المستخلص
أظهرت رواية تقوير رأس الإمام الحسين (ع)، كإحدى روايات عاشوراء، جسارة مضاعفة تجاه أهل البيت (ع). هذه الرواية، التي وردت في مصادر القرنين السادس والسابع، أي “مقتل الحسين (ع)” للخوارزمي و”تذكرة الخواص” لسبط ابن الجوزي، كمصادر روائية-تاريخية وكاتبة للمناقب، وإن لم تكن من الدرجة الأولى، يمكن أن تحظى بالاهتمام كإحدى تفردات عاشوراء في بحوث عاشوراء. توثيق هذه الرواية، كنقل من التقارير التاريخية، هو مسألة البحث الحالي. تناول هذا البحث تحليل هذا التقرير بمنهج تحليلي. تظهر مجموع النتائج أنه على الرغم من أن تفردات هذين المصدرين ليست قليلة، وفي الوقت نفسه، رحبت مصادر أخرى مثل “نهاية الأرب” للنويري و”مرآة الجنان” لليافعي وحتى المعاصرين بهذا النقل، إلا أنه على أي حال، توجد شواهد لقبول بعض التفردات، خاصة تقوير رأس الإمام الحسين (ع). لا تُعد الكتب المذكورة من المصادر المتقدمة، ولكن العثور على قرائن وشواهد لتقريرها المتفرد يمكن أن يكون جديرًا بالتأمل والتحليل. وجود عادة التقوير في النزاعات والصراعات، ووجود أخبار عن تقوير رؤوس بعض الشخصيات، وإشارة عابرة لبعض الكتاب إلى التقوير، والالتفات إلى ضرب العصا في مجلس يزيد، يدل على وقوع مثل هذا الفعل المنتهك للحرمة والمحزن، الذي يبرز مدى الفعل الجاهل وغير الإسلامي للأمويين، ويزيد من وحشيتهم في تاريخ حكمهم.
- طرح المسألة
لا شك أن أحد تجليات فظائع حكم يزيد الظالم هو أحداث الكوفة والشام. بعد نقل قافلة الأسرى في اليوم الحادي عشر من محرم من كربلاء إلى الكوفة، وبسبب قرب المسافة بينهما، دخلوا مدينة الكوفة في اليوم الثاني عشر من محرم. يبدو أن الأسرى قضوا ليلة الثاني عشر خارج أسوار الكوفة وخارج المدينة. نتيجة للدعاية الأموية المسمومة ضد الإمام الحسين (ع) في الكوفة، فرح أهل الشام بهذا النصر، وخرجوا إلى الأزقة والأحياء لرؤية الأسرى. ولكن خطب الإمام السجاد (ع) والسيدة زينب (س) وغيرهما أدت إلى تعريف آل الإمام بشكل أفضل، خاصة في الشام. وبفضيحة حكم بني أمية الجائر، أصبحت وصمة العار الأبدية لأفعالهم الوحشية وكارثتهم نقطة تحول في التاريخ، وجعلت سجلهم أكثر سوادًا من ذي قبل. كانت دعاية اليزيديين، التي تعود جذورها إلى حكم معاوية، مؤثرة أيضًا في أهل الشام، وبدأوا هم أيضًا بالرقص والاحتفال.
كما شهد مجلس يزيد إهانة وجسارة على الإمام وأهل بيته. شرب الخمر والقمار أمام رأس الإمام المطهر هو إهانة أخرى من يزيد، وقد ذكرتها روايات المعصومين بأنها أمر كريه في مدينة الشام. في النهاية، شوه يزيد سجله المشين في التاريخ بسجن آل البيت. كما ارتكب ابن زياد سلوكيات منتهكة للأعراف وغير لائقة معهم. أحد أفعال الأمويين هو الجسارة على رأس الإمام الحسين (ع)، والذي أُشير إليه في بعض روايات عاشوراء. يُعرف هذا الفعل بـ “التقوير”.
ضرورة البحث حول المسألة المذكورة هي تحليلها كتقرير تاريخي-روائي، إثباته يمكن أن يزيد من وحشية الفعل الجاهل وغير الإسلامي للأمويين، وعدم إثباته يمكن أن يكشف عن الوضع والتلفيق في الروايات التاريخية وعدم تحقيق الناقلين والكتاب في نقل التقارير. يسعى البحث الحالي إلى دراسة تحليلية لهذا الفعل ويهدف إلى توثيق هذا التقرير وتقييم مدى اعتباره كتقرير تاريخي مأساوي. لهذا السبب، وضع هذا المقال الأنواع المتعددة لهذا التقرير من منظور مصادر عاشوراء السنية والإمامية، وكذلك اعتبار محتوى الرواية، على محك التقييم، وناقشها بمنهج تحليلي، مع التركيز على الأسئلة التالية: في أي المصادر نُقل أول تقرير لتقوير رأس الإمام الحسين (ع)؟ ما مدى اعتبار وتوثيق هذا التقرير؟ وعلى فرض وجود مستند واعتبار، ما مدى رسوخ الأدلة المؤيدة أو النافية؟
لم تُنشر آثار كثيرة حول مصير رأس الإمام الحسين (ع) المطهر. اقتصر رنجبر في مقال بحثي حول “مصير ومحل دفن رأس الإمام الحسين (ع) المطهر ورؤوس الشهداء الآخرين” على تحليل محل دفن شهداء كربلاء فقط. كما اهتمت دراسات عاشورائية أخرى بمسألة دفن الرؤوس. ولكن بشكل عام، لم يُعثر في البحوث المنشورة عاشورائيًا على كتاب أو مقال يتمحور حول الإجابة على المسألة التي يهدف إليها هذا البحث، أي “تقوير رأس الإمام الحسين (ع)”. نتيجة لذلك، يسعى هذا البحث، ضمن العثور على أول مصدر موجود لهذه الرواية ونقده ودراسته، إلى تحليل تواترها وأنواعها الروائية، وفي النهاية يستكشف متنها بأدلة تاريخية-روائية متعددة، ويبيّن ويشرح اكتشافات جديدة في هذا الاتجاه.
- تخريج سند ومتن التقرير
بالبحث في الكتب التاريخية أو حتى الحديثية المتقدمة، لا يمكن العثور على أثر لهذا التقرير في المصادر الأولية. ولكن، بتتبع المصادر والبحث في الكتب التاريخية والكلامية أو الحديثية، يبدو أن المصادر الموجودة هي من الدرجة الثانية ومتأخرة. وأول من نقل هذا التقرير في كتابه هو الخوارزمي في “مقتل الحسين (ع)” (المتوفى 568هـ). كما تناوله سبط ابن الجوزي (المتوفى 654هـ) في “تذكرة الخواص” بتفصيل أكبر. وقدم النويري (المتوفى 733هـ) في “نهاية الأرب” واليافعي (المتوفى 768هـ) في “مرآة الجنان” نصًا مشابهًا تقريبًا للتقريرين المذكورين. وقد وصل هذا التقرير إلى المصادر الشيعية المتأخرة.
بين المتأخرين والمعاصرين الشيعة أيضًا، وبسبب المكانة البارزة لأصحاب الكتب المذكورة، استُند في كتبهم إلى مثل هذا النقل، وإن كان بشكل عابر. كتب مثل “شرح إحقاق الحق” للحسيني المرعشي (المتوفى 1019هـ)، و”مدينة المعاجز” للبحراني (المتوفى 1107هـ)، و”ناسخ التواريخ” لسِپِهر (المتوفى 1297هـ)، و”الانتصار” للعاملي (معاصر)، و”نفحات الأزهار” للميلاني (معاصر).
إذا أمكن الوصول إلى منظومة منظمة من التقارير، فذلك ممكن إذا أمكن، بناءً على المنهج المكتبي، تتبع المصادر، وبالنظر إلى التواتر والأنواع الروائية، التوصل إلى قضايا أساسية لتوثيق القرائن، إلى جانب مبنى توثيق الراوي. البحث الحالي، بالاعتماد على هذه المكونات وبناءً على منهج التأريخ حسب المصدر، تناول التوثيق والتحليل الشامل في هذا الخصوص.
كما قيل، سُجل تقرير التقوير من حيث الاعتبار في مصادر متقاربة المستوى تقريبًا، ويبدو من الضروري دراسة أنواعه.
أ) كتب الخوارزمي (المتوفى 568هـ):
“وَلَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ الحُسَينِ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ، طَلَبَ مَن يُقَوِّرُهُ وَ يُصْلِحُهُ، فَلَم يَجسر أحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَ لَم يَحر أحَدٌ جَوَابًا، فَقَامَ طَارِقُ بنُ المُبَارَك فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَامَ بِهِ فَأَصْلَحَهُ وَ قَوَّرَهُ، فَنَصَبَهُ بِبَابِ دَارِهِ، وَ لِطَارِق هَذَا حَفِيدٌ كَاتِبٌ يُكَنَّى أَبَا يَعلِي، هَجَاهُ «العدوى» فَعَرِضَ لَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ:
عَمةُ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَ لَكِن *** رُبَّمَا استقبحت عَلَى أقوام
لَا يَلِيقُ الغنى بِوَجْهِ أَبِي يَعلِى *** وَلَا نور بهجةِ الإسلام
وسخَ الثَّوبُ وَ العَمَامَةُ والبِرذُونُ *** وَالوَجهُ وَ القَفَا وَ الغُلَامِ
لا تسموا دَوَاته فَتُصِيبُوا *** مِن دِمَاءِ الحُسَينِ فِي الأقلام”. لم يُعثر على شخص باسم طارق بن مبارك في مصادر أخرى. الجدير بالذكر أن شخصًا بهذا الاسم موجود في أواخر العصر الأموي، ولكن نظرًا لاختلاف سنة وجوده، يبدو أنه لا يوجد سبب آخر غير تشابه الأسماء.
ب) أورد سبط ابن الجوزي (المتوفى 654هـ): “أن أنه لَمَّا حَضَرَ الرَّأْسُ بَينَ يَدَى ابن زياد أمَرَ حَجَّاماً فَقَالَ : قَوَّرَهُ فَقَوَّرَهُ وَ أَخْرَجَ لَعَادِيدَهُ وَ نَخَاعَهُ وَ مَا حَولَهُ مِنَ اللَّحْمِ فَقَامَ عمرو بن حريث المَحْزُومِي فَقَالَ : يابن زياد، قَد بَلَغْتَ حَاجَتِكَ مِن هَذَا الرَّأْسِ فَهَبْ لِي ما القيتَ مِنهُ، فَقَالَ : مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ فَقَالَ: أَوَارِيهِ، فَقَالَ: خُذْهُ، فَجَمَعَهُ فِي مِطْرَف خَرِّ كَانَ عَلَيْهِ وَ حَمَلَهُ إِلَى دَارِهِ، فَغَسَّلَهُ وَ طَيبَهُ وَ كَفَّنَهُ وَ دَفَنَهُ عِندَهُ فِي دَارِهِ، وَ هِي بِالْكُوفَةِ تُعرَفُ بِدَارِ الخر دار عمر و بن حريث المخزومي”.
ج) يكتب النويري (المتوفى 733هـ) أيضًا كقول في موضع دفن رأس الإمام: “فَأَمَّا مَن قَالَ إِنَّهُ دُفِنَ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الحُسَينُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، وَ حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى عُبَيدِ اللهِ بن زياد بِالكُوفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَ قَصْدَ حَملَهُ إِلَى دِمَشْقَ، طَلَبَ مَن يُقَوِّرُهُ فَلَم يُجِبهُ إِلَّا طَارِقُ بنُ المُبارك مَولَى بَنِي أَمَيَّةَ وَكَانَ حَجَّامًا، فَفَعَلَ، وَقَد هَجَى أَبُو يعلى الكاتب، وَ هُوَ أَحَدُ أسبَاطِ طَارِق هَذَا، فَقِيلَ فِيهِ:
شقَّ رَأْسِ الحُسَينِ جَدَ أَبِي يَعلي وساط الدماغ بالإبهام”.
د) أورد اليافعي (المتوفى 768هـ) في “مرآة الجنان” تقريرًا مشابهًا للتقارير المذكورة أعلاه: “ذَكَرُوا مَعَ ذَلِكَ مَا يَعظُمُ مِن الزَّندَقَةِ وَالفُجُورِ ؛ وَ هُوَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ أَمَرَ أَن يُقَوِّرَ الرَّأْسَ المُشَرِّفَ المُكَرَّمَ حَتَّى ينصب في الرمح، فَتَحامَى النَّاسُ عَن ذَلِكَ، فَقَامَ من بَينَ النَّاسِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بنُ المُبَارَك بَل هُوَ ابنُ المَشوْمِ المَدْمُومِ، فَقَوَّرَهُ وَ نَصَبَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ الجَامِعِ، وَ خَطَبَ خُطبَةً لَا يَحلُّ ذِکرها”.
2-1. تحليل روائي للتقارير
من التقارير الأربعة المذكورة، يمكن استخلاص نقاط:
أ) نصب طارق الرأس المطهر، بعد تقويره، على باب داره حسب نقل الخوارزمي، وعلى باب المسجد الجامع حسب تقرير اليافعي، ويبدو أنه يمكن الجمع بينهما.
ب) حسب تقرير سبط، دُفنت بقايا التقوير في دار عمرو بن حريث، وظاهراً لهذا السبب اشتهرت في الكوفة بدار عمرو بن حريث، بينما يبدو أن شهرة داره كانت بسبب صلب ميثم التمار.
ج) بناءً على تقرير النويري، على فرض إثبات دفن الرأس في دمشق، تم التقوير بقصد حمله إلى دمشق بسبب طول المسافة. على الرغم من أنه لا حاجة لافتراض ذلك، لأنه كما سيأتي، أجمعت المصادر على تقرير وجود الرأس عند يزيد.
2-2. دراسة لغوية واصطلاحية لكلمة “تقوير”
“قور” هو جذر كلمة “تقوير” التي هي على وزن “تفعيل” في الثلاثي المزيد. ذكرت المصادر اللغوية القديمة أن مراد “قور” هو تدوير الشيء، والحفر، والقطع، والفصل، وشق وسط الشيء. بما أن هذا الفعل متعدٍ، فإن مفعوله يمكن أن يبيّن معنى الفعل بدقة أكبر كقيد للفعل. على سبيل المثال، عندما يُقال “قَوَّرتُ عَيْنَهُ”، يُستخدم ذلك عندما تُقتلع العين من محجرها. أو حسب معنى ابن فارس، أي تدوير الرأس. مثلاً، إذا استُعملت في حق رأس طفل، فيمكن أن تعني إصلاح شعر رأسه.
كلمة “تقوير” في الاصطلاح، إذا استُعملت للرأس، فتعني الإصلاح أو فصل شيء ما. وفيما يتعلق بالتقارير التي مرت بنا بمصطلح “تقوير”، يصدق هذا المعنى نفسه.
استخدم الخوارزمي إلى جانب كلمة “تقوير” كلمتي “يُصْلِحُهُ” و “فَأَصْلَحَهُ”، مما يعني، بقرينة الكلمة المجاورة، أن معنى “تقوير” هو الإصلاح والترتيب. ينسب سبط ابن الجوزي، بناءً على التقرير المنقول، الفعل بالتفصيل إلى شخص حجام، ويضيف قيودًا إلى عبارة “فَقَوَّرَهُ”: “و أخرَجَ لَعَادِيدَهُ وَ نَخَاعَهُ وَ مَا حَولَهُ مِن اللحم”، مما يفيد بطبيعة الحال، بناءً على عطف الخاص على العام وباعتبار “مِن” البيانية في العبارة، إفراغ جميع اللحوم داخل الرأس وكل ما يصدق عليه اللحم أو ما شابهه. لم يستخدم النويري أي توضيح واكتفى باستخدام الكلمة نفسها. أما اليافعي، فقد سجل سبب التقوير بأنه النصب على الرمح، وهو ما يبدو أن وجهه وارتباطه غير واضح.
2-3. نقد مصادر وأسانيد التقرير
علم المصادر هو علم آلي وأداتي يتناول تبيين كل من الكتب القائمة على التقارير، سواء كانت تاريخية أو حديثية، ويبيّن أسلوب وطريقة كتابة كل منها مع ذكر هدفه. فيما يلي، تُدرس المصادر الأولية للتقرير:
2-3-1. تحليل ودراسة المصادر
من بين المصادر التي نقلت تقرير التقوير، وبسبب تداخل المحتوى، سيتم تناول دراسة المصدر الأول، أي “مقتل الخوارزمي” و “تذكرة الخواص” لسبط ابن الجوزي.
2-3-1-1. مقتل الحسين (ع) للخوارزمي
وُلد موفق بن أحمد بن محمد البكري المكي الحنفي، المعروف بأخطب خوارزم، حوالي سنة 484هـ وتوفي سنة 568هـ. لا تتوفر معلومات كثيرة عن حياته. سافر في طلب الحديث إلى مناطق فارس والحجاز ومصر والشام، وكان يكاتب علماء عصره، وأجازوا له نقل الحديث، كما أجاز لهم هو أيضًا. أثنى عليه كثير من الشيعة وأهل السنة. وصفه العلامة الأميني بأنه محدث ذو أسانيد كثيرة، وخطيب شهير، وماهر في اللغة العربية، وعالم بالسيرة والتاريخ.
كتاب “مناقب أبي حنيفة” للخوارزمي، الذي كُتب في فضائل أبي حنيفة، شاهد قوي على مذهبه. مع ذلك، كان يميل إلى التشيع ومحبًا لأهل البيت. ذكر شراح الخوارزمي له أساتذة كثيرين في تلقي ونقل الرواية. ذكر العلامة الأميني أسماء 35 من أساتذته. وذكر آخرون أن هذا العدد يصل إلى 65 شخصًا. وكتب العلامة أن عدد تلامذته يصل إلى سبعة، وذكر آخرون أنهم يصلون إلى تسعة. ألف الخوارزمي خلال حياته آثارًا في التاريخ وفضائل ومناقب أهل البيت، وردت أسماؤها في الكتب كالتالي: “الأربعين في مناقب النبي الأمين ووصيه أمير المؤمنين (ع)”، و”مناقب الإمام أبي حنيفة”، و”مقتل أمير المؤمنين (ع)”، و”مقتل الحسين (ع)”، و”رد الشمس لأمير المؤمنين (ع)”، و”قضايا أمير المؤمنين (ع)”، وغيرها.
نهج كتابه هو كتاب تاريخي روائي، وردت معظم رواياته وتقاريره التاريخية بسلسلة سند. ربما يمكن اعتبار هذا الكتاب أول كتاب موجود كُتب بشكل مستقل في مجال مقتل الإمام الحسين (ع). محتويات المجلد الأول من الكتاب هي: فضائل النبي، وخديجة، وفاطمة بنت أسد، وأمير المؤمنين (ع)، والسيدة الزهراء (س)، والإمام الحسن (ع)، والإمام الحسين (ع)، وأخبار النبي عن أحوال الحسين (ع)، والأحداث التي وقعت بين الإمام الحسين (ع) والوليد ومروان، وأحداث مكة، ورسائل أهل الكوفة، ومقتل مسلم بن عقيل، وخروج الإمام من مكة ونزوله في أرض الطف. والمجلد الثاني يتضمن: مقتل الإمام، وعقوبة قاتل الإمام، وزيارة تربة الإمام، والمراثي المنقولة في شهادة الإمام، وانتقام المختار. معظم مواد الكتاب من الفصل التاسع حتى نهاية الفصل الحادي عشر، التي تبدأ من طلب معاوية البيعة ليزيد وتنتهي بشهادة الإمام الحسين (ع) وأصحابه في كربلاء، مأخوذة من كتاب “الفتوح” لابن أعثم، وهو ما صرح به الخوارزمي نفسه مرارًا في كتابه. وهو في بعض الحالات، بعد نقل تقرير ابن أعثم، أضاف إليه حديثًا أو تقريرًا آخر، ثم أورد تتمة تقرير ابن أعثم: “قال أحمد بن أعثم الكوفي”. التقارير المضافة عادةً ما تكون تقارير رواها الخوارزمي مسندة عن مشايخه. قبل الخوارزمي الروايات والتقارير التي أوردها في هذا الكتاب. ويبدو أنه أشار فقط في موضع واحد إلى ضعف رواية، وذلك نقلاً عن غيره. وفي باقي الحالات، لم يتناول دراسة ونقد سند ومتن الروايات. لهذا السبب، على الرغم من أن هذا الأثر يحظى باهتمام ورجوع الشيعة ويُستشهد به، إلا أن بعض رواياته، من وجهة نظر العقيدة الشيعية، موضوعة وغير قابلة للاعتماد.
الاهتمام بتفاصيل الحادثة من السمات المهمة لمقتل الخوارزمي. قدم الخوارزمي تقارير كثيرة حول وقائع العشر الأوائل من محرم. وفي هذا السياق، نقل تقارير الطبري وابن أعثم وبعض شيوخه، وبعض هذه التقارير لا توجد في آثار أخرى. تفاصيل معركة أصحاب الإمام أو أسر أهل البيت من بين الروايات التي لا يمكن العثور عليها في مصادر أخرى. نقل الخوارزمي بعض الروايات المتعلقة بعاشوراء عن محدثين يمكن رؤيتهم في كتب أخرى، ولكنه نقلها بسنده الخاص عن المحدثين. على الرغم من أنه يمكن رؤية إضافات إليها. وفيما يتعلق بكيفية دخول الأسرى إلى الكوفة، أورد: “عندما وصل الأسرى إلى الكوفة، خرج الناس لرؤيتهم، وهم يبكون ويتألمون، ثم قال علي بن الحسين (ع) وهو مريض ومقيد بالسلاسل: هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا إذن؟”. كما روى خطبة السيدة زينب (س) أمام يزيد بسند عن شيخ من بني تميم الكوفة، وخطبة الإمام السجاد (ع) أمام الخطيب الذي أساء، بأمر من يزيد، إلى الإمام الحسين (ع) وأبيه، بشكل مرسل وبصيغة “رُوي”.
دخول الأسرى إلى الشام من باب الساعات من المواد التي التزم بها الخوارزمي لأول مرة، ولم تنقل المصادر الأخرى مثل هذا القول إلا مصادر القرن العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر. فضيلة يوم عاشوراء التي لا حد لها ولا حصر على سائر أيام السنة في ثلاثة أحاديث، وسعة العيال في يوم عاشورا، ويوم عاشوراء يوم ولادة فاطمة (س) والحسن (ع) والحسين (ع)، وفرار ولدي جعفر الطيار من معسكر ابن زياد، هي من التقارير الأخرى التي تُرى لأول مرة في مقتل الخوارزمي.
2-3-1-2. تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي
شمس الدين أبو المظفر يوسف بن حسام الدين قزاوعلي بن عبد الله، المعروف بسبط ابن الجوزي، وُلد في بغداد سنة 581هـ وتوفي سنة 654هـ في دمشق. اعتبره بعض علماء أهل السنة مثل ابن حجر والذهبي رافضيًا وأكدوا على ذلك. يبدو أن سبب هذا القول هو تأليف كتاب “تذكرة الخواص”. ولكن البعض الآخر اعتبره حنبليًا في البداية ثم أصبح حنفي المذهب.
“تذكرة الخواص”، كأهم أثر لسبط، هو كتاب في ذكر مناقب علي بن أبي طالب (ع) والأئمة الاثني عشرية. يبدأ الكتاب بذكر نسب الإمام علي بن أبي طالب (ع). وجه تسمية علي (ع)، وكنيته، وإيمان أبي طالب، وأم وأبناء علي (ع)، وفضائل وخلقة الإمام النورية، وحديث غدير خم، وأيام الخلافة، هي من موضوعات الأبواب المتعلقة بالإمام علي (ع). وفي الأبواب اللاحقة حتى نهاية الكتاب، يتناول دراسة حياة الأئمة (ع) وأوصافهم وفضائلهم.
نقل سبط ابن الجوزي تقريره بدون سند، وهو ما يشبه غالبًا التقارير القصصية. لهذا السبب، يمكن اعتباره مشابهًا لتقرير السيد ابن طاووس الذي سعى، دون ذكر سلسلة الأسانيد في نقل الأحداث، إلى تقديم نص موحد ومختار من الأخبار التاريخية. بناءً على ذلك، يبدو أن منهج سبط ابن الجوزي تركيبي وليس روائيًا؛ على الرغم من أنه استخدم عبارات تفيد طرق تحمل الحديث. تعابير مثل “أخبرنا”، و”حَدَّثنا”، و”قرأتُ عَلَى”، و”سماعًا”، و”إجازةً”، وغيرها. معظم تقريره مأخوذ عن هشام بن محمد الكلبي (المتوفى 204/206هـ). روى سبط ابن الجوزي، مثل الطبري، جميع روايات أبي مخنف عن طريق رواية هشام بن محمد الكلبي. ويبدو أن أبا مخنف كتب هذه الروايات، وأضاف إليها هشام عدة روايات وأعاد ترتيبها، ثم كتب آخرون مثل الطبري وسبط مقتل أبي مخنف في تاريخهم بناءً على كتابة هشام. لأن الطبري وسبط ينقلان مباشرة عن هشام، بينما توفي هشام سنة 204 أو 206هـ، والطبري سنة 310هـ، وسبط سنة 654هـ.
بالطبع، نقل أحيانًا بين المتقدمين عن ابن إسحاق، والواقدي، والمدائني، والشعبي، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. الجدير بالذكر أنه قدم في مقتله ثلاثة أسانيد كاملة في ثلاثة تقارير. تناول سبط ابن الجوزي في الباب التاسع من كتابه، بعد نقل تقرير عن سيرة الإمام الحسين (ع)، بيان حركة مسلم بن عقيل والإمام الحسين (ع)، وفي النهاية أحداث العراق. بعد مقتل الإمام وذكر أولاده، فتح فصلاً حول عقوبة قتلة الإمام، وفي النهاية أورد مواد جذابة حول يزيد جديرة بالاهتمام.
أما في طريقة منقولاته، فيُظهر أن منهجه لم يكن مثل بعض المؤرخين كابن سعد وابن عساكر وغيرهما، الذين كتبوا المقتل بشكل متحيز لبني أمية، بل بولائه لآل النبي (ص)، سعى دائمًا لجمع تقارير ترسم صورة سوداء لبني أمية في التاريخ. ما يمكن فهمه من منهج سبط ابن الجوزي هو أنه، مثل غيره من أهل مذهبه، على الرغم من أنه كان يجل مقام إمامة المعصومين (ع)، إلا أنه كان يعارض بشدة خلافتهم وحكمهم، وهو ما يمكن استنتاجه من خلال دراسة مفهومية وكلية للكتاب. ولكنه في الوقت نفسه كان يؤمن بسخافة أداء يزيد وأتباعه ووقاحته وجرأته. لأن عقيدته كانت مثل عقيدة جده ابن الجوزي، بالطبع، يمكن من خلال دراسة الكتاب إدراك أن عقيدته أقرب بكثير إلى رأي التشيع من عقيدة جده.
يبدو أن سبط ابن الجوزي أيضًا نقل تقريره بالمعنى، وكذلك أخذه من مصادر شفهية. حتى المواد التي ينسبها إلى كتاب، لم ينقلها من الكتاب نفسه، بل نقل المواد بناءً على كلام آخرين عن كتاب ما، وهو ما يبدو للوهلة الأولى أنه من تفرداته، ولكن بمطابقته مع تقارير أخرى، يمكن العثور عليها ببيان آخر وفي مقتل سبط بشكل نقل بالمعنى. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قضايا إرسال الرؤوس والأسرى إلى ابن زياد (تُقارن بالطبري)، وجسارة ابن زياد على الأسرى (تُقارن بالطبري)؛ وإقامة النساء الحداد لثلاثة أيام بأمر من يزيد (تُقارن بابن سعد)؛ وطلب الرجل الشامي هبة ابنة الإمام له (تُقارن بالطبري)، وخروج الدم من تحت الحجارة (تُقارن بابن سعد)، وغيرها. بمطابقة هذه النماذج مع مصادر مثل “طبقات ابن سعد” و”تاريخ الطبري”، يمكن استنتاج أنه لخص التقارير ونقلها بالمعنى. بالطبع، يمكن اعتبار بعض تفرداته قطعية بمطابقتها مع القرائن الموجودة في مصادره السابقة، ولكن البعض الآخر يحتاج إلى نقد جاد. بناءً على تتبع وتقييم الكاتب، فإن التفردات الروائية لـ “تذكرة الخواص” هي ست روايات، ونقوله التحريفية الأخرى التي يمكن استعادتها من مصادر سابقة له هي ثلاث عشرة رواية، أي ما مجموعه تسع عشرة حالة. تفرداته هي تقارير مثل أن الإمام الحسين (ع) كان يسعى للحكم وشخصًا محبًا للدنيا، وأن العباس بن علي (ع) كان أول قتيل من بني هاشم، واسوداد وجه حرملة بن كاهل حامل رأس العباس بن علي (ع)، وعمى ابن عباس بعد شهادة الإمام. أحد التفردات الخاصة لسبط ابن الجوزي هو طلب الماء للرضيع، وهو ما اكتسب شهرة ملحوظة اليوم. لذا، في الرد على من لا يقبل تفرد تقرير التقوير، يمكن طرح تقرير طلب الماء للرضيع، الذي لا يمكن تتبعه في المصادر المتقدمة، على أساس أن كل تقرير متفرد يحتاج إلى شواهد وقرائن، ومجرد التفرد ليس دليلاً على الوضع أو الضعف.
ولكن سبط ابن الجوزي نقل هذا التقرير من كتاب “مقتل عبد الله بن عمرو الوراق” المولود سنة 197هـ والمتوفى سنة 274 أو 277هـ. وهو كتاب غير موجود اليوم، ومؤلف وثقه الخطيب البغدادي والسمعاني وابن الجوزي. اسمه الكامل عبد الله بن عمر وابن عبد الرحمن بن بشر بن هلال الأنصاري البلخي الوراق. عُرّف بأنه أديب ومؤرخ، وُلد في بلخ وسكن بغداد. نقل سبط ابن الجوزي في موضعين تقارير قصيرة حول رأس الإمام، أحدها التقوير والآخر حضور رأس الإمام أمام يزيد، من مقتله. ذكر سبط في كلا الموضعين كتابًا باسم “المقتل” له، ويبدو أنه مقتل الإمام الحسين (ع). نظرًا لتاريخ وفاة الوراق وعدم ذكر سند حتى شهود تقرير التقوير، فإن الرواية المعنية فاقدة للسند. ولكن، بالنظر إلى المصدرين المهمين لتقرير التقوير، أي “مقتل الحسين (ع)” للخوارزمي و”تذكرة الخواص” لسبط ابن الجوزي في القرنين السادس والسابع، وتمسك المصادر اللاحقة لهما بمثل هذا التقرير، يمكن القول إنه من حيث المصدر والمؤلف، كقرينة، لديه قابلية للبحث والدراسة لقبول التقرير بشكل أدنى. لهذا السبب، يجب الانتباه إلى نوعية الشواهد والقرائن الأخرى.
2-3-2. تحليل متني للتقرير
المراد بـ “نقد المتن” هو دراسة ألفاظ ومفاهيم التقرير بهدف التأكد من صدوره أو عدم صدوره، ويشمل ذلك من الدراسات اللغوية والأدبية إلى استكشاف الفضاءات الثقافية والاجتماعية لزمن صدور التقرير. وهذا النوع من الدراسات حول الصدور هو ما اشتهر بنقد المتن أو النقد المضموني. ليس المراد بالنقد بالضرورة طرح رواية ما. فبدراسة لغوية لكلمة “نقد”، يمكن إدراك أن معيار المقولة قيد الدراسة يتحدد، سواء من حيث القبول أو عدم القبول. الرواية المذكورة أيضًا، بوضع التحليل في سياق وقوعها، تجد انسجامها المنطقي، وتتضح صحتها وسقمها.
2-3-2-1. شواهد تاريخية لوقوع التقوير
على الرغم من أن هذا التقرير لم يُنقل في المصادر المتقدمة والمعتبرة، إلا أنه، بغض النظر عن فقدان سند تاريخي دقيق، توجد شواهد على وقوع التقوير لا يمكن تجاهلها.
2-3-2-1-1. عادة التقوير في النزاعات
يبدو أن التقوير، كعادة تاريخية، كان يحدث في النزاعات والصراعات. هذا الفعل الشنيع كان ظاهراً لغرضين: إما للتعذيب والحقد والكراهية تجاه الشخص المخطئ، أو لمنع تعفن وتلف لحوم الرأس، وهو ما كان ممكن الحدوث عند نقلها لمسافات طويلة. وربما كان كلا الغرضين يحدثان معًا. في الماضي، عندما كان يُرسل رأس مقطوع إلى مكان آخر ويُنقل، كان ذلك بطبيعة الحال يستغرق بعدًا مكانيًا وبعدًا زمانيًا، لذا كانت الأجزاء اللحمية من الرأس تُفصل لمنع تعفنها. تكتسب المادة المذكورة أهمية من حيث أنه، بناءً على تقرير، وصل رأس الإمام الحسين (ع) المطهر إلى دمشق في اليوم الأول من صفر. من الواضح جدًا أن رأس الإمام كان في طريقه من كربلاء والكوفة إلى الشام لمدة عشرين يومًا، من اليوم العاشر من محرم حتى الأول من صفر. وضمن ذلك، بناءً على تحقيق أحد المحققين، وفقًا للزيج وحسب الرياضيات، إذا كان يوم عاشوراء يوافق العشرين من أكتوبر سنة 59 شمسية، فإن رأس المطهر بالضرورة وصل إلى الشام في العاشر من نوفمبر الموافق للأول من صفر. يبدو أن درجة حرارة الجو في هذه الأيام وفي المناطق الحارة مثل العراق حتى الشام تزيد من ضرورة هذا الأمر، خاصة إذا لم يكن وصول أهل البيت مع رأس الإمام متزامنًا. يجب ألا ننسى أيضًا طول المدة الزمنية لوصول أهل البيت إلى الشام وحضورهم، وكذلك وضع الرأس المطهر في مجلس يزيد في السادس عشر من ربيع الأول (أي بعد 66 يومًا من عاشوراء، حسب نقل متفرد للطبري في “كامل بهائي”).
النتيجة هي أنه في الماضي، حيث كان قطع الرأس لحمله إلى الحاكم الجائر أمرًا معتادًا، فإن التقوير (الإصلاح والترتيب) يبدو أيضًا طبيعيًا وبديهيًا، وكان متبعًا للأسباب المذكورة سابقًا. بناءً على التوضيحات المذكورة، من المحتمل أن يكون سبب عدم ذكر المقاتل الأخرى لتقرير “تقوير” رأس الإمام الحسين (ع) في تقاريرها هو كون الأمر متبعًا وتقوير الرؤوس، لذا لم يشعروا بالحاجة إلى الإبلاغ عنه.
أحد شواهد المادة المذكورة، كمثال تاريخي، هو تقوير رأس مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة 132هـ. اقتصر الطبري ومؤرخون آخرون على خبر قطع رأس مروان ولم يتناولوا تفاصيل الواقعة. ولكن البلاذري كتب عنه: “وَ لَمَّا نَفَضَ رَأْس مَروَانَ وَ نَقَبَ لِيَخْرُجَ دِمَاغَهُ قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَخَذَهُ هِرٌّ، فَقَالَ صَالِحٌ : لو لم يرنَا الدَّهرُ مِن عَجَائِبِهِ إِلَّا لِسَان مَرْوَانَ فِي فَمِ هِرِّ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ عبرَةٌ وَ مَوعِظَةٌ ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَأْسِهِ وَ خَاتَمِهِ مَعَ يَزِيدَ بنِ هَانِي الكندي إِلَى أَبِي العَبَّاسِ، وَ هُوَ بِالحيرة، فَنَصَبَهُ، وَ بَعَثَ بِه إِلَى خُرَاسَانَ”. عندما هزوا رأس مروان وثقبوه ليخرجوا دماغه، قطعوا لسانه، فأخذته قطة وأكلته… ثم أرسلوا رأسه وخاتمه مع يزيد بن هاني الكندي إلى أبي العباس السفاح وهو بالحيرة، فنصبه، ثم أرسله إلى خراسان. كلمة “نفض” تدل على الهز للتنظيف من أي شيء. وكلمة “نقب” أيضًا بمعنى الثقب وفتح أي شيء. استخدم اليعقوبي بدلاً من كلمة “نفض” أو “نقب” كلمة “قور”. ونقل هذا التقرير كالتالي: “… حز رأسه فَلَمَّا قَوَّرَ جَاءَهُ هِرٌّ فَأَخَذَ لِسَانَهُ، وَ حمل الرَّأْس إلى أبي العباس …”. قُطع رأسه، فلما قُوّر الرأس جاءت قطة فأخذت لسانه، وفي النهاية أُرسل الرأس إلى أبي العباس. صُوّرت كيفية قتل وسحب لسان مروان في مصادر تاريخية أخرى. مكان قتل مروان هو بوصير في مصر، وأُرسل الرأس إلى أبي العباس السفاح في الحيرة، إحدى مدن العراق. المسافة بين بوصير، التي تقع تقريبًا شمال شرق مصر، والحيرة، التي تقع تقريبًا في وسط العراق باتجاه الجنوب، تعادل عبور الأردن الحالي. إذن، نقل رأس مروان من بوصير إلى الحيرة، وهي آلاف الكيلومترات، كان يتطلب التقوير لمنع تعفن لحوم الرأس، وهذا أمر طبيعي وبديهي.
فيما يتعلق بيحيى بن عمر العلوي وثورته سنة 250هـ، قيل أيضًا إنه عندما قُطع رأسه ووصل الرأس إلى دار محمد بن عبد الله الطاهري، كان قد تغير. بحثوا عمن يسلخ لحمه ويقوره، ويزيل محجر العين ولحم الرقبة في الدقيق، ولكن لم يُعثر على أحد. هرب القصابون. بحثوا بين الجزارين المساجين عن واحد يقوم بهذا العمل، ولكن لم يرغب أحد في ذلك إلا أحد عمال السجن الجدد، وهو سهل بن صغدي، الذي قبل إخراج الدماغ والعينين وقوره بيده. في النهاية، غسلوا الرأس وملأوه بالصبر والمسك والكافور ووضعوه في قطن.
من البديهي، بالنظر إلى عادة التقوير في النزاعات والصراعات، أن هذا الفعل يُعتبر أمرًا جاهلاً وغير شرعي، ويجب اعتباره متناسبًا مع الثقافة الجاهلية وأمرًا وحشيًا ومذمومًا. حتى إنه يمكن إدراجه ضمن قانون “الثأر” غير الإسلامي للعرب الجاهليين، وهو قانون يعني الانتقام وطلب الدم الممتد. الذي كانوا لا يهدأون حتى ينتقموا من خصمهم بأي شكل من الأشكال، وحتى يحرّمون على أنفسهم النساء والعطر والخمر، ويعتقدون أن غليان الدم لا يهدأ إلا بالدم. أنشد عبد العزيز، الشاعر الجاهلي، شعرًا في هذا الصدد يعكس المادة المذكورة: “إذا كنا في طلب وانتقام من جماعة، لا نحلب لبن الإبل حتى نشرب الدم”. عندما نلاحظ في التعاليم الدينية أمر النبي والمعصومين الآخرين بحرمة التمثيل بأعضاء أجساد البشر، وحتى التحذير من التمثيل بالحيوانات، فمن الطبيعي أن يُفسّر فعل مثل التقوير، إذا تحقق بدافع العداوة والضغينة وروح الانتقام من أهل البيت، بأنه فعل جاهل وعمل قاسٍ ووحشي. على الرغم من أن الإسلام نجح في بعض الحالات مثل نفي عبادة الأصنام ووأد البنات والفساد والفحشاء وغيرها، ولم يعد العرب إلى الخلف، إلا أنه بعد النبي (ص)، عادت روح سفك الدماء والتعصب والانتقام والمنافسة والحسد والعداوة والافتخار بالنسب العربي وغيرها إلى الظهور من جديد وتجذرت، وب تفسير عنيف للإسلام حاولوا إظهارها بطرق مختلفة. يمكن ملاحظة ذروة هذه الروح في أداء الأمويين للسنن الجاهلية التي خلفوها في عاشوراء، واعتبارها نتيجة للروح الوحشية والحقد الجاهلي. الفظائع غير الإنسانية للأمويين في عاشوراء، وحرة واقم والمذبحة التي راح ضحيتها اثنا عشر ألفًا من أهل المدينة، وحادثة إحراق الكعبة، كلها حدثت بأمر من يزيد. تأثير الأمويين في تفضيل العرب على العجم والقضاء على المساواة والأخوة أيضًا مهد الطريق لثقافة أمر خطير، وهو ظهور تيار التعصب العربي باسم “الشعوبية”.
بناءً على ذلك، وبالنظر إلى ما سبق، يمكن القول إنه لا شك في وجود دوافع سياسية واجتماعية كثيرة لتحريف الواقعة عمدًا منذ البداية. يمكن الإشارة، على رأس كل ذلك – والذي كان مصدر كثير من التحريفات – إلى الحكم المزيف والاستبدادي للحزب الأموي على الأراضي الإسلامية لمدة طويلة نسبيًا.
2-3-2-2. استناد وإشارة عبد الله بن علي إلى تقوير رأس الإمام الحسين (ع)
أشار المسعودي، من المؤرخين البارزين والمتوفى سنة 346هـ، ذيل أسر محمد بن مروان في “مروج الذهب” إلى واقعة تاريخية جديرة بالاهتمام. بعد مقتل مروان بن محمد سنة 132هـ، وقعت بناته وجواريه في أسر عبد الله بن علي، عامل السفاح العباسي. في حوار بين إحدى بناته وعبد الله بن علي، طلبت العفو. أجاب عبد الله قائلاً: “لن أبقي على أحد من رجالكم ونسائكم”. ثم ذكر عبارات، إحداها جديرة بالاهتمام. قال: “ألم يقتل عبيد الله بن زياد، ابن الزنا، مسلم بن عقيل بن أبي طالب في الكوفة؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية، الحسين بن علي مع أهل بيته على يد عمر بن سعد؟ ألم يُسْبَ حرم رسول الله (ص) إلى يزيد، ولم يُحمل رأس الحسين قبلهم، وقد ثُقب دماغه بالرمح، وطيف به على الرمح في مدن ونواحي الشام حتى وصل إلى يزيد وكأنه رأس أحد الكفار؟ ألم يُحتجز حرم النبي في مقام الأسرى، ولم يقف جنود الشام الخشنون وسفلة القوم يتفرجون عليهم، ولم يطلبوا من يزيد أن يهب لهم حرم رسول الله (ص) كجواري؟ ألم تكن هذه إهانة لحق النبي (ص) وجسارة وجحودًا لحق الله عز وجل؟ ماذا أبقيتم من أهل بيتنا؟”.
استخدم قائل هذا الكلام عبارة “قَد ثُقِبَ دِمَاغُهُ”، والتي يمكن اعتبارها قرينة على التقوير. بناءً على التقرير المذكور، تم نقل رأس الإمام قبل حضور حرم النبي (ص) إلى الشام بينما كان تقوير رأس الإمام قد تم. بعبارة أخرى، بعد شهادة الإمام وقبل وصول حرم رسول الله (ص)، تم التقوير، وعُرض الرأس مقورًا في مدن الشام، وفي النهاية رأى يزيد الرأس أمامه. بناءً على ذلك، لا يمكن أن يكون المراد بـ “قَد ثُقِبَ دِمَاغُهُ” هو القتل أو الضرب على رأس الإمام، كما استخدم ابن الأثير في “الكامل” بدلاً من “قد ثُقب” عبارة “قد قرع”.
بناءً على ذلك، على الرغم من عدم ورود ذكر لمسألة التقوير في المصادر الأولية، إلا أن الالتفات إلى القرائن والشواهد دفع المؤرخين والمحدثين إلى ذكر مسألة التقوير في المصادر اللاحقة. ويُطلق على هذا الموضوع اصطلاحًا “التوسع” في الحديث، وهو يشبه ترميم بناء تاريخي بناءً على الشواهد والمعلومات، وهو صحيح على الأرجح، ولا يمكن اعتباره من قبيل الأخبار الموضوعة والكاذبة.
2-3-2-3. الالتفات إلى ضرب العصا على أسنان الإمام الحسين (ع)
نُقلت قضية عصا يزيد في كتب الروايات والمقاتل المتعددة. عندما خاطبت السيدة زينب (س) في الشام يزيد بن معاوية قائلة: “يا يزيد، أتنكأ بقضيبك [ثغر أو] ثنيتي أخي؟”. ورد تقرير الاعتراض على ضرب العصا على “ثغر” أو “ثنايا” الإمام من قبل صحابة النبي (ص) في الروايات وهو مشهور.
يبرز سؤال: لماذا ضرب يزيد “الثنايا” (عرفت كتب اللغة الثنايا بأنها أربعة أسنان: اثنان في الأعلى واثنان أصغر منهما في الفك الأسفل، أي السنين الأماميين) وفي بعض الروايات “الثغر” (أي الأسنان الأمامية) للإمام؟ يمكن البحث عن الإجابة في تقرير التقوير. تقوير الرأس المطهر للإمام الحسين (ع) يعكس جسارة مضاعفة على الرأس. عندما طلب يزيد الرأس المطهر للإمام مع أهل بيته من ابن زياد، قوروا رأسه. إذن، سلّم ابن زياد رأس الحسين (ع) إلى حجام (أو دلاك، أي شخص يتعامل مع الدم) ليحلق الأجزاء اللحمية من الرأس ويفصلها ويدورها. بناءً على ذلك، الإجابة على السؤال المذكور هي هنا، حيث يمكن القول إنه بما أن الرأس المطهر لم يكن به موضع لحمي، لذا ضرب يزيد في الشام “الأسنان”. لأن الرأس كان “مقورًا”. ولكن هذا الاحتمال يحتاج إلى دراسة.
نُقلت رواية ضرب العصا على فم وأسنان أو شفتي الإمام بأشكال مختلفة. ذكرت بعض المصادر الرواية في مجلس ابن زياد، حيث واجه ابن زياد اعتراض شخصين، أحدهما زيد بن أرقم والآخر أنس بن مالك. ذكرت غالب هذه المصادر “الثنايا”. وذكر البعض الشفتين. وقال البعض إن الضربة كانت على الثنايا، وذكروا اعتراض الصحابة على تقبيل النبي لشفتي الإمام في طفولته. واعتبر البعض الأنف هو المضروب من قبل ابن زياد، وذكر البعض أيضًا، إلى جانب الأنف، العينين والفم.
أما اعتراض شخصين في مجلس يزيد، فقد حظي أيضًا باهتمام المصادر. من بين المصادر، تقرير أبي برزة الأسلمي كمعترض على يزيد هو الأكثر تواترًا.
نقلت بعض المصادر أيضًا تقريرًا عن سمرة بن جندب. بينما ذُكرت سنة وفاته إما 58 أو 59 أو بين 60 و 61، وبالتالي فإن حضوره سنة 61 مستبعد. تواتر تقرير أبي برزة الأسلمي أكثر بكثير من تقرير زيد بن أرقم وأنس بن مالك في مجلس ابن زياد، وسمرة بن جندب في مجلس يزيد. على الرغم من أنه لا يُستبعد أن يكون الفعل القبيح قد وقع في كلا المجلسين، وأدى إلى اعتراض جميع هؤلاء الصحابة.
ولكن المسألة الأهم هي الضرب على الثنايا. ففي كل من مجلس ابن زياد ومجلس يزيد، أكثر التعابير تتعلق بالضرب على الثنايا أو الثغر. إذا اعتُبرت مسألة التقوير بواسطة ابن زياد مسلمة، فمن المؤكد أن رأس الإمام كان حاضرًا في مجلس يزيد بحالة التقوير، والضرب على الثنايا أو الثغر طبيعي. أما الضرب على الشفتين، إذا تم التقوير بشكل كامل، فسيكون بلا معنى. بالطبع، أورد البعض مثل سبط ابن الجوزي أن رأس الإمام “كَانَ مَخضُوبًا بِالسَّوَادِ”، ولكنه بعد نقل هذه العبارة كتب: “قَالُوا وَ لَا يثبتُ فِي ذَلِكَ وَ أَنَّما غَيَّرتهُ الشَّمس”. كما قال يزيد بعد الضرب بالعصا: “مَا كُنتُ أَظُنُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَبْلُغُ هَذَا السِّنّ. قَالَ: وَ إِذا لِحيتُهُ وَ رَأْسُهُ قَد فصل مِن الخِضَابِ الأسود”. هذه العبارة تدل على أنه عندما أُحضر الرأس إلى مجلس يزيد، كانت اللحية، وبالتالي الجلد، على وجه الإمام. نقطة مهمة يجب أخذها في الاعتبار، وهي أنه ورد في عبارات المصادر كلمة “قَوَّرَه”، والتي يبدو أنها تعني فصل أجزاء من حول الرقبة وما شابه ذلك لمنع التعفن والتلف، ولكن حد ذلك غير واضح تمامًا. وضمن ذلك، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن رأس الإمام المطهر وُضع أمام عدد لا يحصى من الناس، ولم يُشر أحد إلى قطع الشفتين. وفي الوقت نفسه، يجب أيضًا الانتباه إلى أن عدم إشارة الرواة أو المشاهدين إلى الأحداث ليس دليلاً على عدم وقوعها. على أي حال، يبدو أن هذه المسألة تواجه إبهامًا. كما أنه من الطبيعي أن يؤدي جفاف الوجه والشفتين إلى أن تكون الأسنان مرئية، لذا يمكن عدم قبول التقوير الكامل. بالطبع، توجد شواهد أخرى أيضًا تتحدى هذه النقطة، وسيُشار إليها.
أما في مجلس ابن زياد، فإن مسألة التقوير والضرب أكثر إثارة للجدل. إذا كان، حسب نقل سبط ابن الجوزي، أنه عندما أُحضر الرأس عند ابن زياد أمر بتقويره، فهل يعني ذلك أن التقوير وقع قبل الضرب أم بعده، ليس واضحًا تمامًا. ولكن من عبارة: “لما حَضَرَ الرَّأْسُ بَينَ يدى ابن زياد أمَرَ حَجَّاماً فَقَالَ: قَوَّرَهُ فَقَوَّرَهُ”، يبدو أن فعل التقوير تم أولاً، ثم أُحضر أهل البيت إلى مجلسه، وبعد ذلك تم الضرب. إذا كان هذا الأمر مقبولاً، فسيكون الضرب على الأسنان مسلمًا أيضًا، وسيكون الضرب على الشفتين أو الفم، إذا كان التقوير كاملاً، بحاجة إلى دراسة. قد يعتبره البعض من باب المجاز، ولكن يبدو أن مثل هذه الحالات ليست مجازًا، بل أولاً يمكن اعتبارها اختلافًا في فهم وتعبير الرواة، وأنهم استخدموا الألفاظ في معناها الموضوع له. حقًا، كان مراد الراوي من “الأسنان” هو الأسنان، لا الفم، لأن قصده كان نقل التاريخ والواقعة، لا إنشاء أثر أدبي. على سبيل المثال، إذا أصابت كرة وجه شخص ما وأبلغ عدة أشخاص عن ذلك، فقال الأول: أصابت الكرة أنف فلان، وقال الثاني: أصابت الكرة فمه، وقال الثالث: أصابت الكرة عينه، فهذه الحالات ليست مجازًا، لأن المتكلمين لم يستخدموا الألفاظ في غير معناها الموضوع له. كان مرادهم من الأنف والفم والعين هو هي نفسها، لا الوجه، لأن تركيز انتباههم كان على ذلك الموضع من الجسم. وثانيًا، إذا طرح شخص حقًا “الفم” وأراد “الأسنان”، فقد ذكر الظرف وأراد المظروف، لذا فالعلاقة هي المظروفية. وإذا قال “الفم” وأراد “الشفتين”، فقد ذكر الكل وأراد الجزء، لذا فالعلاقة هي الكلية. وإذا قال “الأسنان” وأراد “الشفتين”، فالعلاقة هي المجاورة. النتيجة هي أن هذه التقارير لا تدل على المجاز، بل نقلوا ما رأوا، أي أن كل شخص نقل ما حدث من زاوية رؤيته، أي أن فهم معظم الرواة كان “الأسنان”، ربما لأنهم كانوا يرون أسنان الحضرة وكان بياضها يلفت الانتباه. كما ورد في تقرير عن أنس بن مالك أن ابن زياد أخذ عصا وكان يضرب بها شفتي وأسنان الحسين (ع)؛ “سِنٌّ لم أرَ مثلها حُسناً، كأنه الدُّر”.
كلمة “بين” في بعض التقارير جديرة بالاهتمام أيضًا، أي أن الضرب تم بالضبط على الأسنان. نقل الطبري، في نقل مشابه للبلاذري، كلاهما، طرح الطبري تقرير أبي مخنف عن حميد بن مسلم بشأن ابن زياد، وكتب: “فإذا رأس الحُسَينِ مَوضُوعٌ بَينَ يَدَيْهِ، وَ إِذا هُوَ يَنكُتُ بِقَضِيبٍ بَينَ ثَنِيَتَيْهِ سَاعَه، فَلَمَّا رَآهُ زَيْدُ بنُ أرقم: لا ينجم عن نكته بالقَضِيبِ، قَالَ لَهُ: اعل بهذا القَضِيبِ عَن هَاتَينِ الثَّنْيَتَيْنِ فَوِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَد رَأيتُ شَفَتَى رَسُولِ اللهِ (ص) عَلَى هَاتَينِ الشَّفَتَيْنِ يُقَبِّلُهُمَا”. رأس الحسين أمامه، يضرب بأسنانه بعصا. زيد بن أرقم، عندما رأى أن ابن زياد لا يكف عن الضرب بالعصا، قال له: ارفع هذه العصا عن هاتين الشفتين. بالطبع، استخدم البلاذري بدلاً من “ثنيتين” كلمة “شفتين”، وهو ما يبدو أنه تصحيف بسبب التشابه في الكتابة.
2-3-2-4. شاهد روائي
أُشير إلى فعل تقوير رأس الإمام الحسين (ع) المؤلم بتعابير أخرى في الروايات أيضًا. في أربع روايات صحيحة السند في “كامل الزيارات” لابن قولويه، وروايتين صحيحتين السند في “علل الشرائع”، أُكد أن أحداثًا مشابهة لما وقع على نبي يُدعى إسماعيل وقعت أيضًا على الحسين بن علي (ع). القدر المتيقن من محتوى هذه الروايات الست هو أن الإمام الصادق (ع) قال: “… إسماعيل، ابن حزقيل النبي، كأحد أنبياء الله، تسلط عليه قومه وكذبوه ثم قتلوه، وسلخوا جلد وجهه وفروة رأسه. في تلك اللحظة، حضر عليه ملك يُدعى إسطاطائيل وطلب أن يحقق أمنيته. فقال: أتمنى أن يصيبني ما يصيب الحسين (ع) من بلاء ومحنة. يجب أن أجعل الحسين (ع) قدوة وأسوة لي”.
الكلمة المفتاحية المتكررة تقريبًا في كل الروايات الأربع هي هذا التعبير: “سَلَخُوا” أو “قَشَرُوا جِلْدَةً وَجْهِهِ وَ فَرْوَةَ رَأْسِه”. كلمتا “سلخ” أو “قشر” مترادفتان. تُستخدم كلمة “جِلْدَة” لجلد الوجه، وكلمة “فروة” لجلد الرأس.
بغض النظر عن المباحث المتقدمة في الأقسام السابقة، تُظهر مجموعة روايات ابن قولويه والشيخ الصدوق المذكورة أعلاه أن التقوير تم بشكل كامل.
- الخلاصة
بناءً على ما ورد في تقييم الرواية قيد البحث، فإن ما يلي هو خلاصة البحث الحالي:
1- رواية التقوير فاقدة لسند دقيق في المصادر السنية المتعلقة بالقرنين السادس والسابع، أي “مقتل الخوارزمي” و”تذكرة الخواص” لسبط ابن الجوزي. على الرغم من أن سبط ابن الجوزي نقل عن كتاب “المقتل” لراوٍ بارز يُدعى عبد الله بن عمر الوراق المتوفى سنة 274 أو 277هـ، إلا أنه بسبب فقدان هذا الكتاب في المصادر الموجودة، لا يمكن العثور على مستند دقيق له.
2- نُقلت هذه الرواية أيضًا في مصادر مثل “نهاية الأرب” للنويري و”مرآة الجنان” لليافعي من مصادر القرن الثامن، ولكن من الطبيعي أن تكون هذه المصادر أيضًا قد أخذت ونقلت من مصادر سابقة. ما يمكن استنتاجه من المصادر المذكورة هو أن مجمل تقاريرها، بسبب وجود قرائن يمكن الاعتماد عليها، موثوق بها، على الرغم من أن تفرداتها تحتاج أيضًا إلى تحليل ودراسة شاملة.
3- تقرير تقوير الرأس المطهر لسيد الشهداء (ع) موثوق به بناءً على شواهد. كان هذا الفعل متبعًا في الحروب والنزاعات والصراعات، كما تثبت ذلك بعض الشواهد التاريخية. وبالنظر إلى خبث الأمويين، سواء من حيث الحقد والعداوة مع بني هاشم، أو من حيث طول طريق المسير ومنع تعفن لحوم الرأس المطهر – بغض النظر عن الاعتقاد بطهارة جسد الإمام – أقدموا على مثل هذا الفعل الشنيع. وضمن ذلك، يُعتبر هذا الفعل أمرًا جاهلاً وغير شرعي، ويجب اعتباره متناسبًا مع الثقافة الجاهلية وأمرًا وحشيًا ومذمومًا. بعد النبي (ص)، تجذرت من جديد روح سفك الدماء والتعصب والانتقام والمنافسة والحسد والعداوة والافتخار بالنسب العربي وغيرها، وب تفسير عنيف للإسلام حاولوا إظهارها بطرق مختلفة. يمكن ملاحظة ذروة هذه الروح في أداء الأمويين للسنن الجاهلية التي خلفوها في عاشوراء، واعتبارها نتيجة للروح الانتقامية والحقد الجاهلي على الإسلام.
4- استند العباسيون أيضًا، في اعتراضهم على الأمويين، إلى مقتل الإمام الحسين (ع). جرى أحد هذه الاستنادات في سياق مقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، والذي أُشير إليه بشكل عابر.
5- بناءً على كيفية تقرير ضرب العصا على أسنان أو فم أو حتى شفتي الإمام الحسين (ع) في مجلس ابن زياد أو يزيد، يدل ذلك أيضًا على تقوير الرأس المطهر للإمام. ولا يمكن أن يكون تقرير الفم والشفتين من نوع المجاز بناءً على الأدلة التي يمكن استعادتها من المنقولات.
المصادر
ابن الأثير، أبي الحسن. أسد الغابة في معرفة الصحابة. بيروت: دار الفكر، 1409ق.
ابن الأثير، أبي الحسن. الكامل في التاريخ. بيروت: دار صادر، 1385ق.
ابن أعثم الكوفي، أحمد بن علي. الفتوح. بيروت: دار الأضواء، 1411ق.
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي. المنتظم. بيروت: دار الكتب العلمية، 1412ق.
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. تاريخ ابن خلدون. بيروت: دار الفكر، 1408ق.
ابن خلكان، أحمد بن محمد. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق: إحسان عباس. لبنان: دار الثقافة، (بلا تاريخ).
ابن سعد، محمد. الطبقات الكبرى. الطائف: مكتبة الصديق، 1414ق.
ابن شهر آشوب المازندراني، محمد بن علي. مناقب آل أبي طالب (ع). قم: علامة، 1379ق.
ابن طاووس، علي بن موسى. اللهوف على قتلى الطفوف. ترجمة: أحمد فهري الزنجاني. طهران: جهان، 1348ش.
ابن الطقطقي، محمد بن علي. الفخري. بيروت: دار القلم العربي، 1418ق.
ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر. بلاغات النساء. قم: مكتبة بصيرتي، (بلا تاريخ).
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. بيروت: دار الجيل، 1412ق.
ابن عساكر، علي بن حسن. تاريخ مدينة دمشق. بيروت: دار الفكر، 1415ق.
ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404ق.
ابن قولويه، جعفر بن محمد. كامل الزيارات. النجف: دار المرتضوية، 1356ش.
ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل. البداية والنهاية. بيروت: دار المعرفة، 1422ق.
ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار الفكر، 1414ق.
ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب. الفهرست. تحقيق: رضا تجدد. (بلا مكان): (بلا ناشر)، (بلا تاريخ).
ابن نما الحلي، جعفر بن محمد. مثير الأحزان. قم: مدرسة الإمام المهدي (عج)، 1406ق.
الأزدي، عبد الله بن محمد. كتاب الماء. طهران: مؤسسة مطالعات تاريخ پزشكى، 1387ش.
الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين. مقاتل الطالبيين. بيروت: دار المعرفة، (بلا تاريخ).
الأميني، عبد الحسين. الغدير في الكتاب والسنة والأدب. بيروت: دار الكتاب العربي، 1387ق.
الأندلسي، ابن عبد ربه. العقد الفريد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1404ق.
البحتري، وليد بن عبيد. الحماسة. بيروت: دار الكتب العربية، 1967م.
البحراني، السيد هاشم بن سليمان. مدينة المعاجز. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413ق.
البحراني الأصفهاني، عبد الله بن نور الدين. عوالم العلوم. قم: مؤسسة الإمام المهدي (عج)، 1413ق.
البغدادي، إسماعيل باشا. هدية العارفين. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1951م.
البلاذري، أحمد بن يحيى. أنساب الأشراف. تحقيق: محمد باقر محمودي. بيروت: دار التعارف، 1397ق.
البيروني، أبو الريحان. الآثار الباقية عن القرون الخالية. طهران: مركز نشر ميراث مكتوب، 1422ق.
الثقفي الكوفي، إبراهيم بن محمد. الغارات. تحقيق: جلال الدين حسيني الأرموي. طهران: انجمن آثار ملى، 1353ش.
الحر العاملي، محمد بن الحسن. وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت، 1409ق.
الحسيني الموسوي، محمد بن أبي طالب. تسلية المجالس وزينة المجالس. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، 1418ق.
الحسيني المرعشي، السيد نور الله. إحقاق الحق وإزهاق الباطل. تعليق: السيد شهاب الدين المرعشي. قم: منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، (بلا تاريخ).
الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله. معجم البلدان. بيروت: دار صادر، 1995م.
الحنبلي الدمشقي، ابن العماد. شذرات الذهب. دمشق: دار ابن كثير، 1406ق.
الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي. تاريخ بغداد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1417ق.
الخوارزمي، موفق بن أحمد (خطيب). المناقب. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1414ق.
الخوارزمي، موفق بن أحمد (خطيب). مقتل الحسين (ع). قم: أنوار الهدى، (بلا تاريخ).
الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود. الأخبار الطوال. قم: منشورات الرضي، 1368ش.
الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة. المعارف. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992م.
الدينوري، عبد الله بن مسلم بن قتيبة. الإمامة والسياسة. بيروت: دار الأضواء، 1410ق.
الذهبي، محمد بن أحمد. تاريخ الإسلام. تحقيق: عبد السلام تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1410ق.
الذهبي، محمد بن أحمد. سير أعلام النبلاء. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413ق.
الذهبي، محمد بن أحمد. ميزان الاعتدال في نقد الرجال. تحقيق: علي محمد البجاوي. بيروت: دار المعرفة، 1382ق.
الرازي، أبو علي مسكويه. تجارب الأمم. تحقيق: أبو القاسم إمامي. طهران: سروش، 1379ش.
رفعت، محسن. “تحليلى نقادانه بر روايات عاشورايى سبط بن جوزى در تذكرة الخواص”. علوم حديث، مج. 29، ع. 111 (1403): صص. 209-226.
رفعت، محسن. “روايات عاشورايى بحار الأنوار علامه مجلسى در بوته نقد وبررسى”. مطالعات فهم حديث، مج. 6، ع. 12 (1399): صص. 163-191.
رنجبر، محسن. “معرفى وبررسى مقتل الحسين (ع) نگاشته ى خوارزمى”. تاريخ در آينه پژوهش، مج. 1، ع. 4 (1383): صص. 103-134.
الزبيدي، محمد مرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس. بيروت: دار الفكر، 1414ق.
زماني قمشه اي، علي. “پژوهشى درباره ى تاريخ شمسى عاشورا”. تاريخ در آينه پژوهش، ع. 2 (1383): صص. 65-76.
الزمخشري، محمود بن عمر. أساس البلاغة. بيروت: دار صادر، 1979م.
سبط ابن الجوزي، يوسف بن قزأوغلي. تذكرة الخواص. قم: منشورات الشريف الرضى، 1418ق.
سِپِهر، محمد تقي بن محمد علي. ناسخ التواريخ. ترجمة: علي أشرف. قم: مدين، 1427ق.
السمعاني، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد. الأنساب. حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1382ق.
الشريف الرضي، محمد بن حسين. نهج البلاغة. قم: هجرت، 1407ق.
الشعيري، محمد بن محمد. جامع الأخبار. النجف: مطبعة حيدرية، (بلا تاريخ).
الصاحب بن عباد، إسماعيل. المحيط في اللغة. بيروت: عالم الكتاب، 1414ق.
الصالحي الشامي، محمد بن يوسف. سبل الهدى. بيروت: دار الكتب العلمية، 1414ق.
الصدوق، محمد بن علي. الأمالي. طهران: كتابچي، 1376ش.
الصدوق، محمد بن علي. علل الشرائع. قم: كتابفروشى داورى، 1385ش.
الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (ع). طهران: جهان، 1378ق.
الصدوق، محمد بن علي. من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات اسلامى، 1413ق.
الصفار، محمد بن حسن. بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ص). قم: مكتبة آية الله مرعشى نجفى، 1404ق.
الصفدي، صلاح الدين خليل. الوافي بالوفيات. بيروت: دار إحياء التراث، 1420ق.
الطباطبائي، السيد عبد العزيز. أهل البيت في المكتبة العربية. قم: آل البيت (ع)، 1416ق.
الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج على أهل اللجاج. مشهد: مرتضى، 1403ق.
الطبرسي، الفضل بن الحسن. إعلام الورى بأعلام الهدى. طهران: إسلامية، 1390ق.
الطبري، عماد الدين. كامل بهائي. طهران: مرتضوى، 1383ش.
الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك). تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: دار التراث، 1387ق.
الطريحي، فخر الدين بن محمد. مجمع البحرين. طهران: مرتضوى، 1375ش.
الطوسي، محمد بن الحسن. الأمالي. تحقيق: مؤسسة البعثة. قم: دار الثقافة، 1414ق.
عبدي، عيسى؛ وسجاد دادفر. “تحول سنت ثار در تاريخ اجتماعى عصر جاهليت”. تحقيقات تاريخ اجتماعى، ع. 111 (1396): صص. 79-100.
العسقلاني، أحمد بن علي. الإصابة في تمييز الصحابة. بيروت: دار الكتب العلمية، 1415ق.
العسقلاني، أحمد بن علي. لسان الميزان. بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1390ق.
العمراني، محمد بن علي. الإنباء في أخبار الخلفاء. القاهرة: دار الآفاق العربية، 1421ق.
الفتال النيسابوري، محمد بن أحمد. روضة الواعظين وبصيرة المتعظين. قم: رضي، 1375ش.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. قم: هجرت، 1409ق.
القفطي، جمال الدين. إنباه الرواة على أنباه النحاة. بيروت: مكتبة عنصرية، 1424ق.
الكوراني العاملي، علي. الانتصار. بيروت: دار السيرة، 1422ق.
المجلسي، محمد تقي. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. قم: مؤسسه فرهنگى اسلامى كوشانبور، 1406ق.
المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار الجامعة لعلوم الأئمة الأطهار. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403ق.
المحلي، حميد بن أحمد. الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية. تحقيق: مرتضى بن زيد محطوري. اليمن: (بلا ناشر)، 1423ق.
المسعودي، علي بن الحسين. مروج الذهب. قم: دار الهجرة، 1409ق.
المغربي، القاضي النعمان. شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (ع). تحقيق: محمد حسين الحسيني الجلالي. قم: جامعة مدرسين، 1409ق.
المفيد، محمد بن محمد. الإرشاد / ألف. تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع). قم: كنگره ى شيخ مفيد، 1413ق.
المفيد، محمد بن محمد. الأمالي / ب. قم: كنگره ى شيخ مفيد، 1413ق.
المفيد، محمد بن محمد. الجمل / ج. تحقيق: علي ميرشريفي. قم: كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
مهريزي، مهدي. “نقد متن (1) (پيشينه تاريخى)”. علوم حديث، ع. 26 (1381): صص. 2-30.
الميلاني، السيد علي. نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار. قم: المؤلف، 1414ق.
النويري، شهاب الدين. نهاية الأرب في فنون الأدب. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 1423ق.
اليافعي، عبد الله بن أسعد. مرآة الجنان وعبرة اليقظان. بيروت: دار الكتب العلمية، (بلا تاريخ).
اليعقوبي، أحمد بن واضح. تاريخ اليعقوبي. بيروت: دار صادر، (بلا تاريخ).