الملخص
تُعدّ محورية الحديث أو ترجيح مقتضى الأحاديث على مقتضى ظاهر آيات القرآن الكريم، من الظواهر الملحوظة في بعض تعابير المحدّثين، وهي بحاجة إلى دراسة من حيث المفهوم النظري والمصداق والنموذج. وفي مجال البحث عن المصاديق، لعلّ تفسير «الظلم» بـ«الشرك» في سورة الأنعام يُعدّ من أبرز المصاديق التي تمتد جذورها إلى محورية الحديث. لقد استُعمل «الظلم» في الآية ٨٢ من سورة الأنعام بصيغة النكرة في سياق النفي، مما يفيد تعميم المعنى، ولكن بالاعتماد على الروايات، حُمل على مصداق «الشرك». في هذه المقالة، تم عرض وتقييم أدلة كلا الرأيين، أي «تعميم» و«تخصيص» معنى كلمة «الظلم»، وفي أثناء المباحث، تم طرح ونقد تأثّر رأي التخصيص بمنهج «محورية الحديث». إن منهج البحث في هذا التحقيق هو كيفي من النوع الوصفي-التحليلي، ويهدف إلى دراسة وإثبات تعميم المعنى لكلمة «الظلم» في سورة الأنعام ونقض تخصيصها بمصداق واحد.
المقدمة
في ساحة التفاعل بين القرآن والسنّة ومقدار الاهتمام بكل منهما، تبلورت خمسة مناهج رئيسة على مر التاريخ الإسلامي، وهي: ١) الاكتفاء بالقرآن، ٢) محورية القرآن، ٣) تساوي القرآن والحديث، ٤) محورية الحديث، ٥) الاكتفاء بالحديث. إن التعريف الأوسع بهذه التيارات يتطلب مجالًا مستقلًا بحق، وهذا المقال ليس بصدد دراسة أبعاد وتحديد حدود «محورية الحديث»، بل يقتصر على مقارنة منهجين رئيسين في تفسير القرآن، وهما: المنهج القرآني والمنهج الروائي. إن بيان المصداق بناءً على هذين المنهجين يؤدي أحيانًا إلى نتائج متفاوتة، ومن تلك الموارد تفسير «الظلم» في الآية ٨٢ من سورة الأنعام. وتهدف هذه المقالة إلى مقارنة هذين الرأيين ودراسة أدلة كل من المنهجين في هذا المورد الخاص.
إن محورية الحديث أو المنهج الروائي الصرف هو تيار إشكالي يتعرض أحيانًا لفهم القرآن. وبصرف النظر عن المباحث النظرية ذات الصلة، يمكن لمصاديقه أن تبيّن بشكل عملي وملموس وقوع محورية الحديث في باب فهم القرآن. تؤثر محورية الحديث على فهم القرآن بشكلين كليين: مباشر وغير مباشر. والمقصود بالتأثير المباشر هو وجود روايات تفسر بشكل محدد أحد المصطلحات القرآنية على نحوٍ يقتضي قبولها مرونةً في فهم المفسر للقرآن. وبعبارة أخرى، إن الفهم والاستنباط من القرآن الذي يتشكل أو يترجح بناءً على الأحاديث، هو فهم محوري للحديث من النوع المباشر.
أما في الشكل غير المباشر، فإن الروايات لا تفسر صراحةً مصطلحًا أو تعبيرًا أو آية قرآنية، بل يحدث التأثير غير المباشر عندما يُستعمل مصطلح مشترك في الجهاز اللغوي للقرآن والأحاديث، ويكون مفهومه الحديثي مغايرًا لمعناه القرآني. فإذا أثّر المعنى الحديثي لذلك المصطلح مع مرور الزمن على فهم المفسرين والعلماء له داخل النص القرآني، سُمّي ذلك تأثيرًا غير مباشر. ويجب ذكر مثال لهذين النوعين من التأثير بحذر. وأبرز مصاديق ذلك، المصطلحان القرآنيان «الظلم» في الآية ٨٢ من سورة الأنعام (بالشكل المباشر) و«الشهيد» (بالشكل غير المباشر)، اللذان تأثرا بالأحاديث، وقد تمت دراسة «الظلم» في هذه المقالة.(2)
آراء المفسرين حول تفسير «الظلم» في سورة الأنعام
في تفسير «الظلم» من الآية الشريفة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) يوجد رأيان أساسيان:
أ) حمل الظلم على معنى خاص بمقتضى التفسير الروائي: فسّر معظم المفسرين لفظ الظلم العام في هذه الآية بمعنى خاص (الشرك) (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٢؛ فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ٩٩؛ الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣؛ الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٥٤؛ القرطبي، ١٤٢٣هـ، ج ٧، ص ٣٠؛ البقاعي، بلا تا، ج ٧، ص ١٦٧؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٥). وفي بعض الروايات والآثار، فُسّر «الظلم» بمعنى أخص من الشرك، أي عبادة الأوثان. وفي روايات معدودة، ورد أيضًا بمعنى الكفر (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٣، ٥٠١ و ٥٠٢). وفي بعض الروايات، فُسّر أحيانًا بالشك [احتمالًا في باب إمامة الأئمة عليهم السلام] (الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ العياشي، بلا تا، ج ١، ص ٣٦٦؛ الحويزي، ١٤١٢هـ، ج ١، ص ٧٤٠)، والضلال (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢١٤؛ الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ العياشي، بلا تا، ج ١، ص ٣٦٦؛ الحويزي، ١٤١٢هـ، ج ١، ص ٧٣٩)، والإيمان بولاية غير الأئمة (الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ العياشي، بلا تا، ج ١، ص ٣٦٦؛ الحويزي، ١٤١٢هـ، ج ١، ص ٧٤٠).
ب) حمل الظلم على معناه العام بمقتضى تفسير القرآن بالقرآن: الرأي الثاني يؤمن بتعميم الظلم (الزمخشري، ١٤٠٧هـ، ج ٢، ص ٤٣) وحمله على جميع المعاصي (القمي، بلا تا، ج ١، ص ٣٢ و ٢٠٨) أو على الأقل جميع الكبائر (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٥٠٢؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠) أو كل الذنوب التي تؤدي إلى الفسق (العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦). هذا الرأي يحظى بتأييد أكبر بين المعتزلة. يقول الشيخ الطوسي: «حمل الجبائي والبلخي وأكثر المعتزلة «الظلم» في هذه الآية على جميع الكبائر التي تحبط ثواب الطاعات» (الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠).
لم يذكر معظم المفسرين الرأي الثاني أساسًا (ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣؛ القرطبي، ١٤٢٣هـ، ج ٧، ص ٣٠)، أو ردّوه صراحةً (فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١) وقاموا بتضعيفه من خلال عدم نسبته إلى الصحابة والتابعين وسائر كبار رجال الدين (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٢؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦).
تخصيص «الظلم» بـ«الشرك» في سورة الأنعام
معظم المفسرين – كما أُشير – في الآية الشريفة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: ٨٢)، فسّروا كلمة «الظلم» بـ«الشرك» استنادًا إلى روايات نُقلت عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام والصحابة والتابعين (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٢؛ فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ٩٩؛ الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣؛ الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٥٤؛ القرطبي، ١٤٢٣هـ، ج ٧، ص ٣٠؛ البقاعي، بلا تا، ج ٧، ص ١٦٧؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٥). نقلت هذه المجموعة عن الصحابة أنه لو كان المراد بالظلم في هذه الآية مطلق المعصية، لما نجا أحد من ارتكاب الذنب (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٣)، وبناءً عليه فإن ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ تعني «لم يخلطوا إيمانهم بشرك» (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٥٤؛ الزبيدي، بلا تا، ج ١٦، ص ٤٦٩).
نقل كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية أنه: «لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣)» (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج ٤، ص ١٤١؛ الترمذي، ١٩٩٨، ج ٥، ص ١١٢؛ أحمد، ٢٠٠١، ج ٦، ص ٦٨؛ ج ٧، ص ١٢٩؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦؛ ج ١٥، ص ٢٥٠؛ الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٤؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣؛ الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢١٠؛ الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١٥٤؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٥). في نقل أحمد، ورد بشكل أوضح أن آية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقّت على قلوب بعض الصحابة، فعرضوا الأمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: أيّنا لم يظلم نفسه (بواسطة ارتكاب معصية)؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس الأمر كما فهمتم، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح [لقمان الحكيم] لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. (أحمد، ٢٠٠١، ج ٦، ص ٦٨؛ وانظر أيضًا: الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٤؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ١٠٠؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣).
يقول الطبري: «اختلف أهل التأويل في مراد الله من [الظلم] في آية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ فقال بعضهم: المراد به الشرك، وقال آخرون: بل المراد به جميع معاني الظلم (كل الذنوب)» (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٤). يعتبر الطبري الرأي الثاني قول جماعة من السلف لم يذكر أسماءهم، ولكنه في بيان أنصار الرأي الأول، ينقل ٣٨ حديثًا وأثرًا (المصدر نفسه)، حيث يُفسّر في مورد واحد بالكفر، وفي أربعة موارد بعبادة الأوثان، وفي ٣٣ موردًا بالشرك.
يقول الشيخ الطوسي: «أكثر المفسرين كابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ومجاهد، وحماد بن زيد، وأبي بن كعب، وسلمان وغيرهم، فسروا «الظلم» في هذه الآية بالشرك» (الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠). ويقول ابن كثير: «ومثل هذا القول روي عن أبي بكر، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي وغيرهم كثير» (ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣). خلاصة القول، بالنظر إلى وجود حديث صحيح في هذا الباب، لم يخالف أحد من الصحابة والتابعين تفسير «الظلم» بـ«الشرك» (القاسمي، ١٤١٨هـ، ج ٤، ص ٤١٣). ويبدو أن حمل الظلم في هذه الموارد على جميع مصاديقه، اعتُبر حكمًا قاسيًا من وجهة نظر عدد من المفسرين، ونُسب هذا التصور نفسه إلى الصحابة أيضًا (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٦).
أدلة وقرائن تخصيص «الظلم» بـ«الشرك» في سورة الأنعام
إن الموافقين على التخصيص لم يتقبلوا التفسير الأثري المذكور آنفًا القائم على حمل «الظلم» على «الشرك» في سورة الأنعام فحسب، بل سعوا في شرحه وتفصيله وتقديم أدلة جديدة لتأييده ونقض أدلة المخالفين، ويمكن تلخيص أبرز محاولاتهم على النحو التالي:
١- الاستناد إلى سياق الآيات: الآيات السابقة في سورة الأنعام كانت حول مجادلة حضرة إبراهيم عليه السلام مع المشركين، ومحور البحث هو تقابل الشرك والإيمان (فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ البقاعي، بلا تا، ج ٧، ص ١٦٧؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ١٤٤). ويقول صاحب الميزان في موضع آخر: «الظلم في الآية مطلق، وهو بحسب مراتب إيمان الأفراد ذو درجات مختلفة، غير أنه لما وقع في مقام المحاجة والمجادلة مع المشركين لا ينطبق إلا على الشرك لا غير» (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠٢)، لأن الشرك وحده هو صورة الظلم المطلق.
٢- تأييد هذا التفسير عن طريق تفسير القرآن بالقرآن: استند المفسرون في تأييد تفسير الظلم بالشرك إلى الآية ١٣ من سورة لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٦؛ فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ١٤٤)، وحملوا تنوين «ظلم» في سورة الأنعام على التعظيم، فيكون تقديره «ظلم عظيم»، وبذلك يتطابق مضمون الحديث مع تفسير القرآن بالقرآن (البقاعي، بلا تا، ج ٧، ص ١٦٧؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦؛ ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨؛ الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠٣، في مقام نقل قول بعض المفسرين).
٣- الإشارة إلى مكانة الشرك في الفكر القرآني: أشار المفسرون إلى أن الشرك وحده هو الذي لا يغفره الله بدون توبة، وما دون الشرك – حتى بدون توبة – يمكن العفو والمغفرة عنه. وبناءً عليه، لا يسلب الأمن والهداية ذنب سوى الشرك. يقول ابن حجر: «من لم يشرك بالله، فله الأمن وهو مهتدٍ» (ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٩).
يقول العلامة الطباطبائي: «القرآن يسمي الشرك ظلمًا والظلم شركًا، كما يسمي الظلم ضلالًا … والكلمات الثلاث: الضلال والشرك والظلم، أمر واحد ومتلازمة من حيث المصداق» (الطباطبائي، بلا تا، ج ١، ص ٢٩).
٤- التذكير بالشأن التفسيري للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: النبي بحكم آيات عديدة منها آية التبيين، هو مفسر القرآن، وقد أوضح في مقام البيان أن المراد من لفظ «الظلم» العام في هذه الآية هو الشرك كأبرز مصاديقه، وتفسيره (حتى لو كان خلاف ظاهر الآية) يجب قبوله؛ لأن الخاص مقدم على العام، والمبين مقدم على المجمل (ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨). علاوة على ذلك، من باب مصلحة دفع التعارض (بين هذه الأحاديث وآية ٨٢ من سورة الأنعام)، يمكن حمل اللفظ على خلاف ظاهره (المصدر نفسه). وفي النهاية، فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظلم بالشرك، فقبوله واجب (أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١). وقد فسره الصحابة والتابعون كذلك (الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠).
٥- توجيه فهم الصحابة للآية: في خطاب، ربما يكون جوابًا على هذا الإشكال المقدر بأن الصحابة – بصفتهم أهل اللغة والمخاطبين الأصليين والأوائل للقرآن – قد أدركوا أيضًا عمومية معنى الظلم من الآية، يقول: «الشرك» كان عند الصحابة أعظم من أن يُستعمل له لفظ الظلم، ولهذا حملوا الظلم في سورة الأنعام على سائر المعاصي غير الشرك، مما أدى إلى أن يصبح هذا التفسير إشكاليًا ويتطلب توضيحًا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨).
٦- لزوم التخصيص لرفع التعذر عن المؤمنين: إذا عممنا الظلم، يجب أن نحمل «الذين» في صدر العبارة، وهو عام، على مصداق خاص – حضرة إبراهيم أو المهاجرين – (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٥٠٢) ليكون المعنى بلا إشكال؛ لأن عموم المؤمنين عاجزون عن عدم ارتكاب أي ذنب.
٧- احتمال جهل المخالفين لهذا الرأي: لعل صحة أحاديث تفسير الظلم بالشرك لم تثبت عند الزمخشري (وسائر القائلين بتعميم معنى الظلم) (أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١).
نقد وتحليل تفسير «الظلم» بـ«الشرك»
على الرغم من إصرار كثير من المفسرين على تفسير الظلم بالشرك في الآية ٨٢ من سورة الأنعام، يمكن ذكر إيرادات متعددة على تخصيص معنى الظلم في الآية، نقطة الاتصال والاشتراك بينها جميعًا هي الاهتمام المفرط من قبل الموافقين على التخصيص بالأحاديث المنقولة في تفسير هذه الآية وتجاهل هذه الإيرادات بسبب وجود تلك الروايات. هذه المسألة بوضوح تكشف عن محورية الحديث في هذا المنهج من البحث القرآني. المحاور التالية تتضمن أهم الإيرادات الواردة على التفسير المحوري للحديث القاضي بتخصيص الظلم بالشرك وأدلة تعميم معنى الظلم في الآية المذكورة.
المحور الأول: النقد المتني للآثار في باب تفسير الظلم بالشرك
أورد عدد كبير من المحدثين في كتبهم الحديثية روايات تتعلق بتفسير «الظلم» بـ«الشرك»، وأكدوا صحة سندها، وهذا الاعتماد المفرط على السند صرفهم عن الدراسة الجادة للمتن. وبصرف النظر عن المباحث المتعلقة بالسند، يجب القول إن إيرادات جادة ترد على محتوى الحديث، وأهمها ما يلي:
١. الشأن التفسيري للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتفسير الآية
أولًا: قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، تولى الله تبيين آياته (البقرة: ١١٨ و ٢٢٦؛ آل عمران: ١١٨؛ النور: ١٨، ٦١ و…)، لدرجة أن القرآن وصف آياته بأنها «مبينات» (النور: ٣٤ و ٤٦؛ الطلاق: ١١). وبالتالي، فإن التعمق فيما وصلنا كتبيين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يؤدي إلى الغفلة عن تبيين القرآن نفسه. وبعبارة أخرى، تفسير القرآن بالقرآن مقدم على تفسير القرآن بالسنة.
ثانيًا: لا شك أن قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو فصل الخطاب كحال القرآن نفسه (النساء: ٥٩، ٦٥ و ٨٠؛ الأحزاب: ٣٦؛ الحشر: ٧ و…)، ولكن ما لم تكن نسبة خبر ما إلى محضره الشريف قطعية، فإن اعتباره فصل الخطاب ادعاء بلا دليل. إن ألفاظ الروايات الإسلامية، كألفاظ القرآن، لم تكن في مأمن من التغيير والتبديل، وبالتالي فإن الاعتماد المماثل على ألفاظ الآيات والروايات لا دليل له سوى محورية الحديث.
ثالثًا: حتى على فرض ثبوت صدور الحديث ودلالته على تفسير الظلم بالشرك، فإن القرآن، بناءً على الأدلة المذكورة أعلاه، يدل بظاهره (بنفسه وبلا واسطة) على تعميم الظلم، بينما يدل بواسطة السنة على تخصيصه بالشرك. ومن الأنسب – عند التعارض – تقديم الحكم الابتدائي (وبلا واسطة) للقرآن على حكمه بالواسطة (فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٤، ص ١٩٧).
رابعًا: الآية المذكورة في صدد بيان عقيدة لا تشريع أحكام عملية. القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين (الشعراء: ١٩٥؛ النحل: ١٠٣؛ يوسف: ٢؛ الزخرف: ٣؛ فصلت: ٣؛ الزمر: ٢٨)، وهو نور (النساء: ١٧٤؛ المائدة: ١٥؛ الشورى: ٥٢)، وهداية (البقرة: ٢ و ١٨٥؛ الأعراف: ٥٢)، ومبين (النحل: ٨٩)، وفرقان (آل عمران: ٤؛ الفرقان: ١) (معارف، ١٣٩٠، ٩٢). فإذا كان في بيان العقيدة الصحيحة، كالأحكام العملية، بحاجة إلى تخصيص وتقييد أو توضيح بالأحاديث، فعندئذ يصبح ادعاء هداية القرآن محل شك (المصدر نفسه، ٩٧).
٢. الصحابة وتعميم الظلم في الآية
مضمون الحديث يستلزم من عدة وجوه نسبة أمور غير صائبة إلى الصحابة:
أ) قبول هذا الرأي يعني عدم انتباه الصحابة الكرام إلى الشواهد والقرائن. لقد فرق القرآن بين ارتكاب الذنب و«اللمم» (النجم: ٣٢) وبين «تلبيس الإيمان بالظلم» وخلطهما الأساسي ببعضهما، وهو ما تقصده الآية. مفهوم تلبيس الإيمان في آيات أخرى سُمّي إصرارًا على الذنب (آل عمران: ١٣٥ والواقعة: ٤٦)، وحمل الظلم (طه: ١١١)، وإحاطة الذنوب (البقرة: ٨١) وأمثال ذلك. وقد فرق القرآن بوضوح وتمييز بين ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (النساء: ١٧) و ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ (النساء: ١٨)؛ فهو يقبل توبة الفريق الأول ولا يقبل توبة الفريق الثاني.
ب) على فرض أن الصحابة فهموا من «تلبيس ثوب الظلم على الإيمان» أن كل ذنب يستوجب سلب الأمن والهداية، ألم يكن الصحابة يعلمون أن التوبة تمحو كل الذنوب، ألم يقرؤوا في القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١١٠)، وأين كان الصحابة عندما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس وقال: «يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله – وفي روايات: لأستغفر الله – في اليوم مائة مرة»؟ (النسائي، ١٤٠٦هـ، ج ١، ص ٣٢٣).
٣. السلف وتعميم الظلم في الآية
إنكار نسبة رأي تعميم الظلم إلى السلف (القاسمي، ١٤١٨هـ، ج ٤، ص ٤١٣) غير صحيح، بل على حد تعبير الطبري، كانت جماعة من السلف على هذا الرأي (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٢). إن عدم وجود أسماء وأنصار لهذا الرأي بين السلف، إن لم يكن دليلًا ضد محورية الحديث، فلن يكون في صالحها.
٤. اضطراب متن الأحاديث
متن الحديث في النقولات المتعددة مضطرب. فمن بعض النقولات كنقل البخاري، يُستنبط أنه بعد سؤال الصحابة عن آية سورة الأنعام، نزلت آية سورة لقمان (ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨)، وبناءً على بعض النقولات ومنها رواية الإمام أحمد، كانت آية سورة لقمان قد نزلت قبل ذلك واستشهد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢١١؛ ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨).
٥. تخصيص الموصول في صدر الآية ينافي تخصيص الظلم
تخصيص اللفظ العام «الذين آمنوا» في صدر الآية المذكورة بإبراهيم عليه السلام (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٥٠٢؛ أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١) أو بالمهاجرين (أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩١) الذي تشكل بالاعتماد على الروايات، ينقض مضمون الحديث؛ لأنه إذا كان الصحابة يعتبرون التعبير العام «الذين آمنوا» خاصًا بحضرة إبراهيم عليه السلام، فما الداعي لقلقهم من حكم الآية وتعميم الظلم فيها؟
٦. عدم تناسق مضمون الروايات مع مدلول الآية
إن تعبير «أينا لم يظلم نفسه» في الحديث، أكثر من كونه ناظرًا إلى الآية ٨٢ من سورة الأنعام، فهو يتماشى مع تعابير أخرى من القرآن، منها تعابير «ظَلَمَ نَفْسَهُ» (البقرة: ٢٣١؛ الطلاق: ١)، «يَظْلِمْ نَفْسَهُ» (النساء: ١١٠)، «ظَلَمْتُ نَفْسِي» (القصص: ١٦)، «ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» (آل عمران: ١١٧، ١٣٥؛ النساء: ٦٥؛ هود: ١٠١؛ إبراهيم: ٤٥؛ سبأ: ١٩)، «أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (البقرة: ٥٧؛ يونس: ٤٤؛ النحل: ٣٣، ١١٨؛ العنكبوت: ٤٠؛ الروم: ٩) و«ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ» (النساء: ٩٧؛ النحل: ٢٨). وكأن سؤال الصحابة كان عن هذه الآيات وليس عن آية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. ينبغي للعربي – أصيلًا كان أو غير أصيل – أن يسأل عن هذه الآية: «أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟» وليس «أينا لم يظلم نفسه؟».
علاوة على ذلك، لماذا لم يسأل الصحابة عن آية ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤) سؤالًا مثل: «أينا لم يتعد حدود الله» أو «أينا لم يعص الله»؟
بناءً على ذلك، فإن تعبير «أينا لم يظلم نفسه» في الحديث ليس تعبيرًا منطبقًا على الواقع وناظرًا إلى مشكلة الآية، بل حل محل تعبير «أينا لم يلبس إيمانه بظلم». وهذه المسألة عقدت فهم الآية – التي لا توجد فيها مثل هذه المشكلة أساسًا – وجعلت نسبة مضمون الرواية إلى الصحابة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أبعد، وأضعفت توافقها مع الآية المذكورة.
المحور الثاني: الخلط بين المفهوم والمصداق
١. البنية الأدبية للآية تنافي التخصيص
استُخدم «الظلم» في الآية المذكورة بصيغة النكرة، ولذلك فهو يشمل جميع مصاديق الظلم، وظاهره التعميم (الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩١؛ ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦)، حتى أن الروايات المستند إليها في تفسير الظلم بالشرك توضح أن بعض الصحابة، وهم أهل اللغة، فهموا العموم من الآية (رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٥؛ العيني، بلا تا، ج ١، ص ٢١٦؛ الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠٣؛ ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨). وفي الحديث المتعلق بهذا التفسير، ورد أن هذا الفهم والاستنباط هو ما دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقول إن المراد بالظلم هنا هو الشرك (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠٣). وينقل صاحب الميزان أيضًا عن بعض المفسرين قوله: «هذا المعنى في تفسير الآية – تعميم ظلم – صحيح في نفسه» (المصدر نفسه).
٢. لزوم الانتباه إلى الحد الفاصل بين المفهوم والمصداق
قبل كل شيء، من الضروري أن نفرق بين المعنى والمصداق. حمل معنى الظلم على الشرك في التفسير المذكور – على فرض القبول – هو من باب بيان المصداق لا ذكر المعنى.
إن الحديث المذكور يجب أن يُحمل على ذكر المصداق لا بيان المعنى (المصدر نفسه، ص ٢٠٤). وما هو غير مستحسن هو أن يلقي بيان المصداق بظلاله الثقيلة على مفهوم الكلمة.
٣. عدم انحصار مصداق الظلم في الشرك
الشرك ليس المصداق الأتم للظلم وحده، فذم الكفر (البقرة: ٦ و ١٦١؛ آل عمران: ٨٦-٨٧ و ٩٠-٩١؛ النساء: ٥٦ و ١٦٨) والنفاق (النساء: ١٣٨، ١٤٠ و ١٤٥؛ التوبة: ٦٨؛ الفتح: ٦؛ الأحزاب: ٧٣) في القرآن يوازي ذم الشرك. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الكفر والشرك والنفاق، ثلاثتها تُعد من أعظم ظلم الإنسان في علاقته بربه (راغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٣٠٦). وفي هذه الحالة، سيجد ادعاء حمل «الظلم» على أبرز مصاديقه مثالًا ناقضًا.
المحور الثالث: قلة الاهتمام بمعنى «اللبس» في الآية
١. المفسرون وتفكيك معاني الأبواب الثلاثية المجردة لكلمة «لبس»
في تخصيص معنى «الظلم» بـ«الشرك» في سورة الأنعام، تم تجاهل كلمة «لبس» في الآية بشكل أساسي. عبارة «لم يلبسوا» في الآية تحتاج إلى توضيح. فسر عامة المفسرين «اللبس» في هذه الآية بالاختلاط والمزج (الظلم بالإيمان) (الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٢؛ الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ١٠٠). وهذا التفسير يعود إلى التفكيك الذي قام به اللغويون، وبالتالي المفسرون، لبابين مختلفين من هذا الفعل: «لَبِسَ يَلْبَسُ لُبْسًا ولِباسًا» أي ارتدى الثوب (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٢؛ ابن فارس، ١٩٧٩، ج ٥، ص ٢٣٠؛ الزبيدي، ج ١٦، ص ٤٦٦؛ ابن سيده، ٢٠٠٠، ج ٨، ص ٥١٠؛ راغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٤٠١) و«لَبَسَ يَلْبِسُ لَبْسًا ولَبْسًا» أي اشتبه عليه الأمر (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٤؛ ابن فارس، ١٩٧٩، ج ٥، ص ٢٣٠؛ الزبيدي، بلا تا، ج ١٦، ص ٤٦٨؛ ابن سيده، ٢٠٠٠، ج ٨، ص ٥١١)، ويحدث هذا عند المزج والاختلاط (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٤؛ الأزهري، ٢٠٠١، ج ١٢، ص ٣٠٧؛ الزبيدي، بلا تا، ج ١٦، ص ٤٦٦). وبما أن الفعل «لم يلبسوا» قد استُخدم في الآية المذكورة، فإن معنى الاختلاط والمزج هو الذي يُعطى له.
٢. الأصل الواحد المعنوي لـ«لبس» ورؤية اللغويين
يقول صاحب الميزان: «اللبس في الأمور [والمعاني والمفاهيم غير المادية] بمعنى الالتباس [والاختلاط]» (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠٠). إن استعمال «اللبس» في سياق الأمور المحسوسة والمادية مع الأمور المفهومية وغير المادية متشابك بشدة ولا يقبل التفكيك، ولذا فإن «تَلَبَّسَ» مستخدم في كلا السياقين: «تلبس بالأمر وبالثوب» (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٤). ويرى الراغب أيضًا أن ستر شيء مفهومي وغير مادي هو الأصل في معنى «اللبس»، ويشير في بيان موارد استعمال هذا المعنى في القرآن إلى عدة آيات منها هذه الآية نفسها (راغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٤٠٣). وبالتالي، فإن حمل معنى الاختلاط على «اللبس» في سورة الأنعام ونفي معنى «الستر» و«التغطية» عنه ليس له وجه لغوي.
صرح عدد من أهل اللغة بوجود أصل معنوي واحد لجذر «لبس»، وهو التغطية: «وأصل اللبس ستر الشيء» (راغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٣٤٠؛ ابن فارس، ١٩٧٩، ج ٥، ص ٢٣٠). وقد نقل بعض المفسرين هذا القول وقبلوه (الطباطبائي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٠؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ١٤٤). ومن البديهي أن هذا المعنى الأولي يجب أن يسري في سائر اشتقاقات واستعمالات هذا الفعل ويكون ملموسًا ومحسوسًا. ولهذا السبب، ذكر عدد من اللغويين معنى التغطية لكلا البابين؛ مع فارق أنهم فسروا «لبس» في «لَبَسَ الأمر» بمعنى «خَلَطَ» و«سَتَرَ»، وفي «لَبِسَ الثوب» بمعنى «كَسِيَ» (الزبيدي، بلا تا، ج ١٦، ص ٤٦٩). وبالتالي، فإن «اللبس» في سورة الأنعام، أيًا كان المعنى الذي نفسره به، لن يسبب إشكالًا في فهم الآية.
على الرغم من أن المفسرين فسروا «اللبس» في آيات أخرى من القرآن بمعنى الاختلاط (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١١٦؛ البيضاوي، ١٤١٨هـ، ج ٢، ص ١٥٥؛ البقاعي، بلا تا، ج ٧، ص ٢٧)، واتخذوا هذا المعنى ذريعة لإثارة الشبهة لدى الصحابة، إلا أن عددًا آخر من المفسرين فسروه بمعنى «الستر» و«التغطية» (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ١١٧؛ القرطبي، ١٤٢٣هـ، ج ٦، ص ٣٩٤؛ القاسمي، ١٤١٨هـ، ج ٣، ص ٣٣٤؛ الزحيلي، ١٤١٨هـ، ج ١٧، ص ١٤١). بالإضافة إلى ذلك، حتى معنى الاختلاط لا يمكن أن يكون ذريعة لإثارة مثل هذه الشبهة.
٣. لزوم الانتباه إلى الارتباط المعنوي بين بابي «لبس»
لأي سبب كان، إذا لم يُقبل الأصل المعنوي الواحد لكلمة «لبس»، وأُصر على تفكيك بابي الفعل «لبس»، فحتى في هذه الحالة، بمقتضى اللغة، يجب أن يُفسر الاختلاط والمزج في باب «لبس» بمعنى اختلاط يجعل الأمر مشتبهًا، ومثالًا على ذلك، في حالة مرتكب السيئات، يجب أن يكون الأمر بين كفره وإيمانه مشتبهًا. وبالتالي، لا يُسمى كل «لمم» وزلة اختلاطًا حتى يُتصور خطأً أن الصحابة فهموا من آية ٨٢ من سورة الأنعام أن أدنى زلة هي بمثابة اختلاط الإيمان بالظلم.
يبين القرآن هذا المعنى بوضوح في آية أخرى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (آل عمران: ٧١). بناءً على ظاهر هذه الآية، فإن «الاختلاط الشديد للباطل بالحق» يؤدي إلى «كتمان الحق»، وبتعبير القاسمي، هما متلازمان (القاسمي، ١٤١٨هـ، ج ٣، ص ٣٣٤). يقول ابن منظور في تعبير يؤيد هذا التحليل اللغوي: «لَبَسَ عليه الأمر يَلْبِسُهُ لَبْسًا فالتبس إذا خَلَطَه عليه حتى لا يعرف جهته» (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٤)، و: «ألبست الأمر على… إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلًا» (الأزهري، ٢٠٠١، ج ١٢، ص ٣٠٧). ويشير بعض المفسرين أيضًا إلى هذه النقطة بقولهم: «اللبس: الخلط وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين» (القاسمي، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٣٠٠). وبالتالي، من المناسب تمامًا أن يُسأل كيف كان الصحابة يفهمون «اللبس» في هذه الآية بمعنى التغطية، وفي سورة الأنعام بمعنى الارتكاب؟
٤. التعبير الشائع «لبس الثوب» في اللغة العربية
يقول الخليل: «اللباس ما واريت به جسدك» (الخليل، بلا تا، ج ٧، ص ٢٦٢)؛ «اللباس هو ما يغطي به البدن». ويقول ابن منظور في تعبير مشابه: «لباس كل شيء غشاؤه» (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٢٠٢)؛ «لباس كل شيء قشرته»، وقيل أيضًا: «ألبست الأرض: غطاها النبت» (المصدر نفسه)؛ «لباس الأرض غطاها النبات».
٥. تعابير مشابهة لـ«لبس الإيمان» في القرآن
مفهوم تغطية الذنب عن طريق الظلم، بُيّن في القرآن بتعابير أخرى مثل «حمل الظلم» و«إحاطة الخطايا». في سورة طه يقول: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: ١١١). يختلف حمل الظلم عن ارتكابه؛ إذ يتبادر إلى الذهن من حمل هذا المفهوم أن الشخص لم يتب منه بعد ارتكابه ولم يتركه، وباصطلاح القرآن، أصر عليه (آل عمران: ١٣٥، الواقعة: ٤٦) وليس لديه نية لتركه ووضعه أرضًا. وفي سورة البقرة، بُيّن مفهوم مشابه بتعبير «إحاطة الخطايا»: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٨١). الآن، كل ظلم يُحمل على هذا النحو بتعبير سورة طه، أو يغطي الإيمان كلباس بتعبير سورة الأنعام، أو يمتزج به بحيث لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، أو يكون خطايا تحيط بالإيمان وتغرقه وتضمحله في ذاتها بتعبير سورة البقرة، فإنه يبطل الإيمان وبالتالي يسلب الأمن والهداية من الشخص. يجب الانتباه إلى أن هذه المفاهيم والتعابير القرآنية تختلف اختلافًا جوهريًا عن مجرد الارتكاب والزلة.
٦. استعمال اللباس في القرآن في موارد أخرى
كما أن القرآن يُعرّف لباس التقوى ويمجّده: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: ٢٦)، ويعبر عن الجوع والخوف باللباس: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (النحل: ١١٢)، ويؤكد على كون الرجل والمرأة لباسًا لبعضهما في الزوجية: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧). وفي سورة الأنعام أيضًا، طُرح بحث «لباس الظلم» الذي يسبب عدم الأمن والاهتداء؛ مع فارق أن لباس الظلم ليس ساترًا فقط، بل – بمقتضى باب «لَبَسَ» – يمتزج ويختلط بالإيمان أيضًا.
٧. عبارة «لم يلبسوا» قرينة قاطعة في تأييد رؤية تعميم معنى الظلم
في النهاية، يجب القول إن عبارة «لم يلبسوا» بمعنى عدم ارتداء اللباس وعدم الامتزاج والاختلاط الشديد، هي قرينة وتأييد لتعميم الظلم؛ لأن أي مصداق من مصاديق الظلم، إذا تكرر إلى درجة واختلط بالإيمان إلى حد يغطيه، بحيث يظهر الظلم المغطي له قبل الإيمان، ففي هذه الحالة لن يكون لمعنى الآية مع تعميم الظلم أي استبعاد يجبرنا على التأويل والعدول عن الأصل، بل يكون أكثر انسجامًا مع التعميم؛ لأن مقتضى التغطية أو الاختلاط الشديد هو التكرار الكثير، وكل ظلم (شرك، سحر، عقوق والدين، كذب، شهادة زور، كتمان شهادة، يأس من رحمة الله، قتل نفس، زنا، اتهام بالزنا، أكل مال اليتيم، ربا، شرب خمر و…) في حالة التكرار والاستمرار، يكون من حيث الحكم الإلهي مساويًا للكفر؛ ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٨).
المحور الرابع: عدم انسجام تخصيص الظلم بالشرك مع منهج تفسير القرآن بالقرآن
١. عدم قابلية العفو عن تكرار الذنب
إن إمكانية العفو عن الذنوب الأخرى غير الشرك – حتى بدون توبة – لا ينبغي أن تؤدي إلى هذا الفهم الخاطئ بأن مغفرة غير المشرك قطعية، بل إن المغفرة والعفو يكونان عندما يكون ارتكاب المعاصي والسيئات عن جهل، دون إصرار على استمرارها و…: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (النساء: ١٧، آل عمران: ١٣٥). وأحيانًا، ليس فقط أن الذنب لا يُعفى عنه بدون توبة، بل بشهادة الآيات، في ظروف معينة لا يمكن أن تكون التوبة وسيلة للعفو عن تلك الذنوب: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٨) (انظر: رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٤، ص ٣٦١؛ الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٥٠٥). هذه الآية ليست ناظرة إلى الشرك فقط، بل تصرح ببيان عموم الذنوب، وبتعبير الآية نفسها، ببيان عموم «السيئات»، وبالتالي فإن عدم إمكانية العفو لا ينحصر في الشرك. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكرار الذنوب هو تعبير آخر عن تغطية الإيمان بالظلم، وهذا مؤيد لرؤية التعميم لا التخصيص.
٢. عدم تأييد ادعاء تخصيص الظلم بالشرك في سائر آيات القرآن
من الصعب الادعاء بأن كلمة «الظلم» في آية أخرى من القرآن الكريم، جاءت نصًا، مخصصة لمصداق الشرك، لتكون قرينة على التفسير المذكور، بل على العكس، في حالات متعددة استُعمل الظلم ناظرًا إلى مصاديق غير الشرك؛ فأحيانًا سُمّي أكل مال اليتيم ظلمًا (النساء: ١٠)، وأحيانًا أكل أموال الناس والقتل (النساء: ٣٠)، وأحيانًا سوء معاملة الزوجة (البقرة: ٢٣١، الطلاق: ١). بل يجب القول إنه في آيات من القرآن الكريم، لا يمكن بأي وجه حمل «الظلم» على مصداق «الشرك»؛ مثل هذه الآيات: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (الفرقان: ٤)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨-٣٩) و ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (النساء: ١٥٣) التي تدل على التوالي على تكذيب الحق، والسرقة، وطلب رؤية الله. والأهم من كل ذلك، أنه في سورة لقمان صُرح بأن الشرك يجب أن يسمى «ظلمًا عظيمًا» لا «ظلمًا».
٣. عدم توافق الشرك مع الإيمان
قد يكون حمل الظلم في الآية على غير الشرك أكثر توجيهًا من حمله على الشرك؛ لأن الإيمان يمكن أن يجتمع مع المعاصي الصغيرة والكبيرة باستثناء الشرك (أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١). وبعبارة أخرى، المؤمن ليس مشركًا، ومن يخلط إيمانه بالشرك، لا يُطلق عليه لفظ مؤمن، وبالتالي فإن حمل معنى الشرك على الظلم في سورة الأنعام يسبب تناقضًا داخليًا في الآية. ينقل ابن حجر أن «خلط الشرك بالإيمان غير متصور، وبالتالي فإن لبس الإيمان بالظلم يعني الارتداد» (ابن حجر، ١٣٧٩هـ، ج ١، ص ٨٨). بالإضافة إلى ذلك، قيل سابقًا إن القرآن يسمي الشرك «ظلمًا عظيمًا» لا «ظلمًا».
٤. النسبة بين ظلم حضرة آدم عليه السلام والشرك
تفسير «الظلم» بـ«الشرك» له مثال ناقض. في قصة حضرة آدم عليه السلام وزوجه، عُبّر عن الأكل من الشجرة المنهي عنها بـ«الظلم» و«ظلم النفس»: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ … فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ … قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (الأعراف: ٢٢-٢٣). وفي سورة طه، سُمّي هذا الفعل نفسه عصيانًا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ (طه: ١٢١). والقدر المتيقن هو أن المفسرين لا يعتبرون هذا العصيان من حضرة آدم عليه السلام شركًا.
٥. عدم دلالة سورة لقمان على تخصيص الظلم بالشرك
الاستناد إلى آية ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ في سورة لقمان ليس مؤيدًا لترادف «الظلم» و«الشرك»؛ لأن الشرك في هذه الآية سُمّي «ظلمًا عظيمًا»، وبناءً على ذلك، كان الاستناد إلى هذه الآية يُعتبر تأييدًا لو كانت سورة الأنعام تقول: «ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم». إن الاستناد إلى سورة لقمان يثبت عكس الادعاء؛ حتى لو كان تنوين الظلم للتعظيم. ففي هذه الحالة أيضًا، لا يمكن أن يكون ادعاء ترادف «الظلم» مع «الظلم العظيم» استنباطًا صريحًا من القرآن، بل يُعد استنباطًا تأويليًا.
المحور الخامس: السياق كمرجّح للتعميم لا كمسوّغ للتخصيص
قبل الدخول في بحث السياق، يجب القول إن ظاهر الآية، دون النظر إلى السياق، يدل على تعميم معنى الظلم. وكما أُشير سابقًا، فإن سياق الآيات أيضًا لا يتعارض بأي وجه مع تعميم الظلم على جميع مصاديقه. الآيات السابقة (٧٤-٨١) ناظرة إلى مجادلة إبراهيم عليه السلام مع عبدة الأوثان حول الشرك والتوحيد، وتنتهي في النهاية إلى أن أيًا من الطرفين أحق بالأمن وعدم الخوف؟ وفي تتمة الحديث، يبيّن الله، في مقام القاضي، سنة عامة وقانونًا كليًا فيقول: «الأمن لأولئك الذين آمنوا ولم يغطوا إيمانهم بأي ظلم» (الأنعام: ٨٢) (الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠). الشرك بالطبع من أتم وأكمل مصاديق الظلم، وبتعبير القرآن «ظلم عظيم» (لقمان: ١٣)، ولكنه ليس المصداق الوحيد – بل ليس المصداق الأتم والأبرز الوحيد – الذي يمنحنا الإذن بحصر هذا القانون الإلهي الشامل في مصداق واحد. خاصة وأن لا ظاهر الآية ولا سياقها يدلان دلالة قطعية على اختصاص معنى الظلم بالشرك، ولهذا السبب فهم بعض الصحابة، وهم أهل اللغة العربية، عمومية الآية (رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٥). وبالنظر إلى السياق، يمكن الادعاء بأن هذه الآية في صدد بيان أن الإيمان يجلب الأمن لا الشرك، ولكن لا يمكن الادعاء بالاعتماد على السياق أن الشرك وحده يسلب الأمن، بل كل ظلم يغطي الإيمان أو يمتزج به بشكل أساسي يسلب الأمن.
الآيات التالية وسياقها تؤيد أيضًا تعميم الظلم. مجادلة حضرة إبراهيم عليه السلام والمشركين في الآية ٨١ قد انتهت تقريبًا. الآيتان ٨٢ و ٨٣ جسر انتقالي دقيق وحكيم يستخدمه الله الحكيم للانتقال من بحث «تقابل الشرك والتوحيد» والدخول في موضوع «كمال الإيمان»، وقد صيغتا بحيث يبدو أن بحث الشرك – كنقيض للإيمان – قد انتهى في خلاصة الآية ٨١ وخرج من الساحة. في الآيتين ٨٢ و ٨٣، يتم الانتقال تدريجيًا بالشخصية الرئيسة للقصة، أي حضرة إبراهيم عليه السلام، من ساحة «تقابل الشرك والتوحيد» إلى ساحة «كمال الإيمان». بحث كمال الإيمان وفروعه المرتبطة به، بما في ذلك ذكر أئمة المؤمنين والمهتدين، والإشارة إلى الهداية، والصراط المستقيم، والكتاب، والحكم، والنبوة، والدعوة إلى الإيمان، قد تم إبرازه في الآيات التالية (الأنعام: ٨١-٩٠). وفي كلا السياقين «تقابل الشرك والتوحيد» و«كمال الإيمان»، يكون معنى الظلم أكثر انسجامًا مع التعميم منه مع التخصيص.
المحور السادس: إمكانية الجمع بين منهجي التعميم والتخصيص
يمكن الجمع بين منهجي تعميم وتخصيص الظلم بهذه الطريقة، دون الحاجة إلى تجاهل المقتضى الظاهري للقرآن:
أ) الذنب – في حالة التكرار والاستمرار – يسبب سلب الإيمان من الشخص، وقد نُقلت روايات متعددة في هذا الباب (أحمد، ٢٠٠١، ج ٢٣، ص ٧١، ج ١٤، ص ٤٧٤؛ البغوي، ١٩٨٣، ج ١، ص ٨٧). من يغطي إيمانه – من خلال الامتزاج الشديد – بالذنوب، يفقد إيمانه ولا يُعتبر مؤمنًا، وبما أنه بارتكاب المعاصي واتباع الشيطان والهوى، قد اعتبر غير الله أهلًا للاتباع، فقد أشرك (انظر: رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ١٤٤). وقد حكم الله تعالى بناءً على الآية المذكورة (النساء: ١٨، وأيضًا البقرة: ٨١) بالخلود في جهنم لفريقين «الكافر» و«المصر على الذنب» على حد سواء. وفي النهاية، يكون هذا المعنى من الحديث متوافقًا مع القرآن ومقبولًا، حيث يُقال: إن مراد حضرته من تفسير الظلم بالشرك هو أن مراد الآية ليس ارتكاب أي ذنب، بل الحالات التي تنتهي إلى الشرك.
ب) كان الصحابة قلقين من أن يغطي ارتكاب أي ذنب إيمانهم، كما تدل الأحاديث على أن الزاني والسارق و… لا إيمان لهم حين ارتكاب الذنب (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ١٣٦؛ الترمذي، ١٩٩٨، ج ٤، ص ٣١١؛ أحمد، ٢٠٠١، ج ١٢، ص ٢٦٩)، وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن المراد بهذه الآية هو الشرك المحض الذي يسبب تغطية كاملة للإيمان، وليس الشرك الذي يلازم ارتكاب الذنب ويرتفع بعد ارتكاب الذنب في حالة التوبة؛ لأن الشرك المحض والإيمان بشريك لله هو عمل قلبي ويغطي الإيمان حقًا. بهذه الطريقة، يمكن الجمع بين التعميم والتخصيص، حيث يكون الأول مقتضى ظاهر الآية والثاني مقتضى الروايات. مع وجود إمكانية الجمع، هل يكون إنكار مقتضى الآية والإصرار على الالتزام الكامل بمقتضى الروايات له دليل سوى محورية الحديث في المنظومة الفكرية لأنصار محورية الحديث؟!
الخاتمة
١- لقد أدت محورية الحديث، من خلال التأثير المباشر، إلى تشويه الفهم الصحيح والسليم للآية الشريفة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢)؛ فظاهر الآية يدل على تعميم معنى الظلم، لكن الأحاديث تسببت في تخصيصه بالشرك في المنظومة الفكرية للمفسرين.
٢- بمقتضى ظاهر الآية، يمكن بيان معناها الصريح والدقيق على هذا النحو: الذين آمنوا ولم يغطوا إيمانهم – من خلال الاختلاط الشديد – بظلم، أولئك هم أهل الأمن والهداية. هذا المعنى ليس مثيرًا للتساؤل أو الشبهة بأي وجه.
٣- النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو مفسر ومبين للقرآن، وتفسيره للقرآن هو فصل الخطاب. نقد محورية الحديث لا يعني تجاهل منزلة السنة في تفسير القرآن، بل يعني مراعاة مراتب التفسير. يجب أن يُقدم تفسير القرآن بالقرآن على التفسير الروائي، وهو منهج لم يتبعه بعض المحدثين وبالتالي بعض المفسرين. بالطبع، في تفاعل السنة القطعية مع القرآن، لا يكون تقديم أحدهما على الآخر سالبًا بانتفاء الموضوع.
٤- خلافًا لادعاء أنصار تخصيص معنى «الظلم» في الآية ٨٢ من سورة الأنعام، فإن القرائن والشواهد اللغوية والقرآنية تؤيد التعميم لا التخصيص بالشرك؛ ومنها نكرة «الظلم» في سياق النفي، واستعمال لفظ «لبس» بمعنى التغطية أو الاختلاط الشديد في الآية، وسياق الآيات قبل وبعد، وتفسير القرآن بالقرآن، وتأييد التعميم بتعابير قرآنية أخرى مثل «حمل الظلم» و«إحاطة السيئات»، ونقض الادعاء بآية ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣)، وعدم انحصار مصداق الظلم الأتم في الشرك، ووجود مثال ناقض، وعدم وجود نموذج صريح آخر في سائر الآيات.
٥- إن منهجي تعميم وتخصيص معنى «الظلم» في الآية قابلان للجمع والقبول. وبالتالي، فإن منهج كثير من المفسرين في تجاهل رأي تعميم الظلم في هذه الآية غير مقبول.
الهوامش
١- معنى محورية الحديث في هذه المقالة هو ترجيح أي مقتضى حديثي على المقتضى القرآني، وبالتالي فإن محورية الحديث كمصطلح خاص في هذا البحث له معنى أوسع من مصطلح «الحديثية» (hadith-centrism).
٢- يُستعمل الظلم في اللغة بمعنى «وضع الشيء في غير موضعه» (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ١٢، ص ٣٧٣؛ ابن سيده، ٢٠٠٠، ج ١٠، ص ٢٨؛ الزبيدي، بلا تا، ج ٣٣، ص ٣٣؛ وأيضًا الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩١؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ٩٩)، وفي الأصل يعني الجور والتجاوز عن الحد (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ١٢، ص ٣٧٣؛ الزبيدي، بلا تا، ج ٣٣، ص ٣٢)، وفي الثقافة القرآنية، يُطلق على أي تجاوز للحق اسم الظلم، ولهذا السبب يُطلق على الكبائر والصغائر (راغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٣٠٦).
٣- معنى الآية بناءً على رؤية تعميم معنى الظلم: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بأي ظلم أو لم يغطوه بأي ظلم، لهم الأمن وهم مهتدون.
معنى الآية بناءً على رؤية تخصيص معنى الظلم: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بالشرك أو لم يغطوه بالشرك، لهم الأمن وهم مهتدون.
٤- كلمة «عربي» تعني «الفصاحة» و«الوضوح» (معارف، ١٣٩٠، ص ٩٢) والتي تأتي في القرآن مع صفة «مبين».
٥- معنى «ظلم النفس» أعم وأشمل بكثير من «تغطية لباس الظلم على جسد الإيمان»، وقد حُمل في القرآن صراحة على مصاديق واسعة؛ منها: عدم مراعاة حقوق الزوجة (البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠)، ومباشرة الزوجات في زمن الاعتكاف (البقرة: ١٨٧)، وعدم مراعاة سهم الإرث (النساء: ١٣)، بل إن القرآن أساسًا يسمي أي تجاوز لحدود الله «ظلمًا للنفس»: ﴿وَ مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَد ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق: ١).
٦- يقول رشيد رضا: «لبس الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته من جميع جهاته» (رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ١٤٤).
٧- ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: ٤٦) وأيضًا آية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (النساء: ١٨).
٨- في مورد يقول: من يدعو غير الله فهو ظالم، ولم يقل ظلم، شرك: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس: ١٠٦).
٩- حول القائل الأصلي للآية ٨٢، يختلف المفسرون. بعضهم ينسبها إلى الله تعالى (أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١؛ ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٢٦٣؛ القرطبي، ٢٠٠٣، ج ٧، ص ٣٠؛ رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٢؛ الطبري، ٢٠٠٠، ج ١١، ص ٤٩٤)، وبعض المفسرين يعتبرونها حكاية لقول إبراهيم عليه السلام من جانب الله (فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ١٣، ص ٤٩؛ القرطبي، ٢٠٠٣، ج ٧، ص ٣٠؛ الطوسي، بلا تا، ج ٤، ص ١٩٠؛ الطبرسي، ١٩٩٥، ج ٤، ص ١٠٠؛ الكاشاني، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٣٦؛ الحويزي، ١٤١٢هـ، ج ١، ص ٧٣٩؛ أبو حيان، ١٤٢٠هـ، ج ٤، ص ٥٧١)، وبعضهم ينسبها إلى كلام قوم إبراهيم عليه السلام (رشيد رضا، ١٩٩٠، ج ٧، ص ٤٨٢).
المصادر والمراجع
١. القرآن الكريم.
٢. ابن حجر، أحمد بن علي (١٣٧٩هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار المعرفة.
٣. ابن سيده، علي بن إسماعيل (٢٠٠٠)، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، بيروت: دار الكتب العلمية.
٤. ابن فارس، أحمد (١٩٧٩)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بي جا: دار الفكر.
٥. ابن كثير، إسماعيل بن عمر (١٤١٢هـ)، تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الكتب العلمية.
٦. ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤١٤هـ)، لسان العرب، بيروت: دار صادر.
٧. أبو حيان، محمد بن يوسف (١٤٢٠هـ)، البحر المحيط في التفسير، بيروت: دار الفكر.
٨. أحمد بن حنبل (٢٠٠١)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، چاپ دوم، بي جا: الرسالة.
٩. الأزهري، محمد بن أحمد (٢٠٠١)، تهذيب اللغة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
١٠. البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٢٢هـ)، الجامع المسند [صحيح البخاري]، بي جا: دار طوق النجاة.
١١. البغوي، حسين بن مسعود (١٩٨٣)، شرح السنة، چاپ دوم، دمشق / بيروت: المكتب الإسلامي.
١٢. البقاعي، إبراهيم بن عمر (بي تا)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي.
١٣. البيضاوي، عبد الله بن عمر (١٤١٨هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
١٤. الترمذي، محمد بن عيسى (١٩٩٨)، الجامع الكبير [سنن الترمذي]، تحقيق بشار عواد معروف، بيروت: دار الغرب الإسلامي.
١٥. الحويزي، عبد علي بن جمعة (١٤١٢هـ)، تفسير نور الثقلين، چاپ چهارم، قم: مؤسسة إسماعيليان.
١٦. راغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢هـ)، المفردات في غريب القرآن، دمشق / بيروت: دار القلم / دار الشامية.
١٧. رشيد رضا، محمد بن علي رضا (١٩٩٠) تفسير القرآن الحكيم [تفسير المنار]، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
١٨. الزبيدي، محمد بن محمد (بي تا)، تاج العروس من جواهر القاموس، بي جا: دار الهداية.
١٩. الزحيلي، وهبة بن مصطفى (١٤١٨هـ)، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، چاپ دوم، دمشق: دار الفكر المعاصر.
٢٠. الزمخشري، محمود (١٤٠٧هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، چاپ سوم، بيروت: دار الكتاب العربي.
٢١. الشوكاني، محمد بن علي (١٤١٤هـ)، فتح القدير، دمشق بيروت: دار ابن كثير / دار الكلم الطيب.
٢٢. الطباطبائي، سيد محمد حسين (بي تا)، الميزان في تفسير القرآن، قم: انتشارات حوزه علميه قم.
٢٣. الطبرسي، فضل بن حسن (١٩٩٥)، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
٢٤. الطبري، محمد بن جرير (٢٠٠٠)، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت: الرسالة.
٢٥. الطوسي، محمد بن حسن (بي تا)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٢٦. العياشي [السمرقندي]، محمد بن مسعود (بي تا)، تفسير العياشي، طهران: المكتبة العلمية الإسلامية.
٢٧. العيني، محمود بن أحمد (بي تا)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٢٨. فخر الرازي، محمد بن عمر (١٤٢٠هـ)، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٢٩. الفراهيدي، خليل بن أحمد (بي تا)، كتاب العين، تحقيق مهدي مخزومي؛ إبراهيم سامرائي، بي جا: دار ومكتبة الهلال.
٣٠. فيض الكاشاني، مولى محسن (١٤١٦هـ)، تفسير الصافي، طهران: مكتبة الصدر.
٣١. القاسمي، جمال الدين بن محمد (١4١٨هـ)، محاسن التأويل، بيروت: دار الكتب العلمية.
٣٢. القرطبي، محمد بن أحمد (١٤٢٣هـ)، الجامع لأحكام القرآن، الرياض: دار عالم الكتب.
٣٣. القمي، علي بن إبراهيم (بي تا)، تفسير القمي، بي جا: مكتبة الهدى.
٣٤. معارف، مجيد (١٣٩٠)، «دراسة مصطلح التبيين في القرآن ونقد نظرية استحالة التفسير بدون روايات»، تحقيقات علوم قرآن وحديث، شماره دوم، پياپي ١٦، ص ٨٥-١١٤.
٣٥. النسائي، أحمد بن شعيب (١٤٠٦هـ)، عمل اليوم والليلة، چاپ دوم، بيروت: الرسالة.