الملخص
يسعى هذا المقال إلى تحديد مدى اعتبار وحجية المعايير المستخدمة في تحديد ترتيب نزول القرآن الكريم، من خلال استعراض ونقد الآراء المطروحة في هذا المجال. يتناول المقال بالبحث روايات المكي والمدني، وروايات أسباب النزول، والشواهد التاريخية والسيرة، والدراسة الموضوعية لآيات القرآن الكريم، ومصحف الإمام علي (عليه السلام)، وروايات ترتيب النزول، بالإضافة إلى أصالة واعتبار التفسير الموضوعي حسب ترتيب النزول، مع الإشارة إلى روايات “أول ما نزل” و “آخر ما نزل” وبعض المفاهيم المرتبطة بها، محاولاً بيان مدى اعتبار وشمولية كل منها في مسألة تأريخ القرآن وتحديد ترتيب نزوله. يرى الكاتب أن إمكانية تحديد ترتيب نزول القرآن وكونه توقيفيًا تستند في المقام الأول إلى مصحف الإمام علي (عليه السلام) وروايات ترتيب النزول. ومع افتراض أن المصادر والمعايير الأخرى المذكورة لا تملك قيمة استنادية بمفردها، فإنه، وضمن تقييم نقدي للمؤشرات الأخرى، يعتبر فعاليتها مؤثرة فقط في حال دمجها وتوافقها مع روايات ترتيب النزول. علاوة على ذلك، يعد المقال من خلال تحديد ترتيب نزول القرآن، أن التوصل إلى التفسير حسب ترتيب النزول بالمنهج الموضوعي هو اتجاه فعال وضروري، وإحدى النتائج الجديرة بالاهتمام، وقد سعى إلى بيان التناسب والتوافق بينهما.
مدخل
إن تحديد ترتيب نزول القرآن يعني أن نقوم، بالاستعانة بمصادر مختلفة، بتحديد وتعيين زمان وترتيب نزول كل وحدة من وحدات النزول القرآني، سواء كانت سورة كاملة أم جزءًا منها. تعود الجذور التاريخية والعلامات الأولى لتأريخ القرآن، التي تمثل تحديدًا لترتيب نزوله، إلى صدر الإسلام. فالإشارات القرآنية إلى التاريخ وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، وروايات أسباب النزول، وروايات ترتيب النزول، وروايات المكي والمدني، وروايات الناسخ والمنسوخ وغيرها، هي مصادر حاول العلماء المسلمون المتقدمون على أساسها تقديم صورة عن مسار نزول القرآن وترتيب سوره وآياته (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ١٤٣؛ الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٧؛ معرفت، ١٤١٧ق، ج ١، ص ٢٥٤). وفي هذا السياق، أبدى عدد من الباحثين في الدراسات القرآنية، خاصة من العلماء المعاصرين، تشكيكًا في حجية بعض المصادر المذكورة، واعتبروا أن السبيل الوحيد لتمييز ترتيب القرآن هو تقييمه الموضوعي، ومن ثم مطابقته مع الشواهد التاريخية والسيرة (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٣٧؛ دروزة، ١٣٨١ق، ج ١، ص ١١). وبناءً على ذلك، ترتبط مسألة تحديد ترتيب النزول بأسئلة يمكن طرحها على النحو التالي:
١- ما هو الترتيب الذي كان عليه القرآن في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وعند رحيله؟ في الإجابة على هذا السؤال، يذهب الرأي المشهور إلى أن القرآن الكريم لم يكن على الأقل بترتيبه الحالي، وأن هذا الترتيب ظهر فيما بعد في زمن الصحابة (الزرقاني، بي تا، ج ١، ص ٢٤٠؛ معرفت، ١٤١٧ق، ج ١، ص ١١٤). أما الرأي الآخر فيعتقد أن ترتيب القرآن الحالي قد تم في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأمره وإرشاده شخصيًا (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ٢١١؛ الخوئي، ١٤٠٨ق، ص ٢٢٥؛ آل غازي، ١٣٨٢ق، ج ١، ص ٣٠؛ صبحي صالح، ١٩٧٢، ص ٦٥ و ايازي، ١٣٧٨، ص ١٦٩).
٢- السؤال الآخر هو: هل يمكن، مع التسليم بأن ترتيب القرآن الحالي تم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وبرأي وجمع الصحابة، اعتبار هذا الترتيب توقيفيًا؟ الجواب هو أنه لا توجد ملازمة بين جمع الصحابة وكونه توقيفيًا، إذ إن الجمع بعد النبي لا ينسجم كثيرًا مع كونه توقيفيًا، ولا يمكن طرحه إلا على مستوى احتمال ضعيف.
لهذا السبب، يرى جُلّ علماء القرآن أن ترتيب السور الحالي، وحتى الآيات في بعض الحالات، ليس توقيفيًا نبويًا، بل تم باجتهاد الصحابة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) (الطباطبائي، ١٣٩٤ق، ج ١٢، ص ١٢٧)، مع وجود رأي ثالث يذهب إلى أن الترتيب الحالي اجتهادي تم بتوافق وإجماع المسلمين، وهو موقف وسط بين الرأيين (رشيد رضا، بي تا، ج ١، ص ٣٢). على أي حال، فإن تدوين القرآن الكريم بترتيبه الحالي الذي يبدأ بسورة الحمد وينتهي بسورة الناس، قد تم منذ بداية صدر الإسلام، وقد قبِل الصحابة والائمة المعصومون هذا المصحف الموجود كما هو دون نقص أو زيادة ودون تغيير في ترتيب الآيات والسور، وقدموه للمجتمع الإسلامي، وهذا الأمر أصبح معروفًا كسنة وسيرة قطعية بينهم في أوساط المسلمين.
تعريف المسألة
إن تحديد ترتيب نزول الآيات والسور القرآنية له تاريخ طويل في مباحث علوم القرآن. وفي هذا المجال، يوجد منهجان شائعان: الأول هو الاستناد إلى الروايات، ومنها روايات ترتيب النزول، وروايات أسباب النزول، وروايات المكي والمدني، وغيرها. والثاني هو القرائن الاجتهادية التي تشمل مسألة السياق، والتدبر في مضامين الآيات، والمعايير اللفظية وغيرها، والتي أدى تنوع واختلاف الروايات فيها، وكذلك الدراسات الاجتهادية، إلى تعدد الآراء في هذا المجال. يرى بعض الباحثين في الدراسات القرآنية أنه يمكن إثبات ترتيب نزول القرآن بالاستناد إلى روايات ترتيب النزول وروايات أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ وغيرها (آل غازي، ١٣٨٢ق، ج ١، ص ٧١؛ حبنكة الميداني، ٢٠٠٠، ج ١: ص ٥؛ فارسي، ١٣٦٢، ص ١٤). ويرى آخرون، خاصة من خلال روايات ترتيب النزول وتحليلها سندًا ومتنًا، أن هذا الأمر المهم قابل للتحقيق (الزرقاني، بي تا، ج ١، ص ٨٦؛ دروزة، ١٣٨١ق، ج ١: ص ٨؛ بهجت بور، ١٣٩٠، ج ١: ص ٩١). كما يعتقد البعض أنه يمكن إثبات الترتيب المذكور بالاستفادة من سيرة النبي والقرائن التاريخية (فارسي، ١٣٦٢، ص ٢٨-٣٤؛ دروزة، ١٣٨٤ق، ج ١، ص ١٣٣).
وهناك طرق أخرى مثل التقييم المضموني والمحتوائي لآيات وسور القرآن (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٨٦؛ الجابري، ٢٠٠٨، ج ١، ص ٨؛ بازركان، ١٣٧٤، ص ١٣)، ومعيار القياس الأدبي للآيات، ومعيار القياس الرياضي ومتوسط طول الآيات (بازركان، ١٣٧٤، ص ١٣)، والاستناد إلى مصحف الإمام علي (عليه السلام) (العاملي، ١٤١٠ق، ص ١٥٥؛ آل غازي، ١٣٨٢ق، ج ١، ص ١٧)، وتناسب التفسير الموضوعي مع ترتيب النزول، وكل منها يتطلب النقد والدراسة. السؤال الأساسي لهذا البحث هو: ما مدى اعتبار وحجية المستندات المذكورة؟ هل يمكن تحديد ترتيب النزول استنادًا إليها (سواء كل منها على حدة أو مجتمعة) أم يجب سلوك طريق آخر لتحقيق هذا الهدف؟ يهدف هذا المقال إلى بيان أن تحديد ترتيب النزول، بصرف النظر عن نتائجه، له أدلة ومستندات، وما هو مدى اعتبار كل منها. وبالطبع، بعد تقويم حجية أدلة ترتيب النزول، يمكن مناقشة نتائجه.
أدلة ترتيب النزول
للأدلة والمعايير المستخدمة في تحديد ترتيب النزول دور وإسهام متفاوت في تقويم وترتيب سور وآيات القرآن. ومن خلال طرحها ودراستها، يجب أن نرى ما هي الملاحظات التي يمكن الأخذ بها بشأن هذه المعايير.
١. الروايات المكية والمدنية
تنقسم آيات وسور القرآن الكريم إلى قسمين أساسيين: المكي والمدني، وقد ذُكرت معايير لتمييز كل منهما؛ منها أن الآيات والسور التي نزلت قبل الهجرة هي مكية، والآيات والسور التي نزلت بعد الهجرة هي مدنية. هذا التقسيم هو نوع من التقسيم الطبيعي والشائع، ويُبحث في إطاره موضوعات مثل معايير التمييز بين المكي والمدني، وفوائد وتطبيقات علم المكي والمدني، وتحديد مصاديقهما، وغير ذلك. من معايير التمييز، بالإضافة إلى المعيار المذكور، قيل إن الآيات المكية عمومًا اعتقادية، وتتألف من جمل قصيرة، ولها نثر مسجع، وتحتوي على قصص الأنبياء والحوادث السابقة بشكل أكبر، والآيات التي فيها سجدة هي مكية، وأكثر الحروف المقطعة تقع في بداية السور المكية. وفي المقابل، السور والآيات المدنية لها نثر مرسل، وتخاطب أهل الإيمان، وتحتوي على أحكام الجهاد والمنافقين وما شابه ذلك (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ٤٥؛ معرفت، ١٤١٧ق، ج ٢: ص ١٥٢). ويمكن استخدام السور المكية والمدنية بهذه المعايير في تحديد ترتيب النزول. أما من حيث اتفاق علماء القرآن، فبناءً على الإجماع، هناك ٨٢ سورة من السور المكية و٢٠ سورة من السور المدنية بالاتفاق، والبقية (اثنتا عشرة سورة) مختلف فيها (الطباطبائي، ١٣٩٤ق، ج ١٣، ص ٢٣٣؛ جلالي ناييني، ١٣٦٥، ص ١٥٨).
نقد
١- يبدو أن علم المكي والمدني بالترتيب المذكور، على الرغم من أنه يمهد إلى حد ما أفق ترتيب النزول، إلا أنه لا يفيد إلا في تحديد تقدم المكي على المدني وذكر بعض فوائده، ولا يمكن أن يساعد في تحديد ترتيب النزول بشكل منهجي وفي إطار جدول مرتب، أو حتى أقل من ذلك.
٢- الاختلاف في الاثنتي عشرة سورة المتبقية، التي يُعد معظمها حسب الرأي المشهور من السور المدنية، والاختلافات الأخرى في الرأي (الزركشي، ٢٠٠١، ج ١: ص ٢٤٥؛ السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ٦٨؛ جلالي، ١٣٦٥، ص ١٥٣)، ليس اختلافًا طفيفًا، ومن حيث أهداف تحديد ترتيب النزول، مثل مواجهة التفسير النزولي للقرآن أو تحديد الناسخ والمنسوخ وأمثالهما، فإنه يشكل عقبة كبيرة.
٣- خلافًا للرأي المذكور، فإن الاختلاف في المكي والمدني لا يقتصر على الحالات المذكورة، بل يشمل سور الإنسان والحج وبعض السور الأخرى أيضًا (دروزة، ١٣٨١ق، ج ١، ص ٨؛ الجابري، ٢٠٠٨، ج ١، ص ١٢).
٤- الإشكال الآخر يتعلق بالتقويم الزمني لترتيب آيات السور؛ بمعنى أن إحدى مشكلات ترتيب النزول هي احتمال نقل آيات السور بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه. إن قبول وجهة النظر القائلة بأن السور المكية قد رُكّبت مع بعض الآيات المدنية، مثل سورة الأعراف، والسور المدنية مع بعض الآيات المكية، مثل سورة الحج (الزرقاني، بي تا، ج ١، صص ١٦٤ و ٣٤٦؛ السيوطي، ١٣٦٣، ج ١: ص ١٦٧)، يجعل تحديد الترتيب الزمني لآيات السور يواجه تحديًا جديًا.
بالطبع، هذا الرأي محل نقد أيضًا. فالعلامة الطباطبائي، مستخدمًا آية «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا» (الفرقان: ٣٢)، وعبارة «وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا»، يشير إلى أن تأكيد القرآن على النزول بفواصل زمنية قصيرة كان بهدف منع انقطاع صلة الآيات (الطباطبائي، ١٣٩٤ق، ج ١٥: ص ٢١٢). ولمحمد عابد الجابري رأي مماثل (الجابري، ٢٠٠٨، ج ٣: ص ٦٣). خاصةً أن الشيخ معرفت، ضمن دراسة تفصيلية لنحو خمسين حالة من الآيات التي ادعي فيها النقل والتوقيف النبوي، يصرح: «كانت عادة المسلمين أنه بعد نزول بسملة جديدة، كانوا يعتبرون السورة السابقة قد انتهت. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن بناء القرآن على أن تكون جميع الآيات ذات الموضوع الواحد في سورة معينة، ليكون ذلك دليلاً على وضع وتوقيف الآيات والسور، وأن تبقى آية مكية دون مصير لتُسجَّل في سورة مدنية، أو العكس، فهذا يبدو بعيدًا وغريبًا جدًا، ولو كان الأمر كذلك، لوجب أن تصلنا نصوص خاصة من النبي (صلى الله عليه وآله).» (معرفت، ١٤١٧ق، ج ١، ص ١٦٩-٢٣٧)، ولا يمكن في مسألة بهذه الأهمية الاستناد إلى روايات قليلة وضعيفة (معرفت، ١٤١٧ق، ج ١: ص ١٦٩-٢٣٧؛ العسكري، ١٤٠٨ق، ص ١٩١؛ البلاغي، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ١٨).
٥- الإشكال الآخر هو أن روايات المكي والمدني، ومنها الروايات التي تشير إلى تداخل آيات السور المكية والمدنية، هي روايات ضعيفة (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٨)، ومحتواها مبني على تخمينات وظنون غير راسخة، وفي حالات مثل سورة الإنسان، بُنيت على أغراض سياسية (ادعاء أن سورة الإنسان مكية من قبل معظم مفسري أهل السنة هو ليقال إنها لم تنزل في شأن أهل البيت). الطبرسي في تفسيره يورد ترتيب النزول حتى هذه السورة ليُعلم أنها مدنية، ولكنه للأسف لا يكمل الترتيب المذكور حتى النهاية (الطبرسي، ١٣٧٩، ج ١٠: ص ٤٠٥).
٦- روايات المكي والمدني نفسها مأخوذة من روايات أسباب النزول ولا تعد دليلاً مستقلاً؛ كما أن روايات الناسخ والمنسوخ تعاني من هذا النقص أيضًا. النتيجة هي أنه بافتراض صحة هذه الانتقادات، وأن هناك مبالغة كبيرة فيما يتعلق بالأسلوب المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) في نقل الآيات والسور، فإن قبول الحالات الموثقة التي وضع فيها النبي (صلى الله عليه وآله) آيات من سورة ما بعد اكتمالها في سورة أخرى، يساعد بشكل محدود في تحديد ترتيب النزول، ولكن مع ذلك، فإن علم المكي والمدني لا يولي اهتمامًا مؤثرًا ومباشرًا لترتيب سور القرآن.
٢. روايات أسباب النزول
يرتبط عدد من آيات القرآن الكريم، مثل آيات ١-١٨ من سورة النجم، و١-١٦ من سورة عبس (المتعلقة بكشف وشهود النبي)، والآية ٦٥ من سورة النساء (رفع الخلاف في دعاوي المؤمنين)، والضحى، والانشراح، والقمر (إعجاز النبي)، وغيرها الكثير، بأحداث معينة شكّلت خلفية لروايات أسباب النزول (حجتي، ١٣٨٤، ص ١٨١-١٦٩). يقال إن حوالي ٩٠٠ رواية وردت في أسباب نزول القرآن، تتعلق بـ ٦٠٠ آية من آيات القرآن (حجتي، ١٣٨٤، ص ١٨١-١٦٩؛ الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ٤٥؛ نكونام، ١٣٨٢، ص ١٤٨). على الرغم من أن روايات أسباب النزول تخضع للحكم النقدي، إلا أنها تحتل مكانة رفيعة وخاصة في علوم القرآن، بما في ذلك تحديد ترتيب النزول. وقد استعان عدد من باحثي القرآن المعاصرين مثل آل غازي، ودروزة، وفارسي وغيرهم بها لتحديد تاريخ وترتيب نزول القرآن.
نقد
١- روايات أسباب النزول، وحتى الحالات الموثقة منها، لا يمكن أن تكون مؤثرة في تحديد ترتيب نزول السور والآيات إلا بشكل نسبي؛ لأن هذه الروايات تتعلق بمضمون الآيات، وليس ترتيب النزول هو الاهتمام المباشر لهذه الروايات؛ فضلًا عن أن تكون هذه الروايات قرينة لتعريف زمني للآيات والسور المحيطة بها، وهو ما يدعيه البعض (فارسي، ١٣٦٢، ص ٨؛ آل غازي، ١٣٨٢ق، ج ١: ص ١١؛ دروزة، ١٣٨١ق، ج ١، صص ٣٢ و ١٦٤).
٢- حدثت تغييرات كثيرة مثل الوضع، والتحريف، والنقل بالمعنى، والتطبيقات الخاطئة من قبل الرواة في هذه الروايات، مما أدى إلى خدش اعتبارها ووثاقتها (حجتي، ١٣٨٤، ص ٢٢١؛ الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٨)؛ خاصة وأن هذه الروايات، ككثير من الروايات الأخرى، كانت تُنقل شفويًا، بالإضافة إلى وجود دافع قوي للتحريف في هذه الروايات.
٣- محدودية أخرى لروايات أسباب النزول بالنسبة لتحديد ترتيب النزول، تنبع من أن جزءًا كبيرًا من آيات القرآن، مثل الآيات الاعتقادية، وأخبار الغيب، والقيامة، وجزء من تقارير الأمم السابقة، ليس لها سبب نزول خاص، أو أنها تفتقر بشكل عام إلى سبب نزول (حجتي، ١٣٨٤، ص ٢٢١؛ الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٨).
٣. الشواهد التاريخية والسيرة
يجب الانتباه إلى أن تلك الروايات من السيرة التي تُستخدم في مسألة التأريخ وتحديد ترتيب النزول هي التي طُرحت في أحداث قرآنية مثل البعثة والهجرة والمسائل المتعلقة بها، كإنذار العشيرة، والغزوات، وصلح الحديبية، والعهود، وفتح مكة وغيرها، والتي غالبًا ما تكون هي نفسها روايات أسباب النزول. وقد استفاد بعض الباحثين المعاصرين من هذا المنهج لتحديد ترتيب النزول. من بينهم من استند إلى آيات من القرآن، وجمع كل الموضوعات المتعلقة بحياة النبي بشكل ما، وناقشها بترتيب النزول، وبالطبع فإن مصادره هي الآثار التاريخية والسيرة ومنها روايات أسباب النزول (دروزة، ١٣٨٤ق، ج ١: ص ١٤٣).
نقد
١- من المثير للاهتمام أن دروزة نفسه، قبل كل شيء، اعترف بصعوبة تصنيف السور المكية بالطريقة المذكورة، وفي الخطوة التالية لحل هذه المشكلة، لجأ إلى تحليل مضامين السور، وبأسلوبผสม، ناقش صحة وعدم صحة روايات ترتيب النزول (نفس المصدر).
٢- بالإضافة إلى ذلك، قام في كتابه التفسيري (نفس المصدر، ج ١، ص ١٤-١٦) بتغييرات كثيرة في ترتيب رواية السور، وفي بعض الحالات، حكم روايات أسباب النزول على روايات ترتيب النزول، وبما أنه كان يعتقد أن الآيات المتقدمة في النزول قد وُضعت في السور المتأخرة في النزول والعكس صحيح، لم يتمكن من تقديم نظام طبيعي وتاريخي لنزول القرآن بشكل صحيح ومقبول، مما أدى إلى تفاقم الخلاف في ترتيب النزول.
وقد طرح كاتب آخر ترتيب نزول القرآن من خلال طرح تاريخي وافتراض انسجام الأحداث والسيرة، وطبّق القرآن الكريم على ثلاث مراحل: الثورة، والجهاد، والحكم (فارسي، ١٣٦٢، ص ١٨-٥٨). وعمله أيضًا به إشكال من جانبين. أولًا، أنه في كثير من الحالات، فصل وحدات نزول السور المكية عن بعضها، وفي كثير من الحالات، لم يذكر وحدات النزول وترتيبها، وافترض فواصل زمنية طويلة قد تصل إلى عدة سنوات بين أجزاء السورة الواحدة، على سبيل المثال سور العلق، والمزمل، والقلم، والنجم وغيرها، وهذا العمل يتعارض أساسًا مع روايات ترتيب النزول والأساس الذي اختاره هو نفسه في المقدمة، ويخدش تحديد ترتيب النزول. ثانيًا، أنه غيّر ترتيب بعض السور، ووضع سور الحشر، والمنافقون، والنور قبل سورة الأحزاب، وسور الفاتحة، والنساء، والممتحنة، والفتح، والزلزلة بعدها. كما أورد سور الحج، والنصر، والمجادلة بعد سورة البينة، وهو ما لا يتوافق مع ترتيبه المختار (الترتيب المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام) (نفس المصدر، ج ١، ص ١٨). وبالطبع، لم يقدم أي دليل على الحالات المذكورة، سوى الانسجام المضموني والسياقي المزعوم. وقد عكس كاتب آخر تاريخ صدر الإسلام وعصر النزول على أساس آيات القرآن وبدون الاستناد إلى مصادر أخرى، ونتيجة لذلك، اعتبر معرفة ترتيب نزول السور مهمة ومؤثرة للوصول إلى التاريخ والسيرة والعكس بالعكس (ابن قرناس، ٢٠١٠م، ص ١٩). في نظر هذا القلم، ترد الإشكالات المذكورة على الحالتين السابقتين على هذا الكاتب أيضًا؛ بالإضافة إلى أن الكثير من الاستنادات الذوقية والاستحسانية واضحة في عمله. النتيجة هي أن النقاط المذكورة تظهر أن الشواهد التاريخية والسيرة لا يمكن أن يكون لها تأثير كبير في التأريخ وتحديد ترتيب النزول؛ خاصة وأن كمية وحدات النزول والفواصل الزمنية للوحي وفترة فتور الوحي ليست واضحة تمامًا في السيرة.
٤. مضمون السور والآيات القرآنية
يمكن القيام بنوعين من العمل فيما يتعلق باستخدام القرآن نفسه للهدف المذكور. الأول هو استخدام المؤشرات اللفظية والأدبية في آيات القرآن الكريم؛ مثل الانتقال من أسلوب السجع الموزون إلى أسلوب النثر المرسل، والاتصال اللفظي للآيات، وطول الآيات، ونوع المفردات وتركيبها، وإيقاع الآيات، ومؤشرات مشابهة، بعضها مطروح في علم المكي والمدني وقابل للدراسة النقدية. الثاني هو استخدام المؤشرات المحتوائية لتحديد تقويم نزول القرآن. في هذا المنهج، تكون مضامين السور والآيات هي التي تحدد مسار نزول الآيات؛ بمعنى أن نوع موضوعات الآيات، وسياقها، وتمام أو نقصان مضمونها، وتصريحها أو إشارتها إلى أحداث زمنية، وإجمال أو تفصيل السورة وأهدافها، يمكن أن تكون موضع دراسة. وقد حاول عدد من باحثي القرآن مثل الميداني، ودروزة، والجابري، وبازركان، وبهجت بور، باستخدام منهج تبيين مضمون القرآن، إثبات صحة ترتيب نزول القرآن. وفي هذا السياق، يرى العلامة الطباطبائي، بانتقاده للطرق الأخرى مثل روايات أسباب النزول، أن السبيل الوحيد لتمييز ترتيب سور القرآن هو التدبر في مضامينها وسياقها وتطبيقها على الأوضاع والأحوال قبل الهجرة وبعدها (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٨٥؛ همو، ١٣٩٤ق، ج ١٣، ص ٢٣٥)، وبالطبع لا يصرح بأن هذا العمل يمكن أن يتم بالشكل المطلوب.
نقد وتحليل
١- بخصوص رأي العلامة، على الرغم من أنه من المقبول أن الكثير من روايات الترتيب أو أسباب النزول مرسلة وفيها ضعف وتناقض غير قليل، إلا أن الواقع هو أن تحديد ترتيب النزول بالنسبة لجميع القرآن، وذلك فقط من خلال التدبر في المضامين والسياق، ليس عمليًا على الإطلاق، وهذا العمل أساسًا من حيث كونه عقليًا واجتهاديًا وبالتالي خلافيًا، لا يمكن اعتباره أبدًا طريقًا موثوقًا، إلا إذا استُخدم المعيار المذكور في جزء من آيات القرآن، وذلك بأسلوب تلفيقي مع معايير أخرى.
نظرة سريعة على التفاسير التي كُتبت على أساس المنهج المضموني وترتيب النزول، تظهر أنه لا يمكن اعتبار المعيار المذكور معيارًا موثوقًا في تقويم ترتيب النزول. على سبيل المثال، طبّق الجابري المرحلة الأولى من السور (من العلق إلى قريش) على ثلاثة مفاهيم: النبوة، والربوبية، والألوهية، واعتبر هذه المفاهيم، التي هي أساسًا اعتقادية، المعنى الأصيل لسور هذه المرحلة (الجابري، ٢٠٠٨، ج ١: ص ٢٣-١٢٠). أما الميداني، فبدون تقسيم السور إلى مراحل، استنبط لكل سورة من درس إلى عدة دروس اعتقادية، وأخلاقية، وغيرها (على سبيل المثال، الميداني، ٢٠٠٠، ج ١: ص ١٥-١٤٥، وج ٢: ص ٧ فصاعدًا). وأشار بهجت بور إلى خطوات التطور التي هي عمومًا اعتقادية وأخلاقية، والتي تبدو في قالب يشبه عمل الميداني (بهجت بور، ١٣٩٠، ج ١، ص ١٢٠). ومن البديهي أن هذا النوع من الدراسة الموضوعية لا يساعد كثيرًا في تقويم نزول القرآن.
٢- بازركان أيضًا، في تتبعه للوحي، على الرغم من استخدامه لأساس رياضي وبافتراض أن متوسط طول الآيات يتبع منحنى صاعدًا مع الزمن، واقترح ترتيبًا مختلفًا، إلا أنه في الممارسة العملية، تقدم بمنهج موضوعي وربط مجموعات مختلفة من الآيات وأرقامها (بازركان، ١٣٧٤، صص ٣٨، ٧٧، و ١٠٨). يبدو أن معظم هذا التصنيف للآيات ورسوماته البيانية مبنية على أساس غير موثوق، ولم يتجاوز الاستحسان والظن؛ إذ إنه بنى عمله على جدول يفتقر أساسًا إلى تبرير كافٍ. وهو نفسه يصرح في كثير من الحالات لتبرير المسار المحتوائي وتوافق المطالب مع بعضها البعض، بأن هناك احتمال خطأ في تحديد الترتيب الرياضي للنزول (نفس المصدر، ص ٣٥). دعنا نتجاوز حقيقة أن عمله يسبب نوعًا من الفوضى والتفكك في القرآن وسوره. والأهم من ذلك، أن ترتيبه المقترح يختلف كثيرًا عن ترتيب الروايات، وادعاء بعض الباحثين بوجود توافق كبير بين جدول بازركان المقترح وجدول روايات ترتيب النزول هو ادعاء غير صحيح تمامًا، وينبع من خطأ أو حماس زائد (رهبري، ١٣٨٩، ص ١٨٠).
٣- المشكلة الثالثة هي أن منهج التدبر في مضمون آيات القرآن، على الرغم من أنه يمكن إجمالًا أن يساعد في تحديد كون السور مكية أو مدنية أو معرفة الناسخ والمنسوخ، إلا أنه في الآيات الاعتقادية، وأخبار الغيب، والحوارات مع أهل الكتاب في عدد كبير من السور وحالات مشابهة تشكل جزءًا كبيرًا من القرآن، لا يمكن أن يكون له فائدة كبيرة في ترتيب نزول القرآن. النتيجة هي أن دراسة مضمون القرآن بكلا المنهجين المذكورين هي طريق مليء بالتحديات، يبتعد عن مسألة تأريخ القرآن الكريم وتحديد ترتيب نزوله.
٥. مصحف الإمام علي (عليه السلام)
أحد مستندات تحديد ترتيب النزول هو مصحف الإمام علي (عليه السلام). على الرغم من أن مصاحف الصحابة لم تكن خالصة للقرآن، إلا أن رواة كثيرين من الفريقين نقلوا أن الإمام علي (عليه السلام) كان له مصحف منفصل، جمعه بترتيب النزول (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ٢١٣) ومعه تأويل وروايات تفسيرية من النبي (صلى الله عليه وآله)، وصرح عدد من هؤلاء الرواة بأن الإمام علي (عليه السلام) قد أعد مصحفه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأمر منه (ابن حنبل، ١٣٩١ق، ج ١: صص ٧٩ و ١٠٠-١٠٢؛ الحسكاني، ١٤١١ق، ج ١: ص ٣٨؛ ابن شهر آشوب، بي تا، ج ١: ص ٢٦٦). وفي نقل آخر، أُشير إلى ترتيب السور. يقول ابن النديم: «رأيت هذا المصحف وقد سقطت منه أوراق، وهذا هو ترتيب السور في هذا المصحف…» (ابن النديم، ١٣٤٦، ص ٤١). ولكن بكل أسف، هذا الجزء مفقود الآن وقد أزالته أيادٍ خفية! بالطبع، شهرستاني بزعمه في مقدمة تفسيره، نقلًا عن تاريخ ابن واضح اليعقوبي، يورد الترتيب موضع البحث، والذي يختلف بالطبع عن نقل شهرستاني نفسه عن مقاتل (شهرستاني، ١٣٦٨، ج ١: ص ٦-١١).
أ) الموافقون
ما ورد في الروايات من تعابير مثل «حتى يجمع القرآن» (ابن النديم، ١٣٤٦، ص ٣٠)، «لا أخرج حتى أجمع القرآن»، «ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف» (العياشي، ١٣٨٠ق، ج ٣، ص ٧٠)، وتعابير أخرى كثيرة، تدل على جمعه الثاني بعد النبي (صلى الله عليه وآله). أما عبارات مثل «فألفه كما أنزل الله» (ابن شهر آشوب، بي تا، ج ١، ص ٤١)، «قد جمعه على ترتيب النزول» (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ٧٢)، «أملأه على رسول الله» (ابن شهر آشوب، بي تا، ج ١: ص ٤١)، «ما نزلت على رسول الله آية إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها»، «وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب» (الكليني، ١٣٨٨ق، ج ١، ص ١٧٨؛ الخوئي، ١٤٠٨ق، ص ٢٤٢)، وما شابهها، تدل على أن هذا الأمر المهم تم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وبأمره، بالخصائص المذكورة، ومنها الترتيب حسب النزول وتقديم المنسوخ على الناسخ والمكي على المدني، وكلها تؤيد كون ترتيب النزول توقيفيًا.
ب) رأي المخالفين
مع ذلك، استند المعارضون لكون ترتيب النزول توقيفيًا إلى أدلة مثل وجود روايات معارضة كرواية اليعقوبي (اليعقوبي، ١٣٧٤، ج ٢، ص ١٦)، وكون روايات مصحف الإمام (عليه السلام) آحادًا، وضعف دلالة بعضها. كما فسروا عبارات مثل «كما أنزل الله» و «على تنزيله» وأمثالها ليس بمعنى القالب والشكل، بل بمعنى المحتوى القرآني (مهدوي راد، ١٣٨٢، ص ١٠٣؛ ايازي، ١٣٧٨، ص ١٥٥)، ومنها أنهم فسروا «على تنزيله» بمعنى التفاسير الموحاة من الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، والتي كانت وحيًا غير قرآني (العاملي، ١٤١٠ق، ص ١٦٣).
دراسة ونقد
١- لا يعتد مشاهير علماء القرآن برواية اليعقوبي هذه، ولا بروايته لترتيب النزول (اليعقوبي، ١٣٧٤، ج ١، ص ٣٩٠) التي تخالف كثيرًا الروايات الأخرى، ولا يعتبرون نقله موافقًا لأي رواية أو دراية (راميار، ١٣٦٢، ص ٣٦٨).
٢- عبارات مثل «يخالف فيه التأليف»، «كما أنزل الله»، «على تنزيله» وغيرها، لا تتوافق مع التوجيه القائل بأن جمع الإمام كان مطابقًا للمحتوى الواقعي للآيات؛ لأن العبارات المذكورة ومادة «التنزيل» تشير إلى التدريج في النزول وأمر مرتبط بهيكل وظاهر القرآن، وحملها على التطبيقات والمعاني التنزيلية يخالف التبادر وظاهر هذه العبارات.
٣- تطبيق عبارة «على ما أنزل الله» و «على تنزيله» على الوحي غير القرآني له إشكال من جانب آخر، وهو أن اعتبار جميع الأقوال التفسيرية للنبي وحيًا هو ادعاء بلا دليل، وقبول الوحي غير القرآني في الجملة لا يستلزم أن تكون جميع أقوال النبي وحيًا؛ بالإضافة إلى أن هذا الأمر لا ينسجم مع المقام العلمي للنبي بأن كل ما يقوله يلقى إليه عينًا.
٤- كما أوضحنا في شرح الروايات المتعلقة بمصحف الإمام (عليه السلام)، حيث قسمناها إلى قسمين منفصلين، يمكن من العبارات المستخدمة فهم أن الإمام علي (عليه السلام) قام بجمع القرآن مرتين. الروايات والتقارير المتعلقة بالجمع الأول وفي حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أكثر وضوحًا وتشير إلى الخصائص المذكورة؛ على الرغم من أن روايات الجمع الثاني لا تشير كثيرًا إلى خاصية ترتيب النزول. يجب ملاحظة أن الجمع في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسمى تأليفًا، وفي زمن أبي بكر كان يسمى جمعًا، وبالدقة في العبارات المنقولة يمكن الإذعان لهذا الأمر، وبما أن الكثير من منتقدي مصحف الإمام وحتى مؤيديه لم يميزوا بين هاتين المرحلتين، اعتبروا الروايات متعارضة وغير قابلة للاعتماد (مهدوي راد، ١٣٨٢، ص ١٠٣؛ ايازي، ١٣٧٨، ص ١٥٥). الأصح هو أن جمع الإمام (عليه السلام) على الأقل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان بترتيب النزول؛ أولًا لأن المقصود بالجمع ليس بالضرورة التأليف والكتابة، بل الحفظ والجمع (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١، ص ١٣٤؛ راميار، ١٣٦٢، ص ٢١٢). ثانيًا، المسار الطبيعي للنزول، والمواكبة المستمرة للإمام (عليه السلام) وحفظه للقرآن لحظة بلحظة، كان يقتضي أن يكون جمع وتفسير الإمام يوميًا وبترتيب النزول. ثالثًا، الشواهد اللفظية من الروايات والتاريخ تؤيد ذلك أيضًا. رابعًا، لو كان غير ذلك، لوجب تلقي نصوص خاصة من النبي (صلى الله عليه وآله). في هذه الحالة، إذا كان الترتيب الحالي بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله) وتوقيفيًا، فإن قيام الإمام (عليه السلام) بجمع آخر متزامن وعلى أساس ترتيب النزول (الأول فالأول) سيكون لا داعي له. ولهذا السبب، فإن هذا السؤال موجه إلى علماء مثل آية الله الخوئي الذين، على الرغم من اعتبارهم ترتيب القرآن الحالي توقيفيًا، يعتبرون مصحف الإمام علي (عليه السلام) موافقًا للنزول ويستندون في ذلك إلى رأي أهل الفن (الخوئي، ١٤٠٨ق، ص ٢٨٥)، ولهذا السبب تحديدًا لا يميل علماء القرآن إلى رأي توقيفية القرآن الحالي بسبب ترجيح مستندات مصحف الإمام علي (عليه السلام)، وفي الواقع يرون نوعًا من التعارض بينهما (معرفت، ١٤١٧ق، ج ١، ص ١١٤؛ الطباطبائي، ١٣٩٤ق، ج ٢، ص ١٢٧؛ نكونام، ١٣٨٢، ص ١٧٤). بالإضافة إلى العلماء المذكورين، فإن العديد من علماء القرآن مثل السيوطي (١٣٦٣، ج ١: ص ٦٥)، والشيخ المفيد (١٤١٣ق، ج ٤، ص ٨١)، والطباطبائي (١٣٩٤ق، ج ١٢: ص ١٢٨)، والبلاغي (١٤٢٠ق، ج ١: ص ١٨)، وجعفر مرتضى (١٤١٠ق، ص ١٥٥)، وآل غازي (١٣٨٢ق، ج ١، ص ١٧)، ومعرفت (١٤١٧ق، ج ١، ص ٢٩٢)، وحسن صدر (١٣٥٤، ص ٢٤)، ودروزة (١٣٨١ق، ج ١٢، ص ١) وغيرهم، بعبارات مختلفة ولكن بمضمون واحد، صرحوا بخصائص مصحف الإمام علي (عليه السلام)، ومنها الترتيب حسب النزول، وادعى البعض تواتره (البلاغي، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ١٨؛ الخوئي، ١٤٠٨ق، ص ٢٨٥)، ورواية الكافي (الكليني، ١٣٨٨ق، ج ٢، ص ٤٦٢، ح ٢٣) تدل على هذا المطلب. ولهذا السبب، فإن تبرير بعض الكتاب (ایازي، ١٣٧٨، ص ٨٣) بأن الإمام علي (عليه السلام) بالإضافة إلى القرآن بالترتيب الحالي، قام بتفسير بترتيب النزول، وأن ذلك التفسير قد ضاع، هو كلام لا دليل عليه، وهو نفسه لم يستطع أن يأتي بدليل عليه (مهدوي راد، ١٣٨٢، ص ١٧١). النتيجة هي أنه، مع كل هذا، وبما أن مصحف الإمام علي (عليه السلام) ليس في متناول اليد، لا يمكن عمليًا استخدامه لتحديد ترتيب النزول (كما ورد في نقل ابن النديم). ولكن بشكل عام، لإثبات حقيقة وجود ترتيب النزول وكونه توقيفيًا، يمكن الاستناد إليه. وبالطبع، يمكن اعتبار روايات ترتيب النزول (عطاء عن ابن عباس والإمام الصادق عليه السلام) والمشتركات في مصاحف الصحابة كشواهد ومؤيدات قوية.
٦. روايات ترتيب النزول
هذه الروايات، التي يقدم بعضها نصًا شبه متطابق لترتيب نزول القرآن من سورة العلق إلى التوبة، وبعضها الآخر يحتوي فقط على عدد قليل من السور، تصل إلى أربعة عشر من الصحابة والتابعين، وقد وردت في أكثر من ثلاثين مصدرًا من الكتب المرجعية والقديمة، بعضها بسند وبعضها بدون سند (ابن النديم، ١٣٤٦، ص ٤٢؛ شهرستاني، ١٣٦٨، ج ١، ص ١٢٨؛ اليعقوبي، ١٣٧٤، ج ٢، ص ٣٩٠؛ الطبرسي، ١٣٧٩، ج ١٠: ص ٤٠٦؛ الحسكاني، ١٤١١ق، ج ١، ص ٤١٣). إن أهم عمل للوصول إلى ترتيب معتبر ومتقن هو الجمع الأقصى لجداول وتقارير ترتيب النزول، ودراسة اعتبار أسانيدها، ومقارنة مواضع الاشتراك والاختلاف، ودراستها بالمعايير المذكورة آنفًا، وهو ما يستحق أن يتم في موضعه (حول هذا الموضوع، انظر: راميار، ١٣٦٢؛ ص ٦٦٢، بهجت بور، ١٣٩٠، ج ١: ص ٣٦). ولكن في هذا الموضوع الآن، يجب الإشارة إلى إشكالين، أحدهما يتعلق بالأسانيد والآخر يتعلق بالمتن، والإجابة عليهما.
أ) اعتبار السند
قيل إن روايات ترتيب النزول ضعيفة وغير مسندة (دروزة، ١٣٨١ق، ج ١: ص ٢٠٥؛ الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٧). والجواب هو أنه من المقبول أن روايات ترتيب النزول تختلف فيما بينها ومع روايات أسباب النزول، وفيها عيوب أخرى مثل الإرسال، ووجود المجاهيل، والتعارض في المتن وأمثال ذلك، ومع كل هذا، فإن الروايات المذكورة، لتمتعها ببعض القرائن والشواهد المطمئنة، تبدو معتبرة للأسباب التالية: أولًا: معظم روايات ترتيب النزول نُقلت عن طريق ابن عباس، ومعظم رواتها مرتبطون به. بعضهم مثل عكرمة، وجابر، ومجاهد، والضحاك، ومقاتل كانوا من تلاميذه. على الرغم من أنه قيل إنه من غير المعلوم أن ابن عباس نفسه أخذ الترتيب المذكور من النبي (صلى الله عليه وآله) (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٢٧)، إلا أن ابن عباس نفسه أكد مرارًا أنه تلقى علمه القرآني من غير النبي، من أصحابه مثل أُبي بن كعب، وأكثر من الجميع من الإمام علي (عليه السلام) (ابن سعد، ١٤١٧ق، ج ١: ص ٣٧؛ شهرستاني، ١٣٦٨، ج ١: صص ١٣٣ و ١٣٨). ثانيًا: شهرستاني، الذي أورد روايات ترتيب النزول من رجال الحديث مقاتل وابن عباس وابن واقد والإمام الصادق (عليه السلام)، أصر في مقدمة تفسيره على توثيق رجال الرواية والكتب التي نقل عنها، وخلوها من الضعف (شهرستاني، ١٣٦٨، ج ١، ص ٧). وعلى هذا المنوال، اتخذ البغدادي والزركشي موقفًا مشابهًا في هذا الصدد (الزركشي، ٢٠٠١، ج ١: ص ١٩٣). ثالثًا: الأهم من كل ذلك أن هذا النقل نفسه لعطاء عن ابن عباس، مع اختلافات طفيفة، قد سُجل في المصادر المتقدمة، بما في ذلك “تنزيل القرآن” للزهري (١٢٣ق)، وكتاب “المباني” (٤٢٥ق)، وفهرست ابن النديم (٤٣٨ق)، وفي التفسير القيم “مجمع البيان” (الطبرسي، ١٣٧٩، ج ١٠: ص ٤٠٦)، كما ورد في “الإتقان” (السيوطي، ١٣٦٣، ج ١: صص ٥٠-٥١ و ٢١٩). وكما تكرر نقل الرواية المذكورة في آثار المتأخرين بكثرة، فإنه يدل على أن القدماء والمتأخرين قد اعتمدوا على سندها.
ب) المتن والدلالة
قيل إن روايات ترتيب النزول متعارضة من حيث الدلالة، ولهذا لا يمكن الاستناد إليها في تحديد ترتيب النزول. الجواب هو أن التعارض المطروح في متن روايات ترتيب النزول ليس بالدرجة التي يضخمها المعارضون؛ لأنه باعتبار رواية عطاء عن ابن عباس معيارًا، واختلاف بعض النقولات الأخرى القليل معها، يصل التعارض والاختلاف إلى حد ضئيل جدًا (ملاحظة الترتيب التالي تظهر هذا الأمر). من الطبيعي أنه في الروايات الطويلة من هذا القبيل، بسبب صعوبة العمل، وتسامح الرواة في النقل والاستنساخ، وظهور خلل مثل التصحيف اللفظي، والتقديم والتأخير، أو سقوط سورة أو عدة سور وأمثالها، يظهر اختلاف وتعارض. ولكن بسبب كثرة روايات ترتيب النزول، يمكن بالمقارنة ووضعها جنبًا إلى جنب، الحصول على نصاب من الروايات المتطابقة والمطمئنة، والتي تجتمع كلها في رواية عطاء عن ابن عباس. لا ينبغي أن نغفل حقيقة أن الكثير من الباحثين في الماضي والحاضر سعوا للوصول إلى مثل هذا الرأي حول روايات ترتيب النزول. في هذا الصدد، توصل أحد الباحثين المعاصرين، من خلال تقديم جداول لترتيب النزول ومقارنتها، إلى نتيجة تبدو جديرة بالاهتمام. الأهم من كل ذلك أنه إذا صرفنا النظر عن تقديم وتأخير سورتين في النهاية، وتجاهلنا تقدم رقمي سورة الصف، فإن هذا الترتيب (عطاء عن ابن عباس) هو بالضبط الجدول الذي نقله شهرستاني بدون سند، باسم الترتيب الزمني للسور عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وفي الكتب اللاحقة (بما في ذلك تاريخ قرآن للزنجاني وماتريال آرثر جفري)، مع خطأ في سورة القمر بدلًا من محمد، وسير تحول قرآن ٢، اشتهر باسم مصحف الإمام الصادق (عليه السلام). كل هذا يدل على أهمية هذه الرواية (راميار، ١٣٦٢، ص ٦٦٤). النقطة الأخرى الجديرة بالتأمل هي أنه في جميع الكتب والآثار التي استُخدمت فيها المعايير المذكورة لتحديد ترتيب النزول (باستثناء بازركان)، تم العمل بطريقة تكون فيها روايات ترتيب النزول، خاصة رواية عطاء عن ابن عباس، حاكمة على المعايير الأخرى، وفي الأساليب التلفيقية أيضًا تم ترجيحها. لذلك، بقبول الرأي المحقق (أي نقل عطاء عن ابن عباس) وصرف النظر عن الاختلافات الجزئية في بعض الروايات التي ليس لها تأثير حاسم في كيفية ترتيب النزول، يُفتح الطريق لخطوات لاحقة مثل تفسير ترتيب النزول، والدراسات التاريخية، والسيرة، وغيرها.
٧. روايات أول ما نزل و…
من بين مصادر تحديد ترتيب نزول القرآن، روايات أول ما نزل وآخر ما نزل، وكذلك استنادات الأئمة إلى ترتيب النزول، ووجود حالات استشهاد بآيات من سورة على سورة أخرى من قبلهم. تكشف دراسة هذه الروايات عن حقيقة أنه باستثناء الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ونزول سورة المدثر بعد فترة انقطاع الوحي (بناءً على نقل جابر)، يوجد اختلاف في الرأي في حالات أخرى، بما في ذلك آخر سورة مكية وأول سورة مدنية (انظر: شهرستاني، ١٣٦٨، ج ١، ص ١١). أما كون آخر آية هي آية الكلالة (النساء: ١٧٦)، أو آية «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ» (البقرة: ٢٨١)، أو آية الربا (البقرة: ٢٧٩)، أو آية الدين (البقرة: ٢٧٢) وغيرها، فمن هذا القبيل. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد في الكافي في هذا الشأن إلا رواية واحدة (الكليني، ١٣٨٨ق، ج ٢: ص ٤٦٠، ح ٥). لذلك، لن يكون للروايات المذكورة مكانة كبيرة في تحديد ترتيب النزول؛ كما أن حالات الاستشهاد من آية وسورة إلى آية وسورة أخرى محدودة وليس لها تأثير كبير في تحديد ترتيب النزول. ولكن بالطبع، يمكن تقييم روايات استناد الأئمة (عليهم السلام) إلى ترتيب النزول في إطار نفس روايات ترتيب النزول.
٨. تناسب الفهم الموضوعي للقرآن مع منهج ترتيب النزول
ذكرنا سابقًا أن إثبات ترتيب النزول، على الرغم من نتائجه وتبعاته المهمة، إلا أن المسألة الأساسية في هذا المقال ليست البحث عن تلك النتائج، ولكن من بينها، فإن الاهتمام برؤية ترتيب النزول وأهمية آثاره، يرتبط بشكل طبيعي بمسألة فهم وتفسير القرآن حسب النزول، ويتبادر إلى الذهن. يعتمد منهج الفهم والتفسير الموضوعي حسب نزول القرآن على عدة أسس: أولاً: أن هذا الكتاب السماوي نزل بشكل تدريجي وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا على النبي الكريم، ولهذا السبب، فإنه يمتلك قابلية تحديد زمن نزول كل وحدة من وحدات النزول؛ الوحدات التي، بسبب إشرافها على المناسبات، والأسئلة، والموضوعات المحددة، وضعت الحلول والتوجيهات أمامنا. ثانيًا: يمكن الوصول إلى ترتيب نزول السور والآيات باستخدام طرق معتبرة مثل روايات ترتيب النزول وبمساعدة القرائن الاجتهادية (كما قيل). ثالثًا: إذا قبلنا أن ترتيب نزول القرآن وحياني وتوقيفي، فإن هذا الحدث يتبع حتمًا حِكَمًا وأسبابًا؛ أسباب لا تقتصر بالطبع على الجانب الأدبي أو التلاوة، بل تشمل أيضًا محتوى ونظام المعنى في القرآن. وإلا، فلن تكون هناك علاقة ذات معنى بين النظام الفعلي للقرآن ومعانيه، ولن تترتب حكمة محتوائية كبيرة على المسار الحالي للقرآن، وفي هذه الحالة، يجد المفسر نفسه في مواجهة ترتيب قابل للنقد، وليس ترتيبًا مقدسًا وغير قابل للنقد. إن مواجهة ترتيب النزول للقرآن بمثل هذا الأساس والركيزة، تتجه نحو الشبكة المعنوية لموضوعات القرآن، وللوصول إلى مراحل وعملية تلك الموضوعات، تبحث عن مثل هذه الحكمة. بالنظر إلى ما قيل، للدخول إلى مجال التفسير النزولي، يجب الانتباه إلى تمييز مهم وحاسم، وهو أن تفسير ترتيب النزول يمكن أن يتم بطريقتين: ١- التفسير العام للسور والآيات القرآنية على أساس ترتيب النزول. ٢- التفسير الموضوعي للآيات على أساس ترتيب النزول. ادعاء هذا القلم هو أن التفسير النزولي بكلا الطريقتين، وخاصة الطريقة الأولى، لا يزال في بداية الطريق، ولشفافية وترسيخ مبادئه، يحتاج إلى دراسة ودعائم أقوى، وعلى الرغم من إيمان المؤمنين به، لم يظهر حتى الآن ميزة معتبرة على التفسير التقليدي. يعتقد العلامة الطباطبائي، بسبب اعتقاده بتفسير القرآن بالقرآن، أنه لا فرق بين أن نأخذ أيًا من الترتيبين، المصحفي أو النزولي؛ لأنه يجب فهم القرآن في كل الأحوال بالقرآن نفسه وعرض الآيات على بعضها البعض (الطباطبائي، ١٣٨٥، ص ١٣٣). أما الشيخ معرفت، فعلى الرغم من أنه ظاهريًا لا يرى ميزة لهذا المنهج التفسيري ويعتبره عديم الفائدة، إلا أنه بالنظر إلى الإشكالات التي أوردها، فإن رأيه لا يتعلق بأصل التفسير التنزيلي، بل بآثار أهل السنة والسيد بازركان (معرفت، ١٤٢٥ق، ج ٢، ص ٥٢٠). كما أورد باحثون آخرون انتقادات قليلة أو كثيرة على هذا المنهج (ایازي، ١٣٨٩، ص ١٢٤؛ شاكر، ١٣٨٩، ص ٩٠). ذكر هذه الانتقادات لا يعني قبولها، والآراء المذكورة، بما في ذلك رأي العلامة الطباطبائي، قابلة للخدش، بل المقصود هو أن يتضح أنه فيما يتعلق بمواجهة ترتيب النزول للقرآن، وذلك على نحو التفسير العام للسور والآيات، ومطلوبيته أو فائدته، توجد شكوك جدية. أما الطريقة الثانية في تفسير ترتيب النزول، فهي مسألة دقيقة ومهمة لا يمكن ولا ينبغي تجاوزها ببساطة، لأن أسس وهيكل التفسير الموضوعي مع ترتيب النزول لهما توافق وأساسية أكبر، ويمكن أن يكون لهما إنجازات كثيرة. من بينها، أنه من خلال الدراسة المنهجية للقرآن بترتيب النزول حول موضوع ما، يتم التوصل إلى عملية تظهر من خلالها المراحل التي تم قطعها لترسيخ مقولة ما؛ وهو أمر لا يتحقق بالتفسير الموضوعي بالطرق الشائعة أو بنظرة ترتيب النزول العام. على سبيل المثال، في أسلوب التفسير الموضوعي القائم على النزول، بعد اختيار الموضوع، يتم استخراج الآيات المتعلقة به على أساس نظام النزول، ثم يتم استنباط النقاط المحتوائية. على سبيل المثال، في عملية النزول، يمكننا استخدام مدى تكرار مصطلح ما وتداعياته مع مفاهيم أخرى، والمسار التصاعدي للمفاهيم وأمثالها، في الوصول إلى أهداف ومعاني القرآن الكريم.
توجد قضايا كثيرة في مباحث المعرفة، والكلام، والفقه، والشريعة، والأخلاق، والتربية، يمكن لمفسر القرآن من خلال الاستناد إلى ترتيب نزول الآيات حول كل منها، أن يصل إلى كيفية ومراحل تقويم وتثبيت كل منها، ويضع أمامه نظامًا تربويًا وتعليميًا. يبدو أن أولًا، الإقدام على تفسير ترتيب النزول دون استنطاق القرآن وعرض موضوعات معينة، سواء من خارج نص القرآن أو من داخله، وثانيًا، الوضع المضطرب للتفاسير النزولية الموجودة وعدم وضوح أفقها، قد دفع الكثيرين إلى انتقاد طريقة ترتيب النزول وكليتها واعتبارها عديمة الفائدة، تمامًا كما أن الإقدام على التفسير الموضوعي مع تجاهل ترتيب النزول، بسبب افتقاد النظرة العملية، لا ينسجم مع ذوق وآلية التفسير الموضوعي، وفي النهاية يؤدي إلى نفس نتائج تفسير الترتيب المصحفي. أما فهم ترتيب النزول بالمنهج الموضوعي، فيسعى إلى البحث عن حِكَم وأدلة ترتيب نزول القرآن، ويظهر أصالتها وفعاليتها.
النتيجة
من بين الأدلة والمعايير المذكورة، فإن معيار علم المكي والمدني والناسخ والمنسوخ وروايات أول ما نزل وآخر ما نزل، على الرغم من أن لها فوائد أخرى، إلا أنها للتأريخ وتحديد ترتيب نزول القرآن تتمتع باعتبار وفعالية أقل. روايات أسباب النزول، على الرغم من أنها تمتلك قدرة أكبر مقارنة بالحالتين السابقتين، إلا أن نقص الضعف، وعدم الاعتبار، والمحدودية، وغيرها، تضعف مكانة روايات أسباب النزول وعلاقتها بتحديد ترتيب النزول، ولهذا الغرض، يجب استخدامها بالتركيب مع معايير أخرى. معيار الارتفاع النسبي لمتوسط طول الآيات (بازركان) لا يستند أساسًا إلى برهان علمي، وبسبب عدم التوافق المحتوائي مع الروايات، وفي بعض الحالات مع المعيار نفسه، والاعتماد على الذوق والاستحسان الكثير، فإنه يفتقر إلى الوجاهة التقييمية. بعض المعايير مثل المواجهة الأدبية مع القرآن، وتفسير مضمون الآيات، والسياق، وكذلك مواجهة التفسير النزولي – الموضوعي وغيرها، على الرغم من فعاليتها واعتبارها النسبي، والميزة التي تتمتع بها من حيث الشمول لجميع القرآن، إلا أنها بسبب كونها اجتهادية، لا ينبغي مواجهتها بثقة مفرطة، وفقط بالطريقة التلفيقية يمكن أن تكون لها فعالية محدودة. في هذا السياق، فإن روايات ترتيب النزول بشكل رئيسي، وخاصة رواية عطاء عن ابن عباس ورواية الإمام الصادق (عليه السلام) وابن النديم، التي تمثل نصابًا بين الروايات، تمتلك قابلية أن تُستند إليها كأساس وحاكم على المعايير الأخرى لتحديد ترتيب النزول. وبالطبع، يمكن أيضًا الاستناد إلى مصحف الإمام علي (عليه السلام) لإثبات أصالة وصحة ترتيب النزول وتوقيفيته. على الرغم من أن الوصول إلى هذا المصحف ليس واضحًا، إلا أنه بناءً على قرائن مثل تأكيد ابن عباس على أخذ علمه القرآني من الإمام علي (عليه السلام) وقرابة بعض النقولات مثل نقل شهرستاني عن الإمام الصادق (عليه السلام) ونقل ابن النديم، كلها تجعل تطبيق روايات ترتيب النزول مع ترتيب مصحف الإمام علي (عليه السلام) محتملًا بشكل كبير.
المصادر والمراجع
١. ابن حنبل، أحمد (١٣٩١ق)، المسند، شرح أحمد محمد شاكر، القاهرة: دار المعارف.
٢. ابن سعد، محمد (١٤١٧ق)، الطبقات الكبرى، تحقيق رياض عبد الهادي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣. ابن شهر آشوب، محمد بن علي (بي تا)، مناقب آل أبي طالب، تحقيق هاشم رسولي محلاتي، قم: نشر علامة.
٤. ابن قرناس (٢٠١٠)، أحسن القصص، تاريخ الإسلام كما ورد من المصدر مع ترتيب السور حسب النزول، بيروت: الجمل.
٥. ابن نديم، محمد بن إسحاق (١٣٤٦)، الفهرست، ترجمة رضا تجدد، طهران: نشر چاپخانه بانك بازرگاني.
٦. آل غازي، عبد القادر ملاحويش (١٣٨٢ق)، بيان المعاني على حسب ترتيب النزول، دمشق: مطبعة الترقي.
٧. ايازي، سيد محمد علي (١٣٧٨)، كاووشي در تاريخ جمع قرآن، رشت: كتاب مبين.
٨. __________ (١٣٨٩)، «نقدي بر فوائد تفسير ترتيب نزولي»، پژوهشهای قرآنی، سال شانزدهم، شماره ٦٢-٦٣، ص ١٢٤-١٤٩.
٩. بازركان، مهدي (١٣٧٤)، پا به پای وحي، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي.
١٠. بلاغي، محمد جواد (١٤٢٠ق)، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، قم: بنياد بعثت.
١١. بهجت بور، عبد الكريم (١٣٩٠)، همگام با وحي، تفسير تنزيلي، قم: مؤسسة تمهيد.
١٢. جابري، محمد عابد (٢٠٠٨)، فهم القرآن الكريم، التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، بيروت: دراسات الواحدة العربية.
١٣. جلالي ناييني، محمدرضا (١٣٦٥)، تاريخ جمع قرآن كريم، بي جا: نشر نقره.
١٤. حبنكة الميداني، عبد الرحمن حسن (٢٠٠٠)، معارج التفكر و دقائق التدبر، الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم.
١٥. حجتي، محمد باقر (١٣٨٤)، أسباب النزول، چاپ يازدهم، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي.
١٦. حسكاني، عبيد الله (١٤١١ق)، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق محمد باقر محمودي، طهران: نشر وزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي.
١٧. خوئي، سيد أبو القاسم (١٤٠٨ق)، البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار الزهراء.
١٨. دروزة، محمد عزة (١٣٨٤ق)، سيرة الرسول صور مقتبسة من القرآن الكريم، بي جا: مطبعة عيسى البابي الحلبي و شركاه.
١٩. __________ (١٣٨١ق)، التفسير الحديث، بي جا: دار إحياء الكتب العربية.
٢٠. راميار، محمود (١٣٦٢)، تاريخ قرآن، طهران: انتشارات أمير كبير.
٢١. رشيد، رضا، محمد (بي تا)، تفسير القرآن الكريم (المنار)، چاپ دوم، بيروت: دار الفكر.
٢٢. رهبري، حسن (١٣٨٩)، «جايگاه تفسير به ترتيب نزول در روشهای تفسيري»، پژوهشهای قرآنی، سال شانزدهم، شماره ٦٢-٦٣، ص ١٦٦-١٨٩.
٢٣. زرقاني، محمد عبد العظيم (بي تا)، مناهل العرفان في علوم القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٢٤. زركشي، بدر الدين (٢٠٠١)، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار الفكر.
٢٥. فؤاد سزگين (١٤١٢ق)، تاريخ التراث العربي، تحقيق و ترجمه محمود فهمي حجازي، قم: كتابخانه آية الله مرعشي.
٢٦. سيوطي، جلال الدين (١٣٦٣)، الإتقان في علوم القرآن، تصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، ترجمة مهدي حائري قزويني، طهران: انتشارات أمير كبير.
٢٧. شاكر، محمد كاظم (١٣٩٦)، «نقد و بررسي رویکردهای مختلف تفسير بر اساس ترتيب نزول»، nekoonam.parsiblog.com.
٢٨. __________ (١٣٨٩)، «تفسير بر اساس ترتيب نزول با سه قرائت»، پژوهشهای قرآنی، سال شانزدهم، شماره ٦٢-٦٣، ص ٩٠-١٢٣.
٢٩. شريف، رضي محمد (١٤١٢ق)، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، قم: منشورات دار الهجرة.
٣٠. شهرستاني، محمد بن عبد الكريم (١٣٦٨)، مفاتيح الأسرار و مصابيح الأبرار، طهران: مركز نشر نسخ خطي.
٣١. صبحي، صالح (١٩٧٢)، مباحث في علوم القرآن، الطبعة السابعة، بيروت: دار العلم للملايين.
٣٢. صدر، حسن (١٣٥٤)، الشيعة و پایه گذاری علوم إسلامي، ترجمة محمد مختاري، طهران: نشر كتابخانه بزرگ إسلامي.
٣٣. صدر، محمد باقر (١٤٠٠ق)، المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
٣٤. طباطبائي، سيد محمد حسين (١٣٩٤ق)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٣٥. __________ (١٣٨٥)، قرآن در إسلام، چاپ يازدهم، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعه مدرسين.
٣٦. طبرسي، فضل بن حسن (١٣٧٩ق)، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣٧. عاملي، جعفر مرتضى (١٤١٠ق)، حقائق هامة حول القرآن الكريم، قم: مؤسسة النشر الإسلامي لجامعة المدرسين.
٣٨. عسكري، مرتضى (١٤٠٨ق)، معالم المدرستين، طهران: مؤسسة البعثة.
٣٩. عياشي، محمد بن مسعود (١٣٨٠ق)، تفسير عياشي، طهران: مكتبة العلمية الإسلامية.
٤٠. فارسي، جلال الدين (١٣٦٢)، پيامبري و انقلاب، طهران: مؤسسة انجام كتاب.
٤١. كليني، محمد بن يعقوب (١٣٨٨ق)، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، طهران: منشورات المكتبة الإسلامية.
٤٢. معرفت، محمد هادي (١٤٢٥ق)، التفسير و المفسرون في ثوبه القشيب، مشهد: الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية.
٤٣. __________ (١٤١٧ق)، التمهيد في علوم القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٤٤. مفيد، محمد بن محمد بن نعمان (١٤١٣ق)، مصنفات «أوائل المقالات»، قم: كنگره بزرگداشت شيخ مفيد.
٤٥. مهدوي راد، محمد علي (١٣٨٢)، آفاق تفسير، مقالات و مقولاتي در تفسير پژوهي، طهران: نشر هستي نما.
٤٦. نكونام، جعفر (١٣٨٢)، پژوهشي در مصحف إمام علي (عليه السلام)، رشت: كتاب مبين.
٤٧. يعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (١٣٧٤)، تاريخ يعقوبي، ترجمة محمد إبراهيم آيتي، چاپ هفتم، طهران: شركت انتشارات علمي و فرهنگي.
الهوامش
١. عنوان “تأريخ القرآن” بتحديد ترتيب النزول ليس بالضرورة واحدًا؛ على الرغم من أن تأريخ آيات القرآن يمكن أن يساعد في تحديد ترتيب النزول.
٢. يذكر فؤاد سزكين أسماء الصحابة الذين كان لهم مؤلفات في هذا المجال، وفي بعض الحالات يعرف بمؤلفاتهم (سزكين، ١٤١٢ق، ج ١: ص ٢٧٦).
٣. للاطلاع على الآراء في هذا المجال، انظر: الزركشي، ٢٠٠١م، ج ١، ص ٣٥٤؛ الحسكاني، ١٤١١ق، ج ١، ص ٣٨؛ العاملي، ١٤١٠ق، ص ١٤٣؛ معرفت، ١٤١٧ق، ج ١: صص ١٦٩ و ٢٨٠؛ الطباطبائي، ١٣٩٤ق، ج ١٢، ص ١٢٨-١٣٢؛ البلاغي، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ١٨.
٤. موارد الاختلاف المذكورة هي سور الرعد، الرحمن، الجن، الصف، التغابن، المطففين، القدر، البينة، الزلزال، التوحيد، والمعوذتين (الطباطبائي ٢٤٣/١٣).
٥. الحسكاني والطبرسي، لإثبات كون سورة الإنسان مدنية في شأن نزولها، أي الحسنين والسيدة فاطمة وعلي بن أبي طالب (عليهم السلام)، أوردا من أول القرآن إلى سورة الإنسان، ولم يذكرا البقية.
٦. كتاب “المباني” في كتاب “المقدمتان” تم الإبلاغ عنه بواسطة آرثر جفري.
٧. عنوان “استنطاق القرآن” استعاره الشهيد محمد باقر الصدر من نهج البلاغة، وعلى أساسه، رسم نظريته القويمة في التفسير الموضوعي، وأشار إليه أيضًا باسم التفسير التوحيدي (انظر: الصدر، ١٤٠٠ق، ص ١٢-٣٨؛ معرفت، ١٤١٧ق، ج ٢: ص ١٠٣٥).