تحليل منهج أبي الفتوح الرازي في التعامل مع اختلاف القراءات في تفسير روض الجنان وروح الجنان

الملخص

لم يكن مفسرو القرآن في جهودهم التفسيرية في غنى عن الرجوع إلى قراءات القرآن. ولهذا، ورغم أن بعض الباحثين في الدراسات القرآنية قد اعتبروا القرآن والقراءات حقيقتين متغايرتين، إلا أنهم رأوا الاهتمام بالقراءات في التعامل مع تفسير القرآن أمراً لا مناص منه. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تفسير “روض الجنان” كأول تفسير شيعي باللغة الفارسية تناول اختلاف القراءات بالنقل وعرض الآراء. تدرس هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، رؤية الرازي في التعامل مع القراءات المختلفة، وتخلص إلى أنه لم يلتزم بقراءة معينة في بيان تفسير الآيات، بل سعى إلى ترجيح قراءة ما بذكر مواضع الاختلاف بمعايير مختلفة روائية وأدبية وتفسيرية وغيرها. وهذه القراءة المختارة ليست في بعض المواضع قراءة حفص عن عاصم. كما أن استنباطات المفسر التفسيرية قد تأثرت أحياناً بترجيحه لإحدى القراءات.

المقدمة

لتفسير القرآن ضوابط يجب أن تتم مراعاتها وفق أصول وقواعد خاصة، وإلا فقد يقع المفسر في ورطة التفسير بالرأي. من هذه القواعد، الإلمام بعلم القراءات. وقد صنف الباحثون القرآنيون اختلاف القراءات في سبعة أنواع: الاختلاف في هيئة الكلمة، والاختلاف في مادة الكلمة، والاختلاف في المادة والهيئة معاً، والاختلاف في هيئة الجملة، والاختلاف في تقديم الكلمات وتأخيرها، والاختلاف في زيادة الكلمة أو نقصانها، والاختلاف في اللهجة. من بين هذه الأنواع، بعضها لا تأثير له في التفسير أو تأثيره ضئيل، ولكن أنواعاً أخرى تؤثر في معنى الجملة وتفسير الآية على مستوى أصغر كهيئة الكلمة، أو على مستوى أكبر كمضمون الجملة. من هذا المنطلق، يمكن القول إن أحد المكونات الجادة في استنباط المعاني من الآيات هو الاهتمام بقراءة الآية.

اتخذ المفسرون في تعاملهم مع اختلاف القراءات ثلاثة مناهج رئيسة: فريق لم يتعرض لاختلاف القراءات إطلاقاً واكتفى بذكر القراءة المشهورة، مثل آية الله مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل. وفريق ثانٍ من المفسرين يعتقدون أنه يمكن الاستفادة من جميع القراءات السبع أو العشر المعتبرة دون ترجيح، مثل آية الله الخوئي في البيان. أما الفريق الثالث، فهم المفسرون الذين ذكروا القراءات المختلفة وسعوا أحياناً إلى ترجيح قراءة على أخرى، مثل الطبرسي في مجمع البيان. وهؤلاء المفسرون في بيان مراد الآيات يتأثرون بالقراءة التي يختارونها.

يعد تفسير “روض الجنان وروح الجنان” أقدم تفسير باللغة الفارسية وأحد أغنى مصادر التفسير الشيعي التي أولت اهتماماً ملحوظاً بالقراءات. وفي هذا البحث، نسعى من خلال دراسة مواضع اختلاف القراءات إلى تحليل وتقييم منهج المفسر في استنباطاته التفسيرية المتأثرة باختلاف القراءات.

1. مدخل إلى اختلاف القراءات

في بداية نزول القرآن، حظيت قراءة الآيات والسور باهتمام كبير، واهتم المسلمون بقراءة القرآن. في حياة النبي (ص)، لم يكن هناك خلاف في كيفية قراءة ألفاظ الوحي، وكان المسلمون يقرؤون القرآن كما تلقوه من رسول الله (ص). ولكن بعد وفاة النبي (ص)، بدأت مسألة اختلاف القراءات تظهر تدريجياً بين المسلمين، وساهمت عوامل متعددة في تفاقمها. وبلغت مسألة اختلاف القراءات ذروتها لدرجة دفعت بعض العلماء إلى التفكير في وضع ضوابط لها. فكان تدوين الكتب في علم القراءات، ثم طرح القراءات السبع والعشر والصحيحة والشاذة، نتاج هذا التفكير.

طرح ابن مجاهد لأول مرة في القرن الرابع القراءات السبع، وفي كتابه “القراءات السبعة”، عرّف أولئك الذين كانوا على دراية بعربية الألفاظ ووجوه الإعراب والقراءات ومشكلاتها، وكذلك بلغات ومعاني كلام الله، بأنهم أئمة القراءة، وأضفى الرسمية على قراءاتهم (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 45). بعد ذلك، انبرى فريق لتحليل هذه القراءات أدبياً أو لتأييدها.1

وقام بعض الباحثين القرآنيين، بوضع معايير جديدة، بتوسيع نطاق القراءات المعتبرة إلى ما هو أبعد من السبع، ومن خلال تأليف كتب في باب القراءات العشر، أضافوا أسماء ثلاثة قراء آخرين إلى القراء السبعة، وبهذا ظهرت القراءات العشر. وبعد فترة، أُضيف أربعة قراء آخرين إلى مجموعة القراء العشرة، مما مهد الطريق لتدوين القراءات الأربع عشرة.2

في هذه المؤلفات، طُرحت معايير متنوعة من قبل العلماء لاعتبار القراءة صحيحة. ابن خالويه، على عكس ابن مجاهد الذي كان يبحث عن معيار تقييم صحة القراءة في الرواة، اعتبر أن المعيار يكمن في القراءة نفسها ولخصه في ثلاثة أمور:

  1. أن لا تكون القراءة مخالفة للمصاحف العثمانية.
  2. أن لا تخالف قواعد الإعراب والنحو.
  3. أن تكون من القراءات التي أخذها أئمة القراءة بعضهم عن بعض (ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، 1421: 31).

أما ابن الجزري، فقد حدد معيار صحة واعتبار القراءة بصحة السند، وموافقة قواعد العربية – ولو بوجه من الوجوه – وموافقة رسم خط أحد المصاحف العثمانية – ولو احتمالاً (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 9).

وحول شرط صحة السند، ثارت خلافات أيضاً. فاشترط البعض تواتر السند لصحته (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/259)، بينما اكتفى فريق آخر باستفاضته (المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، 1424: 133).

وقد أضاف بعض الباحثين القرآنيين المعاصرين، ضمن نقدهم للمعايير السابقة وعدم فعاليتها في حل مشكلة اختلاف القراءات، معايير أخرى. على سبيل المثال، يرى هذا الاتجاه أن معيار صحة القراءة هو موافقتها للنص الموجود بين عامة المسلمين. وتتحقق هذه الموافقة في أي قراءة متى ما توفرت الشروط التالية:

  1. موافقة ما هو مدوّن ومعروف بين عامة المسلمين.
  2. موافقة أفصح قواعد اللغة العربية.
  3. عدم معارضتها لدليل قطعي (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/154).

2. التعريف بأبي الفتوح الرازي وتفسيره

جمال الدين حسين بن علي بن محمد بن أحمد الخزاعي، عالم ومفسر إمامي شهير ومؤلف تفسير “روض الجنان وروح الجنان”. ولد في مدينة الري حوالي عام 480 هـ في أسرة علمية. كان أبو الفتوح يميل أكثر إلى الوعظ والخطابة، لدرجة أن هذا الأسلوب ترك تأثيراً واضحاً على أسلوبه التفسيري. كان أبو الفتوح أستاذاً في بعض علوم عصره، وكما يظهر من تفسيره، كان متبحراً في علوم النحو، والقراءات، والحديث، والفقه، والأصول، والتاريخ. ذكره منتجب الدين بعبارة “الإمام السعيد ترجمان كلام الله تعالى”، وقال إنه كان عالماً، واعظاً، ومفسراً للدين (منتجب الدين الرازي، فهرست منتجب الدين، 1366: 1/48). ومن أبرز تلامذته منتجب الدين الرازي وابن شهرآشوب (دائرة المعارف بزرگ إسلامي، 1367: 6/110).

تفسير “روض الجنان وروح الجنان”، لأبي الفتوح الرازي، هو أقدم تفسير شيعي باللغة الفارسية، يستند إلى الفكر الكلامي والفقهي الشيعي، وقد كُتب في النصف الأول من القرن السادس الهجري (510 – 553 هـ) في عشرين مجلداً. يصنف هذا التفسير، من حيث التوجه التفسيري، ضمن التفاسير الجامعة، ويحتوي على موضوعات ومسائل متنوعة أدبية، وكلامية، وفقهية، وتاريخية، وعرفانية، وأخلاقية.

الجدير بالذكر أن أبا الفتوح قد استفاد في تفسيره من “التبيان” للشيخ الطوسي. في الواقع، كانت مصادر التفسير الشيعية قبل الشيخ الطوسي تميل أكثر إلى المنهج النقلي والروائي، وكان الشيخ الطوسي هو من اتبع منهجاً جديداً في التفسير في كتابه “التبيان”. بعد ذلك، كُتب تفسير أبي الفتوح والطبرسي متأثراً بتفسير الشيخ الطوسي. كما كان لتفسير أبي الفتوح تأثير على التفاسير العربية والفارسية التي جاءت بعده. وقد أثنى القاضي نور الله الشوشتري على هذا التفسير وكتب: “إن الفخر الرازي قد استقى أساس تفسيره من هذا التفسير”. ولهذا، صرح بعض المحققين بأنه “من خلال الدراسة الدقيقة لتفسير مفاتيح الغيب وتفسير روض الجنان وروح الجنان، يتضح صدق ما ذُكر ويتأكد، ويُعلم أن الإمام الفخر كان يضع تفسير الشيخ أمامه عند تدوين وتأليف تفسيره، وقد استفاد منه استفادات جمة” (حقوقي، تحقيق در تفسير ابوالفتوح رازي، 1384: 1/345؛ معرفت، التفسير والمفسرون، 1418: 2/392). ورغم ذلك، تعرض هذا الرأي للنقد والمعارضة من قبل بعض الباحثين (حقیقت‌خواه، “مقایسه تفسیر ابوالفتوح رازی با تفسیر فخر رازی”، 1384: 94).

ومن بين التفاسير الفارسية المتأثرة بتفسير “روض الجنان”، يمكن ذكر تفسير حسين بن حسن الجرجاني المعروف بـ”تفسير گازر”، وكذلك “تفسير منهج الصادقين” لملا فتح الله الكاشاني (ياحقي، دانشنامه جهان إسلام، 1382: 7/680).

3. مكانة القراءات في تفسير روض الجنان وروح الجنان

تناول أبو الفتوح الرازي في تفسيره اختلاف القراءات بشكل ملحوظ، لدرجة أنه ذكر معظم مواضع اختلاف القراءات في الآيات. بالطبع، يأتي بحث القراءات في هذا الكتاب مصاحباً لتفسير الآيات، حيث يطرح المفسر القراءات المتنوعة في سياق شرح الآيات (إيازي، تفسير پژوهي ابوالفتوح رازي، 1384: 1/54). وتماشياً مع هذا المنهج، لم يكتفِ بذكر قراءات القراء السبعة فحسب، بل أشار في مواضع مختلفة من تفسيره إلى قراءات مشهورة أخرى، والقراءات العشر، أو القراءات الشاذة، وأحياناً كان ينقدها. ومن النقاط الجديرة بالاهتمام في هذا التفسير ذكر قراءات بعض الصحابة، مثل عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس وغيرهم، والتي كان يستشهد بها أحياناً كدليل تفسيري.

في معظم الحالات، يشرح أبو الفتوح وجوه اختلاف القراءات، ويبيّن الدليل المعنوي أو الأدبي والتأثير الذي تحدثه في الجملة والتغيير الذي توجده في تفسير الكلام (نفس المصدر: 55).

يبدو أن ذكر القراءات المختلفة دليل على أن أبا الفتوح الرازي لم يكن يلزم نفسه بالتقيد بقراءة معينة، ولذلك لم يرجح أياً من القراءات بشكل مطلق في تفسيره.

3-1. معايير صحة القراءة عند أبي الفتوح

على الرغم من أن أبا الفتوح لم يخصص فصلاً مستقلاً في تفسيره لشرح القراءة وتوضيح رؤيته، إلا أنه يمكن استخلاص معاييره لصحة القراءة من ثنايا تفسيره. من بين هذه المعايير، الاهتمام بالسماع والنقل في القراءة. وبناءً على هذا المعيار، فإن القراءة الناشئة عن اجتهاد القارئ وإعمال نظره غير مقبولة. في تفسير آية ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة/105)، ورغم تصريحه بجواز قراءة “المشركين” بالرفع في اللغة العربية، إلا أنه لا يراها قراءة صحيحة ويقول إن صحة القراءة تتوقف على السماع والنقل، ولم يقرأ أي من القراء هذه الكلمة بالرفع (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 2/97). ومن المعايير الأخرى لدى أبي الفتوح في صحة القراءة، موافقة المصاحف. وهذا المعيار، كما سيُذكر لاحقاً، من موارد ترجيح القراءة عند الرازي.

من المعايير التي حظيت باهتمام بعض باحثي القراءات، الاهتمام بقراءة العامة. وقد ذكر مكي بن أبي طالب في كتابه “الإبانة في معنى القراءات” في مبحث اختيار القراءات: “إن أكثر اختيار القراءات يتعلق بالقراءة التي تتصف بثلاث خصائص: قوة الوجه في اللغة العربية، وموافقة المصحف، واجتماع العامة عليها”. ثم يعدد ما يعنيه باختيار العامة: ما أجمع عليه أهل المدينة والكوفة، وما أجمع عليه أهل الحرمين (مكة والمدينة)، والقراءة التي اتفق عليها نافع وعاصم (مكي بن أبي طالب، الإبانة في معنى القراءات، د.ت: 89). بالطبع، يرى البعض أن المراد بقراءة العامة هي القراءة التي يقرأ بها عموم الناس، وليس بالضرورة أئمة القراءات (ذوقي، ملاك‌هاي ترجيح قرائت و توسعه آن، 1396: 79).

يستخدم أبو الفتوح أحياناً مصطلح “قراءة العامة”. على سبيل المثال، في آية ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة/255)، يذكر كلمة “قيّام” وهي قراءة ابن مسعود، و”قيِّم” وهي قراءة علقمة، ثم يعرّف قراءة العامة بأنها “قيّوم” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 3/403).

وفي بعض الحالات، يتضح من خلال التصريح بكلمة “القراء” أن مقصوده بقراءة العامة هو قراءة جمهور القراء؛ كما في قراءة الآية 102 من سورة البقرة ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، حيث يقول: إن قراءة ابن عباس وحسن البصري هي “مَلِكين” وقراءة عامة القراء بكسر اللام (نفس المصدر: 2/81). ورغم أن أبا الفتوح لم يصرح بمعيارية قراءة العامة، إلا أنه من خلال الاهتمام بها وإهمال القراءات الشاذة، يمكن استنتاج أن هذا الأمر من المكونات الأساسية لاعتبار القراءة لديه؛ وبناءً عليه، فإن موافقة القراءات المشهورة معيار لم يغفل عنه في تفسير أبي الفتوح. أحياناً يطرح أبو الفتوح تفسيراً موافقاً لقراءة شاذة ويستحسنه، ولكنه يتخلى عنه بسبب شذوذ القراءة؛ مثل آية ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ (الأنفال/30)، فبعد ذكر قراءة إبراهيم النخعي “لِيُبَيِّتُوكَ” (أي ليبيتوك) واستحسان معناها، يرى أن مشكلة هذه القراءة هي شذوذها (نفس المصدر: 9/103)؛ أو في آية ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (البقرة/267)، فبعد ذكر القراءات المختلفة “تُغْمَضُوا”، “تُغْمِضُوا”، “تُغْمُضُوا”، يكتب: كل هذه القراءات شاذة، والقراءة العامة هي “تُغْمِضُوا” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 4/66).

3-2. انطباق القراءة المختارة على غير قراءة حفص عن عاصم

من الملاحظات الجديرة بالاهتمام في تفسير “روض الجنان” أن القراءة المختارة لأبي الفتوح في بعض المواضع تكون غير قراءة حفص عن عاصم. مثل الآية 57 من سورة الأنعام ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾، حيث أورد أبو الفتوح بدل كلمة “يَقُصُّ” التي هي قراءة عاصم، كلمة “يَقْضِي” التي هي قراءة أبي عمرو (نفس المصدر: 7/310). وكذلك في الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف/57)، فإن معنى الآية وفق قراءة عاصم “بُشْرًا” هو: “هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته (المطر)”. وقد رجح أبو الفتوح في ترجمته وتفسيره قراءة “نَشْرًا” وفسر الآية على هذا النحو: هو الله الذي يرسل الرياح المتفرقة قبل مطره (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 8/227).

في آية ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (ص/62-63)، يخبرنا الله عن قول الكافرين: لماذا لا نرى رجالاً مؤمنين كنا نعدهم من الأشرار؟ ووفقاً لقراءة عاصم، فإن جملة “أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا” سؤال يطرحه الكافرون على أنفسهم: هل كنا نسخر منهم؟ وقد رجح الرازي قراءة “إِتَّخَذْنَاهُمْ” وعلل ذلك بأن الكافرين لم يكن لديهم شك في أنهم كانوا يسخرون من المؤمنين (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 16/288).

في آية ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم﴾ (الزخرف/24)، قراءة حفص عن عاصم وابن عامر هي “قَالَ”. وقراءة باقي القراء هي “قُلْ” بصيغة فعل الأمر. وقد أورد أبو الفتوح في ترجمته وتفسير الآية فعل الأمر (نفس المصدر: 17/160).

3-3. الاستناد إلى القراءة لإثبات الحكم الفقهي

يستعين أبو الفتوح أحياناً بالقراءة لإثبات أو تأييد حكم فقهي أو مذهب فقهي. ويمكن ملاحظة أمثلة لهذا المنهج في الحالات التالية:

أ. في آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة/196)، قُرئت كلمة “العمرة” بوجهين: الرفع والنصب. ففي حالة الرفع، تكون “العمرة” مبتدأ و”لله” خبرها. وفي حالة النصب، تكون “العمرة” معطوفة على “الحج”، والفعل “أتموا” هو العامل فيها. ولهذا السبب، اختلفت المذاهب الفقهية في وجوب العمرة أو عدم وجوبها. يرى أبو الفتوح أن دليل وجوب العمرة هو قراءة “العمرة” بالنصب (نفس المصدر: 3/88).

ب. في آية ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة/222)، قُرئت كلمة “يَطْهُرْنَ” بصورتين: “يَطَّهَّرْنَ” و”يَطْهُرْنَ”. القراءة الأولى تشير إلى جواز المقاربة بعد انقطاع الدم، بينما تشير القراءة المشددة إلى وجوب المقاربة بعد الغسل. يعتبر أبو الفتوح القراءة غير المشددة حجة للحكم الفقهي بجواز المقاربة بعد انقطاع الدم وقبل الغسل (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 3/237).

ج. في آية ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، استدل بأن قراءة أبيّ لا تحتوي على عبارة “إِنْ خِفْتُمْ”، واستفاد من الآية لتأييد رأيه وكتب: قصر الصلاة ليس فقط في حالة الخوف (نفس المصدر: 6/86).

4. منهج أبي الفتوح في موارد اختلاف القراءات

ليس لأبي الفتوح الرازي منهج ثابت في مواضع اختلاف القراءات؛ بل في بعض الحالات يهتم بالقراءات المختلفة دون أن يبدي أي رأي. وفي حالات أخرى، بالإضافة إلى ذكر القراءات، يبدي رأيه أيضاً. وبالطبع، في القسم الثاني، لم يكن منهجه واحداً. في ما يلي، نشير إلى أمثلة لذلك.

في معظم الحالات، يكتفي أبو الفتوح بذكر اختلاف القراءات ولا يذكر شيئاً في تأييد أي منها أو ردها. على سبيل المثال، في الآية 210 من سورة البقرة ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، يكتب: كل القراء قرأوا كلمة “الملائكة” بالرفع، إلا أبا جعفر الذي قرأها بالجر عطفاً على “الغمام” (نفس المصدر: 3/167).

كذلك في آية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (البقرة/267) يورد: قرأ ابن كثير “تيمموا” بتشديد التاء، وروي عن عبد الله بن مسعود “لا تأمّموا” بمعنى القصد، وقرأ عبد الله بن عباس “لا تَيَمَّموا” بمعنى “لا تتوجهوا”، وقرأ سائر القراء “لا تَيَمَّموا” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 4/65).

في الحالات التي يبدي فيها أبو الفتوح رأيه، قد يؤيد أحياناً كلتا القراءتين أو القراءات المتعددة، وأحياناً يرجح قراءة واحدة فقط، وفي حالات أخرى يرد قراءة واحدة فقط. وهذه الأمثلة هي:

4-1. تأييد قراءتين أو أكثر

في بعض الحالات، يؤيد أبو الفتوح جميع القراءات من خلال التصريح بصحة قراءتين أو أكثر. على سبيل المثال، في قراءة آية ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (البقرة/177)، قرأ حمزة وحفص كلمة “البرَّ” بالنصب واعتبروها خبر “ليس”، وبالتالي فإن “أن تولوا” مؤولة بمصدر هو اسم “ليس”. وفي القراءات الأخرى، جاءت كلمة “البرُّ” بالرفع وهي اسم “كان”، و”أن تولوا” خبر “ليس”. يشير أبو الفتوح إلى كلتا القراءتين ويكتب: “البرّ” معرّف بـ”اللام”، والمصدر بإضافته إلى الضمير يصبح معرفة. ويستنتج، بناءً على أن معرفتين يمكن أن تكونا اسماً أو خبراً، أن كليهما يمكن أن يكون اسم “ليس” أو خبرها. ونتيجة لذلك، فإن كلتا القراءتين في الآية الكريمة صحيحتان (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 2/308).

وهو، بطرحه هذا الاستدلال في آية ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ (آل عمران/147) حول كلمة “قولَهم” التي قُرئت بالنصب والرفع، يكتب: هاتان القراءتان متقاربتان في المعنى؛ لأنه إذا كان المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، يجوز جعل أي منهما اسماً أو خبراً (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 5/102).

وفيما يتعلق بقراءة “مالك” و”ملك” في آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يذكر دليل قراءة “مالك” نقلاً عن الذين قرأوا بهذه الطريقة: في ذلك اليوم، تزول ملكية جميع المالكين. والآيات ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ (الانفطار/19) و﴿لَّا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ (النبأ/37) تشهد على ذلك. ودليل قراءة “ملك” هو أن الله يسلب ملكية جميع الملوك منهم. والآية ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر/16) تؤيد ذلك أيضاً. وبعد ذكر دليل القراءتين، يعتبر أبو الفتوح كلتيهما حجة (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 1/75).

مثال آخر هو آية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام/57). مع الأخذ في الاعتبار أن كلمة “يَقُصُّ” هي قراءة عاصم وأهل الحجاز، وأن قراءتها بصيغة “يَقْضِي” منقولة عن أبي عمرو، يكتب: دليل قراءة “يَقْضِي” هو عبارة “هُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ”؛ لأن الفصل يُطرح في القضاء والحكم وليس في القصص. ثم بذكر قراءة عاصم، يوضح أنه في رأي أهل الحجاز، يُستخدم الفصل في كلا المعنيين، أي القضاء والقول؛ مثل آية ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. وفي النهاية، يقبل كلتا القراءتين ويؤكد حجيتهما (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 7/310).

بالطبع، أحياناً لا يصرح أبو الفتوح بقبوله لقراءتين أو أكثر، ولكنه يأتي بتأييد وشاهد من الآيات لكلتيهما ولا يذكر شيئاً في ردهما أو ترجيح إحداهما؛ لذا يمكن استنتاج أنه يقبل كلتا القراءتين. على سبيل المثال، في آية ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (البقرة/236)، يقول: قرأ بعض القراء كلمة “تَمَسُّوهُنَّ” بصيغة “تُمَاسُّوهُنَّ” من باب المفاعلة؛ لأن البشرة تلامس بعضها البعض. وقرأ القراء الآخرون “تَمَسُّوهُنَّ” لأن غشيان الفعل من الرجل. ونتيجة لذلك، فإن القراءة الأولى نظير لآية ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة/4)، والقراءة الثانية نظير لآية ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ (مريم/20) (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 3/303).

4-2. رد قراءة واحدة

في معظم الحالات، ينفي أبو الفتوح قراءة ما وينكرها بسبب مخالفتها للغة أو أدب العربية. وفيما يلي بعض الأمثلة على رد القراءات:

أ. فيما يتعلق بقراءة آية ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (البقرة/282)، بعد ذكر قراءة أبي جعفر الذي قرأ “لا يضارْ” بصيغة الجزم والتخفيف، يقول: هذه القراءة ضعيفة؛ لأن البناء الصحيح للكلمة المضعفة في هذا الباب عند التقاء الساكنين يجب أن يكون مشدداً ومتحركاً (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 4/138).

ب. في بيان اختلاف قراءة آية ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ (المائدة/2)؛ “لا يحملنكم بغض قوم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا [عليهم]”. بعد ذكر قراءة ابن كثير وأبي عمرو الذين قرأوا “أَنْ صَدُّوكُمْ” بكسر همزة “إِنْ”، يعتبر هذه القراءة ضعيفة؛ لأن أدوات الشرط لا تدخل على فعل معناه ماضٍ. وإذا دخلت على فعل ماضٍ، فإنها تؤوله إلى مستقبل؛ ولكن حيثما كان اللفظ والمعنى ماضياً، فإن هذا التأويل ليس صحيحاً (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 6/231). بالطبع، برر بعض باحثي القراءات شرطية “إِنْ” في هذه العبارة؛ على سبيل المثال، يقول أبو علي الفارسي في بيان وجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو: “إِنْ” هنا للجزاء. ورداً على الإشكال القائل: كيف يمكن أن تكون “إِنْ” للجزاء مع ماضيّة “صَدُّوكُمْ”؟ يجيب: الآية تتعلق بصد المسلمين عن بيت الله في الحديبية، والجزاء شيء لم يقع بعد (الفارسي، الحجة للقراء السبعة، 1413: 3/213). يشير أبو الفتوح إلى هذا التبرير، ويثير إشكاله، وفي المقابل يضعف تبرير أبي علي (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 6/231).

ج. في آية ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (النور/35)، يذكر القراءة الأخرى لكلمة “دُرِّيّ” وهي “دُرِّيء” ويكتب: القراءة بضم الدال والهمزة ضعيفة؛ لأنه لم يرد في كلام العرب “فُعِّيل” بضم الفاء وتشديد العين (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 14/145).

د. في آية ﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (الأنعام/137)؛ أي أن شركاءهم زينوا لهم قتل أولادهم. قرأ ابن عامر: “كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ”. في هذا التركيب، فُصل بين المضاف (قَتْل) والمضاف إليه (شُرَكَاء)؛ ولإثبات صحتها، استُشهد بشعر عربي. يضعف أبو الفتوح هذه القراءة ويعتبر الأشعار المذكورة شاذة ويكتب: كلام الله لا يُحمل على الشاذ؛ والعرب لا تفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا بظرف (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 8/52).

4-3. تأييد وترجيح قراءة واحدة

في بعض الحالات، يرجح أبو الفتوح قراءة على سائر القراءات بأدلة متنوعة مثل الانسجام مع آيات أخرى أو دليل روائي، لغوي، وغير ذلك. من أمثلة هذه المرجحات القرآنية ما يلي:

4-3-1. ترجيح القراءة لدليل انسجامها مع آيات أخرى

يرى أبو الفتوح في قراءة “يُبَشِّرُكَ” في آية ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ (آل عمران/39)، أن أحد أسباب ترجيح قراءة “يُبَشِّرُكَ” على القراءة غير المشددة هو انسجامها مع آيات أخرى. وذلك لأن هذا اللفظ في كل مواضع القرآن التي استُخدم فيها بصيغة الماضي والأمر جاء مشدداً؛ مثل: “فبشرناه بإسحاق”؛ “فبشّر عباد” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 4/305)؛ أو في ترجيح قراءة “يَتَنَاجَوْنَ” على “يَنْتَجُونَ” في آية ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المجادلة/8)، يرى أن دليلها هو الآية التالية ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ (المجادلة/9) (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 19/78).

4-3-2. ترجيح القراءة لدليل موافقتها للمصاحف

يشير أبو الفتوح في قراءة كلمة “صراط” في آية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الحمد/6) بحرف “صاد” إلى القراءات المختلفة لها بالسين وإشمام الصاد بالزاي، وعلى الرغم من تصريحه بأنها كلها صحيحة وفصيحة، إلا أنه يرجح قراءة “صاد” لمطابقتها لرسم المصحف. بالإضافة إلى أن “صاد” تتفق مع “طاء” في صفة الاستعلاء، وهذا يمكن أن يكون دليلاً آخر على تأييد وترجيح قراءة “صاد” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 1/85)؛ أو في آية ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ﴾ (القدر/4)، نُسب إلى ابن عباس أنه قرأ “من كل امرئ سلام”. يرفض أبو الفتوح هذه القراءة لمخالفتها لرسم المصحف ويؤيد القراءة الأولى لموافقتها لرسم المصحف (نفس المصدر: 20/356).

4-3-3. ترجيح القراءة لدليل روائي

في آية ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة/125)، قرأ بعض القراء بصيغة الفعل الخبري، أي “اتَّخَذُوا”. يذكر أبو الفتوح رواية تؤيد القراءة بصيغة الأمر. الرواية هي: ذات يوم، كان رسول الله (ص) يمر مع أحد أصحابه بمقام إبراهيم. فقال الصحابي للنبي (ص): يا رسول الله، أليس هذا مقام أبيك إبراهيم؟ قال النبي (ص): بلى. قال الصحابي: فلماذا لا نستقبله في الصلاة؟ قال النبي (ص): لم يأمرني الله بذلك. يقول الراوي: في تلك الليلة نزلت الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وتحول النبي (ص) من بيت المقدس إلى الكعبة (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 2/145).

أو في تقوية وترجيح قراءة “نُنْسِهَا” في آية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة/106) على قراءات أخرى مثل: “نَنْسَأْهَا” و”نَنْسَأَهَا”، ينقل عن سهل بن حنيف قوله: ذات يوم، في مجلس رسول الله (ص)، قام رجل وقال: يا رسول الله، كنت أحفظ بضع آيات أقرؤها في صلاة الليل. الليلة الماضية، أردت أن أقرأها فلم أتذكر حرفاً واحداً. فقام آخر وقال نفس الشيء. فقال رسول الله (ص): ذلك لأن الله نسخ تلك الآيات، وعندما ينسخها، يزيلها من الذاكرة والقلوب (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 2/102).

4-3-4. ترجيح القراءة لدليل لغوي

أحياناً، يستدل أبو الفتوح باللغة العربية الشائعة لترجيح قراءة ما. على سبيل المثال، في آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (الحجرات/4)، بالإشارة إلى أن لكلمة “حجرات” لغتين، إحداهما بفتح الجيم والأخرى بضمها، يصرح بأن اللغة الثانية أفضل ويذكر شعراً كشاهد (نفس المصدر: 18/15).

أو في آية ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ (آل عمران/39)، يذكر أن دليل ترجيح قراءة “يُبَشِّرُكَ” على القراءة غير المشددة هو لغة عامة العرب (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 4/305).

4-3-5. ترجيح القراءة لدليل حمل الكلام على الظاهر

يرجح أبو الفتوح في آية ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (المائدة/95) قراءة “جزاءٌ” بالتنوين على القراءة بدون تنوين (إضافة كلمة جزاء إلى مثل)؛ لأنه بناءً على هذه القراءة، يُحمل الكلام على ظاهره؛ أما في القراءة الأخرى، فيحتاج إلى تقدير (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 7/159).

4-3-6. ترجيح القراءة لأدلة أدبية

إن انسجام وتناسب تركيب وألفاظ الآية مع الأدب العربي هو أحد معايير ترجيح القراءة في تفسير أبي الفتوح. على سبيل المثال، في آية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء/1)، قراءة حمزة بالجر “والأرحامِ” عطفاً على الضمير المجرور “به”. يرى أبو الفتوح أن القراءة بالنصب أصح وأفصح؛ لأن العرب لا تعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور، إلا إذا تكرر حرف الجر (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 5/234).

4-3-7. ترجيح القراءة لأدلة تفسيرية

في بعض الحالات، يكون الفهم الدقيق للآية مع مراعاة جميع الجوانب التي تؤخذ في الاعتبار في التفسير سبباً في ترجيح قراءة من قبل المفسرين. وقد أشار بعض المحققين إلى هذا الترجيح بمصطلح “الترجيح التفسيري” (ذوقي، ملاك‌هاي ترجيح قرائت و توسعه آن، 1396: 150). على سبيل المثال، في آية ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (المائدة/2)، قرأ فريق من القراء “أَنْ صَدُّوكُمْ” وفريق آخر “إِنْ صَدُّوكُمْ”. في حالة الفتح، يكون مصدر “صد” في محل مفعول له، ونظراً لدخوله على فعل ماضٍ، فإنه يدل على الماضي؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم بسبب صدهم لكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم. ولكن في حالة كسر همزة “إن”، تكون شرطية وتحول الفعل بعدها إلى المستقبل. وفقاً لهذه القراءة، يصبح معنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم. ونظراً لأن سورة المائدة من آخر السور المدنية، وحادثة الحديبية التي صد فيها المشركون النبي (ص) والمؤمنين عن دخول المسجد الحرام، فإن الآية تتعلق بصد المشركين في الماضي. وبهذا، تُرجح قراءة “أَنْ صَدُّوكُمْ” (نفس المصدر: 191).

في تفسير أبي الفتوح، يمكن الإشارة إلى هذا المعيار في ترجيح القراءة في الحالات التالية:

في آية ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾ (النازعات/18)، قرأ نافع “تَزَّكَّىٰ”، ويرجح أبو الفتوح قراءة “تَزَكَّىٰ”؛ لأن القراءة المشددة تعني إعطاء الزكاة، وموسى (ع) لم يدعُ فرعون إلى إعطاء الزكاة، بل دعاه إلى الطهارة والتزكية (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 20/138).

في آية ﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (النمل/89)، قرأ قراء الكوفة كلمة “فزعٍ” بالتنوين، وباقي القراء بدون تنوين، بصيغة الإضافة إلى كلمة “يومئذ”. يرجح أبو الفتوح القراءة بالإضافة ويقدم الدليل بأن القراءة المنكرة توحي بأنه في ذلك اليوم (القيامة) لا يوجد أكثر من فزع واحد، بينما كل ذلك اليوم فزع (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 15/86).

في آية ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، قراءة أبي جعفر وأبي عمرو هي “وإذ وعدنا” بدون ألف. يرجح أبو الفتوح هذه القراءة على القراءة بالألف؛ لأن باب المفاعلة غالباً ما يكون بين اثنين، وفي الآية، وعد الله موسى بالمناجاة (نفس المصدر: 1/283).

4-3-8. الترجيح لدليل الموافقة مع السياق

يرجح أبو الفتوح أحياناً قراءة لتناسبها مع سياق الآية، مثل آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (يوسف/110)؛ في هذه الآية، قُرئ الفعل “كُذِبُوا” بالتشديد وبدونه. في القراءة غير المشددة، يكون معنى الآية أن الرسل ظنوا أن أممهم قد كذبوهم (في ادعاء الإيمان)؛ أو أن الأمم ظنت أنهم قد كُذِبوا (في وعد النصر والفتح). في القراءة المشددة، يكون معنى الآية أن الرسل ظنوا أنهم كُذِّبوا. يعتقد أبو الفتوح، بالنظر إلى دليل تتمة الآية ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، أن سياق الآية يؤيد القراءة المشددة (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 11/171).

5. دور اختلاف القراءات في تفسير الآيات

أُشير سابقاً إلى أن أبا الفتوح يذكر اختلاف القراءات في الغالب ضمن تفسير الآيات، ولا يبدي رأيه فيها. ربما يعود ذلك إلى أنه لم يجد دليلاً قاطعاً لترجيح قراءة ما، أو أنه يهدف إلى زيادة معرفة المخاطب بالقراءات المختلفة وتوجيه انتباهه إلى التفسيرات المتنوعة المتأثرة باختلاف القراءات. وبالطبع، في بعض الحالات، استفاد من ذكر القراءات في كيفية تفسير وفهم الآيات، وسنشير إلى بعضها.

5-1. تقوية استنباط تفسيري

يستشهد أبو الفتوح أحياناً بقراءة تتوافق مع معنى واستنباط تفسيري لتقوية ذلك المعنى. على سبيل المثال، في تفسير آية ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف/25)، يكتب: اختلف المفسرون في ما إذا كانت هذه العبارة كلام الله أم كلام المنكرين. الذين يعتبرون هذه الجملة كلام المنكرين، يستدلون بأن الآية تتابع بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. يعتبر أبو الفتوح أن دليل صحة هذا القول هو قراءة ابن مسعود التي تقول: “فقالوا ولبثوا” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 12/339)، فإضافة فعل “فقالوا” تدل على أن هذه العبارة هي كلام المنكرين.

في آية ﴿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه/63)، يعتبر البصريون “إِنْ” مخففة من الثقيلة؛ ولكن الكوفيين يعتقدون أن “إِنْ” في هذه الآية وفي حالات مماثلة نافية؛ ومعنى الآية هو: “ما هذان إلا ساحران”. يذكر أبو الفتوح، ضمن نقله لهذا الاختلاف، أن دليل كون “إِنْ” نافية هو قراءة أبيّ “إنْ هذان إلا ساحران” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 13/161).

مثال آخر في آية ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ (الليل/3). قيل في “ما” قولان: أحدهما أنها بمعنى المصدر؛ أي “وخَلْقِ الذكر والأنثى”، أي أقسم بخلق الله للذكر والأنثى. وقال آخرون: “ما” بمعنى “مَنْ” وهي موصولة، أي بذلك الذي خلق الذكر والأنثى. ولتقوية القول الثاني، يتمسك أبو الفتوح بقراءة عبد الله مسعود “والذي خلق الذكر والأنثى” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 20/301).

أو في تفسير آية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء/40)، يكتب: قال بعض المفسرين: المراد بـ”ذرة” هو النملة الصغيرة الحمراء. كما ورد في قراءة عبد الله مسعود “لا يظلم مثقال نملة” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 5/363).

5-2. تأييد القول التفسيري المختار

في بعض الحالات، يشير أبو الفتوح إلى قراءة لتأييد قوله التفسيري ويعتبرها مؤيدة لرأيه. من ذلك، في آية ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (هود/46)، يذكر أولاً رأي المفسرين الآخرين، حيث يرى بعضهم أن مرجع الضمير في “إنه” هو سؤال نوح؛ أي أن سؤال نوح عما لا علم له به عمل غير صالح. ويرى آخرون أن مرجع الضمير هو ابن نوح، بمعنى أنه ليس ابنك الحقيقي. يعتقد أبو الفتوح أن الضمير “إنه” يعود إلى ابن نوح وأن هناك مضافاً مقدراً، تقديره “إنه ذو عمل غير صالح”. ثم يذكر قراءة “إنه عَمِلَ غير صالح”، حيث قُرئ “عَمِلَ” بصيغة الفعل ويقول: هذا يوافق المعنى الذي قلناه بأن هناك مضافاً مقدراً (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 10/276).

مثال آخر في مرجع الضمير “به” و”موته” في آية ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (النساء/159). يرجع بعض المفسرين كلا الضميرين إلى عيسى (ع)، ويكون معنى الآية حينها أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب إلا وسيؤمن به قبل موت عيسى (ع) في آخر الزمان وبعد نزوله إلى الأرض. يذكر أبو الفتوح، ضمن روايته عن تفسير القمي التي توافق هذا الرأي، ويكتب: في هذه الحالة، يكون معنى الآية خاصاً بأهل الكتاب والمنكرين في آخر الزمان. ثم ينتقل إلى الرأي الثاني الذي يقول: الضمير “به” يعود إلى عيسى، والضمير “موته” يعود إلى أهل الكتاب. معنى الآية وفقاً لهذا الرأي هو أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى قبل موته وعند رؤية ملك الموت؛ أي في ذلك الوقت يتضح له الحق. وبعد بيان هذا الرأي، يذكر أبو الفتوح أن دليل صحة هذا التأويل هو قراءة أبيّ “قبل موتهم” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 6/184).

5-3. الرد على الشبهات ورفع الإبهام

أحياناً، يستشهد أبو الفتوح بالقراءات لرفع إبهام في آية أو للرد على شبهة تنشأ منها، فيجيب عن الإبهام أو السؤال بها. على سبيل المثال، في آية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران/159) التي تأمر رسول الله (ص) بمشاورة الأمة، يتحدث أبو الفتوح عن اختلاف المفسرين في كيفية أمر رسول الله (ص) بالمشاورة مع الأمة، رغم أنه يتمتع بكمال العقل؟ ثم يذكر رأي بعض المفسرين في الرد على هذه المسألة، حيث يعتقدون أن المقصود هو الأمور التي لا تتعلق بالوحي. ودليل أبو الفتوح على هذا الرأي هو قراءة عبد الله بن عباس “وشاورهم في بعض الأمر” (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 5/125).

5-4. تبيين الوجوه المختلفة للتفسير

يستفيد أبو الفتوح أحياناً من اختلاف القراءات لتبيين وجوه مختلفة لتفسير الآية، ويضع المعاني المختلفة الناشئة عن القراءات أمام المخاطب. على سبيل المثال، في تفسير آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف/57)، قراءة عاصم هي “بُشْرًا”، وقراءة نافع هي “نُشُرًا”، وقراءة حمزة والكسائي وخلف هي “نَشْرًا”، وباقي القراء “نُشْرًا”. بناءً على قراءة عاصم، “بُشْرًا” جمع “بَشِير”. و”نُشُرًا” قد تكون جمع “نَشُور” أو “نَاشِر”. أما من قرأ “نَشْرًا”، فيحتمل وجهان: إما مصدر في محل حال، وفي هذه الحالة له معنيان: أحدهما بمعنى النشر ضد الطي، أي أن هبوب الريح مثل النشر وعدم هبوبها مثل الطي. أو بمعنى نشر الحياة. أو يحتمل أن يكون مفعولاً به بمعنى المنشور. ومن يقرأ “نَشَرًا”، فهي بمعنى الرائحة الطيبة. ومن يقرأ “نُشُرًا”، فهي جمع “نَشُور” وتعني الريح التي تهب من كل الجهات (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 8/225).

5-5. التوسع في المعنى التفسيري

يكون هدف أبي الفتوح أحياناً من بيان اختلاف القراءات هو التوسع في معنى الآية؛ أي أنه يفسر الآية بكلتا القراءتين أو القراءات المتعددة ويبيّن أن كل معنى من المعاني المذكورة صحيح؛ مثل آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (الأنعام/159) التي قرأها حمزة والكسائي “فَارَقُوا” بالألف. القراءة الأولى من باب التفعيل، والثانية من باب المفاعلة. ومعنى القراءة الثانية هو: أولئك الذين فارقوا دينهم وانفصلوا عنه. ومعنى القراءة الثانية هو: أولئك الذين فرقوا دينهم. يقبل أبو الفتوح كلتا القراءتين لتقارب المعنى؛ لأن الدين لا ينسجم مع أي منهما (الرازي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، 1408: 8/106).

الخاتمة

يشكل ذكر اختلاف القراءات جزءاً مهماً من تفسير “روض الجنان”، وقد أورده أبو الفتوح في مواضع متفرقة من تفسيره. إن منهج أبي الفتوح تجاه القراءات في معظم الحالات هو مجرد النقل، وفي بعض الحالات يكون مصحوباً بإبداء الرأي. فأحياناً يرد قراءة وأحياناً يؤيدها. وتُرجح القراءة التي يؤيدها أبو الفتوح لأسباب متنوعة أدبية، وروائية، ولغوية، وتفسيرية وغيرها، والتي تكون أحياناً مخالفة لقراءة حفص عن عاصم. وقد استفاد في تفسيره من القراءات فوائد مختلفة، منها: تأييد القول التفسيري المختار، وتقوية استنباط تفسيري، وتبيين وجوه مختلفة للتفسير، والتوسع في المعنى التفسيري، والرد على الشبهات، ورفع الإبهام.

الهوامش

  1. مثل كتب “السبعة بعللها الكبير” لمحمد بن حسن الأنصاري (ت 351هـ)، و”الحجة في القراءات السبع” لابن خالويه (ت 370هـ)، و”الحجة للقراءات السبع” لأبي علي الفارسي (ت 377هـ)، و”التيسير في القراءات السبع” لعثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ).
  2. فيما يتعلق بالقراءات العشر، يمكن الإشارة إلى كتب مثل “الجامع في القراءات العشر” لنصر بن عبد العزيز الفارسي (ت 461هـ)، و”النشر في القراءات العشر” لابن الجزري (ت 833هـ). وفي باب القراءات الأربع عشرة، يمكن الإشارة إلى كتاب “إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر” للدمياطي (ت 1117هـ).
Scroll to Top