المستخلص
من أكثر المسائل إثارة للجدل في الفقه الإسلامي هي مسألة قتل المرتد. بناءً على هذا التعليم، يُقتل المسلم الذي يخرج من دين الإسلام. وفيما يتعلق بتفاصيل هذه العقوبة، يوجد اختلاف كبير بين الفرق الإسلامية. السلفيون، وهم فرقة من أهل الحديث وأهل السنة يتبعون أفكار ابن تيمية الحراني، يُعدون من الفرق الحية والمؤثرة في العالم الإسلامي؛ حيث خلفت نظرتهم الخاصة والمتشددة تجاه المرتد عواقب وخيمة في العالم الإسلامي. في معتقد هذه الفرقة، كل من يرتد؛ إذا لم يتب خلال ثلاثة أيام؛ يُقتل. المستمسك الرئيسي للسلفيين في قتل المرتد هو رواية «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وقد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في مصادر أهل السنة المعتبرة. إذا تمت مواجهة حجية الحديث المذكور بتحدٍ؛ فإن أساس السلفيين في قتل المرتد سيتغير. يتناول البحث الحالي تقويم هذا الحديث بمنهج تحليلي-وثائقي. وفي النهاية، يصل إلى نتيجة مفادها أن هذا الحديث لا تتوفر فيه شروط الاحتجاج لقتل المرتد. أولاً، لأنه يُعتبر من أخبار الآحاد. ثانياً، يوجد في سنده إرسال، انقطاع، تدليس، واضطراب. ثالثاً، يتعارض مضمون الحديث مع الآيات، الروايات، السيرة العملية للنبي (ص)، القواعد الفقهية، والمحكمات الأخرى. من الأهداف الفرعية للبحث، تبيين صحيح والرد على شبهة مفادها أن الإمام علي (ع) قام بقتل بعض المرتدين بحرقهم بطريقة قاسية وصارمة ومخالفة لأمر النبي (ص). يثبت البحث هذه النقطة؛ وهي أن مثل هذه الرواية عن الإمام علي (ع) غير قابلة للاعتماد.
أولاً: طرح المسألة
الردة، بمعنى الخروج عن الدين، هي إحدى التعاليم الفقهية المهمة في الإسلام. من آثار وتبعات الردة، قتل المرتد. ينظر الشيعة والأحناف من أهل السنة نظرة أكثر حكمة إلى موضوع الردة. على سبيل المثال، في الفقه الإمامي، لا تُقتل المرأة المرتدة أبداً. وتنقسم ردة الرجل إلى ملي وفطري. المرتد الملي إذا تاب لا يُقتل. أما قتل المرتد الفطري فهو مشروط بالإظهار والجحود والإنكار المتعمد. كما أنه في حال ثبوت جحود ردة الرجل المرتد الفطري، يكون تنفيذ الحكم كتطبيق للتعزير في يد الحاكم الإسلامي، الذي قد لا ينفذه إذا اقتضت المصلحة ذلك.
أما في رؤية السلفيين، فإن عقوبة المرتد هي القتل. لا يوجد أي فرق بين المرتد الملي أو الفطري، أو المرأة أو الرجل، أو الحر والعبد. قام محمد تركمان في كتابه «الردة في ميزان النقد» بدراسة جميع الآيات القرآنية التي تحتوي على كلمة الردة في تفاسير الفريقين، وخلص إلى أن آيات القرآن لا تصرح بقتل المرتد. بناءً على ذلك، فإن المستمسك الرئيسي لقتل المرتد هو الروايات. ومن أهم هذه الروايات حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (ابن تيمية، 2005م، 7: 482).
إن إثبات أو إضعاف هذا الحديث يعني إثبات أو نفي رؤية السلفيين في قتل المرتد. يتناول البحث الحالي هذا الحديث بالدراسة والتقويم من الناحيتين السندية والمتنية. والجدير بالذكر أن إحدى الطرق الوحشية التي استخدمها تنظيم داعش في قتل مخالفيه هي حرقهم أحياءً. وتتوفر مقاطع فيديو كثيرة لهذا الفعل على الإنترنت. سمع الكاتب في ورشة عمل تدريبية أن المستند الرئيسي لداعش في حرق مخالفيهم هو التمسك بسيرة وسلوك الإمام علي (ع) في حرق المرتدين. وقد وردت رواية حرق قوم الزط على يد الإمام علي (ع) بشكل مجمل في مصادر أهل السنة. وحديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يشير إلى هذه القضية. سيجيب الكاتبان في هذا البحث، بشكل غير مقصود، على هذه الشبهة، وهل حقاً قام الإمام علي بحرق المرتدين؟ سيتضح في هذا البحث عدم موثوقية هذه القضية التاريخية.
الردة، مثل كثير من الأحكام، هي مسألة لها سوابق في الأديان قبل الإسلام. في الديانة اليهودية، في العهد القديم، أشار سفر التثنية إلى مسألة الردة واعتبرها خطيئة كبرى. وفي العهد الجديد، أشارت رسالة العبرانيين إلى موضوع الردة. في إنجيل لوقا، يُشبَّه إيمان بعض الأفراد الذي ينتهي بالردة بالبذار التي سقطت على أرض غير صالحة أو على صخر (أميري، 1392ش، 77-96). إذن، الردة في الإسلام حكم إمضائي وليس تأسيسياً.
ثانياً: دراسة المفاهيم المحورية
1-2. الردة
«الردة» مشتقة من مادة «ردد». في اللغة، تعني الرجوع المطلق من شيء إلى شيء آخر؛ المعنى اللغوي للردة لا يحمل أي دلالة إيجابية أو سلبية. أما في الاصطلاح، فتعني الرجوع من الإسلام إلى الكفر. يقول ابن قدامة، وهو من فقهاء الحنابلة، في تعريف المرتد: المرتد هو الذي يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر.1 (ابن قدامة، 1420هـ، 38: 595).
2-2. السلفية
يقصد الكاتبان بمصطلح السلفيين، التوجه الحديثي والنقلي لأهل السنة الذي عُرف في القرون الأولى باسم أهل الأثر أو العثمانيين، وفي القرون اللاحقة بالمالكية والشافعية والظاهرية، وأكثر شيوعاً بالحنابلة. استمر هذا التوجه مع شخصيات مثل البربهاري، وبلغ ذروة تطوره في القرن السابع على يد ابن تيمية الحراني. قام ابن تيمية بتنظير هذا المفهوم وجعله منهجياً. واعتبر أن المصدر الرئيسي للمعرفة هو توجه ورؤية السلفية، أي معتقدات مسلمي القرون الثلاثة الأولى. وفي القرن الثاني عشر، أعاد محمد بن عبد الوهاب تعريف هذا التوجه بشكل أكثر عملية وأطلق عليه اسم الوهابية. اليوم، يتركز الفكر الوهابي بتوجهاته العملية مثل داعش وطالبان والقاعدة بشكل أكبر في دول شبه الجزيرة العربية. الألباني، بن باز، العثيمين، والراجحي هم من علماء هذا الخطاب المعاصرين. إذن، ما نقصده بخطاب السلفية هو التوجه الحديثي لأهل السنة مع التركيز على الفقه الحنبلي؛ الذي يقف في مقابل التوجه القياسي لأهل السنة (الحنفية). كما أن فتاوى ابن تيمية تحظى باهتمام كبير بين علماء الحنابلة.
ثالثاً: مضمون الحديث
آيات القرآن لا تظهر أو تصرح بقتل المرتد. لذا، فإن من أبرز وأشهر استدلالات السلفيين لقتل المرتد هو التمسك بالروايات النبوية. من أشهر هذه الروايات وأكثرها شيوعًا حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».2 بناءً على رواية البخاري، أُتي بجماعة من الزنادقة إلى الإمام علي (ع). دعاهم الإمام أولاً إلى التوبة، لكنهم امتنعوا عن قبولها. فلما رأى الإمام إصرارهم على عدم التوبة، أمر بحرقهم وقتلهم بالنار. عندما نُقل خبر هذا الفعل إلى ابن عباس، اعترض قائلاً: لو كنت أنا لقتلتهم ولكن ليس بالنار، لأن رسول الله (ص) رغم أنه قال: من غير دينه يقتل؛ إلا أنه نهى عن القتل بالنار (البخاري، 1987م، 6: 2537؛ ابن تيمية، 2005م، 35: 185). بناءً على هذا الحديث النبوي، يُقتل كل من يرتد، سواء كان رجلاً أو امرأة. وقد ورد الحديث المذكور في مصادر متعددة من مصادر أهل السنة الأولية.3
1-3. استدلال السلفيين بالحديث
يستند ابن تيمية في وجوب قتل المرتد مرارًا وتكرارًا إلى هذا الحديث (ابن تيمية، 2005م، 7: 482، 13: 33، 18: 274، 35: 185). ويعتبر قتل المرتد، استنادًا إلى هذا الحديث، مذهب أكثر الفقهاء (نفس المصدر، 13: 34)، وسببًا ثابتًا ونصًا صريحًا في قتل المرتد (نفس المصدر، 18: 274). وفي مسألة عدم قبول توبة من يسب النبي (ص)، يستند إلى عموم حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (نفس المصدر، 1417هـ، 320). يصرح ابن تيمية بأن دليل قتل المرتد هو هذا الحديث نفسه (ابن تيمية، بلا تاريخ، 1: 88). وفي فتوى ابن باز، يُعتبر الذين يتوسلون ويستغيثون بالأولياء مرتدين ويجب قتلهم إذا لم يتوبوا. ومستند ابن باز هو حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (ابن باز، بلا تاريخ، 107). ويعتبر فقهاء الحنابلة وجوب قتل المرتد إجماعًا ومستندًا إلى هذا الحديث (ابن قدامة، 1405هـ، 7: 504، 10: 72).
رابعاً: تقويم سند الحديث ورجاله
نُقل حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» بستة أسانيد عن طريق ابن عباس، الحسن البصري، معاذ بن جبل، أبي هريرة، ابن عمر، وعائشة. كما وردت ثلاثة أحاديث بنفس المعنى عن طريق عصمة بن مالك، زيد بن أسلم، ومعاذ بن جبل، وباحتساب تعدد طرق ابن عباس ومعاذ وأبي هريرة يصبح المجموع أحد عشر طريقًا. فيما يلي، سيتم دراسة وتقويم هذه الطرق الأحد عشر.
1-4. طريق عكرمة عن ابن عباس
أشهر وأكثر طرق الحديث ورودًا هو طريق ابن عباس. وقد نُقل هذا الطريق بواسطة شخصين هما عكرمة وأنس بن مالك عن ابن عباس. بدايةً، ندرس طريق عكرمة عن ابن عباس، ثم ننتقل إلى طريق أنس عن ابن عباس. أما مدار الرواية التي نقلها عكرمة، فيدور حول أيوب بن أبي تميمة. اشتهر الحديث عن طريق أيوب في الطبقات التالية (التابعين). وبتعبير آخر، ورد هذا الطريق عن طريق عشرة رواة عن أيوب بن أبي تميمة. هؤلاء العشرة هم: 1. حماد بن زيد؛ 2. سفيان بن عيينة؛ 3. عبد الوارث بن سعيد؛ 4. وهيب بن خالد؛ 5. معمر بن راشد؛ 6. سعيد بن إياس الجريري؛ 7. سعيد بن أبي عروبة؛ 8. عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي؛ 9. جرير بن حازم؛ 10. إسماعيل بن إبراهيم بن علية.
تحليل: إن رواية هؤلاء العشرة عن أيوب في الطبقة الثالثة لا تخرج الحديث عن كونه خبر آحاد في الطبقة الأولى. فلو تحقق التواتر أو الشهرة أو الاستفاضة في الحديث بعد عصر الصحابة الذين هم رواة الحديث، فإن ذلك لن يؤدي إلى اتصاف الحديث بهذه الصفات ورفع درجته.
طريق حماد بن زيد ورد في 1- صحيح البخاري، 2- مسند أحمد، 3- سنن البيهقي، 4- صحيح ابن حبان، 5- مسند أبي يعلى، 6- الرد على الجهمية للدارمي، 7- سنن الدارقطني.
طريق سفيان بن عيينة ورد في 1- صحيح البخاري، 2- سنن ابن ماجه، 3- مسند أبي يعلى، 4- مصنف ابن أبي شيبة، 5- شرح السنة للبغوي، 6- سنن البيهقي، 7- التمهيد لابن عبد البر.
طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية ورد في 1- سنن أبي داود، 2- مسند أحمد، 3- التمهيد لابن عبد البر.
طريق معمر بن راشد ورد في 1- مصنف عبد الرزاق، 2- سنن النسائي، 3- صحيح ابن حبان.
طريق وهيب بن خالد ورد في 1- مسند أحمد، 2- سنن النسائي.
طريق عبد الوارث بن سعيد ورد في سنن النسائي.
طريق سعيد بن إياس الجريري ورد في شرح السنة للبغوي.
طريق سعيد بن أبي عروبة ورد في سنن الدارقطني.
طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ورد في سنن الترمذي.
يحتل طريق سفيان بن عيينة وحماد بن زيد المرتبة الأولى، حيث ورد كل منهما في سبعة كتب. وقد ورد كلا الطريقين في صحيح البخاري أيضًا، لذا فهما أفضل الطرق من الناحية الكمية والكيفية.
ويحتل طريق إسماعيل بن إبراهيم ومعمر بن راشد المرتبة الثانية، حيث ورد كل منهما في ثلاثة كتب. أما طريق وهيب فيحتل المرتبة الثالثة بوروده في كتابين، وبقية الرواة ورد حديث كل منهم في مصدر حديثي واحد.
1-1-4. تقويم طريق عكرمة عن ابن عباس
طريق عكرمة عن ابن عباس هو الأكثر تواترًا في كتب الحديث المعتبرة لدى أهل السنة، بما في ذلك صحيح البخاري. لذلك، فإن إثبات أو تضعيف هذا الطريق يُعد بمثابة تضعيف أو إثبات لأصل الرواية. ولهذا الطريق دور وتأثير بارز في الجرح والتعديل وصحة الحديث وسقمه. كان عكرمة مولى ابن عباس، وكان ينقل الحديث عنه. لعكرمة وأيوب بن أبي تميمة دور محوري وأساسي في هذا الطريق. فتضعيف أي منهما بمنزلة إبطال هذا الطريق. نظرة عامة على كتب الحديث والرجال والتراجم لدى أهل السنة تظهر أنه على الرغم من أن البعض وصف عكرمة ووثقه، فإن آخرين ضعفوه وجرحوه. هذا التضعيف جعل قبول أحاديث عكرمة يواجه بالشك. فيما يلي نشير إلى بعض عناصر تجريح عكرمة.
1-1-1-4. تهمة الخارجية المنسوبة إلى عكرمة
نسبت بعض المصادر عكرمة إلى فرقة الخوارج. قال جد يعقوب الحضرمي: كان عكرمة إباضيًا وخارجيًا، لأنه كان يقف أمام باب المسجد ويقول: لا يوجد فيه إلا كافر. وقد اعتبروا عكرمة مؤسس خوارج المغرب ومصر (الذهبي، 1383هـ، 3: 93-97). في بعض الروايات، بالإضافة إلى كونه من الخوارج، يُعتبر مؤسسًا لبعض فرق الخوارج. اعتبر ابن المديني عكرمة مؤسس فرقة النجدات والحرورية، وعطاء بن أبي رباح اعتبره مؤسس فرقة الإباضية، وأحمد بن حنبل نسبه إلى فرقة الصفرية من الخوارج (نفسه: 93-97). يعتبر خالد الحذاء عكرمة مؤسس فرقة صفرية خوارج إفريقيا (ابن عدي، 1418هـ، 6: 477-469). واعتبر ياقوت الحموي ميل عكرمة إلى آراء الخوارج وكونه داعية لفرقة الخروبية (1993م، 4: 1628). يقول أبو الأسود: سألني عكرمة عن أهل المغرب. أخبرته عن غفلة أهل المغرب. لذلك، تحرك عكرمة نحو المغرب. وكان أول من نشر آراء الصفرية في المغرب (نفسه: 469-477).
تحليل: في رأي الكاتبين، كما يظهر من خبر أبي الأسود، عندما سمع عكرمة أن أهل المغرب أناس بسطاء وغير واعين، وجدها بيئة مناسبة لنشر معتقداته الخوارجية ومعاداته للإمام علي (ع). بهجرته إلى هناك، أصبح مؤسس فرقة الصفرية. نظرًا لأن أهل المدينة كانوا أهل علم وحديث، وعلى دراية بسيرة وسنة رسول الله (ص)، ومحبين ومدركين لمقام أهل البيت (ع)؛ يبدو أن أشخاصًا مثل عكرمة لم تكن لديهم القدرة والتأثير في مثل هذه البيئة. لذا، كان من الأفضل لأمثال عكرمة أن يتركوا هذه البيئة ويختاروا بيئات بعيدة عن العلم والمعرفة والحديث، وأهلها غير واعين. إذا ثبت ميل عكرمة إلى الخوارج أو احتمل، فإن صدور مثل هذه الرواية منه يصبح محل شك، لأن الخوارج كانوا من قتلة الإمام علي (ع). كانوا يسبونه ويلعنونه باستمرار، وكانوا دائمًا في حالة تخريب وتضعيف لشخصيته. سبب صدور حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» واعتراض ابن عباس ومعارضته هو نوع من تضعيف شخصية الإمام ومخالفة الإمام لسيرة وسنة وكلام رسول الله (ص) والصحابة. بناءً على هذا الحديث، أخطأ الإمام علي (ع) وتصرف خلافًا لكلام رسول الله (ص). هذا الحديث يصور صورة قاسية وعديمة الرحمة للإمام علي (ع). من ناحية أخرى، نعلم أن الإمام علي (ع) هو الوحيد الذي واجه الخوارج بأشد المواجهات. لقد قضى عليهم وقتل عددًا منهم. لذا، كان الخوارج دائمًا يحملون البغض والكراهية للإمام علي (ع) في قلوبهم ويكفرونه. نتيجة لذلك، إذا ثبت ميل عكرمة إلى آراء الخوارج، فإن صدور مثل هذه الرواية من عكرمة يصبح مبررًا. هذا القول يأتي في حين أن عكرمة، في مصادر رجالية متعددة ومعتبرة لأهل السنة، لم يكن فقط ميالًا لفرقة الخوارج، بل اعتُبر مؤسسًا لبعض فرق الخوارج.
2-1-1-4. اجتناب وكراهية التابعين والمحدثين المشهورين لعكرمة
كان بعض التابعين والمحدثين المشهورين من أهل السنة، مثل ابن سيرين ومسلم ومالك، يتجنبون عكرمة ويكرهونه. في تضعيف عكرمة، يكفي أن أمثال مالك ومسلم لم يرووا عنه في أعمالهم المعتبرة (صحيح مسلم وموطأ مالك) (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97؛ ابن عدي، 1418هـ، 469-477؛ العلواني، 1392هـ، 146-160). وقد وردت كراهية مالك لعكرمة مرارًا. كان مالك يكره الرواة الذين ينقلون الحديث عن عكرمة. على سبيل المثال، كان مالك يكره داود بن الحصين لأنه كان ينقل الحديث عن عكرمة (ابن عدي، 1997م، 469-477). عندما سُئل أبو أيوب عن اتهام عكرمة، صمت لفترة ثم قال: ولكني لا أتهمه. هذه العبارة من أبي أيوب وصمته تُعتبر عرفًا نوعًا من الاتهام (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97).
3-1-1-4. كون عكرمة كذابًا
إحدى أشهر الصفات التي نُسبت إلى عكرمة في مصادر الرجال عند أهل السنة هي كونه كذابًا (الذهبي، 1963م، 37-97). في علم الرجال، «الكذاب» من أهم ألفاظ الجرح. إذا اتصف راوٍ بهذه الصفة، خرجت روايته من حيز الانتفاع. وقد وصف الكثيرون عكرمة بأنه كذاب. على سبيل المثال، مجاهد وابن سيرين ومالك ويحيى بن سعيد وابن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير، صرحوا بأن عكرمة كذاب (ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477).
قال ابن سيرين عن عكرمة: لست حزينًا على أن يكون عكرمة من أهل الجنة، ولكنه كذاب. يقول القاسم: كان عكرمة يقول شيئًا في الصباح وينقضه في المساء. كان يكذب على ابن عباس. من مظاهر كذبه، الكذب على ابن عباس. كان علي بن عبد الله بن عباس (ابن ابن عباس) يعاقبه بربطه عند باب المرحاض. وعندما كانوا يعترضون عليه، كان يقول: هذا الخبيث (عكرمة) يكذب على أبي. وقد ورد الكذب على ابن عباس من قبل عكرمة كثيرًا. أصبحت شخصية عكرمة وكذبه على مولاه في عصره مضرب مثل لتأديب وتربية الغلمان الآخرين. على سبيل المثال، كان علي بن المسيب وابن عمر يقولان لغلمانهما: لا تكذبوا على أربابكم كما يكذب عكرمة. كان سعيد بن المسيب يتجنبه ويحذر الآخرين منه. كان يقول: غلام ابن عباس لا يكف عن الكذب إلا إذا ربط حبلًا في عنقه وطافوا به في المدينة. كان سعيد بن المسيب يقول لغلامه في كثير من الأحيان: لا تكذب عني كما يكذب عكرمة عن ابن عباس (الذهبي، 1382هـ، 93-97؛ ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477؛ ياقوت الحموي، 1414هـ، 4: 1628؛ العلواني، 1392هـ، 146-160).
4-1-1-4. فتاوى عكرمة الشاذة
إن صدور الروايات الشاذة والنادرة والمخالفة لإجماع المسلمين دليل وقرينة على تضعيف وتجريح راوٍ. بناءً على تقارير المصادر، كان عكرمة يصدر فتاوى نادرة. من معتقدات عكرمة أن نزول الآيات المتشابهة في القرآن كان لإضلال الناس (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97). قال شخص لعكرمة: فلان يسبني في المنام. فأجاب عكرمة: اجلد ظله ثمانين جلدة. من فتاوى عكرمة الشاذة الأخرى، كراهة الصوم لمن احتجم (ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477). ونقل عكرمة عن ابن عباس أن عدم التسمية عند الذبح لا إشكال فيه وأن المذبوح حلال (نفس المصدر). وقال عكرمة: لا حاجة لحفظ البول والغائط أثناء الصلاة (نفس المصدر).
5-1-1-4. قلة تقوى عكرمة ومخالفته لرواية الحديث
في مصادر الرجال، يُنسب إلى عكرمة قلة التقوى. قال طاوس: لو أن غلام ابن عباس اتقى الله وتوقف عن رواية الحديث، لانشقت له الجبال (الذهبي، 1963م، 3: 93-97؛ ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477).
6-1-1-4. تجريح عكرمة وعدم كونه ثقة
على الرغم من أن بعض المتقدمين احتجوا بحديث عكرمة، إلا أن بعض المتأخرين أخرجوا أحاديثه من دائرة الأحاديث الصحيحة (ياقوت الحموي، 1414هـ، 4: 1628). على سبيل المثال، كان ابن أبي ذئب يعتبر عكرمة غير جدير بالثقة. لم يكن محمد بن سعد يحتج بحديث عكرمة وكان يقول: يقال في عكرمة أقوال (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97). كان بكر بن عبد الله يتعجب ويضحك من جلوس أهل البصرة عند حديث عكرمة. ويقول: أنا حاضر لأحضر خمسين شاهدًا من شيوخ المهاجرين والأنصار يشهدون بإنكار عكرمة (ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477). يقول ابن الصلاح: روى البخاري عن جماعة جرحهم من هم قبل البخاري، ومنهم عكرمة. قال سعيد بن جبير: تنقلون أحاديث عن عكرمة لو كنت عنده لما نطقت بها أبدًا (العلواني، 1392هـ، 146-160). يكتب الذهبي: كان عكرمة يتكلم من عند نفسه وليس لحفظه للأحاديث (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97). يقول قتادة: لم أحفظ عن عكرمة سوى بيت شعر واحد (ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477).
7-1-1-4. كون عكرمة من أهل الفسق والفجور
ذكرت المصادر الرجالية صفات لعكرمة لا يُتوقع صدورها من مسلم عادي، فما بالك بتابعي رفيع المستوى منسوب لابن عباس. وجود إحدى هذه الصفات كافٍ لمواجهة عدالة الشخص بتحدٍ. على سبيل المثال، لم يكن عكرمة يؤدي الصلاة بشكل صحيح وجيد. كان عكرمة مقامرًا. وكان مولعًا بسماع الموسيقى المحرمة والغناء (الذهبي، 1963م، 3: 93-97؛ ياقوت الحموي، 1414هـ، 4: 1628). الاستماع إلى الموسيقى المحرمة يتنافى مع عدالة التابعي. العدالة من شروط وصفات قبول رواية الراوي. ذات مرة، قال صلة بن دينار لمحمد بن سيرين: آذانا عكرمة، نسمع منه أشياء نكره قولها. رد محمد بن سيرين على كلام صلة بلعن عكرمة وقال: اللهم أمته، وأرحنا منه (ابن عدي، 1418هـ، 6: 459-477).
تحليل: السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أي شخصية كان عكرمة حتى يلعنه أمثال محمد بن سيرين ويتمنون موته؟ لماذا يرى محمد بن سيرين موت عكرمة نوعًا من الراحة والطمأنينة؟ هل أصلًا تمني الموت، ليس لتابعي معروف، بل لإنسان مسلم عادي، صحيح؟ كيف كان عكرمة يعامل من هم دونه حتى لم يستطع صلة بن دينار أن ينقل كلامه أو بالأحرى شتائمه الفاحشة للشكوى؟
8-1-1-4. عدم مشاركة الناس في تشييع جنازة عكرمة
حسب تقارير المصادر، كان عكرمة مكروهًا وربما مبغوضًا بين الناس. لم يكن هناك فرق بينه حيًا أو ميتًا بالنسبة للناس. على سبيل المثال، على الرغم من أن عكرمة وكثيرًا توفيا في نفس اليوم وفي نفس الحي، إلا أن الناس تركوا جنازة عكرمة وشاركوا في تشييع جنازة كثير مشاركة مهيبة (الذهبي، 1382هـ، 3: 93-97؛ ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477). عزت بعض المصادر سبب ترك الناس تشييع جنازة عكرمة إلى ميله للخوارج (ياقوت الحموي، 1414هـ، 4: 1628).
تحليل: في جميع المذاهب الإسلامية، تغسيل وتكفين ودفن المسلم، على الرغم من ذنوبه وفسقه وظلمه، واجب عيني على الجميع. تشييع جنازة المسلم مستحب مؤكد وله آثار تربوية كثيرة. من ناحية أخرى، كان أهل المدينة النبوية أناسًا مؤمنين وعارفين بأقوال وتوصيات رسول الله (ص) في ثواب تشييع الجنازة. كان احترام ومكانة كل مسلم، وخاصة الصحابة والتابعين، واضحًا لهؤلاء الناس. مع هذه الأوصاف، يبقى السؤال: أي تصور كان لأهل المدينة عن عكرمة، غلام الصحابي المعروف للنبي (ص)، حتى لم يحضروا للمشاركة في تشييع جنازته؟ كان عكرمة منسوبًا لابن عباس ومتمتعًا بشخصيته وحرمته ومكانته. لذا، كان يجب أن يتمتع بمكانة ومنزلة عالية. شخص كهذا لا ينبغي عرفًا أن يكون غير معروف أو غير محترم لدى الناس، لدرجة أنهم لا يرضون حتى بحضور تشييع جنازته.
2-1-4. سبب شهرة الرواية في الطبقة الثالثة
الشخص الذي روى الحديث المذكور عن عكرمة هو أيوب السختياني. حسب تقارير المصادر، كان أيوب من أشهر عباد زمانه. استخدمت المصادر الرجالية تعابير عظيمة جدًا في وصف وتمجيد وتعديل أيوب (الذهبي، 2003م، 3: 618). يبدو أن أيوب كان حسن الظن بعكرمة. ربما هذه الشهرة والعبادة لأيوب هي التي أدت إلى ثقة الرواة بعده بحديثه عن عكرمة. نتيجة لذلك، في الطبقة التي تلي أيوب، روى الرواة الحديث دون تقويم، معتمدين على أيوب، ونقلوه بشكل أعمى (العلواني، 1392هـ، 146-160). هذا الادعاء تؤيده مصادر أخرى أيضًا. على سبيل المثال، يقول ابن عدي: روى أصحاب الصحاح الستة أحاديث نقلها الثقات عن عكرمة (ابن عدي، 1418هـ، 6: 469-477).
نتيجة: هذا الطريق غير موثوق به بسبب وجود عكرمة. بالنظر إلى جرح عكرمة الذي يقع على رأس السند، يتم صرف النظر عن دراسة بقية الرواة. عدم صحة هذا الطريق يعني أنه مهجور، وهو ما يقارب ثمانين بالمائة من روايات الحديث في الطرق الأخرى وفي مصادر الحديث لأهل السنة.
2-4. طريق أنس عن ابن عباس
طريق «عبد الصمد بن عبد الوارث عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبي الخطاب قتادة بن دعامة عن أنس بن مالك عن ابن عباس» رواه مسند أحمد وسنن النسائي وسنن البيهقي ومعجم الطبراني الكبير وصحيح ابن عباس. أما عن حالة رجال الحديث، فيجب القول: قتادة تابعي. على الرغم من الأوصاف التي وردت عنه، إلا أن أحمد بن حنبل يكتب عن قتادة بن دعامة: كان قتادة قدري المذهب ويدلس في الحديث (الزركلي، 2002م، 5: 189). ويكتب الذهبي عن قتادة: قتادة معروف بالتدليس والقدرية. يعترف الذهبي بخطأ قتادة وزلته وانحرافه ويطلب له المغفرة من الله. ينقل الذهبي عن قيس بن ربيع أن قتادة كان يحمل بغضًا للإمام علي (ع) في قلبه. كان بعض التابعين مثل طاووس يفرون عند رؤية قتادة لأنهم كانوا يعتبرونه قدريًا (الذهبي، 1419هـ، 1: 93؛ الذهبي، بلا تاريخ (أ)، 9: 325). يذكر أبو زرعة اسم قتادة بن دعامة السدوسي ضمن المدلسين (أبو زرعة، 1995م، 79). والجدير بالذكر أن قتادة كان من سكان البصرة. كان البصريون في الغالب عثمانيي المذهب ومؤيدين لعائشة وطلحة والزبير، وكانوا يحملون بغضًا للإمام علي (ع) في قلوبهم. معركة الجمل حكاية عن مواجهة الإمام علي (ع) بأهل البصرة.
أما شخصية هشام بن أبي عبد الله البصري الذي في سند الحديث، فقد اعتبره ابن سعد وابن حجر ومصادر كثيرة قدريًا (ابن حجر، 1984م، 11: 40؛ المزي، 1400هـ، 30: 222؛ العيني، بلا تاريخ، 5: 206؛ ابن سعد، 1968م، 7: 279). يضع الذهبي في كتاب «المغني في الضعفاء» هشام بن أبي عبد الله في قائمة الضعفاء ويتهمه بالقدرية (الذهبي، بلا تاريخ (أ)، 2: 711).
في القرون الأولى، كانت القدرية صفة مذمومة. أحيانًا كانت فرقة المعتزلة تتهم بالقدرية بسبب معارضتها للجبرية. يبدو أن أساس ذم صفة القدرية هو الحديث المشهور للنبي (ص) الذي قال فيه: «القدرية مجوس هذه الأمة». هذا الحديث مشهور وقد ورد في معظم المصادر الروائية لأهل السنة (ابن أبي عاصم، 1400هـ، 1: 149). وقد استمسك ابن تيمية أيضًا بهذا الحديث مرارًا في آثاره. يعتبر القدرية أسوأ حالًا من المجوس والمشركين ومن أتباع إبليس (ابن تيمية، 2005م، 8: 453، 11: 29).
نتيجة: القدرية تهمة وُجهت لهذا السند. على الرغم من أن بعض علماء الرجال من أهل السنة، رغم قدرية بعض رجال السند، وثقوهم، إلا أن السلفيين وابن تيمية بموقفهم هذا ضد القدرية لا يمكنهم الركون إلى هذا السند. لذا، هذا الطريق أيضًا غير قابل للاعتماد. خلاصة البحث هي: الطريق الذي ورد عن ابن عباس بواسطة عكرمة وأنس غير قابل للاعتماد. معنى هذا الكلام هو: إذا كان طريق ابن عباس بكل هذه الشهرة والكثرة غير مقبول، فإن قبول الطرق الأخرى الموجودة في المصادر الروائية الثانوية لأهل السنة، والتي وردت في مصدر أو مصدرين، يكون أكثر إثارة للتحدي من باب أولى.
3-4. طريق الحسن البصري
في تحليل طريق «موسى بن عبد الرحمن عن محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة البصري عن قتادة عن أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري المعروف بـ (الحسن بن يسار البصري)» يمكن القول: 1. في هذا الطريق، تمت الإشارة سابقًا إلى حالة قتادة بن أبي دعامة. وجود قتادة في تضعيف الحديث كافٍ ويغنينا عن دراسة الحالات الأخرى. 2. باستثناء النسائي، لم يروِ أي من المصادر هذا الطريق، مما يعد شاهدًا آخر على تضعيف هذا الطريق. 3. أصلًا هذا الحديث مرسل. الحسن البصري من التابعين، لذا لا يمكنه أن ينقل الحديث مباشرة عن رسول الله (ص). 4. بقية رجال السند أيضًا ليسوا في حالة جيدة. على سبيل المثال، قيل عن الحسن البصري إنه كان من أهل التدليس. كان يروي روايات مرسلة، وينقل الروايات بالمعنى (الصفدي، 1420هـ، 12: 190). صرحت بعض المصادر بتدليس الحسن البصري (ابن العجمي، 1406هـ، 20؛ أبو زرعة، 1415هـ، 41). صرح ابن حجر والعلائي، صاحب التهذيب، بتدليس وإرسال الحسن البصري (ابن حجر، 1403هـ، 29؛ العلائي، 1407هـ، 162؛ الأنصاري، 1416هـ، 77). وفي بعض المصادر، عُرف الحسن البصري بأنه قدري المذهب (الذهبي، بلا تاريخ (ب)، 4: 581). كذلك سعيد بن أبي عروبة مشهور بالتدليس (السيوطي، بلا تاريخ، 50؛ أبو زرعة، 1995م، 52). يذكر العقيلي اسم سعيد بن أبي عروبة في قائمة الرواة الضعفاء في كتاب «الضعفاء الكبير». يذكر أحمد بن حنبل فترتين من حياته، ويعتبر رواياته بعد الهجرة ضعيفة ويصرح باختلاط سعيد. ونقل الأنصاري عن شرب سعيد بن أبي عروبة للخمر (العقيلي، 1404هـ، 2: 111). ويكتب الذهبي عنه: عندما كبر، فقد ذاكرته. كان قدريًا. رواياته بعد الهجرة غير صحيحة. كان مختلطًا. واختلاطه كان لفترة طويلة (الذهبي، بلا تاريخ (ب)، 12: 1).
نتيجة: هذا الطريق أيضًا غير مقبول للأسباب المذكورة أعلاه. في أمر بالغ الأهمية يتعلق بدماء البشر، يكون قبول حديث مرسل محل إشكال.
4-4. طريق أبي بردة عن معاذ
طريق «عبد الرزاق عن معمر بن راشد الأزدي عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي البصري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي (اسمه عامر بن عبد الله بن قيس) … عن معاذ بن جبل … (قال معاذ قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال من بدل دينه فاقتلوه)». لم يروِ هذا الطريق سوى مسند أحمد ومصنف عبد الرزاق. هذا الطريق مرسل وغير مقبول. أحاديث أبي بردة عن معاذ مرسلة. يذكر أبو زرعة اسم أبي بردة في كتابه «المراسيل». ويصرح مرارًا بكون روايات أبي بردة عن معاذ بن جبل مرسلة (العلائي، 1407هـ، 204؛ أبو زرعة، 1415هـ، 165). كما أن حميد بن هلال الذي في سند الحديث ليس محل تأييد ورضا ابن سيرين. كان حميد بن هلال من علماء البلاط ومتأثرًا بالسلطان الحاكم في زمانه (الذهبي، بلا تاريخ (أ)، 9: 373؛ العقيلي، 1404هـ، 4: 266). وأيضًا، قسم محدثو أهل السنة أحاديث معمر بن راشد إلى فترتين: فترة وجوده في اليمن وفترة وجوده في البصرة. واعتبروا أحاديثه في اليمن جيدة، ولكن أحاديثه في البصرة مضطربة وضعيفة. كان أحمد بن حنبل يرى أن أحاديثه في البصرة فيها خطأ (الذهبي، بلا تاريخ (أ)، 7: 10؛ ابن رجب، بلا تاريخ، 317-328). اعتبر السيوطي معمر بن راشد من المدلسين (السيوطي، بلا تاريخ، 94).
5-4. طريق سليمان عن أبي هريرة
حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ورد بسندين عن أبي هريرة، أحدهما بواسطة الطبراني في المعجم الأوسط، والآخر بواسطة ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال. في سند الطبراني عن «مسعود بن محمد الرملي، عن عمران بن هارون، عن ابن لهيعة، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة» يروي أن النبي (ص) قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». هذا الطريق لم يروه سوى الطبراني. مجرد رواية الطبراني له وعدم روايته من قبل مصادر حديثية أخرى دليل على عدم الاهتمام وعدم قبول هذا الطريق. كما أن هذا الحديث لم يروه أحد عن بكير بن عبد الله سوى عبد الله بن لهيعة. جمهور المحدثين ضعفوا ابن لهيعة. وقد ذكر الذهبي والعقيلي ابن لهيعة بتعابير متعددة ضمن الضعفاء (الذهبي، 1419هـ، 1: 175؛ العقيلي، 1404هـ، 2: 293). يذكر السيوطي عبد الله بن لهيعة ضمن المدلسين (السيوطي، بلا تاريخ، 66). بغض النظر عن المناقشات المذكورة، فإن شخصية بقية رجال الحديث ليست جيدة أيضًا. على سبيل المثال، عن أبي هريرة، يروي ابن أبي الحديد عن الإمام علي (ع) أنه قال: اعلموا أن أكذب الناس عند رسول الله (ص) هو أبو هريرة الدوسي (ابن أبي الحديد، بلا تاريخ، 4: 40). وقد صُرح بتدليس أبي هريرة أيضًا في مصادر أهل السنة (الذهبي، بلا تاريخ، 2: 608). كان الصحابة والتابعون يشككون في الروايات التي ينقلها أبو هريرة عن رسول الله (ص)، ولهذا السبب كانوا يسألونه: هل سمعت هذه الرواية من رسول الله (ص)؟ فكان يجيب: لا، لقد أتيت بهذه الرواية من جيبي (كيسي) (البخاري، بلا تاريخ، 7: 63).
نتيجة: لا شك في ضعف طريق سليمان بن يسار عن أبي هريرة. لذا، هذا الطريق غير مقبول.
6-4. طريق عطاء عن أبي هريرة
كما أشير سابقًا، ورد سندان عن أبي هريرة. وقد روى ابن عدي هذا الطريق في «الكامل في ضعفاء». لم يروِ هذا السند سوى ابن عدي في كتاب للضعفاء، ولم يروه مصدر آخر، وهذا العامل وحده كافٍ في ضعف هذا الطريق. يكتب ابن عدي في ذيل الرواية: إسحاق بن أبي فروة من الضعفاء. لم يتابعه أحد لا في المتن ولا في السند من مسنداته، ولم يشاركه أحد في نقلها (ابن عدي، 1997م، 1: 532).
7-4. طريق ابن عمر
هذا الطريق لم يروه سوى ابن عبد البر في «التمهيد» عن ابن عمر. يكتب ابن عبد البر في ذيل الحديث: هذا الحديث عندي منكر (ابن عبد البر، 1387هـ، 5: 304).
نتيجة: هذا الطريق، بتصريح ناقله، غير مقبول.
8-4. طريق عائشة
هذا الطريق بواسطة «نعيم بن محمد الصوري، ثنا موسى بن أيوب النصيبيني، ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، وشهر بن حوشب، عن عائشة …»4 رواه الطبراني في المعجم الأوسط. أولاً، هذا الطريق لم يروه سوى الطبراني. ثانيًا، الطبراني نفسه الذي نقل الحديث ليس له نظرة إيجابية إليه (الطبراني، 1415هـ، 9: 95). ثالثًا، رجال الحديث ضعفاء. على سبيل المثال، ذكرت المصادر تضعيف سلمى بن عبد الله أبي بكر الهذلي البصري بتعابير متعددة (العقيلي، 1404هـ، 2: 177). يقول صاحب كتاب «الوافي» عن أبي بكر الهذلي: «لم يرضه يحيى القطان. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: ضعيف. وقال البخاري: ليس بالحافظ» (الصفدي، 1420هـ، 15: 202). بغض النظر عن هذه الحالات، فإن بقية رجال السند ليسوا في حالة جيدة.
نتيجة: هذا الطريق أيضًا غير مقبول.
أحاديث هم معنى (متشابهة في المعنى):
9-4. طريق عصمة بن مالك الخثعمي
في مصادر أهل السنة، توجد أحاديث أخرى حول قتل المرتد تتشابه في معناها مع حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». إحدى هذه الأحاديث هي حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عصمة بن مالك عن النبي (ص) أنه قال: «من ارتد عن دينه فاقتلوه».5 أولاً، هذا الطريق وهذا الحديث لم يروه أحد غير الطبراني، وهذا دليل على ضعفه. ثانيًا، رجال الحديث ضعفاء. على سبيل المثال، فضل بن مختار في سند الحديث، تم تضعيفه. وقد ذكره العقيلي في قائمة الرواة الضعفاء واعتبره منكر الحديث (العقيلي، 1404هـ، 3: 449). يعتبر ابن الجوزي روايات فضل أباطيل وواهيات ومنكرات (1401هـ، 1: 312، 366). كما أن عبد الله بن موهب الذي في السند قد تم تضعيفه أيضًا (نفسه، 2: 324). يعتبر الذهبي فضلًا غير ثقة وضعيفًا ومنكر الحديث ومجهولًا (الذهبي، 1995م، 1: 128، 5: 435).
10-4. طريق زيد بن أسلم
أحد الأحاديث الأخرى المتشابهة في المعنى مع حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» هو حديث يرويه زيد بن أسلم عن النبي (ص) أنه قال: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ».6 أولاً، لم يروِ هذا الطريق سوى موطأ مالك. ثانيًا، يكتب ابن عبد البر، شارح الموطأ، في ذيل هذا الحديث: هذا الحديث مرسل (ابن عبد البر، 1387م، 5: 304). ولا يذكر الذهبي أيضًا اسم النبي (ص) في تعداد شيوخ زيد بن أسلم (الذهبي، بلا تاريخ (ب)، 9: 381).
11-4. طريق أبي ثعلبة عن معاذ
طريق «حسين بن إسحاق التستري عن هوبر بن معاذ عن محمد بن سلمة عن الفزاري عن مكحول عن ابن أبي طلحة اليعمري عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ بن جبل عن رسول الله». لم يروِ هذا الطريق سوى المعجم الكبير. عدم رواية هذا الطريق في مصادر أخرى يدل على عدم ثقتهم به. يعتبر شعيب الأرناؤوط هذا الحديث غير حسن (أبو داود، 2009م، 6: 409؛ ابن حجر، 1379هـ، 12: 271). في سند الحديث، شخص مجهول باسم «مكحول» ينقل عن ابن أبي طلحة، واسمه غير محدد (الهيثمي، 1414هـ، 6: 263). صرح العقيلي بضعف وترك محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي الفزاري أبو عبد الرحمن الكوفي بتقارير متعددة من علماء أهل السنة. يصرح البخاري بأن الفزاري الكوفي هو نفسه محمد بن عبيد الله (العقيلي، 1404هـ، 4: 105). صرحت مصادر أخرى أيضًا بترك العرزمي بتعابير متعددة (ابن رجب، بلا تاريخ، 490؛ ابن قُليج، 1422هـ، 10: 264). يرى ابن حجر أن السند صحيح، ولكن يبدو أن احتمال توثيق ابن حجر له هو أنه اعتبر الفزاري هو أبو إسحاق الفزاري (إبراهيم بن محمد بن حارث) الذي كان حافظًا وثقة.
خامساً: التقويم المتني للحديث
1-5. التمسك بخبر الواحد للقتل غير صحيح
اشتهر هذا الحديث بعد القرن الأول الهجري، وقبل ذلك كان من أخبار الآحاد. التمسك بحديث هو خبر آحاد في أمر مهم يتعلق بحياة الناس غير صحيح. يكتب الدكتور صبحي الصالح: لا يمكن الاكتفاء بخبر الواحد في شأن حياة الناس. تؤكد النصوص القرآنية والنبوية على حفظ حياة الإنسان. فقط إذا كانت المسألة محل إجماع المسلمين، يمكن التغاضي عن قاعدة وجوب حفظ النفس. وهذا الإجماع غير موجود في مسألة المرتد، حيث لا يستحق المرتد القتل لمجرد تغيير عقيدته (صبحي، بلا تاريخ، 213).
2-5. مراعاة شروط الردة
المسألة الأخرى هي مراعاة الظروف المختلفة للردة. فثبات واستمرارية أي حكم يعتمد على ثبات موضوعه. الردة تكون أحيانًا في حدود الشك والتردد في أصول العقائد، وأحيانًا في حدود التكذيب والإنكار. كما أن المرتد قد يقدم على الإنكار بسبب الجهل وعدم المعرفة، وأحيانًا ينكر عن جحود. أحيانًا تكون جذور الردة فكرية وأحيانًا سياسية. قد يعلن المرتد عن ردته بأفعال مهينة، وأحيانًا يعبر عنها بلسانه فقط دون أي فعل مهين. قد تكون الردة موجهة ومدارة من قبل أعداء خارجيين، وأحيانًا تكون دون تدخل أو توجيه من الأعداء. كما أن ردة الشخص أحيانًا تكون مؤثرة بسبب مكانته الخاصة، وأحيانًا تكون دون تأثير ورد فعل شعبي (العلواني، 1392هـ، 146-160). لذلك، يبدو أن التمسك بعموم حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» غير صحيح. لذا، يجب مراعاة أوصاف وجزئيات الردة.
3-5. الاختلاف في روايات الحديث
بغض النظر عن سند الحديث، فإن متنه أيضًا يعاني من اضطراب واختلافات كثيرة. هذا الاختلاف في المتن قرينة على تدخل أهواء الرواة في متن الحديث. ورد الحديث بالأشكال التالية: 1. أمر الإمام علي (ع) أولاً بقتلهم ثم حرق جثثهم في النار. 2. أمر الإمام علي (ع) بتعريض هؤلاء الأفراد لدخان النار لعلهم يتوبون. 3. الأفراد الذين أمر الإمام علي (ع) بحرقهم كانوا جماعة من الزنادقة. 4. أفراد كانوا يعبدون الأصنام سرًا ويتلقون الهدايا من الناس، أُحضروا إلى الإمام علي (ع)، فسجنهم الإمام. ثم استشار الناس في كيفية التعامل معهم، فقال الناس: اقتلهم. فقال الإمام علي (ع): سأفعل بهم ما فعلوه بأبينا إبراهيم. ثم ألقاهم في النار وأحرقهم. والجدير بالذكر أن الإمام المعصوم لا يستشير أحدًا في حكم الله. لذا، فإن نفس طلب المشورة من الإمام علي (ع) دليل على كون الحديث مزورًا.
5. يروي أيوب بن نعمان: رأيت الإمام علي (ع) في ميدان المدينة. جاءه شخص وقال: جماعة في أحد بيوت المدينة يعبدون الأصنام. تحرك علي (ع) نحو ذلك المنزل، وفي تلك الأثناء خرجوا بصنم من المرمر. أحرق علي (ع) المنزل بمن فيه. يقول البعض: كانوا من قبيلة «الزط».
6. يقول البعض: جاءت جماعة إلى الإمام علي (ع) وهو واقف عند باب المسجد فقالوا: «علي ربنا». خرج إليهم الإمام علي (ع) وقال: ويلكم، ما هذا الذي تقولون؟ قالوا: أنت هو الذي نقول. أنت حقًا ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال الإمام: ويلكم، ما هذا الكلام الباطل الذي تقولون؟ أنا عبد مثلكم. ثم تركهم الإمام وطلب منهم أن يعودوا إليه في اليوم التالي بحالة توبة. لكنهم لم يفعلوا ذلك. فأمهلهم ثلاثة أيام أخرى. فلما انقضت الأيام الثلاثة ولم يتوبوا، حفر لهم حفرة. ثم أمر بضرب أعناقهم. ثم ألقى جثثهم في الحفرة وأشعل فيها النار.
تحليل: في هذه الرواية، لا توجد إشارة إلى عدد هؤلاء الأفراد أو اسم قبيلتهم أو مكان إقامتهم. وقوع حادثة مروعة وكبيرة بهذا الشكل المجمل والعام ودون الإشارة إلى التفاصيل يبدو غير عادي. نظرًا لأنه من المفترض عرفًا أن يشاهد مئات الأشخاص مثل هذه الحادثة وينقلونها، خاصة مع وجود أعداء وخصوم كثر للإمام علي (ع) يبحثون عن ذريعة لتشويه صورته، فإن روايتها كخبر آحاد، وبواسطة أفراد ضعفاء، وغالبًا من البصرة، وبعبارات متعددة، تحكي عن عدم واقعيتها.
4-5. دور اليهود في صدور الحديث
على فرض صحة الحديث من الناحية السندية والمتنية، يبدو أن الحديث له خصوصيات وظروف خاصة متأثرة بزمان ومكان معينين. تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية واستخلاص حكم عام شمولي ليس صحيحًا. بعبارة أخرى، يوجد ظن بتأثير الخصوصيات في تعلق الحكم بالموضوع في هذا الحديث. من خصوصيات الحديث ارتباطه الوثيق بمؤامرات اليهود. يقول القرآن في هذا الشأن: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (آل عمران: 72). كان اليهود والمنافقون، بقصد المعارضة والسخرية وتلويث الإسلام، يؤمنون صباحًا ويرتدون مساءً. كانت حيلة المنافقين واليهود في صدر الإسلام سياسية، وحركة جماعية ومدروسة بدوافع محاربة الحق والعناد مع المسلمين. لذلك، فإن دور اليهود وتكرار ردتهم والظروف الخاصة بزمن رسول الله (ص) في صدور الحديث، من أجل إحباط النشاط الثقافي السياسي لليهود، ليس بلا تأثير. صدور حديث قتل المرتد في تلك البيئة الخاصة يبدو مبررًا. مع الظن بتأثير هذه الظروف، يصبح تعميم حكم عام من الحديث محل شك (العلواني، 1392هـ، 146-160).
5-5. مخالفة الحديث للسيرة العملية لرسول الله (ص)
يقول الشافعي: كان رسول الله (ص) أكثر حزمًا وجدية من أي شخص آخر في تنفيذ حدود الله. أحيانًا كان بعض الأفراد يؤمنون ثم يرتدون، ثم يعلنون إيمانهم مرة أخرى. لكن النبي (ص) لم يقتل أيًا منهم. يقول البيهقي: ارتد عبد الله بن أبي سرح، ثم أسلم، لكن النبي (ص) لم يأمر بقتله بعد ردته. نهى النبي (ص) عن قتل نساء أهل الحرب. على الرغم من أن هذا قياس، ولكن عندما ينهى النبي (ص) عن قتل النساء الحربيات، فمن باب أولى لا يجوز قتل النساء اللواتي لهن سابقة في الإسلام (ولائي، 1380هـ، 179).
6-5. مخالفة الحديث لنصوص القرآن في حفظ النفس
القرآن لا يتساهل أبدًا في حماية النفس وحياة الإنسان، ولا يجيز قتل الإنسان إلا بأدلة محكمة. توصي محكمات القرآن باحترام حياة الإنسان. قتل إنسان في غير حالة القصاص أو الفساد في الأرض يعتبر قتلًا لجميع الناس. حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يخالف النصوص القرآنية.7 أحد معايير الترجيح والتوازن بين الأحاديث هو موافقتها أو مخالفتها للقرآن. وردت روايات كثيرة عن الأئمة بعنوان عرض الحديث على القرآن. في حديث، قال النبي (ص): كلما وصلكم حديث عني، فاعرضوه على كتاب الله. ما وافق القرآن فخذوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط.8 (الطبراني، 1404هـ، 12: 316).
7-5. مخالفة الحديث لآيات حرية العقيدة
تدل آيات كثيرة من القرآن على حرية الإنسان في اختيار عقيدته. آيات مثل «لا إكراه في الدين» تنفي الإكراه في قبول العقيدة. لذا، فإن قبول حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يخالف ظاهر ونص هذه الآيات القرآنية. هذا الحديث يخالف أصل عدم جواز استخدام الإكراه في مجال العقيدة والإيمان. كما أنه يخالف أصل خروج الإيمان والعقيدة عن اختيار الإنسان. يقول الله للنبي (ص): لست وكيلًا على إيمان الناس ومسيطرًا عليهم.9 (يونس: 99)
8-5. مخالفة الحديث للقواعد الفقهية
حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يخالف بعض القواعد الفقهية والأصولية مثل قاعدة «الدرء». أساس هذه القاعدة هو الحديث النبوي «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (البيهقي، 1414هـ، 8: 238). بناءً على هذه القاعدة، يُفضل الخطأ في العفو على الخطأ في العقوبة. أولى الإسلام اهتمامًا كبيرًا وتوصية بعصمة دماء الناس وأعراضهم وأموالهم. إذا شككنا في وقوع جريمة مثل الردة من قبل شخص ما، يجري أصل البراءة ويحكم أصل الاحتياط في حفظ دماء وأعراض الناس. إذا حصل شك في وقوع الردة، يتوقف تنفيذ الحد. كلما كان هناك شك في ارتكاب المتهم للفعل الإجرامي، يتم تبرئة المتهم.
9-5. مخالفة الحديث لأحاديث أخرى
استثناء حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» في المذهب الإمامي والحنفي إجماعي. في بعض مصادر أهل السنة، نهى النبي (ص) عن قتل النساء المرتدات. وفي حديث آخر، ورد لفظ «رجل»، مما يخصص القتل لردة الرجال دون النساء (ابن حجر، 1379هـ، 12: 272). على الرغم من أن بعض الروايات أوجبت قتل النساء المرتدات، إلا أن بعض علماء أهل السنة يعتقدون أن قتل النساء في الروايات المذكورة لم يكن بسبب تغيير العقيدة، بل بسبب محاربتهن للمسلمين. قتل المرتدين ليس عقوبة لردتهم، بل هو جزاء لإصرارهم على الكفر. لهذا السبب، إذا تاب المرتد، ينتفي قتله، لأن الإصرار قد انتفى. لو كان القتل عقوبة للردة، لما كان يسقط بالتوبة، كما أن عقوبات الحدود لا تسقط بالتوبة (ولائي، 1380هـ، 181).
10-5. عدم نقل الحديث في المصادر الأولية للحديث
لم يرد حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» في صحيح مسلم وموطأ مالك. عدم نقل مثل هذا الحديث في صحيح مسلم دليل بحد ذاته على عدم اهتمام مسلم ومالك به.
سادساً: الاستنتاج
1- بناءً على ما تقدم، فإن المستمسك الرئيسي للسلفيين في قتل المرتد هو حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وفقًا للأدلة التالية، فإن التمسك بهذا الحديث لقتل المرتد غير صحيح.
2- لا يملك أي من طرق الحديث أهلية الاحتجاج والاستناد؛ لأنه في بعض طرقه يوجد إرسال، وفي البعض الآخر انقطاع، تدليس، واضطراب.
3- لم تُروَ حكاية قتل المرتدين بالنار لا قبل خلافة الإمام علي (ع) ولا بعدها. هذه قرينة على عدم موثوقية هذه الحادثة.
4- الحديث المذكور يخالف محكمات القرآن التي توصي وتؤكد على حفظ حياة الإنسان وتعتبر حرية العقيدة حقًا مشروعًا.
5- يتعارض هذا الحديث مع أحاديث أخرى وقواعد فقهية.
6- هذا الحديث خبر آحاد.
7- بغض النظر عن الإشكالات السندية والمتنية التي ترد على الحديث، في الظروف الحالية للعالم الإسلامي، يجب مراعاة مقتضيات الزمان في تبيين وتبليغ وتنفيذ الحديث. يرى الكاتب، كمدرس جامعي، أن إحدى الشبهات الرئيسية التي يطرحها الطلاب ضد الإسلام هي تعاليم الردة. كتابة مقال آخر بشكل مقارن في الفقه الإمامي والسلفي في موضوع الردة دفاعًا عن مدرسة أهل البيت يمكن أن يكون مؤثرًا جدًا، وهو ما يُقترح.
8- الدين الذي لا يستفيد في فهمه من علم أهل البيت (ع)، سيكون دينًا يؤدي إلى الانحراف والقتل والتخريب، وهي رسالته الأساسية. المخرج من هذه المعضلة هو العودة إلى ولاية أهل البيت (ع) وإلى قول رسول الله الذي قال: لا يفترق القرآن والعترة.
9- من الإنجازات الأخرى للبحث، الرد على شبهة من يعتقدون أن الإمام علي (ع) أحرق بعض المرتدين بالنار. هذا الحديث وهذه الرواية أيضًا غير موثوقين.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن أبي الحديد، أبو حامد عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار الكتب، د.ت.
ابن أبي عاصم، أبو بكر أحمد بن عمرو، السنة، تحقيق: الألباني، بيروت، مكتب الإسلامي، 1400هـ.
ابن العجمي، برهان الدين أبو الوفاء، التبيين لأسماء المدلسين، تحقيق: شفيق، بيروت، دار الكتب، 1406هـ.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، أحكام المرتد عند شيخ الإسلام ابن تيمية، قم، مكتبة الشاملة، د.ت.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، تحقيق: أنور الباز، بيروت، دار الوفاء، الطبعة الثالثة، 2005م.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الصارم المسلول، تحقيق: عمر الحلواني، بيروت، دار ابن حزم، 1417هـ.
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، العلل المتناهية، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، باكستان، إدارة العلوم الأثرية، الطبعة الثانية، 1401هـ.
ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، 1404هـ.
ابن حجر، أحمد بن علي، تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين، عمان، مكتبة المنار، 1403هـ.
ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ.
ابن رجب الحنبلي، زين الدين أبو الفرج، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، بغداد، د.ن، د.ت.
ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1968م.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ، المغرب، وزارة عموم، 1387هـ.
ابن عدي، أبو أحمد الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد، لبنان، الكتب العلمية، 1418هـ.
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني، تحقيق: المقدسي أبو محمد، بيروت، دار الفكر، 1405هـ.
ابن قليج، علاء الدين مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي، إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد، مصر، الفاروق الحديثة للطباعة، 1422هـ.
أبو زرعة، أحمد بن عبد الرحيم، المدلسين، تحقيق: رفعت فوزي، المدينة، دار الوفاء، 1415هـ.
أميري، عظيم، ومحمد حسين طاهري، “بررسی و نقد انگاره ارتداد در مسیحیت کاتولیک”، معرفت أديان 4، 16 (1392): 77-96.
الأنصاري، أحمد بن عبد الله، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار البشائر، 1416هـ.
ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله، فتاوى نور على الدرب، قم، مكتبة الشاملة، د.ت.
البيهقي، أحمد بن حسن، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكة، مكتبة دار الباز، 1414هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، تحقيق: بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، 2003م.
الذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء، تحقيق: نور الدين عتر، د.م، د.ن، د.ت (أ).
الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، د.ت (ب).
الذهبي، محمد بن أحمد، ديوان الضعفاء، تحقيق: حماد بن محمد، مكة، مكتبة النهضة، الطبعة الثانية، 1387هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد معوض، بيروت، دار الكتب، 1995م.
الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال، تحقيق: البجاوي، بيروت، دار المعرفة، 1382هـ.
الزركلي، خير الدين بن محمود، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، 2002م.
السيوطي، جلال الدين، أسماء المدلسين، تحقيق: محمود محمد، بيروت، دار الجيل، د.ت.
الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، تحقيق: الأرناؤوط، بيروت، دار إحياء، 1420هـ.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله، القاهرة، دار الحرمين، 1415هـ.
العقيلي، محمد بن عمرو، الضعفاء الكبير، تحقيق: قلعجي، بيروت، دار المكتبة العلمية، 1404هـ.
العلائي، صلاح الدين خليل بن كيكلدي، جامع التحصيل، تحقيق: عبد المجيد السلفي، بيروت، عالم الكتب، 1407هـ.
العلواني، طه جابر، دين اجباري يا دين اختياري، ترجمة: أمين سليماني، طهران، إحسان، 1392ش.
العيني، أبو محمد محمود بن أحمد، مغاني الأخيار، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن، د.م، د.ن، د.ت.
المزي، أبو الحجاج يوسف بن الزكي، تهذيب الكمال، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1400هـ.
الهيثمي، أبو الحسن علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، تحقيق: القدسي، القاهرة، مكتبة القدسي، 1414هـ.
ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله، معجم الأدباء، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1414هـ.
الهوامش
1. «المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر».
2. «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
3. يراجع المصادر التالية: شرح السنة للبغوي، سنن البيهقي، التمهيد لابن عبد البر، سنن ابن ماجه، مسند أبي يعلى، مصنف ابن أبي شيبة، مصنف عبد الرزاق، سنن أبي داود، مسند أحمد، صحيح ابن حبان، سنن الدارقطني، سنن النسائي، شرح السنة للبغوي، المعجم الكبير للطبراني.
4. «حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّورِيُّ، ثَنَا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ النَّصِيبِينِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو مَسْعُودٍ الزَّجَّاجُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهذَلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَائِشَةَ…»
5. «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّدَفِيُّ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوَهِّبٍ، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطَمِيِّ… قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ)».
6. «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ».
7. «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» (المائدة: 32).
8. «اعْرِضُوا حَدِيثِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا قُلْتُهُ».
9. «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».