تحليل نقدي لرؤية يحيى محمد حول علم الرجال عند الشيعة (مع التركيز على كتاب مشكلة الحديث)

الملخص

إن علم الرجال من العلوم التي تمهّد الأرضية لحجية الحديث. ومن هنا، وجّه تيار القرآنيين، الذين يعدّون من مخالفي السنة، قسماً من شبهاتهم وإشكالاتهم نحو هذا العلم. ويمكن دراسة هذه الإشكالات في مجالين: الأول: الإشكالات الواردة على أصل علم الرجال، مثل تدخل العواطف الشخصية في جرح الرواة وتعديلهم، وعدم الاطلاع على أحوالهم الباطنية. الثاني: الشبهات الخاصة بعلم الرجال عند الشيعة، والتي طرح معظمها يحيى محمد في كتابه “مشكلة الحديث”. وتشمل قضايا من قبيل: عدم كون جرح الرواة وتعديلهم حسّياً بسبب الفاصل الزمني بين المجاميع الرجالية وعصر المعصومين (ع)، وقصور عبارات علماء الرجال الشيعة ونقصها في وصف الرواة، وأخيراً تعارض آراء كبار الرجاليين الشيعة. لقد أُثبت في هذا البحث بأدلة عقلية ونقلية متعددة أن هذه الشبهات والإشكالات تفتقر إلى الإتقان والإحكام اللازمين لتحدي علم الرجال. وعليه، فإن الهدف الأساسي لهذا التحقيق هو الدراسة المنهجية لهذه الشبهات والرد عليها بشكل هادف.

1. طرح المسألة

تعدّ معاداة الحديث من التحديات التي واجهها العالم الإسلامي على مر التاريخ، ولها سابقة قديمة. وفي العصر الحاضر، ظهر هذا التحدي في قالب تيار الاكتفاء بالقرآن، الذي يقوم على نفي وإنكار السنة. ويُعرف فرع من هذا التيار الذي يرى القرآن المصدر الوحيد لاستنباط الأحكام الشرعية باسم “القرآنيين” و”أهل القرآن”. وبشكل عام، ينقسم أتباعه إلى فئتين: الفئة الأولى تنفي السنة بشكل مطلق ولا تعتبر أي حديث صحيحاً من الأصل. أما الفئة الثانية، فترفض معظم الأحاديث بسبب الانتقادات الموجهة للسنة المروية (السنة المنقولة)، وتعتبر فقط الأحاديث المتواترة والسنة العملية للنبي (ص) حجة. وقد اعتبر بعض الباحثين أشخاصاً مثل عبد الله جكرالوي (1930م)، وغلام أحمد برويز، ومحمد توفيق صدقي (1920م)، وأحمد صبحي المنصور، وابن قرناس من الفئة الأولى، وشخصيات مثل رشيد رضا (1935م)، وطه حسين (1973م)، ومحمد الغزالي (1996م)، ومحمود أبو رية (1970م)، ويحيى محمد (1) من الفئة الثانية (انظر: إلهي بخش، 1421هـ، 15 وما بعدها؛ مهدوي راد، 1375ش، 12: 756-773؛ روشن ضمير، 1390ش، 55-101).

يسعى القرآنيون من خلال إلقاء الشبهات والإشكالات حول الحديث إلى إثارة الشكوك في حجيته والتشكيك في اعتباره المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وعلى الرغم من أن معظم هذه الإشكالات موجهة إلى حديث أهل السنة، إلا أنها في بعض الحالات طالت حديث الشيعة أيضاً، وهو ما تجلى في أعمال يحيى محمد، خاصة في كتاب “مشكلة الحديث”. وفي هذا السياق، يُعد علم الرجال أحد فروع علوم الحديث التي تعرضت لنقد القرآنيين. وبما أن هذا العلم يوفر الأساس لحجية الحديث، فقد حاول القرآنيون من خلال طرح الشبهات إثبات عدم جدوى هذا العلم وعدم كفايته في تقييم صحة الأحاديث. وفي هذا البحث، يُسعى إلى مناقشة الشبهات التي طرحها يحيى محمد حول حديث الشيعة وعلم الرجال، وتقديم رد مناسب مدعوم بالعقل والنقل للدفاع عن علم الرجال. وتجدر الإشارة إلى وجود دراسات مستقلة أخرى في نقد آراء القرآنيين بشكل عام ورؤية يحيى محمد بشكل خاص، منها مقال “نقد مباني القرآنيين في نفي حجية، إحراز وإثبات سنت نبوي” (مهدوي راد وزينب طيبي، 1396ش، 27)، ومقال “تحليل انتقادي مواجهه يحيى محمد با مسأله امامت در مشكله الحديث” (فقهي زاده وزهرا عماري اله ياري، 1391ش، 139)، ومقال “گزارش و نقد بخش حدیث شیعه از کتاب مشكلة الحديث يحيى محمد” (عماري اله ياري، 1391ش، 51).

2. مكانة علم الرجال في إثبات حجية الحديث

يعد علم الرجال من أهم العلوم التي توفر الأساس لحجية الحديث. إذ إن اجتهاد واستنباط العلماء والمجتهدين من الروايات منوط بقبول حجيتها مسبقًا، وحجية الخبر متوقفة على الاطمئنان بصدوره عن المعصوم (ع)، وهذا الأمر يعتمد بشكل كبير على سلامة سنده. وأصلاً، استخدام كلمة “السند” في الحديث بمعنى المعتمد (الجوهري، 1407هـ، 2: 489؛ الطريحي، 1408هـ، 2: 434) هو ما يوجب اعتبار الحديث واستحكامه.

بالطبع، حول ما إذا كان الاطمئنان بصدور الأحاديث يتحقق فقط عن طريق السند، أو أن السند هو أحد أسباب حجية الخبر، يوجد مكتبان حديثيان؛ الأول: مكتب وثاقة السند، الذي يرى أن اعتبار الرواية مرهون بسلامة طريقها وسندها. في الماضي، كان علماء مثل الشهيد الثاني (العاملي، 1421هـ، 22) وابنه الشيخ حسن العاملي صاحب المعالم (العاملي، 1376ش، 287) من أتباع هذا المكتب، وفي عصرنا آية الله الخوئي (الخوئي، 1417هـ، 2: 200). الثاني: مكتب وثاقة الصدور، الذي يعتقد أن الاطمئنان بصدور الرواية يتحقق من خلال جمع القرائن، وأن صحة السند هي إحدى القرائن المطمئنة. ويمكن استخدام أمور مثل الشهرة، وكثرة الروايات في موضوع واحد، والأخذ من الأصول، وغيرها كقرينة وجبران لضعف السند. وأكثر كبار الشيعة مثل الشيخ الحر العاملي، والشيخ البهائي، والشيخ يوسف البحراني (انظر: رباني، 1385ش، 120)، وكذلك الإمام الخميني (ره) هم من أنصار هذا المكتب (الخميني، 1421هـ، 376).

إذا أضفنا هذين المكتبين الحديثيين إلى رؤية الأخباريين الذين يعارضون علم الرجال، يمكننا تصنيف توجه علماء الشيعة تجاه علم الرجال في ثلاث مجموعات:

1. الأخباريون، الذين لا يرون بشكل عام حاجة لعلم الرجال، على الأقل في نطاق الكتب الأربعة، ويعدون من معارضي هذا العلم.

2. الأصوليون من أتباع مكتب وثاقة السند، الذين يرون أن إثبات حجية الحديث لا يمكن إلا بمساعدة علم الرجال.

3. الأصوليون من أتباع مكتب وثاقة الصدور، الذين يعتبرون علم الرجال جزءًا من القرائن، ويستفيدون منه عند التعارض.

بالنظر إلى أن الفكر الأخباري قد تعرض لنقد جاد (كمثال انظر: السبحاني، 1414هـ، 35-53) ولم يعد له مكانة اليوم، يمكن الاستنتاج أن جميع العلماء والفقهاء الأصوليين الشيعة في اجتهاداتهم واستنباطاتهم مدينون لعلم الرجال. فحتى الأصوليون من أتباع وثاقة الصدور يعتبرون صحة السند، التي تتحقق بمساعدة علم الرجال، من أهم قرائن اعتبار الحديث.

ربما كان هذا الدور المحوري لعلم الرجال هو السبب الذي جعل معارضي الحديث مثل القرآنيين يوجهون جزءًا من جهودهم لنفي حجية الحديث نحو علم الرجال، ويطرحون شبهات لتشويه سمعة هذا العلم، وصولاً إلى هدفهم المتمثل في إنكار حجية السنة.

3. شبهات القرآنيين وإشكالاتهم

يمكن طرح ودراسة شبهات وإشكالات القرآنيين حول علم الرجال في مجالين:

ألف: الشبهات والإشكالات التي ترد على أصل علم الرجال في مجال العلوم الإسلامية، وفي هذا القسم لا يوجد فرق بين الشيعة وأهل السنة، وكلا المذهبين هدف لهجمات القرآنيين.

باء: الشبهات التي طُرحت بخصوص علم الرجال عند الشيعة، والتي تتعلق في الغالب بمجال جرح الرواة وتعديلهم وسبل الوصول إليه.

الفئة الأولى تم بيانها بشكل متفرق من قبل القرآنيين؛ أما القسم الثاني فقد ورد معظمه في كتاب “مشكلة الحديث” ليحيى محمد (يحيى محمد، 2007م)، وسنقوم بدراسة القسم الثاني أدناه.

4. الشبهات حول علم الرجال عند الشيعة

كما ذكرنا سابقاً، فإن يحيى محمد من بين القرآنيين هو أكثر من أثار إشكالات وشبهات على حديث الشيعة، وضمن ذلك على علم الرجال. ويمكن عرض مجموعة شبهاته المتعلقة بعلم الرجال عند الشيعة (انظر: يحيى محمد، 2007م، 225-240) في المحاور التالية:

1-4. الشبهة الأولى: اندثار المصادر الرجالية الأصلية وانسداد باب علم الرجال

يبدأ مؤلف “مشكلة الحديث” هذه الشبهة بمقدمة مفادها أن عدد الآثار والمؤلفات الشيعية في موضوع جرح وتعديل الرواة، من عصر المعصومين (ع) حتى فترة الشيخ الطوسي (ت 460هـ) يصل إلى أكثر من مئة مصنف (2)؛ ولكن تبرز هنا مشكلتان أساسيتان: الأولى، أنه بتعبير الشيخ الطوسي، لم يكن أي من هذه الكتب يتمتع بالشمولية اللازمة، بل كانت مجرد مخطوطات جزئية لم يتناول أي منها جرح وتوثيق الرواة بشكل كامل، باستثناء ابن الغضائري الذي كان له كتابان وأتلفهما ورثته (3). الثانية، أن تلك الكتب التي أُلفت غالبًا في عصر صدور الأحاديث لم يبق منها أثر، ولم تصل إلينا سوى الكتب الأربعة الرجالية الشيعية إلى جانب رجال البرقي والعقيقي، وهذان الأخيران لا يعدان من الأصول الرجالية ويفتقران إلى التحقيق الرجالي في الجرح والتوثيق (انظر: يحيى محمد، 2007م، 225).

ويستنتج يحيى محمد من هذه المعطيات أنه: بالنظر إلى الفاصل الزمني بين عصر المعصومين (ع) ورواة عصر الحضور -عمومًا منذ شهادة الإمام الصادق (ع) سنة 148هـ- وحتى زمن تأليف المجاميع الرجالية الشيعية على يد النجاشي (ت 450هـ) والشيخ الطوسي (ت 460هـ) الذي يبلغ حوالي ثلاثمئة عام، كيف يمكن الاعتماد على توثيقات كبار الرجاليين المذكورين بشأن رواة عصر المعصومين؟ هذا في حين أن شرط التزامن والمعاصرة بين الجارح والراوي ضروري في التوثيق؛ وإلا فإنه سيكون مبنيًا على الحدس والتخمين والاجتهاد، وهو ما لا يمكن استخدامه في جرح وتعديل الرواة الذي هو من باب الشهادة ويجب أن يكون عن حس لا عن حدس. بناءً على ذلك، فإن آراء كبار الرجاليين، سواء كانت مبنية على اجتهادهم أو على النقل والرواية، في كلتا الحالتين لا تعد بينة شرعية ولا يجب اتباعها. ونتيجة لذلك، يواجه الشيعة انسدادًا في علم الرجال وجرح وتوثيق الرواة (نفس المصدر، 239 و240).

نقد ودراسة

1. نقد منهجي: إن أهم نقد يوجه إلى هذا الإشكال هو عدم التفات الكاتب إلى طرق إثبات وثاقة الراوي في علم الرجال الشيعي. فقد بنى أساس جرح وتوثيق الرواة فقط على ما وصل من الكتب الرجالية الأربعة، وغفل عن سائر طرق إثبات وثاقة الراوي. وتوضيح ذلك أن إحراز وثاقة الرواة يتم إما عن طريق التوثيقات الخاصة أو التوثيقات العامة وآراء أصحاب الكتب الرجالية المتقدمة؛ والتي لا تعدو كونها جزءًا من التوثيقات الخاصة. ولهذا، قام بعض الرجاليين المتأخرين من الشيعة مثل الخوئي بدراسة أكثر من 13000 راوٍ مع حذف المشتركات، بينما عدد الرواة الذين تمت دراستهم في الكتب الرجالية المتقدمة مع حفظ المشتركات لا يتجاوز 2700 نفر (انظر: سيفي المازندراني، 1422هـ، 73).

قائمة موارد التوثيقات هي كالتالي:

ألف: التوثيقات الخاصة: أي أن يوثق راوٍ بعينه بشكل محدد (الخوئي، 1413هـ، 1: 49). ومن أمثلتها: تصريح المعصوم (ع)، تصريح كبار الرجاليين المتقدمين، تصريح كبار الرجاليين المتأخرين، إجماع المتقدمين، وجمع القرائن (السبحاني، 1414هـ، 149).

باء: التوثيقات العامة: أي أن توثق جماعة من الرواة ضمن قاعدة كلية وعنوان معين (السبحاني، 1414هـ، 50؛ الخوئي، 1413هـ، 1: 49). وهذه العناوين والقواعد هي: أصحاب الإجماع، مشايخ علي بن إبراهيم القمي، مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه القمي في كامل الزيارات، توثيقات الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد، مشايخ النجاشي، رواة كتاب المزار الكبير لابن جعفر المشهدي، شيخوخة الإجازة، ووكالة الإمام (انظر: الخوئي، 1413هـ، 1: 49-50؛ حسيني صدر، 1388ش، 72).

1- أصحاب الإجماع: الذين وردت أسماؤهم في عبارة الكشي: “أجمَعَتِ العِصابَهُ عَلَى تصحيح ما يَصِحُ عَنهُم وَ أَقَرُّوا لَهُم بِالفقــه و العلم” (الطوسي، 1404هـ، 2: 507). ستة منهم من أصحاب الإمام الصادق (ع)، وستة من أصحاب الإمام الكاظم (ع)، وستة من أصحاب الإمام الرضا (ع) (المامقاني، 1385ش، 1: 437؛ السبحاني، 1414هـ، 169).

2- مشايخ علي بن إبراهيم القمي: (الخوئي، 1413هـ، 1: 49) بسبب تصريحه في مقدمة تفسيره بأنه اعتمد على أخبار الرواة الثقات (القمي، 1404هـ، 1: 4).

3- مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه القمي في كامل الزيارات: وعددهم 32 شخصاً (الخوئي، 1413هـ، 1: 50؛ حسيني صدر، 1388ش، 72).

4- توثيقات الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد: بالنسبة لفصل تصريحات إمامة الإمام الكاظم (ع) وفصل تصريحات إمامة الإمام الرضا (ع)، حيث يعتبرهم ثقات ومن الكبار، وعددهم 24 شخصاً (حسيني صدر، 1388ش، 73).

5- مشايخ النجاشي: لأنه كان مقيداً بألا ينقل عن ضعيف. وقد أحصي عددهم بنحو 30 شخصاً (نفس المصدر: 74).

6- رواة كتاب المزار الكبير لابن جعفر المشهدي: الذين وثقهم، ويبلغ عددهم 134 شخصاً (نفس المصدر: 76-82).

7- الراوي من مشايخ الإجازة: قاعدة شيخوخة الإجازة أصبحت محل اهتمام الفقهاء منذ عصر الشهيد الأول، ويعتبرونها غالباً مفيدة للتوثيق (رباني، 1390ش، 252).

8- الراوي من وكلاء الإمام: (السبحاني، 1414هـ، 161).

على الرغم من وجود اختلاف في اعتبار بعض هذه التوثيقات، إلا أن كليتها محل اتفاق وإجماع علماء الشيعة. لذلك، لا ينبغي بسذاجة في الجرح والتعديل للرواة أن تُعتبر الكتب الرجالية الأربعة فقط، مما يؤدي إلى توهم الحصر، كما يحاول يحيى محمد الإيحاء به.

2. بشكل عام، يستند جرح وتوثيق كبار الرجاليين السابقين، أي مؤلفي الكتب الرجالية الأربعة، إلى مبدأين:

ألف: الروايات المنقولة والمسموعة من المعصومين (ع) عن الرواة: حيث كانوا يرجعون إلى الروايات المتعلقة بعلم الرجال لتمييز الراوي الثقة من غير الثقة، لتقييم الراوي في حال وجود رواية عنه. وبالطبع، لا تُقبل هنا كل الروايات، بل يشترط شرطان: أولاً، ألا يكون سندها ضعيفاً، وثانياً، ألا يكون الراوي نفسه الذي وردت الرواية بشأنه هو ناقلها، أو بعبارة أخرى، ألا يكون الراوي ذا مصلحة، ففي هذه الحالة لا يمكن الاعتماد على تلك الرواية (الخوئي، 1413هـ، 1: 39). ويمكن تفسير تأليف رجال الكشي في هذا الإطار.

باء: الشهادة الحسية أو القريبة من الحس من أفراد موثوقين، وغالباً ما يكونون من أهل الخبرة والرأي في علم الرجال ولهم مؤلفات (صرامي، 1385ش، 45).

بالطبع، الشهادة الحسية لا تعني بالضرورة أن أشخاصاً مثل الشيخ والنجاشي قد عاصروا الرواة وعاشوا في نفس عصرهم، بل إن شهادتهم الحسية يمكن تصورها بالطرق التالية:

أولاً: الاعتماد على الاستفاضة والشهرة: كان بعض الرواة يتمتعون بشهرة واسعة، وقليل من الناس كانوا يجهلون أحوالهم. هذه الشهرة، مصحوبة بقرائن وشواهد علمية أخرى (مثل محتوى الأحاديث المنقولة عن الراوي)، تفيد القطع.

ثانياً: النقل الشفاهي: المقصود هو أن أمثال الشيخ والنجاشي كانوا يسألون شيوخهم عن أحوال الرواة، وشيوخهم يسألون أساتذتهم، وهكذا تستمر السلسلة حتى طبقة معاصري الراوي (السبحاني، 1414هـ، 42). وبالتالي، فإن الفاصل الزمني بين كبار الرجاليين والرواة قد تم سده عبر سلسلة من الخبراء والثقات، ولا توجد أي مشكلة في كون الجرح والتعديل حسياً.

إن اعتبار مثل هذه الشهادات حسياً مقبول أيضاً في العرف وسيرة العقلاء، بمعنى أنه إذا نُقل أمر حسي عبر وسائط كثيرة، فإنه يكون مقبولاً وإن كانت الوسائط كثيرة.

ثالثاً: الاستفادة من كتب الرجال السابقة التي اطلع مؤلفها على أحوال الرواة عن طريق الحس؛ هذه الكتب التي أشير إليها ضمن بيان الإشكال كانت من أهم مصادر كبار الرجاليين مثل الشيخ والنجاشي، وتعتبر حلقة الوصل بين عصر الحضور وعصر تأليف المجاميع الرجالية (صرامي، 1385ش، 44). لذلك، كان للنجاشي والشيخ الطوسي سند وطريق إلى الكتب والأصول الحديثية والرجالية الأولية، ولم تصلهم هذه الآثار من فراغ، لذا فإن نقلهم عن الرجاليين القدماء معتبر.

لإثبات حسية أقوال الشيخ الطوسي والنجاشي وضرورة الرجوع إلى الخبير، يجب الانتباه إلى نقاط:

أولاً: أن العقلاء لا يفرقون بين المكتوبات والألفاظ والأقوال الشفهية. والعرف يعتبر المكاتبات والمراسلات في أي موضوع معتبرة، وربما يكون اعتبارها أعلى من النقل الشفاهي؛ لأن احتمال الخطأ فيها أقل. وفي القرآن والشريعة الإسلامية، اعتبرت المكتوبات مثل الوصية والإقرار معتبرة (انظر: الخاقاني، 1404هـ، 9). كما أن اعتبار القرآن الحالي ثابت عن طريق الكتابة لا النقل الشفاهي والقولي الذي كان سائداً فقط في عصر النزول (انظر: أبو رية، بدون تاريخ، 23). بناءً على ذلك، فإن أدلة حجية خبر الواحد تشمل المكتوبات الحديثية؛ لأن كتابة الحديث كانت رائجة في عصر المعصومين (ع)، وكان النقل الشفاهي يقتصر في الغالب على طبقة الرواة الأولى (الخاقاني، 1404هـ، 42). وبالطبع، لا ينبغي أن ننسى أن اعتبار المكتوبات عقلاً وشرعاً مشروط بإحراز انتساب الكتاب إلى مؤلفه، وهو ما يتيسر عن طريق القراءة والسماع والشهادة أو الوثوق النوعي مثل ختم المؤلف (سيفي المازندراني، 1422هـ، 20). كما أن بناء العقلاء هنا هو على عدم تحريف أو تغيير أو تبديل المتن.

ثانياً: سيرة السلف كانت مبنية على هذا الأساس، حتى أنهم في رواية الكتب المعروفة كانوا يحتاطون ولا يستفيدون إلا من طرق مثل السماع ورواية وإجازة الشيخ، وكان الشيوخ أيضاً في إعطاء الإجازة يحتاطون إلى أقصى حد (الخاقاني، 1404هـ، 96). هذه السيرة تدل على أقصى درجات الأمانة في استخدام الأصول والمصنفات (بهبودي، 1389ش، 28).

نتيجة لذلك، فإن آراء كبار الرجاليين في عصر صدور الروايات حول الرواة، إذا كانت مكتوبة، فهي معتبرة كالنقل الشفاهي. هذه الآراء التي كانت بمثابة شهادة حسية وردت في المصادر الرجالية قبل الشيخ والنجاشي. وقد سجل الشيخ آقا بزرك الطهراني أكثر من مئة مصدر رجالي في كتابه (انظر: آقا بزرك الطهراني، 1337ش). وكان الشيخ الطوسي والنجاشي على اطلاع بهذه الكتب، وقد عكسا آراء مؤلفيها عند بيان أحوال الرواة. وبناءً على ذلك، تثبت حسية أقوال الشيخ والنجاشي في هذا المجال. وإشكال عدم شمولية الكتب الرجالية السابقة وضياعها لا يضر باعتبار علم الرجال هنا، وهو أمر طبيعي تماماً؛ فمع تأليف المجاميع الرجالية التي تضمنت محتويات تلك الكتب، لم يعد هناك دافع لاستنساخها، ففُقدت مع مرور الزمن وفي العصور التالية. تمامًا كما أن الأثرين المتبقيين من تلك الفترة، أي رجال البرقي والعقيقي، لا يحظيان باهتمام كبير في الوقت الحاضر ككتب رجالية. إذن، المهم هو وجود تلك الكتب حتى عصر مؤلفي المجاميع الرجالية، وهو أمر محقق، وفقدانها في عصرنا الحاضر لا يخلق مشكلة.

ثالثاً: من أهم شواهد حسية جرح وتعديل الشيخ والنجاشي بعض عبارات هذين العالمين؛ على سبيل المثال، يكتب الشيخ: “إِنَّا وَجَدنا الطَّائِفَة مَيَّزَتِ الرِّجالَ الناقلة لهذه الأخبارِ فَوثَقَت الثَّقَاتِ مِنهُم وَضَعَفَت الضعفاء…” (الطوسي، 1417هـ، 1: 141). كما يستخدم النجاشي عبارة “ذَكَرَهُ أصحاب الرجال” بكثرة (على سبيل المثال: النجاشي، 1416هـ، 27، 104، 113، 164، 199، 207 و…). تدل هذه التعابير بوضوح على أن توثيق وتضعيف الرواة كان أمراً شائعاً بين علماء ذلك الزمان، وكانوا يدونونه في كتبهم، وكان للشيخ والنجاشي وصول إلى هذه الكتب (انظر: الخوئي، 1413هـ، 1: 41؛ السبحاني، 1414هـ، 42).

رابعاً: يرى معظم أصحاب الرأي أن مبنى حجية قول الرجالي هو من باب الرواية وخبر الثقة أو الاطمئنان النوعي الحاصل من جمع القرائن (حسيني صدر، 1388ش، 47)، وفي هذه الحالة، لا يشترط كون الخبر حسياً، ولا إحراز وثاقة الرجالي، ولا اتصال السند. لذلك، ليس قول الرجالي من باب الشهادة حتى نشترط التعدد بالإضافة إلى كونه حسياً. كما أن لازم قبول مبنى الشهادة ليس تعدد الشهود (انظر: المامقاني، 1385ش، 1: 351-364).

خامساً: إذا لم يمكن إثبات حسية آرائهم بسبب الفاصل الزمني بين عصر رواة الحديث وعصر تدوين المجاميع الرجالية، وكثرة الوسائط، يمكن إثبات مبنى حجية آرائهم من طريق آخر. كما نعلم، فإن إحراز وثاقة الرواة يتحقق عن طريق المعاشرة والاتصال الوثيق. إذا كان هذا الإدراك مباشراً، تكون المعرفة واقعية، وإذا كان بواسطة، فإن معرفتنا بالراوي تكون معرفة ظاهرية (الفضلي، 1430هـ، 128). فالمعرفة الواقعية متاحة فقط لمعاصري الراوي، ولا تتحقق للأجيال اللاحقة إلا بالمعرفة الظاهرية التي لا تشمل إلا القليل من الرواة. لذلك، كان لا بد من البحث عن طريق ثالث يقدم لنا معرفة معتبرة بالراوي ويشمل نطاقاً أوسع من الرواة. يمكن تسمية هذا الطريق بالمعرفة العلمية، أي المعرفة العلمية بأحوال الرواة، وفي هذه الحالة، لا يمكن القيام بها إلا من قبل الخبير والمتخصص في علم الرجال. وذلك بجمع كل ما يمكن أن يكون قرينة على معرفة الراوي، واستنباط وثاقته أو عدمها بناءً على ذلك. معظم هذه القرائن هي آراء الكبار ومؤلفي كتب الرجال السابقة التي وصلت إلينا عن طريق المؤلفات والنقل الشفاهي للمشايخ السابقين، وهذا لا يتنافى مع خبرتهم واجتهادهم؛ لأن المتخصص والخبير يأخذ في اعتباره جميع القرائن الحسية والعقلية، الحالية والمقالية.

بناءً على ذلك، فإن الرأي المعتمد في حجية آراء أمثال الشيخ الطوسي والنجاشي ومعاصريهم هو الخبرة والرجوع إلى المتخصص، وفي هذه الحالة يكون الاعتماد عليهم معقولاً تماماً. كما أن الإنسان يرجع إلى المتخصص في مختلف المسائل الشرعية وغير الشرعية، وهنا أيضاً يصدق الرجوع إلى المتخصص. ويوجد مؤيد قرآني لهذا الأمر (النحل: 43؛ الأنبياء: 7).

بقبول هذا المبنى، تكون أقوال الرجاليين المتأخرين أيضاً معتبرة؛ لأنه لا يوجد فرق في البعد الزمني بينهم وبين الرجاليين المتقدمين، وبالتالي فإن آراء أشخاص مثل العلامة الحلي وابن داوود أيضاً حجة من باب الخبرة. وبالطبع، بما أن علم الرجال مرتبط بالتاريخ، وفي التاريخ كلما كان المؤرخ أقدم زمنياً، كان أقدر على دراسة ظروف وأوضاع وأحوال السالفين، ففي علم الرجال أيضاً تكون درجة اعتبار آراء المتقدمين أعلى من المتأخرين (صرامي، 1385ش، 215).

2-4. الشبهة الثانية: قصور عبارات الجرح والتعديل وعدم كفايتها

الإشكال الثاني الذي يطرحه يحيى محمد على علم الرجال الشيعي هو قصور وعدم كفاية عبارات مصنفي المجاميع الرجالية حول الرواة، وهذا الأمر بدوره يلغي إمكانية الوصول إلى عدالة الراوي. فغالب التعابير الموجودة تحت أسماء الرواة لا تقدم معرفة كافية وضرورية.

ويوضح هذا الإشكال قائلاً: إن النجاشي، على الرغم من الحجم الصغير لكتابه، ذكر 1269 راوياً دون أن يقدم صورة كافية وواضحة لتقييمهم؛ ففي معظم الحالات، تكررت عبارة “ثقة” بمفردها أو مع ألفاظ أخرى، مع الاكتفاء بذكر اسم كتاب ومصنفات الراوي (يحيى محمد، 2007م، 231). بشكل عام، يمكن تلخيص حجم ونطاق معلومات رواة فهرست النجاشي، بناءً على ما ذكره يحيى محمد، في الجدول التالي:

فقط الاسم: أكثر من عشرة أسطر. 70 مورداً. أقل من سطر: 180 مورداً. أقل من سطرين: 270 مورداً. أقل من ثلاثة أسطر: 260 مورداً. أقل من أربعة أسطر: 180 مورداً. أقل من خمسة أسطر: لا يوجد. أكثر من خمسة أسطر: 300 مورد.

هذه الأرقام مع احتساب نقل السند والمعنعنة، وهي لا تفيد في تفصيل أحوال الرواة. كما أن معظم التوضيحات تتعلق بأسماء الكتب والمؤلفات، التي لا دور لها في معرفة الراوي (نفس المصدر، 231).

أما الشيخ الطوسي، فقد كان في فهرسته أكثر اختصاراً من النجاشي، حيث إن ثلاثة أرباع الرواة البالغ عددهم 888، مع احتساب سلسلة السند، لا تتجاوز ترجمتهم ثلاثة أسطر، وفي كثير من الحالات يكتفي بتعبير “له كتاب” (نفس المصدر، 235).

وجدير بالذكر أن هذه المشكلة نفسها تلاحظ في مصادر أهل السنة فيما يتعلق بالجارحين والمعدلين. على سبيل المثال، في كتاب “التاريخ الكبير” للبخاري، لا تتجاوز معظم عباراته سطراً واحداً إلى ثلاثة أسطر (انظر: نفس المصدر، 118).

نقد ودراسة

في الرد، يجب القول إن الجرح والتعديل إما أن يكون مجملاً ومبهماً، أو مبيناً ومفسراً. في النوع الأول، يكتفي الجارح والمعدل بعبارات كلية عن الراوي، مثلاً يقول عن راوٍ “ثقة” أو “صدوق” أو “كذاب” أو “متهم”. أما في الجرح والتعديل المفسر، فيبين دليل وعلة الجرح أو التعديل بوضوح (معارف، 1387ش، 352). إن مراجعة كتب الرجال تظهر غلبة الجرح والتعديل المجمل على الجرح والتعديل المبين. وفي مسألة أيهما المعتبر، هناك خلاف بين علماء الرجال؛ لكن الرأي المشهور بين علماء الشيعة والسنة هو أن التعديل المجمل والكلي مقبول، أما الجرح فلا يقبل إلا بالبيان والتفسير (نفس المصدر، 253). وفي مقابل الرأي المشهور، يرى بعض المحدثين أن الجرح المجمل لا مانع منه إذا كان الجارح عالماً وبصيراً في عمله. وقد عُدّ كبار مثل الباقلاني والغزالي والرازي والخطيب البغدادي وغيرهم من أنصار هذه النظرية (نفس المصدر).

بناءً على ذلك، فإن سيرة كبار الرجاليين الشيعة وأهل السنة كانت قائمة على هذا المبدأ، وهو التعريف بالرواة بعبارات موجزة. ومن دوافع وعوامل هذا الاختصار ما يلي:

1. أصلاً، تختلف طبيعة علم الرجال والجرح والتعديل عن سائر العلوم المرتبطة به مثل علم التراجم. ففي علم التراجم، الهدف هو التعريف بشخصيات الأعلام، وبيان أحوال الفرد بالتفصيل في هذا المقام يؤدي إلى التعرف على شخصيته بشكل أكبر. أما علم الرجال، فيتعلق بتقييم اعتبار الراوي، وتُدرس فقط الأحوال التي لها دخل في توثيق الراوي وتضعيفه. لذلك، فإن الأحوال الشخصية مثل المهنة والحرفة، والولادة والوفاة، والأسفار وغيرها، وإن كانت قد تفيد الرجالي قليلاً، إلا أنها ليست ضرورية، وتُذكر حسب ذوق المؤلف قلة وكثرة. فإذا قدم الجارح والمعدل معلومات في هذا المجال، يمكن الاستفادة منها، وإذا اكتفى بالحد الأدنى ووصف الراوي بكلمة “ثقة” مثلاً، فإن ذلك يكفي للمخاطب؛ لأن ما يدفعنا لمراجعة كتاب الرجال هو أن نعرف هل يمكن الاعتماد على فلان الراوي الموجود في سند الحديث أم لا؟ وذكر كلمة “ثقة” بشكل مجمل في هذا الباب يوصلنا إلى مبتغانا.

2. تلك الفئة من رواة الحديث التي تُذكر أحوالها وأوصافها في علم الرجال، كانوا غالباً من عامة الناس والمسلمين، وباستثناء عدد محدود كانوا من كبار أصحاب المعصومين (ع) وكانوا في مرأى ومنظر الآخرين، فإن البقية كانوا يعيشون في خفاء، ومن البديهي ألا تكون معلومات الجارحين والمعدلين عنهم كثيرة، وأن يكتفوا في تعريفهم بالألفاظ المفتاحية المطلوبة.

3. أحياناً، يؤدي شرح وتفصيل الأحوال الشخصية لراوٍ ما إلى الغفلة والابتعاد عن هدف الجرح والتعديل، وربما يوقع بعض المخاطبين في الخطأ والالتباس؛ لأن المخاطب العادي قد يعتبر أموراً لا تأثير لها في الجرح والتعديل عوامل ضعف أو قوة للراوي، ويستنتج بناءً عليها. لهذا السبب، كان كبار مثل الشيخ يمتنعون عن تفصيل أحوال الرواة لمصلحة يرونها (بهبودي، 1389ش، 49).

4. يمكن تقديم الإجابة الأخيرة بطريقة أخرى: إن تفصيل أحوال الرواة ضروري ولازم لمن يريد أن يصبح من أهل الرأي في علم الرجال؛ أما لمن يستفيد من الرجال كأداة في خدمة علوم أخرى، فلا ضرورة لذلك. فكما سبق، إذا اعتبرنا مبنى حجية قول الرجالي هو الرجوع إلى الخبير والمتخصص، فلا حاجة للتفصيل، بل تكفي المعرفة الإجمالية. تماماً كما في الفقه، يكتفي المكلف بالحصول على الفتوى الإجمالية دون أن يبحث عن جزئيات وتفاصيل الأحكام، ففي الرجال أيضاً، ينظر المخاطب إلى نتيجة دراسة العالم الرجالي التي تُعبّر عنها غالباً بكلمة “ثقة”، ويعتمد عليها. أليس المفسرون والمجتهدون في بحوثهم المختلفة يستفيدون من نتيجة استنباط العالم اللغوي؟ الوضع هنا كذلك.

3-4. الشبهة الثالثة: تعارض أقوال وروايات الجرح والتعديل

الإشكال الثالث الذي يطرحه يحيى محمد يتعلق بتعارض أقوال وروايات الجرح والتعديل، وهي مشكلة تمنعنا من الوصول القطعي إلى وثاقة الرواة وأصحاب الأئمة. حتى أن أشخاصاً مثل زرارة بن أعين وليث المرادي وحريز وعبد العظيم الحسني وغيرهم، الذين عُدّلوا في مرتبة عالية، لم يسلموا من مشكلة التعارض. فالشيخ الطوسي يرد رواية كبار مثل جعفر بن بشير، وجميل بن دراج، وابن همام، ويونس بن عبد الرحمن، وهشام بن سالم، وعمرو بن يزيد وأمثالهم؛ لأنها لم تصدر عن المعصوم وكانت وهماً من هؤلاء الكبار (يحيى محمد، 2007م، 241).

ومما يؤيد هذا الإشكال أيضاً حال أصحاب الإجماع، الذين وردت في رجال الكشي روايات متناقضة في مدحهم وذمهم. مثل زرارة، الذي وردت فيه عدة روايات في المدح والذم، حتى أن البعض يعتبر أخبار ذمه مستفيضة (نفس المصدر، 243). ورغم أن البعض الآخر حمل هذه المذمات على التقية، إلا أن نقل الأحاديث عن المقربين منه ينفي احتمال التقية، فضلاً عن أن بعض هذه الحالات لا يمكن حملها على التقية (انظر: نفس المصدر، 246).

نقد ودراسة

فيما يتعلق بتعارض الروايات واختلاف آراء الرجاليين، يجب التذكير بأن الاختلاف في علم الرجال، شأنه شأن سائر العلوم، أمر طبيعي تماماً ولا يمكن إنكاره. كما أن جزءاً من دراسات علم الأصول والرجال يتعلق بسبل رفع التعارض.

في المقام الأول، يجب القول إن التعارض يتحقق عندما لا يمكن الجمع بين دليلين، وبالتالي حيثما أمكن الجمع فلا تعارض. على سبيل المثال، إذا لم تُقبل رواية من أصحاب الإجماع لأسباب معينة، فهذا لا يعني التشكيك في وثاقتهم، بل في تلك الحالة، أدت قرائن أخرى إلى عدم العمل بالحديث المعني، وبالتالي لا يوجد تعارض.

في المرحلة التالية، إذا تحقق التعارض، يجب أن نرى ما هو منشأ التعارض في جرح وتوثيق الراوي؟ هل منشؤه الأحاديث الواردة عن المعصوم (ع) أم أقوال وآراء كبار الرجاليين الذين أبدوا رأيهم كجارح ومعدل؟ في الحالة الأولى، نتعامل معها كما نتعامل مع الأحاديث المتعارضة؛ أي نبحث عن المرجح كما هو مبين في أصول الفقه. مرجحات باب التعارض لها أقسام مختلفة، بعضها مرجحات صدورية مثل الشهرة وصفات الراوي التي تدل على أن صدور الرواية أقرب إلى الواقع. وبعضها مرجحات جهتية مثل مخالفة العامة؛ فبناءً على هذا المرجح، نفهم أن الحديث لم يصدر لبيان الحكم الواقعي، بل لعامل مثل التقية وغيره (المظفر، 1370ش، 2: 223).

المرجحات المنصوصة، المستفادة من أحاديث مثل مقبولة عمر بن حنظلة (الكليني، 1363ش، 1: 67) هي: 1- ترجيح الرواية الأحدث، التي تُقدّم بموجبها الرواية المتأخرة زمنياً. 2- ترجيح الحديث بناءً على صفات الراوي مثل الأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية. 3- الترجيح بالشهرة، حيث يُقدّم الحديث الذي يقابله رواية شاذة. 4- الترجيح بمعيار موافقة الكتاب، حيث تُرجّح الرواية الموافقة لظواهر القرآن. 5- الترجيح بمخالفة العامة؛ حيث تُقدّم الرواية المخالفة للعامة وآراء أهل السنة (انظر: المظفر، 2: 217-223).

أما إذا كان منشأ التعارض هو أقوال الجارحين والمعدلين، فبحسب المحققين، هناك عدة آراء لحل التعارض:

1. بناءً على الرأي المشهور، يُقدّم قول الجارح؛ لأن الجارح يخبر عن شيء لا علم للمعدل به، وبهذه الحالة يتم الجمع بين القولين (العاملي، 1376ش، 285). وبالطبع، تقديم قول الجارح مشروط بعدم إجمال قوله في الجرح وعدم تعصب الجارح (انظر: عتر، 1997م، 100).

2. يُقدّم قول المعدل مطلقاً؛ لأن التعارض يؤدي إلى التساقط، ونرجع إلى الأصل وهو أصالة العدالة في المسلم.

3. إذا أمكن الجمع بحيث لا يستلزم كذباً آخر، يُعمل بكلا القولين، وإلا نرجع إلى مرجحات باب التعارض مثل الأعدلية، والأكثرية، والأضبطية وغيرها.

4. التعارض يؤدي إلى التساقط وبالتالي التوقف.

5. في حالة تعارض إثبات أصل الملكة وعدمها، يحدث التساقط. وفي حالة تعارض ارتكاب المعصية وعدمها، يُقدّم قول المعدل لإجراء أصالة العدم (انظر: المامقاني، 1385ش، 1: 390-394). (4)

5. الخاتمة

مما سبق، نصل إلى النتائج التالية:

1. جرح وتعديل الرواة ليس أمراً خارجاً عن القدرة البشرية، وعلم الرجال في هذا المجال مفيد تماماً.

2. لم يتدخل الجارحون والموثقون للرواة، على الرغم من اختلافهم في التشدد، بأوهامهم ومشاعرهم الشخصية.

3. الفاصل الزمني بين أصحاب المجاميع الرجالية والرواة، بسبب النقل الشفاهي والاستفادة من مكتوبات رجالية من عصر المعصومين (ع)، لا يخل بكون الجرح والتوثيق حسياً.

4. حجية آراء الرجاليين يمكن أن تكون مبنية على الخبرة والتخصص، وفي هذه الحالة تكون آراء الرجاليين المتأخرين أيضاً معتبرة.

5. الطريقة المتداولة بين العلماء الرجاليين في إبداء الرأي حول الرواة هي مراعاة الاحتياط والاختصار.

6. وجود التعارض في علم الرجال، شأنه شأن سائر العلوم، أمر طبيعي، وقد قُدمت آراء وحلول للخروج منه.

7. في تعارض روايات المدح والذم لرواة مثل زرارة بن أعين، تُقدّم المرجحات الصدورية المتعلقة بدراسة السند على المرجحات الجهتية مثل الحمل على التقية.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

آقا بزرك الطهراني، محمد حسن، مصفى المقال في مصنفي الرجال، طهران، نشر عترت، 1337ش.

ابن داوود الحلي، تقي الدين، رجال ابن داوود، النجف، مطبعة الحيدرية، 1392هـ.

أبو رية، محمود، أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث، بدون مكان، نشر بطحاء، الطبعة الخامسة، بدون تاريخ.

إلهي بخش، خادم حسين، القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، الطائف، مكتبة الصديق، الطبعة الثانية، 1421هـ.

بهبودي، محمد باقر، معرفة الحديث وتاريخ نشره وتدوينه وثقافته عند الشيعة الإمامية، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، الطبعة الثانية، 1389ش.

الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة، تحقيق: أحمد بن عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، 1407هـ.

حسيني صدر، سيد علي، الفوائد الرجالية، قم، دليل ما، 1388ش.

الخاقاني، علي، رجال الخاقاني، تحقيق: سيد محمد صادق بحر العلوم، قم، دفتر تبليغات إسلامي، الطبعة الرابعة، 1404هـ.

الخميني، روح الله، البيع، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، 1421هـ.

الخوئي، سيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، بدون مكان، بدون ناشر، الطبعة الخامسة، 1413هـ.

مصباح الأصول، تقرير سيد محمد سرور واعظ حسيني، قم، مكتبة داوري، الطبعة الخامسة، 1417هـ.

رباني، محمد حسن، دانش رجال الحديث، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (ع)، 1385ش.

دانش دراية الحديث، مشهد، دانشگاه علوم إسلامي رضوي، 1390ش.

روشن ضمير، محمد إبراهيم، جريان شناسي قرآن بسندگي، طهران، سخن، 1390ش.

السبحاني، جعفر، كليات في علم الرجال، الطبعة الثالثة، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1414هـ.

سيفي المازندراني، علي أكبر، مقياس الرواة في كليات علم الرجال، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1422هـ.

صرامي، سيف الله، مباني حجيت آراي رجالي، قم، دار الحديث، 1385ش.

الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تحقيق سيد أحمد حسيني، بدون مكان، دفتر فرهنگ إسلامي، الطبعة الثانية، 1408هـ.

الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، العدة في أصول الفقه، تحقيق: محمد رضا أنصاري، قم، ستاره، 1417هـ.

تحقيق: ميرداماد وآخرون، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1404هـ.

العاملي، حسن بن زيد الدين، معالم الأصول، تحقيق علي محمدي، قم، قدس، 1376ش.

العاملي، زين الدين، البداية في علم الدراية، تحقيق: محمد رضا حسيني جلالي، قم، محلاتي، 1421هـ.

عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، دمشق، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1997م.

الفضلي، عبد الهادي، أصول علم الرجال، الطبعة الثانية، بيروت، مركز الغدير، 1430هـ.

القمي، علي بن إبراهيم، التفسير القمي، تصحيح: سيد طيب جزائري، قم، دار الكتاب، الطبعة الثالثة، 1404هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة، 1363ش.

المامقاني، عبد الله، مقباس الهداية في علم الدراية، تحقيق: محمد رضا مامقاني، قم، دليل ما، 1385ش.

المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم، دفتر تبليغات إسلامي، الطبعة الرابعة، 1370ش.

معارف، مجيد، شناخت حديث (مباني فهم متن – أصول نقد سند)، طهران، نبأ، 1387ش.

مهدوي راد، محمد علي، “پژوهش هاي حديثي”، دانشنامه جهان إسلام، طهران، بنياد دائرة المعارف إسلامي، 1375ش.

النجاشي، أبو العباس أحمد بن علي، رجال النجاشي، تحقيق: سيد موسى شبيري زنجاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1416هـ.

يحيى محمد، مشكلة الحديث، بيروت، الانتشار العربي، 2007م.

الهوامش

1. يحيى محمد، ناقد عراقي معاصر، ولد في العراق عام 1959م، وأمضى سنوات في بيروت وقم ومشهد، وقدم خلالها عشرات المؤلفات حول مناهج الفكر الإسلامي، مثل: مشكلة الحديث، مدخل إلى فهم الإسلام، فهم الدين والواقع، الفلسفة والعرفان، والإشكاليات الدينية، وغيرها. بالإضافة إلى هذه الأعمال، نشر يحيى محمد عشرات المقالات لعرض آرائه، وهي مدرجة في موقعه الرسمي (انظر: موقع فهم الدين ليحيى محمد http://www.fahmaldin.com).

2. للشيخ آقا بزرك الطهراني كتاب مستقل في هذا المجال (انظر: آقا بزرك الطهراني، 1337ش).

3. انظر: مقدمة فهرست ورجال الشيخ الطوسي.

4. طرح البعض صورًا أخرى للتعارض، ولكننا اقتصرنا على الرأي المشهور للاختصار (انظر: سيفي المازندراني، 1422ق، 115).

Scroll to Top