دراسة رأي العلامة الطباطبائي حول عقيدة الطينة

الملخص: تعدّ عقيدة الطينة من العقائد الشيعية التي بُحثت في تفاسير القرآن. تطرح هذه العقيدة تفاوت البشر في الخلقة، وتتحدث عن ارتباط الإيمان والكفر بطينة البشر. للوهلة الأولى، تدل هذه العقيدة على ذاتية السعادة والشقاء للإنسان ونفي اختياره في تقرير مصيره، وبالتالي الميل نحو الجبر. وقد تصدى الكثير من المحدثين والمفسرين الإمامية لبيان مفاد هذه الروايات وحل إشكالاتها. وقدّم العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، بطرحه نموذجًا شاملًا قائمًا على أسس الحكمة الصدرائية، تحليلًا لمضمون هذه العقيدة. فهو، بحمله الطينة على المادة الأرضية التي يُبنى منها بدن الإنسان ثم تنشأ منها نفسه، يرى أن تأثيرها على سعادة الإنسان وشقائه في حد الاقتضاء ولا يستلزم الجبر. في هذا المقال، سنقوم ضمن بيان تحليل العلامة، بتبيين أسسه، وفي النهاية سنقيّم الحل الذي قدمه العلامة للإشكالات المطروحة.

طرح المسألة

وردت في أهم المجامع والمصادر الحديثية المعتبرة لدى الإمامية أحاديث متعددة حول خلقة البشر من نوعين مختلفين من السجايا والطينة. ففي بعض الروايات، ذُكر نوعان من الطينة هما “عليون” و “سجين”، وفي بعضها الآخر طينتا “الجنة” و “النار”، حيث خُلق المؤمنون والشيعة من طينة عليين والجنة، وفي المقابل، عُجن الكفار وأعداء الأئمة من طينة سجين والنار. وقد جمع البرقي في المحاسن تسع روايات حول طينة المؤمنين والشيعة في أربعة أبواب: “خلق المؤمن من عليين”، “خلق المؤمن من طينة الأنبياء”، “خلق المؤمن من طينة الجنان”، و”خلق المؤمن من طينة مخزونة”، وحديثين حول اختلاط طينة المؤمنين والكافرين في باب “اختلاط الطينتين”. كما أورد الصفار في بصائر الدرجات في ثلاثة أبواب ما مجموعه ٢١ رواية تتعلق بموضوع الطينة، السبعة عشر رواية الأولى منها في باب “خلق أبدان الأئمة وقلوبهم وأبدان الشيعة وقلوبهم”. وكذلك جمع المرحوم الكليني بعض الروايات المعتبرة عند الشيعة التي تتحدث عن طينة المؤمنين أو الشيعة في “باب طينة المؤمن والكافر” وبابين آخرين بعنوان “باب آخر منه زيادة وقوع التكليف الأول” و”باب آخر منه”. كما نقل في “كتاب الحجة” أربعة أحاديث بعنوان “خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم”، الحديث الرابع منها، وهو رواية أبي حمزة الثمالي، يعد من الأحاديث التي وردت أيضًا في “باب طينة المؤمن”. ونقل الصدوق أيضًا في كتاب “علل الشرائع” خمس روايات في هذا المجال، أربع منها في “باب علة الطبائع” ورواية واحدة في “باب نوادر العلل”. وجمع المجلسي كذلك ٦٧ حديثًا يرتبط معظمها بموضوع الطينة في “باب الطينة والميثاق”، و ٣٣ حديثًا في “باب طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس” بعنوان “إضافات على الأحاديث المذكورة في كتاب التوحيد”. ومن الأحاديث المذكورة، تعد روايتا أبي نهشل عن محمد بن إسماعيل عن أبي حمزة الثمالي، ورواية حماد بن عيسى عن ربعي من أهم أحاديث الطينة التي تكررت في جميع المجاميع الحديثية. وبالطبع، فإن رواية حماد بن عيسى في “علل الشرائع” قد نُقلت عن طريق أبي نعيم الهذلي.

جدول الأحاديث الخاصة والمشتركة في كل مصدر

الصف اسم الكتاب عدد روايات الطينة الروايات الخاصة الروايات المشتركة
١ المحاسن ١١ حديثًا في خمسة أبواب ٤ أحاديث حديثان مشتركان مع بصائر الدرجات، الكافي وعلل الشرائع. ٤ أحاديث مشتركة مع الكافي (٣ في باب طينة المؤمن و١ في باب أخوة المؤمنين).
٢ بصائر الدرجات ٢١ حديثًا في ثلاثة أبواب ١٤ حديثًا حديثان مشتركان مع المحاسن، الكافي وعلل الشرائع. حديث مشترك مع الكافي (١ في باب طينة المؤمن و٢ في باب خلق أبدان الأئمة).
٣ الكافي ١٣ حديثًا في ثلاثة أبواب ٤ أحاديث حديث مشترك مع المحاسن. حديثان مشتركان مع المحاسن، بصائر الدرجات وعلل الشرائع. حديث مشترك مع بصائر الدرجات (١ في باب خلق أبدان الأئمة وقلوبهم و١ في باب ما خص الله به الأئمة من ولاية أولي العزم لهم في الميثاق). حديث مشترك مع علل الشرائع (١ في باب علة خلق الخلق واختلاف أحوالهم و١ في باب علة المعرفة والجحود).
٤ علل الشرائع ٧ أحاديث في أربعة أبواب حديثان حديث مشترك مع المحاسن. حديث مشترك مع المحاسن، بصائر الدرجات والكافي. حديث مشترك مع الكافي وبصائر الدرجات. حديث مشترك مع الكافي.

 

بمطالعة ظاهر هذه الروايات، تتبادر إلى الذهن إشكالات متعددة في المحتوى. وتعود معظم هذه الإشكالات إلى الاعتراضات الثلاثة التالية: أ) التعارض مع ظاهر آيات القرآن الكريم، ومنها آية الميثاق (الأعراف: ١٧٢). ب) التعارض مع الروايات التي تدل على الفطرة التوحيدية لجميع البشر. ج) ملازمة مضمون روايات الطينة للجبر ونفي اختيار الإنسان في اختيار مسار السعادة والشقاء.

وفي هذا السياق، رفض بعض الباحثين في الحديث روايات الطينة بالكلية بسبب هذه الإشكالات. بينما امتنعت فئة أخرى، مع قبولها أصل صدور هذه الأخبار، عن إبداء الرأي في محتواها، معتبرة فهم مراد أحاديث الطينة أمرًا في غاية الصعوبة. ولكن بعض المفكرين، بقبولهم لهذه الأحاديث، سعوا إلى تحليل وتبيين مقصودها. وقد أورد العلامة المجلسي في “مرآة العقول” خمسة أقوال، والمرحوم شبر في “مصابيح الأنوار” تسعة أقوال في هذا المجال. ويعد العلامة الطباطبائي من المفكرين الذين حاولوا في تفسير الميزان، من خلال طرح نموذج شامل، تحليل مضمون أحاديث الطينة وإظهار انسجام هذه الفئة من الروايات مع المنظومة الفكرية والعقائدية للإمامية. من هنا، فإن فهم مساعي العلامة الطباطبائي في هذا الباب بشكل صحيح يقتضي تبيين مضمون أحاديث الطينة وبيان توجهات كبار مفكري الإمامية حول هذه العقيدة، وهو أمر ضروري.

تبيين مضمون أحاديث الطينة

في هذا المقال، واعتمادًا على اعتبار متن وسند أحاديث كتاب الكافي، سنقوم بتبيين محتوى ومضمون روايات الطينة استنادًا إلى تقسيم هذا الكتاب.

كما مرّ، فقد أورد المرحوم الكليني في الكافي روايات الطينة في ثلاثة أبواب:

أ) روايات الباب الأول تشير فقط إلى اختلاف سجية وطينة المؤمنين والكفار، دون بيان علة هذا الاختلاف. من أهم أحاديث الطينة التي تكررت مرارًا في مختلف كتب الحديث الإمامية، ونقلها الكليني أيضًا في الباب الأول من أخبار الطينة، هذا الحديث: كان الإمام الباقر (ع) يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من درجة دونه. فلذلك قلوب شيعتنا تهوي إلينا، لأنها خُلقت مما خُلقنا منه. ثم قرأ هذه الآية: “كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ”. وخلق أعداءنا من سجين، وخلق قلوب أتباعهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من درجة دونه. فلذلك قلوب أتباعهم تهوي إليهم، لأنهم خُلقوا مما خُلق أولئك منه. ثم تلا هذه الآية: “كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ”.

بمطالعة متن الرواية، وخاصة بعد النظر في سائر متون هذا الباب، يمكن القول إن المحتوى الأساسي لهذه الأحاديث يتمثل في:

١. أن الله سبحانه قد عجن قلوب وأبدان الأنبياء والأئمة من طينة عليين. والظاهر أن المراد بالقلوب، بقرينة المقابلة مع الأبدان، هو أرواح الأنبياء والأئمة.

٢. أن قلوب المؤمنين خُلقت من طينة عليين وأبدانهم من طينة أدنى منها، ولهم خلقة ممزوجة.

٣. خلقة قلوب المؤمنين من طينة الجنة وعليين، وخلقة الكافرين من طينة النار وسجين.

٤. أن قلوب المؤمنين والكافرين تنجذب وتميل إلى ما خُلقت منه.

٥. يميل بعض البشر إلى بعض، والسنخية الموجودة في طينتهم هي أساس هذا التقارب. وعلى هذا الأساس، فإن بعض الناس، أي الشيعة، يعشقون ويشتاقون لآل الرسالة.

٦. ورد في رواية حماد بن عيسى أن الله سبحانه بعد أن خلق المؤمنين من طينة عليين والكفار من طينة سجين، مزج بين هاتين الطينتين. ثم في بيان أثر هذا الاختلاط والامتزاج، يُشار إلى ولادة المؤمن من الكافر وولادة الكافر من المؤمن: “فخلط بين الطينتين فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن”.

٧. الفروق الأخلاقية والسلوكية بين البشر تنشأ من مبادئ طينتهم. وعلة صدور الأعمال السيئة من المؤمنين هي امتزاج واختلاط طينة سجين بطينتهم الأصلية؛ كما أن علة السلوك الحسن من الكفار هي أن طينة عليين قد امتزجت بطينتهم الأصلية: “فخلط بين الطينتين… ومن هاهنا يصيب المؤمن السيئة ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة”. في الرواية الثانية من هذا الباب، تم التأكيد على أن طينة المؤمن لا يتخلى عن إيمانه، والكافر وعدو أهل البيت لا يكف عن عدائه: “لا يتحول مؤمن عن إيمانه ولا ناصب عن نصبه”.

ب) المجموعة الثانية من روايات الطينة في الكافي وردت تحت عنوان “باب آخر منه زيادة وقوع التكليف”. وفي الروايات الثلاث التي أوردها الكليني في هذا الباب، توجد هذه النقطة وهي أن البشر في العوالم السابقة قد أُعطوا أمرًا من جانب الحق تعالى، أطاعه أصحاب اليمين وعصاه أصحاب الشمال. الرواية الأولى في هذا الباب هي كالتالي: قال الإمام الباقر (ع): لو علم الناس كيف كان بدء الخلق ما اختلف اثنان. إن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماءً عذبًا فراتًا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وكن ماءً ملحًا أجاجًا أخلق منك ناري وأهل معصيتي. ثم أمرهما فامتزجا، فمن ذلك يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن. ثم أخذ قبضة من أديم الأرض فعركها عركًا شديدًا، فإذا هم كالنمل والذر يدبون. ثم قال لأصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي. ثم أمر نارًا فأُججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها وخافوا. ثم قال لأصحاب اليمين: ادخلوها، فدخلوها، فقال: كوني بردًا وسلامًا، فكانت بردًا وسلامًا. فقال أصحاب الشمال: يا رب، أقلنا. فقال: قد أقلتكم، ادخلوها. فذهبوا فهابوها. فثم ثبتت الطاعة والمعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء.

في هذه المجموعة من الروايات، بالإضافة إلى النقاط الموجودة في المجموعة الأولى، توجد مسألتان مهمتان أخريان: ١. في هذه الروايات، أشير إلى تكليف الإنسان الذري. فالله بعد أن قسم البشر إلى أصحاب يمين وشمال، كلفهم بدخول النار. ويبدو أن هذا التكليف يكشف عن علة تقسيم البشر إلى فريقين، لا أنه العلة الأصلية لهذا التقسيم. وبالطبع، طلب أصحاب الشمال العفو من الله مرة واختُبروا مرة أخرى، لكنهم فشلوا في الاختبار الثاني أيضًا. ٢. بعد هذا الاختبار، ثبت أهل الطاعة والمعصية ولم يعد هناك إمكانية للتغيير. لذا، لا يمكن لأي من هاتين المجموعتين أن تدخل في الأخرى: “فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء”.

ج) الفئة الثالثة من أحاديث الطينة، من خلال إيجاد صلة بين موضوع الطينة وأحاديث عالم الذر، بينت علة وحكمة اختلاف طينة البشر. أشار الإمام الباقر (ع) إلى الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم لربوبيته ونبوة كل نبي، وبيّن حكمة هذا الميثاق من جانب الله، ثم ذكر حكمة اختلاف طينة البشر: “… ثم سأل آدم عن الاختلافات في ذريته، وعرض: يا ليتك خلقتهم سواءً وقدرًا واحدًا وطبيعة واحدة وخلقة واحدة… حتى لا يبغي بعضهم على بعض ولا يكون بينهم حسد ولا بغضاء ولا اختلاف. فأوحى الله عز وجل إليه: أنا الخالق العليم، بعلمي خالفت بين خلقهم، وبمشيئتي يمضي فيهم أمري، وإلى تدبيري وتقديري هم صائرون، لا تبديل لخلقي… ولهذا خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنة والنار، وهكذا أردت في تقديري وتدبيري. وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم… ولهذا خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء وفيما عافيتهم وفيما ابتليتهم وفيما أعطيتهم…”.

من الأحاديث المذكورة يمكن استخلاص النقاط التالية:

١. أخذ الله تعالى الميثاق من جميع البشر بكل خصائصهم على ربوبيته ونبوة أنبيائه، ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وليؤمنوا بأنبيائه ويتبعوهم.

٢. خلق الله آدم وذريته بطبائع وسجايا مختلفة بناءً على علمه اللامتناهي والنافذ. إذن، كل الاختلافات بين البشر نشأت بناءً على العلم والإرادة الإلهية: “وأنا الخالق العالم، بعلمي خالفت بين خلقهم وبمشيئتي يمضي فيهم أمري وإلى تدبيري وتقديري هم صائرون، لا تبديل لخلقي”.

٣. علة هذه الاختلافات هي أن الله يختبرهم بها في الدنيا وفي جميع أحوالهم: “خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم… وإنما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيكم أحسن عملًا في دار الدنيا في حياتكم وقبل مماتكم”.

آراء الباحثين في الحديث حول عقيدة الطينة

يمكن تصنيف أهل الرأي والمفكرين الشيعة من حيث نظرتهم إلى هذا النوع من الأحاديث إلى ثلاث فئات:

أ) العلماء الذين امتنعوا تمامًا عن إبداء الرأي في مضمون هذه الأخبار واعتبروا فهم مرادها صعبًا. ومن بين مفكري هذه الفئة، يمكن ذكر العلامة المجلسي. فهو يعد أخبار الطينة من متشابهات الأخبار والأحاديث المشكلة، ويبيّن منهج العلماء في التعامل معها. يروي المجلسي خمسة أقوال باختصار، يتصدرها رأي الأخباريين. فهذه الجماعة، مع قبولها أصل ورود الأحاديث، فوضت علمها إلى الله وامتنعت عن إبداء الرأي في محتواها. ينهي المجلسي كلامه في شرح الروايات في “مرآة العقول” دون أن يحكم بنفسه على الأقوال المذكورة؛ ولكنه في “بحار الأنوار”، في بداية عرض النظريات المطروحة في هذا المجال، يورد رأي الأخباريين ويعتبر أحاديث الطينة من الأخبار المتشابهة والمشكلة. ويعتقد أن هذا النوع من الأخبار من المسائل التي تعجز العقول البشرية المحدودة عن الوصول إلى كنهها، ولهذا السبب يجب تفويض علمها إلى الأئمة الأطهار.

ب) المحققون الذين رفضوا هذه الأحاديث من الأساس وشككوا في اعتبارها السندي أو في جهة صدورها. يعتبر المرحوم الشعراني، الذي يعد من أنصار الرأي الثاني، هذا النوع من الأخبار متعارضًا مع مفاد الآيات القرآنية والسنة القطعية وإجماع الإمامية، ومخالفًا للبراهين العقلية. وفي تعليقته على شرح المازندراني على الكافي، يرى أن جميع أحاديث باب “طينة المؤمن والكافر” ضعيفة من الناحية السندية. والبابان التاليان يشتملان على عدد من الأحاديث المعتبرة، ولكن هذه الأحاديث تتعارض مع أصول المذهب وروايات الفطرة. يُستنبط من روايات الطينة أن المسافة التي تفصل بين البشر للوصول إلى السعادة والشقاء ليست متساوية، وأن المسافة التي يجب أن يقطعوها متفاوتة قربًا وبعدًا، وهذا الوضع يتعارض مع العدل الإلهي، وحتى لو لم يُطرح موضوع الجبر، فإنه يُعد نوعًا من التمييز. هذا في حين أن روايات الفطرة تقول إن الله خلق البشر على أساس الفطرة التوحيدية، ولا يوجد أي عيب أو نقص في أصل خلقتهم، بل إن عيوب وانحرافات الإنسان ذات طابع عارضي. وفقًا لهذا الاعتقاد، فإن الالتزام بمضمون ومفاد روايات الطينة ليس ضروريًا ولا صحيحًا، وبالتالي يجب طرح هذه الروايات جانبًا. وبالطبع، فإن البعض، بدلًا من تضعيف سند الروايات المذكورة، شكك في جهة صدورها، واستنادًا إلى أن مفاد هذه الأخبار يتوافق مع آراء العامة (اعتقاد أهل الحديث والأشاعرة بالجبر) ويتعارض مع روايات موضوع الاختيار والاستطاعة، حملوا هذه الروايات على التقية.

ج) المفكرون الذين، مع قبولهم صدور هذه الأحاديث، تصدوا لتفسير وتحليل هذه الروايات وقاموا بتبيين مضمونها. يعتمد هذا الرأي على قبول روايات الطينة، وقد سعى، بمنهج حديثي أو عرفاني أو فلسفي، إلى تبيين هذه الروايات، وحاول كل منهم بطريقته الإجابة على الإشكالات المطروحة حول أحاديث الطينة، وأهمها الإشكال المتعلق بنفي الاختيار عن الإنسان. وأهم التبيينات المقدمة حول أحاديث الطينة هي كالتالي:

١. أن أخبار الطينة تحكي كنايةً عن مرتبة من مراتب العلم الإلهي؛ بمعنى أنه قد أشير في الأخبار المذكورة فقط إلى علم الله بسعادة وشقاء البشر، ولا يلزم من هذا العلم نفي القدرة والاختيار عن الإنسان.

٢. بما أن مصير البشر المستقبلي معلوم عند الله، فكأنه خلقهم مختلفين وركّب عناصر وجودهم بطرق متباينة. فذات الحق التي جعلت الروح قابلة لكلا جانبي الخير والشر، كانت تعلم مسبقًا من سيختار جانب الخير ومن سيختار جانب الشر؛ لذا، فقد عاملته في الخلق كذلك، فخلق طالب الخير من طينة طاهرة، ولأنه كان يعلم أن طالب الشر، حتى لو كان من طينة طاهرة، سيميل نحو الشرور، فقد خلق طينته من سجين. وبالطبع، لا يُعد علم الله وخلقة البشر من طينتي عليين وسجين علة لصدور أفعال العباد، وبالتالي فإن اختلاف خلقة البشر لا يستلزم الجبر ولا ينفي اختيارهم. ولكن منح البشر طينة جيدة يمكن أن يكون بحد ذاته نوعًا من التكريم للصالحين ونوعًا من التحقير للسيئين. وقد اختار هذه النظرية الملا صالح المازندراني. وقد استعان المرحوم شبر، مع قبوله لهذه النظرية، بهذا الحديث القدسي لتأييد رأيه: “أنا المطلع على قلوب عبادي لا أحيف ولا ألزم أحدًا إلا ما أعرفه منه قبل أن أخلقه”.

٣. بحسب الروايات، فإن الله قد امتحن البشر قبل هذه الدنيا ثلاث مرات وكلفهم بتكاليف. التكليف الأول في عالم الأرواح المجردة عن البدن؛ والتكليف الثاني عند خلقة الطينة وقبل خلق آدم؛ والتكليف الثالث بعد خلق آدم وفي عالم الذر. لذا، فكل من أطاع التكاليف الإلهية في هذه المراحل الثلاث، سيكون مطيعًا لأوامر الله في هذه الدنيا أيضًا، وكل من عصى تلك التكاليف، سيكون في هذه الدنيا من العصاة أيضًا. ويعتقد البعض أيضًا أن الله امتحن أرواح البشر في عالم الذر بالإقرار بربوبيته، فآمن البشر وكفروا بناءً على اختيارهم. في ضوء هذا التفسير، فإن خلقة البشر من طبيعة جيدة أو سيئة هي معلول للإيمان أو الكفر في العوالم السابقة، لا علة له، حتى يكون لازم مثل هذه الأحاديث هو الجبرية ونفي الاختيار.

٤. روايات الطينة تحكي كناية عن اختلاف استعدادات الناس وتفاوت قابلياتهم في قبول الهداية الإلهية. لا شك أن استعداد وقدرة النبي الأكرم ﷺ لا تتساوى مع أبي جهل، ومع ذلك، فإن كل واحد منهما مكلف بالسعي نحو الكمالات الإنسانية بقدر استطاعته، ولا يسقط عبء الواجب والتكليف عن كاهل أي شخص على الإطلاق.

٥. وقد لجأ البعض أيضًا إلى تبيين هذه الروايات بنظرة تأويلية. على سبيل المثال، أشار الفيض الكاشاني، بتقسيمه العوالم إلى ثلاث مراتب: الجبروت والملكوت والملك، إلى تأثير كل من هذه المراتب على خلقة وطبيعة الإنسان وتدخلها فيها. في البداية، يعتبر “عليين” كناية عن أعلى مراتب القرب الإلهي، ويرى لها مراتب. ومن ناحية أخرى، يعتبر “سجين” كناية عن أدنى المراتب وأبعدها عن الله. لذا، فإن نسبة خلقة أرواح وقلوب المؤمنين إلى عليين هي بسبب ميلهم وشدة تعلقهم بمراتب القرب الإلهي العليا ونفورهم من الدنيا. وفي المقابل، تُنسب خلقة قلوب الكفار إلى أدنى المراتب؛ لأنهم يميلون بشدة إلى هذه الدنيا وينفرون من النشأة الآخرة.

العلامة الطباطبائي وأخبار الطينة

بذل العلامة الطباطبائي في آثاره المختلفة جهدًا محمودًا في تبيين وشرح روايات الطينة. فقد بحث في هذا المجال في تفسير الميزان، وتحدث بالتفصيل في آثاره الأخرى مثل “الرسائل التوحيدية” و”تعليقات على الكافي” و”تعليقات على بحار الأنوار”. يمكن بيان آراء العلامة في هذا الموضوع في عدة أقسام:

أ) النقد الحديثي لأحاديث الطينة

انتقد العلامة في تعليقته على “بحار الأنوار” أولئك المحدثين الذين خلطوا بين روايات الباب، وكتب: إن أخبار باب الطينة لا تشتمل على مسألة واحدة؛ بل كل من مسائل الطينة، انتقال الأعمال، بدء الخلق، أخذ الميثاق، والميثاق في عالم الذر هي مسائل متنوعة ترتبط جميعها بالقضاء والإرادة الإلهية الكلية؛ في حين أن الباحثين المختلفين، بمن فيهم المتكلمون والمفسرون، قد خلطوا هذه المباحث بعضها ببعض.

ب) طرح الإشكالات المتعلقة بروايات الطينة

يعتقد العلامة في تعليقته على الكافي أن أخبار الطينة تدل على خلقة السعداء من طينة عليين وطين الجنة، وخلقة الأشقياء من طينة سجين وطين جهنم، وأن سعادة وشقاء كل شخص تكون وفقًا لطينته. ثم يورد إشكالين أساسيين على مضمون هذه الروايات: ١. مخالفتها لظاهر آيات القرآن. ٢. ملازمتها لنفي اختيار الإنسان والجبرية. وبالطبع، فقد سعى العلامة للإجابة على كلا الإشكالين، وتعود إجابته في الواقع إلى نوع تبيينه لهذه الروايات. وفي تفسير الميزان، يطرح عدة إشكالات على كون السعادة والشقاء ذاتيين للإنسان، وهو ما يُستفاد من ظاهر روايات الطينة وبعض الروايات الأخرى: ١. السعادة والشقاء الذاتيان يتنافيان مع المالكية المطلقة لله سبحانه، ويستلزمان تحديد سلطنته، وهو ما يخالفه القرآن والأحاديث والعقل. ٢. مثل هذا الأمر يستلزم اختلال نظام العقل في جميع مباني العقلاء؛ لأن بناء جميع العقلاء قائم على تأثير التعليم والتربية، والجميع متفقون على أن هناك أعمالًا حسنة وممدوحة وأعمالًا قبيحة ومذمومة. ٣. لازم هذا القول هو أن التشريع وإرسال الكتب السماوية، وكذلك إرسال الأنبياء، كلها أمور لغو وعديمة الفائدة، ولن يكون لإتمام الحجة في الذاتيات معنى، كيفما تُصوّر؛ لأنه بناءً على هذا الفرض، يكون انفكاك الذوات عن ذاتياتها محالًا؛ في حين أن القرآن الكريم يخالف هذه اللوازم صراحة في مواضع متعددة.

ج) تصنيف أحاديث الطينة في تفسير الميزان

يقدم العلامة في تفسير الميزان، تحت الآية الشريفة “قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ” (الأعراف: ٢٩)، بحثًا روائيًا مستفيضًا حول روايات السعادة والشقاء والأحاديث الواردة في باب الخلقة الأولى للإنسان. يبدأ أولًا ببيان إشكالات السعادة والشقاء الذاتيين للإنسان، ثم يعتبر جميع الروايات الواردة في باب السعادة والشقاء مشتركة في بيان أن نهاية الخلقة تكون على شاكلة أولها، ويقول: “وإن اختلفت هذه الروايات من حيث المفاد، لكنها مشتركة في إفادة أن آخر الخلقة على شاكلة أولها، وأن عود الإنسان نظير بدء خلقه، وفي بيان أن من اهتدى في الخاتمة فقد اهتدى من البدء، والضال كذلك ضل من البدء، لكن هذه الروايات والآيات ليست في مقام إثبات السعادة والشقاء الذاتيين، وما تثبته للإنسان ليس من قبيل ثبوت الزوجية للأربعة”. ثم يقسم الروايات الواردة في هذا الباب إلى خمس فئات:

١. روايات تدل إجمالًا على أن الله خلق البشر عند خلقتهم نوعين: سعيد وشقي، وكافر ومؤمن؛ كرواية أبي الجارود عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: “خلقهم حين خلقهم مؤمنًا وكافرًا وشقيًا وسعيدًا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتديًا وضالًا”. لا يرى العلامة إشكالًا جديًا في هذه المجموعة من الروايات؛ لأنها أولًا، تتوافق مع آيات من القرآن الكريم، مثل آية “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ” (التغابن: ٢)، وكذلك آية “أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى” (النجم: ٣٢). ثانيًا، سياق الآيات يدل على أن نوع الإنسان إجمالًا قد قُسّم بقضاء إلهي إلى قسمين، لكن تفصيل هذا الإجمال، وتعيين من هم من هذا القسم ومن هم من ذاك، مرتبط بأعمالهم الاختيارية، وهذا يعتمد على أعمالهم؛ لأن الأفعال الاختيارية هي التي تستلزم الهداية أو الضلالة.

٢. روايات تدل تفصيلًا على أن الله سبحانه خلق البشر مختلفين، بعضهم من طين الجنة ومآلهم إلى الجنة، وبعضهم من طين النار ومآلهم إلى النار.

٣. الفئة الثالثة من روايات هذا الباب هي التي ترى أن خلقة الإنسان منشؤها ماء عذب وماء مر مالح، ومنها رواية في كتاب “علل الشرائع” عن الإمام الصادق (ع): “إن الله عز وجل خلق ماءً عذبًا فخلق منه أهل طاعته، وخلق ماءً مالحًا أجاجًا فخلق منه أهل معصيته، ثم أمرهما فامتزجا، فلو لم يفعل ذلك لم يلد مؤمن إلا مؤمنًا ولم يلد كافر إلا كافرًا”. وبالطبع، يعتبر العلامة روايات الفئة الثالثة بمثابة “مفسرة لأخبار الطينة”.

٤. الفئة الرابعة هي الروايات التي ترجع الاختلاف في الخلقة إلى الاختلاف في النور والظلمة، كرواية منقولة عن الإمام الصادق (ع): “إن الله تبارك وتعالى خلقنا من نور، وذلك النور خُلق من نور آخر، وأصله من طينة أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا من ماء وطين خلق به أبداننا، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك. فلهذا السبب تميل قلوب الشيعة إلينا دائمًا؛ لأنها خُلقت من نفس الشيء الذي خُلقنا منه…”. ويرى العلامة أن مآل هذه الفئة من الروايات هو نفس الروايات التي تدل على أن نهاية وجذر الخلقة من طينة عليين وطينة سجين؛ مع فارق أن هذه الروايات أضافت معنى أن الإنسان بعد الخلق يتحول إلى نور أو ظلمة، وربما يكون سبب هذا القول هو أن طينة السعادة سبب لظهور الحق وكشف المعرفة، وطينة الشقاء ملازمة للجهل، والجهل هو الظلمة.

٥. الفئة الخامسة من أخبار هذا الباب هي الروايات التي تدل على انتقال حسنات الأشقياء يوم القيامة إلى صحيفة أعمال السعداء، والعكس، انتقال سيئات السعداء إلى صحيفة أعمال الأشقياء؛ كرواية طويلة منقولة عن الإمام الباقر (ع): “إذا كان يوم القيامة، نقل الله الأوزار والأثقال التي هي من سنخ وجود الناصبي ومن طينته من صحيفة المؤمنين إلى صحيفة الناصبي، ونقل الحسنات والخيرات والأفعال الخيرة التي في صحيفة عمل الناصبي، لكونها من سنخ وجود المؤمن ومن جنس طينته، إلى صحيفة المؤمنين…”. هذا التصنيف يوضح جيدًا أن أحاديث المجموعات من الثانية إلى الرابعة على الأقل هي في مجال الطينة، وهذه الروايات هي نفسها محل الإشكالات التي طرحها العلامة في كتاباته المختلفة. وبعد تفكيك روايات الطينة، قام العلامة بتبيين مضمون هذه الروايات وتصدى للإجابة على إشكالاتها.

د) تحليل العلامة الطباطبائي لعقيدة الطينة والرد على الإشكالات

يمكن بيان رد العلامة الطباطبائي على الإشكالات الواردة على ذاتية السعادة والشقاء للإنسان في عدة مراحل:

١. في البداية، ردًا على إشكال مخالفة أحاديث الطينة للآيات القرآنية، بيّن العلامة الأساس القرآني للروايات المذكورة بذكر آيات مختلفة، ولم يقبل بوجود تعارض بين هذه المجموعة من الآيات وروايات الطينة. يعتقد العلامة أن أحاديث الطينة تدل على أن أجزاء بدن الإنسان من مادة أرضية، وأن هذه المادة الأرضية، مع الاختلاف في أوصافها وخواصها، والتي سُميت من هذا الجانب طينًا بهشتيًا أو جهنميًا، ليست بمعزل عن أحوال الإنسان وأوصافه المختلفة من حيث الصلاح والفساد. والنقطة الأخرى هي أن تركيب بدن الإنسان من مادة أرضية، تمامًا كالنباتات أو أي موجود آخر يتركب من مادة أرضية، يختلف بحسب اختلاف المادة الأرضية فيه. وهو يعتقد أن هذا الجزء من مضمون الأحاديث هو مطلب صحيح تمامًا وخالٍ من الإشكال، بشرط ألا نعتبر ارتباط المواد الأرضية بسعادة الإنسان وشقائه على نحو العلية التامة. إذن، من وجهة نظر العلامة، فإن كيفية تأثير هذه المواد على سعادته وشقائه هي من نوع “الاقتضاء”. في بيانه للتأثير الاقتضائي للمادة الأرضية للإنسان على مصيره، يستعين العلامة بدعم التجربة، ويعتبر التجربة مؤيدة للعلاقة بين الأمزجة والجوانب السيئة للخُلق التي تجذرت في النفس بفعل التكرار في نفس الإنسان، كما يعتبرها شاهدة على تأثير التربية، خاصة التلقين، في تحقق الأخلاق والطباع. من هنا، يتضح أن الخصائص الجسمية ليس لها تأثير قطعي لا يتخلف، بل تُعتبر مجرد استعداد، وإن كانت الأخلاق بعد ذلك تصبح غير قابلة للزوال.

٢. في المرحلة التالية، يسعى العلامة إلى الجمع بين تأثير طينة الإنسان وأعماله الاختيارية على السعادة والشقاء بطريقة ما، ويجيب على إشكال ملازمة أخبار الطينة للجبر باعتبار تأثير الطينة علة ناقصة. ومن خلال تقسيم مراتب عالم الوجود بعد الذات الإلهية إلى ثلاث مراتب هي “عالم العقل” و “عالم المثال” و “عالم المادة”، وقبول “الحركة الجوهرية”، يشرع في توضيح نوع تأثير الطينة على مصير الإنسان. من وجهة نظره، فإن نوع الموجودات التي لها نفس مجردة تتغير بواسطة الحركة الجوهرية وتتحول إلى صورة مجردة خيالية (برزخية)، أو تتجاوز هذه المرتبة أيضًا بالحركة الجوهرية. من هنا، قد تصل كل هذه الأنواع بعد تجردها إلى مرحلة الصور العقلية. من ناحية أخرى، بقبوله قاعدة “النهايات هي الرجوع إلى البدايات”، يعتقد أن آخر نوع تصل إليه الموجودات في سيرها الصعودي وبسبب الحركة الجوهرية، هو نفس الدرجة التي نزلت منها؛ لأن العود مثل البدء، أو هو عينه بوجه من الوجوه. وبناءً على هذه المقدمات، يستنتج أن نفوس البشر تنشأ في البداية بفعل الحركة الجوهرية للبدن، وهذا يحدث عندما يبدأ الخيال نشاطه. في هذه المرحلة، تكون النفس متأثرة بشدة بلون البدن، لكن هذا اللون لا يصل إلى حد لا يقبل الزوال. ومن هذه المرحلة، تبدأ النفس، بفعل عوامل مثل نوع التربية والمعارف والمعتقدات والأحداث التي تقع على صلة بها، في السير في حركة مستمرة، وتتراكم عليها حالات وعقائد مختلفة، حتى ترسخ فيها وتلازمها. وحاصل هذه الحركة والسير هو صورة نفسانية خاصة تميز البشر عن بعضهم البعض، وهذا هو تنوع النفوس. فإذا كانت هذه الصورة صورة سعادة، فإن تلك النفس في البرزخ توضع في طريق السعادة، وإذا كانت صورة شقاوة، تقع في طريق الشقاوة، وإذا كان تجردها برزخيًا، تتوقف عند تلك المرحلة، وإذا كان فوق ذلك، تتجاوز تلك المرحلة. وفي النهاية، يستنتج العلامة من هذه المقدمات أن الشيء في عودته ورجوعه يستقر في نفس المرتبة التي تعيّن فيها في ذاته، وبالتالي فإن كل شيء يعود إلى بدايته.

٣. بهذه الطريقة، يحاول العلامة أن يبيّن بشكل آخر كيف أن كلاً من السجية الأولية للبشر التي هي بداية خلقتهم، وأعمالهم اللاحقة وتعليمهم وتربيتهم على مدار حياتهم، تؤثر على مصير سعادتهم وشقائهم. وبهذه الطريقة، يسعى إلى الجمع بين تأثير الطينة أو المادة الأصلية لبدن الإنسان وأعماله الاختيارية في السعادة والشقاء، ويجيب على إشكال ملازمة أخبار الطينة للجبر باعتبار تأثير الطينة علة ناقصة. ٤. في ختام تبيينه لأحاديث الطينة، يذكر العلامة حلًا آخر، ولكنه أكثر دقة، للإجابة على الإشكالات المضمونية لهذه الروايات. فهو يرى أن تحقق سعادة الإنسان وشقائه رهن بتحقق إدراكه، والإدراك، بما أنه مجرد عن المادة، فإنه بالتأكيد ليس مقيدًا بقيود المادة ولا محكومًا بأحكامها، ومن تلك القيود الزمان ومقدار الحركة. إذن، وإن كان يبدو لنا أن السعادة توجد بعد حركة المادة نحو الفعلية، فإن حقيقة الأمر هي أنه بما أن السعادة، أي الإدراك، مجردة، فهي غير مقيدة بالزمان. فالسعادة التي تحدث بعد حركة المادة هي عينها موجودة قبل الحركة. ويشبه العلامة هذه المسألة بنسبة الأمور الحادثة إلى فعل الله تعالى، حيث إذا قيدنا فعل الله في هذه النسبة بالزمان، فإن هذا التقييد في الحقيقة هو تقييد من وجهة نظرنا؛ لأننا في هذه النسبة التي نقوم بها، ننظر إلى الحادثة نفسها ونأخذ في الاعتبار الزمان والحركة التي أدت إلى حدوثها، وإلا فإن فعل الله تعالى ليس مقيدًا بالزمان. فبما أن سعادة الإنسان وشقاءه هما عن طريق تجرده العلمي، الذي هو مجرد وخارج عن الزمان، يمكن وصفه بالسعادة والشقاء قبل امتداد زمان حياته؛ كما يمكن اعتبار السعادة والشقاء متأخرين عن الأعمال بسبب ارتباط مصير الإنسان بأعماله وحركاته. في تبيينه لأحاديث الفئة الخامسة التي تدل على انتقال حسنات الأشقياء يوم القيامة إلى صحيفة أعمال السعداء وانتقال سيئات السعداء إلى صحيفة أعمال الأشقياء، يعتبر العلامة هذا الحكم حكمًا ملكوتيًا يقع في طول الحكم الظاهري الدنيوي وأحكام الحياة الاجتماعية. نعم، عندما يكون يوم القيامة يوم بروز البواطن وظهور الحق، فإن الأحكام فيه تكون قهرًا ملكوتية؛ أي أن كل حكم يلحق بموضوعه الحقيقي، وكل شيء يعود إلى أصله.

هـ) تبيين رأي العلامة

يسعى العلامة، بجعله عدة أصول فلسفية أساسًا، إلى التبيين العقلي لروايات الطينة. وهذه الأسس هي:

١. النظام الطولي للعالم وتقسيم العالم إلى مراتب ثلاث: وفقًا للتعاليم الفلسفية والحكمة الصدرائية، فإن موجودات عالم الوجود، بعد الذات الأقدس الإلهي وأسمائه وصفاته، لها ثلاث مراتب. وهذه المراتب، بمقتضى البرهان، هي: عالم العقل المجرد، عالم المثال، وعالم المادة. يشير العلامة الطباطبائي في كتاباته إلى هذه النقطة، ويعتبر ترتب كل من هذه العوالم على الآخر من نوع ترتب المعلول على العلة والوجود الناقص على الوجود الكامل. إذن، فإن صورة ما يتحقق في عالم المادة والجسم تُعتبر مطابقة للصور الموجودة في عالم المثال، وكذلك صور عالم المثال تطابق ما في عالم العقل المجرد. من هنا، فإن النظام الموجود في العالم الأدنى يتحقق بشكل متقن في العالم الأعلى، دون أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل؛ لأن تحقق الوجود في العالم الأدنى يحتاج إلى علة في العالم الأعلى.

٢. الفرق بين الاقتضاء والعلة التامة: من وجهة نظر فلاسفة الصدرائية، العلة نوعان: العلة التامة هي التي بوجودها يوجد شيء آخر، وبعدمها يلزم انعدام المعلول. أما ما يتوقف عليه وجود الشيء بمعنى أنه من عدمه يلزم عدم المعلول، ولكن من وجوده لا يلزم وجود المعلول، فيسمى “العلة الناقصة” أو “غير التامة”. ويقبل العلامة أيضًا هذه النقطة ويعتقد أن الأشياء المختلفة ليست متساوية في كيفية تأثيرها على بعضها البعض. فبعض الأشياء تؤثر في معلولها على نحو العلة التامة، وبوجود العلة يوجد المعلول دون تخلف؛ ولكن بعض الأشياء تؤثر على الأشياء الأخرى على نحو المقتضي والعلة الناقصة.

٣. ماهية النفس والحركة الجوهرية في النفس الإنسانية: بناءً على الأسس المبتكرة لملا صدرا، الذي اعتبر الوجود أمرًا تشكيكيًا وقال بالحركة الجوهرية، فإن المادة هي مرتبة ضعيفة من الوجود والصورة هي شدة الوجود. في رأيه، فإن الصور المنطبعة في المادة لها قابلية الاشتداد الوجودي. واتحاد هذه الصور مع المادة يرجع إلى ضعفها الوجودي؛ ولكنها باشتدادها في الوجود تتجرد عنها وتبقى بدونها. وبناءً على هذا الأصل نفسه، بيّن ملا صدرا كون النفس “جسمانية الحدوث وروحانية البقاء”. وبهذه الطريقة، يمكن لوجود الإنسان أن يكون في مرتبة مادية وفي مرتبة أخرى مجردة، وفي نفس الوقت يكون له هوية واحدة. إذن، ليس للنفس مقام ثابت وواحد، ومن المادة إلى العقل وحتى ما هو أسمى، هناك مقامات متصورة للنفس. فالنفس بالحركة الجوهرية تسير من المادية نحو التجرد. في الحقيقة، هو وجود واحد في حالة سيلان وحركة، أحد حدوده الوجودية مقترن بالمادة والجسم؛ ولكن بعد اشتداد الوجود، يُستنبط منه التجرد. بعبارة أخرى، النفس في فلسفة ملا صدرا ليس لها وجود منفصل ومستقل عن البدن حتى تُطرح مسألة ارتباطهما وتحدث المعضلة المعروفة بارتباط المجرد والمادي؛ بل هو من الأساس وجود واحد له مراتب طولية وعرضية. فالبدن هو إحدى مراتب وجود النفس، وبه يتحول ويتكامل، والنفس نفسها لها مقامات متعددة، الحضور في عالم الطبيعة أحدها ومبدأ سفر النفس، والوصول إلى مقام العقل هو أسمى مقام لها. ويعتقد العلامة الطباطبائي أيضًا، تماشيًا مع فلاسفة الصدرائية، بكون النفس الإنسانية جسمانية الحدوث. وبناءً على هذه الفكرة وقبوله للحركة الجوهرية، يرى أن النفس الإنسانية يمكنها أن تجتاز عالم المادة وتصل إلى عالم المثال وبعده عالم العقل المجرد.

٤. كيفية تكامل النفس: من وجهة نظر فلاسفة الحكمة المتعالية، الكمال والسعادة هما الوجود نفسه، والوجودات لها مراتب مختلفة في الكمال والنقص؛ أي كلما كان الوجود أخلص من العدم، كان أكثر كمالًا وسعادة. بالإضافة إلى ذلك، فإن إدراك وشعور الوجود هو أيضًا كمال وسعادة، والوجودات متفاوتة في الإدراك أيضًا. من هنا، فإن تكامل النفس ومراتبها مرتبطان تمامًا بشدتها الوجودية؛ بمعنى أنه كلما كانت النفس وقواها أقوى وأشد من الناحية الوجودية، كانت تتمتع بمرتبة تكاملية أعلى. تؤدي شدة وجود النفس إلى ارتقاء مرتبتها من جانبين: الأول، من حيث أن مرتبة الوجود نفسها تظهر درجة التكامل، والثاني، أنه كلما كانت النفس وقواها ذات وجود أشد، كانت قادرة على إدراك مدركات أصفى، وكلما كانت المدركات أصفى، كانت مرتبة المدرِك، أي النفس، أعلى تكاملًا. لذا، يصرح ملا صدرا بأن كمال وسعادة كل قوة من قوى النفس هو إدراك الأمر الملائم لطبع تلك القوة، وبما أن القوى المختلفة لها مراتب مختلفة بناءً على مدركات متفاوتة، فلها كمالات مختلفة أيضًا؛ بمعنى أنه كلما كانت القوة أشد، كانت مرتبتها التكاملية أعلى. وكما أن وجود القوى العقلية أشرف وأكمل من القوى الشهوانية والغضبية، فإن إدراكاتها أكمل من الإدراكات المحسوسة، وبالتالي يكون وجودها أشد أيضًا. وبناءً على هذه النقطة، يعتقد صدرا أن الصور الإدراكية هي جواهر قائمة بالنفس ومتحدة معها. وهذه الصور الإدراكية مقومة لذات النفس وسبب للتحولات الجوهرية التي تخرج بها النفس من القوة إلى الفعل وتتكامل.

٥. تجرد الإدراك والصور العلمية: يعتقد الصدرائيون أن الصور العلمية، كيفما تُصوّرت ومن أي نوع كانت، مجردة عن المادة وخالية من القوة، ولو كانت مادية لكانت لها خواص المادة مثل قابلية الانقسام والزمانية والمكانية؛ في حين أن العلم بما هو علم، ليس قابلًا للقسمة ولا مقيدًا بالزمان والمكان.

٦. اختصاص الزمان بعالم المادة: لا يعتبر ملا صدرا الزمان أمرًا خارجًا عن الجسم. فالزمان والحركة من العوارض التحليلية للجوهر الجسماني، والفرق بينهما كالفرق بين الجسم الطبيعي والتعليمي. فالحركة هي الهوية الاتصالية وغير القارة للجسم، والزمان هو تعينها المقداري. للطبيعة نوعان من الامتداد والمقدار: أحدهما دفعي ومكاني، قابل للانقسام إلى متقدم ومتأخر مكاني، والآخر مقدار تدريجي وزماني، له انقسام وهمي إلى متقدم ومتأخر زماني. وبهذه الطريقة، يُنظر إلى الزمان في الفلسفة الصدرائية على أنه “البعد الرابع للجوهر الجسماني”. من هنا، يختص الزمان بالأجسام، وبما أن الجسم لا ينفصل عن المادة، فإن الزمان يختص بالمادة والأجسام، وكل ما هو عارٍ عن المادة فليس زمانيًا.

تحليل وتقييم

يمكن القول بجرأة إنه بعد العلامة المجلسي، كان العلامة الطباطبائي مفسرًا باحثًا في الحديث تصدى بشكل جدي وعلمي تمامًا لحل معضلات عقيدة الطينة وتبيينها، وبنظرة أشمل وأكمل من الآخرين. ومع كل هذا، فإن جهود العلامة الطباطبائي تستدعي التأمل من بعض الجوانب:

أ) التحليل قائم على أسس فلسفية لا على مضمون الروايات: كما رأينا، فإن تحليل العلامة الطباطبائي لأحاديث الطينة قائم في معظمه على أسسه الفلسفية وعلى أساس رؤية الحكمة الصدرائية للعالم. بعبارة أخرى، فإن الطرق التي قدمها العلامة لحل مشكلات أحاديث الطينة مقدمة على أساس الحكمة المتعالية، وبدون افتراض أسس الحكمة الصدرائية، لا يمكن استنباط هذه النقاط من روايات الطينة.

ب) نقص الأسس الفلسفية: الكثير من أصول وأسس الحكمة الصدرائية التي بُني عليها تحليل العلامة الطباطبائي قابلة للنقض. ولبعض هذه الأسس الفلسفية منافسون جادون في فكر المدارس الفلسفية الأخرى، فإذا لم يمكن إثبات صحة إحدى هذه النظريات في مقام الحكم، فإن قبول هذه الأسس الفلسفية يكون ترجيحًا بلا مرجح. ومن هذه المسائل يمكن الإشارة إلى تعريف الزمان، والعوامل المؤثرة في تكامل النفس، والحركة الجوهرية. فالزمان من المفاهيم المثيرة للجدل والنقاش في الفلسفة، وقد طُرحت حوله آراء متعددة. كذلك، وُجهت انتقادات متعددة لكيفية تكامل نفس الإنسان بواسطة الإدراك والصور العقلية من وجهة نظر الصدرائيين. وأهم نقطة في هذا المجال هي أن أصل تكامل النفس بسبب الإدراك قد طُرح على أساس أصل “اتحاد العاقل والمعقول”. في حين أنه بناءً على الرواية المشهورة، كان ابن سينا يعارض هذه النظرية ونقد رأي الاتحاد. فقد كان يعتقد أن صور الأشياء تحل في النفس وتزينها، وتكون النفس لتلك الصور بمثابة المكان بواسطة العقل الهيولاني. وكذلك، ينكر الفلاسفة قبل صدرا الحركة الجوهرية ويقبلون بالحركة في الأعراض فقط. من وجهة نظرهم، فإن جميع الجواهر، بما في ذلك النفس، ثابتة ولا يطرأ عليها تغيير. فقط المقولات العرضية، وهي أربع مقولات: الكم والكيف والوضع والأين، هي المتحركة. على هذا الأساس، يكون التغيير في الجواهر على صورة الكون والفساد فقط، وفي مثل هذا التغيير، تزول صورة وتكون صورة أخرى وتحل محلها.

ج) عدم التوافق مع محتوى الروايات: بغض النظر عن أن تحليل العلامة مقدم على أساس مباني الفلسفة الصدرائية وأن بعض هذه المباني محل إشكال من وجهة نظر فلاسفة آخرين، فإن تبيين العلامة لا يتناسب مع مضامين الأحاديث والتعاليم الروائية. وأهم هذه الإشكالات هي كالتالي:

١. فكرة كون النفس الإنسانية “جسمانية الحدوث” وتزامن حدوث النفس والبدن مرفوضة بناءً على النصوص الروائية ومن وجهة نظر قدماء أصحاب الإمامية؛ لأن التواتر المعنوي للأدلة النقلية التي تدل على تقدم حدوث النفس على البدن أمر لا يمكن إنكاره. ومع الأخذ في الاعتبار الإشكالات الموجهة إلى الأدلة العقلية لنظرية عدم تقدم حدوث النفس على البدن، لا يوجد لدينا أي دليل لصرف النظر عن ظواهر الأدلة النقلية الكثيرة.

٢. الإشكال الآخر هو أن العلامة قد ربط أحاديث الطينة بالبدن فقط، واعتبر أن ما يُخلق من الطين هو البدن فقط؛ في حين أن روايات الطينة تتحدث صراحة عن خلقة القلوب والأرواح أيضًا من نوعين من الطين. وبالطبع، فإنه بسبب اعتقاده الخاص المبني على كون النفس “جسمانية الحدوث”، يحصر روايات الطينة في خلقة الأبدان؛ لأنه قبل خلقة البدن، لا وجود لأرواح البشر بشكل متشخص أصلًا.

٣. بناءً على الروايات، فإن جميع البشر قبل الخلقة الدنيوية كانوا في مرحلة من وجودهم يمتلكون روحًا وبدون أي بدن. ويُعبّر عن هذه المرحلة في الروايات بعالم “الأظلة” و “الأرواح”. النقطة المهمة هي أنه وفقًا لصريح بعض الروايات، فإن روح الإنسان لها خلقة مادية أيضًا، حتى رُوي عن الإمام الصادق (ع): “الروح جسم رقيق قد أُلبس قالبًا كثيفًا”. ومن ناحية أخرى، وفقًا لظاهر الآيات والروايات، فإن الإنسان حتى في الآخرة له بدن مادي، وأساس المعاد هو بعث هذا البدن الترابي للإنسان من القبور. على سبيل المثال، عندما سُئل الإمام الصادق (ع) هل يبلى بدن الميت؟ أجاب: “نعم، حتى لا يبقى منه لحم ولا عظم، إلا الطينة التي خُلق منها، فإنها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرة حتى يُخلق منها كما خُلق أول مرة”. إذن، يمكن القول إن الإنسان دائمًا مصحوب بخلقة مادية وجسمانية، وحتى لو اختص الزمان بعالم المادة، فإن مادية خلقة الروح والبدن للإنسان في جميع العوالم تقتضي أن تحدث جميع مراحل كمال الإنسان في إطار الزمان. من هنا، فإن الحل الآخر للعلامة الذي قدم فيه سعادة وشقاء الإنسان رهنًا بتحقق إدراكه، واعتبر الإدراك غير مقيد بقيود المادة كونه مجردًا عنها، ومنها الزمان ومقدار الحركة، هو تبيين غير منسجم مع المضامين القرآنية والروائية.

٤. أحد حلول العلامة في تحليل أحاديث الطينة هو تأثير الطينة على مصير الإنسان على نحو الاقتضاء لا العلية التامة. ولكن مع هذا التحليل، يبقى الإشكال الذي أثاره البعض مثل المرحوم الشعراني على هذه الروايات قائمًا، وهو إشكال المخالفة للعدل الإلهي؛ لأن لازم هذا التبيين هو أن المسافة التي تفصل بين البشر للوصول إلى السعادة والشقاء ليست متساوية، وأن المسافة التي يجب أن يقطعوها متفاوتة قربًا وبعدًا، وهذا الوضع يتعارض مع العدل الإلهي، حتى لو لم يُطرح موضوع الجبر؛ لأن هذا التأثير الاقتضائي للسجية الطيبة والسيئة على عاقبة الإنسان يُعد أيضًا نوعًا من التمييز والترجيح بلا مرجح، وهو على الأقل مخالف لحكمة الفاعل الحكيم.

٥. على الرغم من أن العلامة، بتصنيفه لأحاديث باب الطينة، يجعل تحليل هذا النوع من الروايات أكثر يسرًا، يبدو أن تحليله يفتقر إلى الارتباط المنطقي بين أحاديث الطينة والأحاديث المتعلقة بها، مثل أحاديث الذر والميثاق، وأحاديث الفطرة، وأحاديث المعرفة. بعبارة أخرى، فإن جهود العلامة في تشكيل أسرة حديثية وشبكة معنوية لروايات الطينة ناقصة وأحادية الجانب؛ بحيث يمكن القول إن العلامة في تحليله قد أغفل الأحاديث المرتبطة بأحاديث الطينة. وبالطبع، يبدو أن عدم اهتمام العلامة الطباطبائي بأحاديث عالم الذر والميثاق وكذلك روايات الفطرة كان متعمدًا؛ لأنه يرى أن وقوع الميثاق في عوالم قبل هذه الدنيا، وكذلك تعريف الله وتقديمه للبشر في عالم الذر، فيه إشكال. فهو يعتقد أن إشكالات مثل تقدم حدوث النفس على البدن، وهو أمر مرفوض بناءً على أسس الحكمة الصدرائية، وكذلك عدم إمكانية الحصول على المعرفة التصديقية بربوبية وخالقية الله تعالى في دار غير هذه الدنيا، ترد على المعنى الظاهري لأحاديث الذر. من هنا، يلجأ لتبيين روايات عالم الميثاق إلى تحليل جديد قائم على المراتب الطولية للوجود، ويربط هذا الميثاق بعالم الملكوت.

الخاتمة

يقوم العلامة الطباطبائي، بتصنيفه الأحاديث، بتبيين وتحليل مضمون أحاديث الطينة بدقة، وعلى عكس بعض المفكرين الذين طرحوا هذه الروايات جانبًا بسبب تعارضها الظاهري مع سائر التعاليم الدينية، فإنه يتعامل معها بجدية ويسعى لحل معضلاتها المضمونية بنظرة شاملة. ولكن يجب اعتبار تحليل العلامة الطباطبائي تحليلًا فلسفيًا في معظمه، قُدم على أساس مباني الحكمة الصدرائية. فجزء من معارف وأصول الحكمة المتعالية، مثل كون النفس الإنسانية “جسمانية الحدوث” وتزامن حدوث النفس والبدن، لا ينسجم مع التعاليم الروائية. كما أن لبعض المعارف الفلسفية الأخرى منافسين جادين، فإذا لم يمكن إثبات صحة إحدى هذه النظريات في مقام الحكم، فإن قبولها يكون ترجيحًا بلا مرجح. ومن هذه المسائل يمكن الإشارة إلى تعريف الزمان والعوامل المؤثرة في تكامل النفس. كما أن الحل القائم على التأثير الاقتضائي للطينة في مصير الإنسان، على الرغم من أنه لا يعتمد على مباني الحكمة المتعالية الفلسفية، فإنه لا يُعتبر متوافقًا مع العدل الإلهي ولا يحل المشكلة بالكامل. بناءً على هذه الإشكالات، لا يبدو تحليل العلامة الطباطبائي لمضمون روايات الطينة وحله لإشكالاتها مقبولًا.

المصادر

  • ابن سينا، حسين بن عبد الله (١٤٠٤ ق). الشفاء (الطبيعيات)، تحقيق سعيد أبو زايد، قم: مكتبة آية الله المرعشي.
  • أرشد رياحي، علي (١٣٩١ هـ.ش). “عوامل مؤثر در تكامل نفس انساني از ديدگاه صدرا”، خردنامه صدرا، العدد ٧٠: ٥٥-٦٦.
  • أفضلي، علي (١٣٩٠ هـ.ش). “اقسام بدن انسان و نقش آنها در دنيا، برزخ و قيامت”، علوم حديث، العدد ٥٩ و ٦٠: ١١٠-١٣١.
  • أفضلي، علي (١٣٨٩ هـ.ش). “ماده، زمان و مكان در عوالم پس از مرگ”، پژوهش ديني، العدد ٢١: ٣٣-٧٤.
  • أكبريان، رضا وآخرون (١٣٨٨ هـ.ش). “ملاك تمايز مجرد از مادي در فلسفه افلوطين و ملاصدرا”، متافيزيك، العدد ٣ و ٤: ١-٢٤.
  • البرقي، أحمد بن محمد بن خالد (١٣٧١ هـ.ش). المحاسن، تحقيق السيد جلال الدين الحسيني، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • الحلي، حسن بن سليمان (١٣٧٠ هـ.ش). مختصر بصائر الدرجات، النجف: منشورات المطبعة الحيدرية.
  • شبر، عبد الله (١٣٧١ هـ.ش). مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار، مطبعة الزهراء.
  • صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (١٩٨١ م). الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، الطبعة الثالثة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (١٣٦٠ هـ.ش). الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، تصحيح السيد جلال الدين الآشتياني، الطبعة الثانية، مشهد: المركز الجامعي للنشر.
  • صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (١٣٦٣ هـ.ش). مفاتيح الغيب، تصحيح محمد خواجوي، الطبعة الأولى، طهران: مؤسسة تحقيقات فرهنگي.
  • صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (١٣٤١ هـ.ش). العرشية، طهران: انتشارات مولى.
  • الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي (١٣٨٥ هـ.ش). علل الشرائع، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، النجف: منشورات المكتبة الحيدرية.
  • الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي (١٣٨٩ هـ.ش). التوحيد، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الصفار، محمد بن حسن بن فروخ (١٤٠٤ ق). بصائر الدرجات، الطبعة الثانية، قم: انتشارات كتابخانه آية الله مرعشي.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٤١٧ ق). الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه قم.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٣٨٨ هـ.ش). رسائل توحيدي، بإهتمام السيد هادي خسروشاهي، ترجمة علي شيرواني، قم: مؤسسة بوستان كتاب.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٤٢٨ ق). نهاية الحكمة، تحقيق عباس علي زارعي سبزواري، الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي (١٤٠٣ ق). الاحتجاج على أهل اللجاج، الطبعة الأولى، مشهد: نشر مرتضى.
  • الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد (١٣٧٥ هـ.ش). شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات، قم: نشر البلاغة.
  • العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة (١٤١٥ ق). تفسير نور الثقلين، مصحح: هاشم رسولي محلاتي، قم: اسماعيليان.
  • الفيض الكاشاني، محمد بن شاه مرتضى (١٤٠٦ ق). الوافي، أصفهان: مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
  • الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٢٩ ق). الكافي، تحقيق جمع من الباحثين، الطبعة الأولى، قم: دار الحديث للطباعة والنشر.
  • المازندراني، محمد صالح بن أحمد (١٣٨٢ هـ.ش). شرح الكافي (الأصول والروضة)، تعليقات: أبو الحسن الشعراني، طهران: المكتبة الإسلامية.
  • المجلسي، محمد باقر (١٤٠٤ ق). بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء.
  • المجلسي، محمد باقر (١٤٠٤ ق). مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، مصحح: هاشم رسولي محلاتي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • مطهري، مرتضى (١٣٨٦ هـ.ش). مجموعة آثار، الطبعة الحادية عشرة، طهران: انتشارات صدرا.
  • ملكي ميانجي، محمد باقر (١٤١٥ ق). توحيد الإمامية، تحقيق محمد بياباني اسكويي، طهران: مؤسسة الطباعة والنشر لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
  • منتظري، محمد حسين (١٣٩٤ هـ.ش). “بررسي ادله عقلي و نقلي انديشه تقارن حدوث نفس و بدن از ديدگاه ملاصدرا و انديشمندان نخستين اماميه”، فلسفه دين، العدد ٢٥: ٦٨٧-٧٢٠.
  • نقي زاده، حسن (١٣٨٥ هـ.ش). “اخبار طينت”، مقالات إسلامي، العدد ٧٢: ١٨٣-٢١١.

 

Scroll to Top