدبيات الروايات التفسيرية. يكتب المحقق الخوئي أن إرادة معنى سبب نزول الآية ومعنى مراد الآية من مصطلحي التأويل والتنزيل اللذين صاغهما المتأخرون، على التوالي، هو بمثابة استخدام هذين اللفظين خلافاً لمعناهما الظاهري. ذلك لأن هذا الاستخدام مبني على المعنى المتأخر، ولا يُرى أي أثر لهذا الاستخدام في كتب اللغة يجيز حمل استخدامات هذين اللفظين في الروايات المأثورة عن أهل البيت (ع) على المعنيين المذكورين آنفاً.

٣-٥. اختبار إيجاد التمايز بين السنّة الواقعة والمحكية

إن جزءاً مهماً من هذه التصورات التجريدية يعود إلى الخلط بين السنّة الواقعة والسنّة المحكية. ذلك أن أنصار مثل هذه المباحث يستدلون، في مقام الحديث عن تبيين وتأييد المنهج الروائي، بأدلة من فضاء السنّة الواقعة؛ بينما ما يواجهونه في عالم الواقع ينظر إلى السنّة المحكية. على سبيل المثال، عندما يستدلون على هذا المنهج، يستشهدون بأمثال حديث الثقلين، ولكن الحقيقة هي أن واقع بحث التفسير الروائي قد تشكل في فضاء السنّة المحكية. إحدى نتائج عدم التمييز بين السنّة الواقعة والمحكية هي بروز التحليلات الكمية إلى حد تصبح فيه الأعداد والأرقام ذات مفهوم وتشكل أساساً لتحليلات توسعية لا تاريخية. إن كون العدد ذا مفهوم في السنّة الواقعة لا يعني بالضرورة كون العدد ذا مفهوم في السنّة المحكية بالنسبة للدلالة التوسعية. هذه المسألة ترتكز على طبيعة عدم كون الحكاية ممثلة بشكل كامل لعالم الواقع وتعرضها لآفة «كون العدد والرقم مثيراً للإشكال بدلاً من كونه ممثلاً للواقع». من هنا، فإن التقييمات الكمية تشكل أرضية لإثارة الإشكالات، ولا ينبغي بالضرورة إقامة علاقة مباشرة بين قلة أو كثرة الروايات حول موضوع معين وأهمية ذلك الموضوع.

إن الأبعاد الكمية للأحاديث، بما في ذلك عددها، ليست بالضرورة قادرة على تفسير الدلالات التوسعية في السنّة الواقعة، ويجب التعامل بحذر أكبر مع تسريب لوازم التحليلات التاريخية الكمية إلى الدلالات التوسعية. التحليل القائم على المقاربة الكمية هو نوع من الإخبارية. في هذه المقاربة، يعتبر التكرار نوعاً من التعليل. إن تحليل مدى التفسير في العهد النبوي بناءً على مجرد عدد المئتين ونيف من الروايات الواردة، يمكن اعتباره نماذج للتحليل القائم على السنّة المحكية. جزء مهم من التفسير النبوي هو التفسير العملي والسلوكي الذي لم يُنقل بالضرورة في قالب أخبار الآحاد. على سبيل المثال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) خُلُقُهُ الْقُرْآن»؛ كان القرآن تجسيداً لأخلاق النبي (ص). بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود نفس العدد المحدود من الروايات التفسيرية يمكن تفسيره بأن القرآن كله قد فُسِّر في العهد النبوي، باستثناء بعض الآيات التي اتضح مرادها أيضاً بعد سؤال الصحابة وفي قالب الروايات المحدودة المذكورة. بشكل عام، لا يمكن تجاهل أنه من بين الأركان الثلاثة في تعريف الحديث (حكاية القول والفعل والتقرير)، فإن الاهتمام بالركن الأول (حكاية القول) أكثر وضوحاً، سواء بين الحاكين (الرواة) أو بين المخاطبين. من هنا، من الضروري، من خلال التدقيق في التراث الروائي، استخراج موارد الأفعال والتقارير في الروايات أيضاً. مصطلح الحديث «حكاية قول أو فعل أو تقرير المعصوم» لا يشير إلى مجموع سلوك النبي (ص) – سواء المحكي أو غير المحكي – بل يشير فقط إلى الأمور الإيجابية. هذا في حين أن عدم فعل المعصوم، سواء المحكي أو غير المحكي، يمكن أن يكون له نفس المكانة أيضاً. بعض الموضوعات يمكن القول بشأنها إنه لم يرد في أي رواية أن المعصوم قد قام بفعل معين أو أوصى بتوصية معينة. هذه المسألة شيء آخر غير «مَنْطَقَةُ الْفَرَاغِ». في الواقع، يجب إما اعتبار نطاق التقرير، إلى جانب القول والفعل، بناءً على تعاليم مثل «الرَّاضِی بِفِعْلِ قَوْمٍ»، أوسع بكثير من التصور الشائع له، أو فتح حساب خاص لمثل هذه الأفعال السلبية. في الواقع، يجب فتح مجال للموارد والموضوعات غير المذكورة بين الروايات أيضاً، وعدم إحالة كل شيء إلى منطقة الفراغ، وبناءً على ذلك أيضاً، عدم اعتبار التحليل الكمي للروايات حول موضوع معين بالضرورة دليلاً على أهميته أو كشفاً عن مذاق الشارع. أساساً، هذا النمط من التعبير بأن الروايات المتظافرة تدل على أمر خاص معين، جدير بالتأمل من حيث إن هذه الكثرة ربما تكون بسبب كثرة محل الابتلاء في زمن المعصوم. وبغض النظر عن هذه النقطة أيضاً، يجب أن يُعلم أن مذاق الشارع لا يُحصل عليه لا بالتكرار ولا بتواتر الرواية، بل بتعدد الصدور.

عند التعامل مع قالب وألفاظ النص الديني والروايات، يمكن إغفال مسألتين خفيتين: إحداهما تبويب وتصنيف الرواية، والأخرى إمكانية خلط قول الراوي والحديث. الروايات التي تشير إلى نقل سلوك المعصومين أو أقوالهم الممزوجة بسلوكهم، تحتاج إلى دقة أكبر. السبب الأول، وبشكل عام، هو أن طبيعة تقرير الراوي في مثل هذه الحالات هي عملياً تفسير لفعل المعصوم، وكما أن القول قد يكون مجملاً، فإن الفعل أيضاً قد يكون مجملاً، وهذا الإجمال قد يؤدي إلى فهم خاطئ من قبل الراوي وتدوين تقرير غير مطابق للواقع. بغض النظر عن المعصوم، فإن حدوث مثل هذه الأخطاء في نقل أحوال شخص ثالث وبيان الذكريات الشخصية ليس بعيداً عن التوقع. وتبرز هذه المسألة بشكل أكبر عندما يكون ناقل التقرير غريباً عن الفضاء الذي ينقله. السبب الثاني، مع افتراض الثقة الكاملة بفهم الراوي وبغض النظر عن مسألة التقية، هو إمكانية كون سلوك ما خاصاً – بالمعصوم نفسه، أو بمخاطب الزمان أو المكان الخاص – أو حتى صدور الفعل عن اضطرار، بحيث لم يصرح الراوي، خطأً أو اعتماداً على القرائن، بخصوصية هذا السلوك. إذا تم تقسيم صدور الحديث إلى مرحلتين: تلقي الحديث ونقل الحديث، فإن معظم الحالات المذكورة أعلاه، بما في ذلك إمكانية الخطأ في النقل بالمعنى، تتعلق بالمرحلة الثانية. على سبيل المثال، كتب الشيخ الطوسي، فيما يتعلق بالرواية المنقولة عن الإمام الباقر أن: «أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ لَمْ یُغَسِّلْ عَمَّارَ بْنَ یَاسِرٍ وَ لَا هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ الْمِرْقَالَ وَ دَفَنَهُمَا فِی ثِیَابِهِمَا وَ لَمْ یُصَلِّ عَلَیْهِمَا»؛ مع التصريح بوهم وخطأ الراوي: «قَوْلُ الرَّاوِی وَ لَمْ یُصَلِّ عَلَیْهِمَا وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِی لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عَلَى الْمَیِّتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». لأن النقاشات في الفضاء الافتراضي تُنقل بدون إحساس وقرينة وغيرها، فإن الكلام المتبادل يكون أكثر عرضة للتسبب في الاستياء مقارنة بالحالة الحضورية. الإحساس والحال وتعبيرات الوجه وما شابه ذلك، التي تعد في زمن الحضور والمقابلة المباشرة من أسباب تلطيف الكلام وتقليل حدة النقد، للأسف غير موجودة في الفضاء الافتراضي.

بغض النظر عن مرحلة التلقي، فيما يتعلق بمرحلة نقل النصوص أيضاً، يجب الانتباه إلى أن عدم إدراج رواية ما في مجموعة ومنظومة الروايات يمكن أن يحكي عن نوع اجتهاد الكاتب، ومن جهة أخرى يمكن أن يكون متأثراً بتيارات غير علمية. على سبيل المثال، كون أهل السنة يعترفون من جهة بتواتر حديث الغدير وذكر ١١٠ صحابة و٨٤ تابعياً، ولكن من جهة أخرى يكون التعامل معه في التفاسير السنية باهتاً، وتوجد إشارة باهتة إليه تحت الآيات ذات الصلة (مثل الإكمال والتبليغ)، هو أمر جدير بالتأمل البالغ. التأمل من حيث أنه عندما يكون نهج كتب التفسير هو عدم الاكتفاء برأي مفسر الكتاب فقط والإشارة إلى جميع الأقوال حتى أضعفها، كيف يمكن لمفسر مثل الثعلبي أن يتجاوز آية الولاية ولا يشير إلى علي (ع)، أو مثل ابن كثير والزمخشري أن يصلا إلى آية التبليغ ولا يذكرا الغدير.

٦. الخلاصة

١- سيكولوجيا النص من الفروع العلمية الضرورية التي تسعى إلى تحليل النص قبل الاستدلال به، وذلك بهدف كشف المسلّمات والتصورات المسبقة الحاكمة على فضاء صدور ونقل النص الحديثي. ٢- اختبار إلغاء الخصوصية، واختبار تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي، واختبار إيجاد التمايز بين السنّة الواقعة والمحكية، هي نماذج للاختبارات التي اقتُرحت في هذا المقال كأدوات لتقييم النص قبل تفسيره. ٣- ستكون نتيجة سيكولوجيا النص وتوظيف قواعدها القبل-تفسيرية هي تهيئة المجال لحكم أفضل للمفسر وتفسير أدق للنص. ٤- إن تقليل حجم التفاسير الخاطئة للنصوص الدينية على نطاق واسع يجب أن يُعهد به إلى عملية الاختبارات المسبقة للنص. ٥- من أهم نتائج تطبيق سيكولوجيا النص هو تتبع أصول التصورات المسبقة المختلفة التي تؤثر في تفسير النص. هذا التتبع لأصول التصورات يمكن، بالإضافة إلى توعيتنا بتصورات كل عصر، أن يقدم لنا حكماً أدق على النص. من الواضح أنه يجب فصل حساب هذه التصورات عن المقصد الأصلي للآية.

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • أحمدي، محمد حسن. (1397 هـ.ش). مطالعات حديثى و زبان شناسى تاريخى. قم: دانشگاه قم.
  • الأنصاري، مرتضى. (1423 هـ.ق). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • برنجكار، رضا. (1382 هـ.ش). “حديث اقوام متعمقون، مدح يا مذمت؟”. نقد و نظر، 31 و 32، 443-458.
  • البهائي، محمد بن حسين. الوجيزة في علم الدراية. بي جا: چاپ سنگى، بي تا.
  • باكتجي، أحمد. (1392 هـ.ش). ترجمه شناسى قرآن كريم. تهران: دانشگاه امام صادق (ع).
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن. (1408 هـ.ق). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
  • الخوئي، السيد أبو القاسم. البيان في تفسير القرآن. بيروت: دار الزهراء، بي تا.
  • السبحاني، جعفر. (1420 هـ.ق). الموجز في أصول الفقه. قم: مكتبة التوحيد.
  • السيد الرضي، محمد بن الحسين. (1389 هـ.ش). نهج البلاغة. ترجمة محمد دشتي. قم: مؤسسة تحقيقاتي أمير المؤمنين.
  • السيوطي، جلال الدين. (1414 هـ.ق). الإتقان في علوم القرآن. بيروت: دار الكتب العربي.
  • الصدوق، محمد بن علي. (1377 هـ.ش). معاني الأخبار. تهران: دار الكتب الإسلامية.
  • الصدوق، محمد بن علي. (1413 هـ.ق). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين. (1393 هـ.ش). الميزان في تفسير القرآن. بيروت: الأعلمي للمطبوعات.
  • الطوسي، محمد بن الحسن. (1363 هـ.ش). الاستبصار في ما اختلف من الأخبار. تهران: دار الكتب الإسلامية.
  • الكليني، محمد بن يعقوب. (1363 هـ.ش). الأصول من الكافي. قم: دار الكتب الإسلامية.
  • لجنة الفقه المعاصر. (1441 هـ.ق). الفائق في الأصول. قم: مركز مديريت حوزه هاى علميه.
  • المجلسي، محمد باقر. (1403 هـ.ق). بحار الأنوار. بيروت: مؤسسة الوفاء.
  • النوري الطبرسي، الميرزا حسين. (1369 هـ.ش). مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
  • ورام، مسعود بن عيسى. (1369 هـ.ش). مجموعة ورام. ترجمة محمدرضا عطايي. مشهد: بنياد پژوهشهاى اسلامى.
Scroll to Top