المستخلص
من ردود أفعال الأعداء تجاه الدعوة الإسلامية كانت المواجهات السلبية، لا سيما إهانة المقدسات ومكانة النبي الأعظم (ص)، والتي تعود جذورها إلى الأصول المعرفية للأعداء. يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل مقارن للأصول المعرفية للمواجهات السلبية مع النبي (ص) في صدر الإسلام والعصر المعاصر، بالرجوع إلى القرآن الكريم. وقد توصل هذا المقال، من خلال جمع المعلومات بالمنهج المكتبي والمعالجة الوصفية التحليلية، واستخلاص الأصول المعرفية للإهانات في صدر الإسلام والعصر المعاصر، ودراسة أوجه التشابه والاختلاف بينها، إلى أن التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام وعدم المعرفة بشخصية النبي الأكرم (ص) هما من الأصول المعرفية الرئيسية للإهانات، ورغم أن أفعال الأعداء في كلتا الفترتين كانت لها غاية مشتركة، إلا أن سياق ظهور الإهانات وأدواتها في العصر المعاصر قد اتخذ شكلاً جديداً. وكانت استراتيجيات النبي (ص) في مواجهة هذا النوع من الإهانات، بالنظر إلى أصولها، تتمثل في الدعوة إلى التوحيد والتبيين، والصبر، وإعلان البراءة والتوكل، والتحدي، وإنذار الكفار، وغيرها، وهي إجراءات يمكن أن تكون مفيدة اليوم أيضاً.
المقدمة
تُعد إهانة أي إنسان في نظر العقلاء سلوكاً قبيحاً، وتزداد قباحةً حينما تطال مقدسات الأديان والأقوام. ومن خلال دراسة آيات القرآن والروايات والتاريخ، يتضح أن إهانة الرسول الأكرم (ص) وخلق صورة مشوهة عن الإسلام ورسول الله كانت على أجندة المراكز المعادية منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا؛ لأنهم اعتبروا الإسلام والمسلمين تهديداً لمدرستهم الفكرية وتحقيق مآربهم ومصالحهم الشخصية والجماعية والدينية. إن محاربة القرآن والترهيب من الإسلام (الإسلاموفوبيا) من قبل مشركي صدر الإسلام وأحبار ورهبان اليهود والنصارى، كانت مصحوبة بشتى أنواع التهم، وإثارة الشبهات، وإشعال الحروب الدامية، والحصار، والتعذيب، والأذى والقتل.
واليوم أيضاً، استُخدمت أدوات الإهانة، من وسائل إعلام مكتوبة ومرئية، وإلكترونية وافتراضية، كالكتب والمقالات والصحف والمسلسلات والرسوم الكاريكاتورية وألعاب الكمبيوتر والقنوات الفضائية وغيرها، من قبل القادة السياسيين والدول المعادية والمستكبرة، بكل همة وقوة، لمحاربة الإسلام والمقدسات الدينية، ومن أساليبها: الإهانة والتحقير وتشويه صورة الإسلام ورسول الله. ولهذا، فإن مواجهة هذه التيارات ضرورية؛ لأنها عامل لترسيخ الفكر والثقافة وزيادة البصيرة، ومانع من نفوذ العدو في الطبقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وعواقبها الوخيمة.
يمكن تصنيف أصول الإهانات في ثلاثة مجالات: معرفية، ونزوعية، وسلوكية. يسعى هذا البحث إلى تبيين الأصول المعرفية للإهانات وإيجاد حلول لمواجهة النفوذ المعرفي للعدو، وذلك من خلال جمع المعلومات بالمنهج المكتبي ومعالجة البحث بالمنهج الوصفي التحليلي، عبر إحصاء الأصول المعرفية لحوالي ألف إهانة على مدى أربعة عشر قرناً، ويجيب عن هذا السؤال: بناءً على آيات القرآن، ما هو الأصل المعرفي للإهانات الموجهة للنبي (ص) في صدر الإسلام والعصر المعاصر، وما هو الحل لمواجهتها؟
خلفية البحث
لقد دُوّنت أعمال عديدة حول الإهانات الموجهة للمقدسات الإسلامية، وخاصة الرسول الأكرم (ص)، ولكل منها هدف خاص. كتاب «اعتذار وتقصير إلى حضرة محمد والقرآن» من تأليف جون دافنبورت، ترجمة السيد غلام رضا سعيدي (1388)، يرد على أربع من التهم الموجهة إلى النبي. وكتاب «محمد في أوروبا» لمينو صميمي، ترجمة عباس مهرپويا (1382)، يتناول بعض الأكاذيب والإهانات ويدافع قدر المستطاع عن المقدسات الإسلامية. وأطروحة «دراسة الحرب الناعمة في عشر سنوات من حكومة الرسول (ص)» لعبد الله قدرتي (1393)، تتناول كيفية مواجهة المشركين والمنافقين واليهود والمسيحيين في إطار الحرب الناعمة مع النبي (ص) وحكومته الإسلامية في المدينة. ومقالة «هجمة سلمان رشدي واستمرار استراتيجية معاداة الإسلام في الغرب» لمريم زاغيان (1388)، تشرح الهجمة الثقافية للاستكبار العالمي بعد فشله في الحرب الباردة والهجوم العسكري على إيران، في إطار نشر كتاب الآيات الشيطانية الكفري. ومقالة «استكشاف علل ونتائج مواجهة الأنبياء والمستكبرين بناءً على تعاليم القرآن الكريم» لمحسن ردادي (1392)، تتناول تعريف الاستكبار وأدوات مواجهة الأنبياء للاستكبار، وتهتم بأحد الأصول النزوعية لإهانة الأنبياء وهو الصراع على السيادة.
إن الأبحاث السابقة ركزت في الغالب على شرح التهمة نفسها أو الرد عليها ودحضها، ولم تولِ اهتماماً كبيراً للأصل المعرفي للإهانات. بالإضافة إلى ذلك، لم يُعثر على عمل يبحث في المنشأ المعرفي لحوالي ألف إهانة للنبي الأعظم والمقدسات الإسلامية، مستنداً إلى آيات القرآن في فترة زمنية واسعة تمتد من صدر الإسلام إلى العصر الحاضر، ويقوم بتصنيف أصولها في هاتين الفترتين الزمنيتين، ثم يحللها وينقدها، وفي النهاية يستخرج الحلول القرآنية لمواجهة الإهانات.
1. الأصل المعرفي للإساءة إلى النبي (ص)
كلمة «الأصل» تعني المبدأ (معين، 1386: 2/996)، ومكان الانطلاق (أنوري وآخرون، 1386: 4/2627)، وفي هذا المقال يُقصد بها معنى المبدأ والمنشأ. وبما أن الإساءة إلى الأنبياء يمكن أن تكون لها دوافع وأصول مختلفة، سواء كانت معرفية، أو نزوعية، أو سلوكية، وغيرها، فإن هذا المقال يسعى إلى الكشف عن الأصول المعرفية للإساءات الموجهة للرسول الأكرم (ص) في عصر البعثة والعصر الحاضر.
1-1. الأصل المعرفي للإساءات
الفكر هو أحد ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، والعوامل الداخلية والخارجية (المدرسة، المجتمع، …) يمكنها أن تشكل تدريجياً معتقدات الإنسان ومعارفه وفكره. والمراد من الأصل المعرفي للإساءات في هذا العمل هو نفس معتقدات وأفكار المسيئين التي تسببت في الإساءة إلى النبي (ص).
1-1-1. التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام
تُعد المعتقدات والأفكار المتعارضة مع تعاليم الإسلام الأصل المعرفي الأكثر شمولاً وأهمية وأولية للإساءة إلى النبي الأكرم (ص) في صدر الإسلام والعصر المعاصر، وتشمل عدم الإيمان بالله أو المعتقدات الشركية وإنكار المعاد.
1-1-1-1. عدم الإيمان بالله أو المعتقدات الشركية في صدر الإسلام والعصر المعاصر
من مصاديق التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام، عدم الإيمان بالله أو المعتقدات الشركية، والذي سيتم دراسته بشكل منفصل في فترتين زمنيتين.
أ) عدم الإيمان بالله أو المعتقدات الشركية في صدر الإسلام
تشير آيات من القرآن الكريم إلى المعتقدات الكفرية للمخالفين في صدر الإسلام، حيث كانت دعوة النبي (ص) إلى التوحيد تستتبع إساءة الكافرين: «وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ» (الروم: 58). فأي مَثَل يدعوهم به إلى التوحيد في هذا القرآن، ولو جاءهم النبي (ص) بالمعجزة التي يقترحونها، لنسبوا إليه الباطل في دينه الحق. (الطبرسي، د.ت: 8/487). وفي آيات أخرى، أُشير إلى كفر الكافرين الذي أدى إلى تكذيب النبي (ص): «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ… أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا» (النساء: 150-151). والمراد هنا بالكافرين بالله ورسوله هم اليهود والنصارى، الذين يريدون التفريق بين الله ورسوله؛ أي تكذيب الرسول الإلهي وإبطال دعواه. (الطبري، 1412: 5/6). آيات أخرى تروي ازدياد كفر أهل الكتاب بسبب إنكارهم للرسول الأكرم (ص) (آل عمران: 90، الأنعام: 7، سبأ: 43). كما أساء كفار الأقوام السابقة إليهم بسبب معتقداتهم الكفرية (غافر: 23-25، هود: 27، المؤمنون: 24، الأعراف: 66، الشعراء: 27، التغابن: 5-6).
في القسم الثاني، يُشار إلى أصل المعتقدات الشركية للمنكرين في صدر الإسلام، حيث تعرض النبي (ص) لإساءات من المشركين في صدر الإسلام إثر دعوته لهم إلى التوحيد؛ «قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى» (سبأ: 43). فتلاوة الآيات الإلهية والدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان، أدت إلى الإساءة إليه بوصفه «كاذباً» (نفس المرجع: 22/69)؛ كما أن الأصل المعرفي للمعتقدات الشركية لدى منكري الأنبياء السابقين أدى أيضاً إلى الإساءة إليهم (هود: 53 و 54).
من مظاهر الشرك الأخرى بالله، الاعتقاد بالتثليث، الذي يظهر في كتب العهدين، حيث أظهر الإله الواحد نفسه في ثلاث شخصيات: الآب، والابن، والروح القدس. (إنجيل متى، الإصحاح 16، العدد 17). ورغم أن بعضهم في القرون الميلادية الأولى كان يرى عيسى المسيح مجرد نبي، وفريق آخر اعتبره ابناً لله بالتبني، وبعضهم ابناً حقيقياً لله، إلا أن الاعتقاد بألوهية عيسى المسيح كابن لله اتخذ شكلاً فلسفياً أكثر في كتابات بولس، ثم في نظرية لوغوس يوحنا، مما أدى إلى خلاف بين المسيحيين. وبالنظر إلى الخلاف حول ألوهية عيسى بين المسيحيين، أو حتى تبرير مصطلح التثليث بمطابقته للتوحيد من قبل بعض المسيحيين الآخرين (انظر: إيلخاني، 1374: 76-100)، ربما لا يمكن اعتبار إلا أتباع نظرية ألوهية عيسى القاطعين قريبين من الشرك الاصطلاحي. وقد نُفي التثليث ومقام ألوهية عيسى بشدة في الآيات الإلهية، واعتُبر مناقضاً للتوحيد ومرادفاً للكفر (المائدة: 72-73)، ولهذا السبب اعتبر علماء مثل الغزالي ادعاءات ألوهية عيسى في السطور الأولى من إنجيل يوحنا إنكاراً للتوحيد، وألزموا أنفسهم بتفسير تلك العبارات. (إف. إي. بيترز، 1392: 252).
الاعتقاد بالتثليث كأحد أصول العقيدة المسيحية، الذي يضع عيسى في مرتبة مساوية للألوهية، أدى في العصور الوسطى المبكرة والمتزامنة مع صدر الإسلام، إلى إنكار نبوته (ص) والإساءة إليه عند رؤية خصائصه البشرية. على سبيل المثال، قدم محمد (ص) نفسه كعبد لله (علق: 10) ورسوله (الأحزاب: 40)، وليس خالقاً، وكان ينسب المعجزات إلى قدرة الله وحده (غافر: 78)؛ بينما كان المسيحيون يعتبرون عيسى ابن الله وقادراً على المعجزات، ومن وجهة نظرهم، كان محمد (ص) عاجزاً عن القيام بأعمال خارقة ومدهشة، فأنكروا نبوته ووصفوه في كتابات تلك الفترة بأنه «ساحر» و«منجم» وغيرها. (صميمي، 1395: 215). وبهذه الطريقة، أدى الإلحاد والشرك في صدر الإسلام إلى توجيه أنواع مختلفة من الإهانات إلى النبي الأعظم (ص).
ب) عدم الإيمان بالله أو المعتقدات الشركية في العصر المعاصر
أدى الإلحاد والشرك في العصر المعاصر أيضاً إلى مواجهات سلبية وإساءات لمكانة النبي الأكرم (ص). لقد ابتعدت رؤية البشر بعد عصر النهضة عن المنظور الديني، ورفضت المذاهب الفلسفية المصطنعة مثل الوضعية، التي تؤصل للتجربة البشرية والحسية، عالم الغيب (أنوري، 1386: 2/1439)، ورفضت المدرسة الفلسفية التجريبية في المعتقد والمعرفة (بنايي، 1390: 1/227) والمادية بعقيدتها في أصالة المادة ونفي وجود ما وراء المادة (مطهري، 1368: 2/122)، خاصة المادية القائمة على تعاليم ماركس التي تعتبر الدين مجرد اختراع بشري وتجعل عدم قبول أي عقيدة دينية شعاراً لها (مريم جميلة؛ مارغريت ماركوس، 1388: 212)، والاتهامات الباطلة التي وجهها فريدريك نيتشه لشخصيات تاريخية مثل محمد (ص) ونابليون والإسكندر، وتشويه الصورة الحقيقية لمحمد (ص) بناءً على نظريات كارلايل (صميمي، 1395: 345)، وطرح نظرية الخوف والجهل لفرويد كأصل للدين (فرويد، 1383: 26)، وإنقاذ الإنسان بالعلم في نظر راسل الذي اعتبر الدين وليد الخوف والله شبيهاً بالأخ الأكبر (Bertrand Russell, why I am not a Christian: 16)، كل ذلك جعل النظرة السماوية للبشرية أرضية، حيث استبدل الإنسان الله بالعلم والتدبير والتجربة كضمان للطمأنينة، وجعل الرسالة السماوية مهينة للبشر؛ لأن أساس العديد من المدارس الفكرية البشرية المعاصرة يقوم على إنكار الأديان وتأثير الأمور المقدسة في حياة الإنسان، مما أدى في النهاية إلى إنكار المقام القدسي للنبوة؛ حتى في أعمال الفنانين والكتاب وصانعي الأفلام، تلاشت هذه النزعة التي كانت تؤكد على الوجود السماوي والإلهي للأنبياء في العصور الوسطى تدريجياً، وظهرت أعمال في عصر النهضة بمنظور جديد تقدم الأنبياء الإلهيين كشخصيات أرضية وعادية؛ مثل فيلم «الإغواء الأخير للمسيح» الذي يصوره كإنسان مليء بالاضطراب والتردد الداخلي بشأن رسالته. (ياسيني، 1392: 202). إن محاولة غولد تسيهر لإثبات وجود نقائص في شخصية النبي الأكرم (ص) والقول بأنه لم يعتبر نفسه مقدساً قط، وأن ضعفه البشري كان مانعاً من امتلاكه للمعجزات، كانت سبيلاً لإنكار النبوة والإساءة إليه. (غولد تسيهر، 1375: 32)، ومحاولة دشتي لتجريد النبي الأكرم (ص) من الصفات الإلهية والعصمة وإنزاله إلى مستوى البشر العاديين (دشتي، 1970: 90-98)، أدت إلى إنكار المقام القدسي للنبي الأعظم (ص) والإساءة إلى مكانته.
إذا كان الشرك في صدر الإسلام يتجلى في عبادة الأصنام، فقد ظهر في العصر المعاصر بشكل جديد وأكثر تطوراً؛ لأن جوهر عبادة الأصنام ليس عبادة هذا الصنم أو ذاك، بل هو نزعة إنسانية خاصة. فالكلمات، والآلات، والحكومة، والسلطة، والجماعات السياسية، والعلوم، والعقائد قد تتحول إلى أصنام. (خسروپناه، 1386: 247). استمر الإيمان بالتثليث وألوهية عيسى في صدر الإسلام لدى بعض المسيحيين المعاصرين، وأصبحت الخصائص البشرية للنبي (ص) مادة للإساءة إليه من قبل أمثال مارتن لوثر. (لوثر، 1967: 14/69، نقلاً عن مينو صميمي، 1395: 178 و 254). هذه الفلسفات الإلحادية المادية والشركية أصبحت أصلاً معرفياً لأنواع الإهانات الموجهة للشخصية الاعتبارية للنبي والمسلمين ودين الإسلام في العصر المعاصر.
1-1-1-2. إنكار المعاد في صدر الإسلام والعصر المعاصر
إنكار المعاد هو القسم الثاني من الأصل المعرفي للمواجهات السلبية مع النبي الأعظم (ص) كتعارض فكري وعقائدي مع تعاليم الإسلام، والذي وفر أسباب الإساءة إلى النبي (ص) في صدر الإسلام والعصر المعاصر. فيما يلي، سيتم بحث تعارض الإسلام مع أعدائه في الإيمان بالمعاد في فترتين زمنيتين.
أ) إنكار المعاد في صدر الإسلام
من أهم أسباب إنكار المعاد، طلب اللذة والميل إلى الهوى. تعاليم الأنبياء الأخروية تجعل حلاوة الخطيئة مرة في فم الإنسان؛ «بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ» (القيامة: 5-6)، ولهذا السبب عندما كان النبي الأكرم (ص) يتحدث عن المعاد، كانوا يوجهون إليه أنواعاً من الإهانات: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» (سبأ: 7-8). لقد عُرّف سبب الإهانة والافتراء ونسبة الجنون إلى النبي في الآية بأنه إنكار المعاد. (الطبري، 1412: 22/44). وقد عُرف إنكار المعاد في القرآن كأصل للإساءة إلى النبي (ص) (الفرقان: 37-38) والأنبياء السابقين (المؤمنون: 33، 37-38، غافر: 26-27). وهكذا، كان مسيحيو العصور الوسطى، وخاصة الأرثوذكس، يؤمنون بثنائية الحياة الدنيا والعالم بعد الموت، وكانوا غرباء عن تعاليم الإسلام المتعلقة بوحدة الدنيا والآخرة ولم يفهموها، ولهذا السبب، أغلق هذا الاعتقاد أمامهم الطريق لأي رؤية إيجابية حول حقائق الإسلام ومحمد (ص) الروحية. لذلك، أنكروه، ووُصف من قبل القساوسة والكتاب الأوروبيين في العصور الوسطى بأنه «ضد المسيح» أو شيطاني.
ب) إنكار المعاد في العصر المعاصر
إنكار المعاد في العصر المعاصر هو أيضاً القسم الثاني من الأصل المعرفي للتعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام، والذي وفر أسباب المواجهات السلبية مع المقام المقدس للنبي الأعظم (ص). في العصر المعاصر، ينفي أتباع المدارس الفلسفية المادية الوحي والآخرة تماماً؛ مثل نيتشه الذي يقول إن الإيمان بالملكوت يقلل من شأن الوجود الجسدي، وإن الوعد بالثواب أو العقاب في الآخرة في أديان مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، يحط من قدر البشر إلى مستوى مخلوقات وضيعة وبدائية غير قادرة على التحكم في مصيرها، ويقدم الإسلام كدين يقمع الإبداع البشري ويربط الإنسان، مثل ارتباط الأطفال بوالديهم. من ناحية أخرى، فإن المعيار والمقياس في المسيحية المعاصرة القائم على التمييز بين ما هو «جسدي» و«دنيوي» وما هو «روحي» و«أخروي»، يُقلق الفرد الأوروبي عند تقييم محمد (ص) الذي يمزج بين الدين والسياسة، ويحتار الغربي في تحديد أي من أفعال النبي هو ديني وأيها غير ديني ودنيوي. وبسبب مزج فولتير للمسائل الروحية والأخروية بالمسائل المادية والدنيوية من قبل النبي، قدم صورة مشوهة وغير لائقة لمؤسس الإسلام. (ليمتون ولويس، 1978: 30؛ فولتير، 1979: 53-7).
في الواقع، إن التقليل من مكانة وقيمة أمر ديني مهم مثل المعاد، واختزاله إلى المجال الفردي ونفي مجال نفوذه في الحياة الدنيوية، هو بمثابة تجاهل وإنكار له، وحينئذٍ يُنكر ويُهان شخص مثل النبي (ص) الذي يدعي إعادة هذا الأمر المهم إلى مكانته ويمزج الروحانية والاهتمام بالآخرة مع تقلبات الحياة الدنيوية.
بهذه الطريقة، فإن المسيحيين المحافظين بتهميشهم لمجال نفوذ الإيمان بالمعاد في الأديان، وكذلك أتباع المدارس الفلسفية الإلحادية بإنكارهم للمعاد، قد وفروا أصلاً معرفياً لأنواع الإهانات الموجهة لدين الإسلام ومن جاء به.
1-1-1-3. تحليل التشابهات والاختلافات في الأصل المعرفي للتعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام
الكفر والإلحاد كأصل معرفي لإهانات صدر الإسلام، اكتسب في العصر المعاصر، بفضل المدارس الفلسفية التجريبية والمادية، طابعاً أكثر تبريراً وقبولاً اجتماعياً، وأنكر من جذوره التعاليم الإلهية لجميع الأديان التوحيدية، ووجه إهانات في إنكار النبوة للشخصية الاعتبارية للنبي الأكرم (ص). إذا كان الشرك في صدر الإسلام يتجلى في عبادة الأصنام، فقد ظهرت الأصنام في العصر المعاصر بشكل جديد. إنكار المعاد من قبل المسيحيين الأرثوذكس بسبب الاختلاف في طريقة النظر إلى الدنيا والآخرة، ومن قبل الماديين بسبب نفي الأديان، كان مادة للإساءة إلى الإسلام والنبي الأعظم (ص). وهكذا، يوجد تشابه كامل في الأصل المعرفي للتعارض الفكري والعقائدي للمنكرين مع تعاليم الإسلام في صدر الإسلام والعصر المعاصر، ويمكن اعتبار اختلاف النظرة إلى الوجود وخالقه وهدف الخلق والمصير النهائي للوجود لدى مخالفي الأنبياء عبر التاريخ نقطة تحول في إنكار تعاليم الرسل الإلهيين والسماح بجميع أنواع المواجهات السلبية معهم. هذا الأصل، بشهادة آيات القرآن، من صدر الإسلام إلى العصر المعاصر لدى الماديين والمشركين وكل من تتعارض معتقداته مع تعاليم الإسلام، أدى بهم إلى عدم قبول النبي (ص) وتعاليمه، ولأنهم لا يجدون سبيلاً آخر لتبرير معتقداتهم ورفض تعاليم الإسلام، فإنهم يلجؤون إلى التهمة والافتراء.
ونتيجة لذلك، لو أن البشر تبنوا عقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء، لما أُهينت المقدسات الإلهية على مر التاريخ. ومن ناحية أخرى، فإن قبول التوحيد الخالص هو بوابة التسليم للكتب السماوية، والمقام القدسي للنبوة، وقبول المعاد، ولذلك كان أحد الحلول القرآنية الموصى بها للنبي الأكرم (ص) في صدر الإسلام هو: 1- دعوة الجميع إلى كلمة التوحيد (آل عمران: 64) و 2- الدعوة إلى التقوى وقول الحق (الأحزاب: 70). وأفضل طريقة لإبطال الدعاية والتهم والافتراءات هي تبيين التعاليم التوحيدية وشرحها وتفسيرها بعقلانية وانسجام مع الفطرة، والدعوة إلى التقوى.
أما فيما يتعلق بالمعتقدات الشركية كالإيمان بالتثليث وألوهية عيسى، فقد استمرت في صدر الإسلام لدى المسيحيين المعاصرين، وأصبحت الخصائص البشرية للنبي (ص) مادة للإساءة إليه من قبل أمثال مارتن لوثر، وأسست لظهور فكرة استبعاد بشرية النبي الأكرم (ص) في فترتين زمنيتين بشكلين مختلفين، ولكن بطبيعة واحدة، حيث استُخدمت خصائص محمد (ص) البشرية من وجهة نظر الفكر السائد في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى كحجة قاطعة ضد نبوته. لكن إنكار المقام القدسي والإلهي للنبوة للإنسان حدث في الغرب بعد عصر النهضة. هذا التغير في الفكر والاستدلال لدى الغربيين من العصور الوسطى إلى عصر النهضة كان نتيجة لسياسات قادتهم المعادية للدين، الذين، من خلال نحت جسد الدين ووضعه في زاوية ضيقة تحت ستار الأفكار الفلسفية المنسجمة مع هذا الهدف، سعوا للحفاظ على مصالحهم وسياساتهم الاستكبارية. إن جهود غولد تسيهر ودشتي في شرح الزلات وإنزال مكانة النبي إلى مستوى البشر العادي كانت في سياق هذا الفكر. ولهذا، فإن الاعتقاد بعدم بشرية الرسول الإلهي في العصور الوسطى وإنكار المقام القدسي والإلهي للنبوة للبشر في العصر المعاصر، قد شكل فكرة استبعاد بشرية الرسول الإلهي. والحلول التي قدمها القرآن الكريم للدفاع عن النبي ومواجهة هذا الفكر والاتهامات الباطلة المرتبطة به تشمل ما يلي:
1- أسلوب الاستدلال والشفافية: في إثبات كفر القائلين بألوهية عيسى والاستدلال على نفيها؛ «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» (المائدة: 17)، ومساواة الاعتقاد بالتثليث بالكفر؛ «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ» (المائدة: 73).
2- تبيين دعوة عيسى إلى التوحيد: «إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ» (آل عمران: 51-52، وكذلك النساء: 172، المائدة: 116-117).
3- أسلوب إبلاغ الرسالة: في مواجهة منكري الوحي والنبوة، لم يصف الله وظيفتهم إلا بالتبليغ وإيصال الحقائق إليهم؛ «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ» (الشورى: 48، وكذلك آل عمران: 20).
4- الإنذار بالقرآن (الأنعام: 51).
5- المباهلة (آل عمران: 61).
بهذه الطريقة، يسود تشابه كامل في أصل التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام بين صدر الإسلام والعصر المعاصر، ولا يمكن إيجاد نقطة اختلاف سوى في سياقات التكوين بين هاتين الفترتين.
1-1-1-4. الجهل بتعاليم الدين كعامل مهم يمهد لأصل التعارض الفكري مع تعاليم الإسلام
الجهل بتعاليم الإسلام وحكمته من العوامل المؤثرة في تشديد وتقوية التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم دين الإسلام. ولهذا، عرّف القرآن الكريم هدف بعثة خاتم الأنبياء بأنه تعليم الكتاب والحكمة وتلاوة الآيات لإزالة الجهل بتعاليم الإسلام الروحانية (سعيديان فر، إيازي، 1396: 1/437)؛ «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (آل عمران: 164). وفي آيات أخرى، ذكر هذا الجهل بالتعاليم كسبب للإساءة إليه: «وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ… قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (النحل: 101)؛ لأن المشركين بسبب جهلهم بحقيقة الناسخ والمنسوخ والمصلحة في تبديل الحكم الإلهي، أساؤوا إلى النبي (الطبري، 1412: 14/118). طلب المشركين من النبي (ص) عبادة غير الله وأذاه وأمره بعبادة من لا يرى ولا يسمع ولا ينفع، في آية أخرى، هو نتيجة لهذا الجهل بالتعاليم (الزمر: 64).
إذن، بشهادة آيات القرآن، أدى هذا الجهل في صدر الإسلام إلى الإساءات. واستمرار هذا الجهل في العصر المعاصر أدى أيضاً إلى مواجهات سلبية مع مقامه المقدس. إن سبب ظهور الجهل بدين الإسلام في العصر المعاصر هو أن المفكرين الأوروبيين، بدلاً من الرجوع إلى المصادر الإسلامية الأصيلة والنصوص العربية المعتبرة، اعتمدوا بجهل ودون تحقيق، على تفاسير قادة الكنيسة العدائية في العصور الوسطى كأساس لمعرفتهم وتعاملهم مع الإسلام ومن جاء به. مثل الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري التي قدمت الإسلام كدين عنيف ومحارب وأساءت إلى النبي الأكرم (ص). (صميمي، 1395: 14).
هذه المصادر المتشائمة من العصور الوسطى كانت نتيجة فشل البابوية في المواجهة العسكرية في الحروب الصليبية مع المسلمين، وأن الكنيسة رأت وجود المسيحية في خطر مع ظهور دين جديد وأكثر كمالاً على الساحة العالمية، فسعت من خلال تربية المستشرقين والتعرف الكامل على تعاليم الإسلام، إلى إيجاد طرق للدفاع ضد هذا الدين وانتشاره وإدخال النقد والإشكالات عليه. (زماني، 1387: 93). هدف محمد قطب من الطروحات الثقافية للمستشرقين هو إخراج الأفكار الإسلامية من عقول المسلمين واستبدالها بالثقافة الغربية (قطب، 1999: 12). وعليه، فإن جهل الكفار في صدر الإسلام والمخالفين في العصر المعاصر بتعاليم الإسلام، رغم وجود تشابه بينهما، إلا أن سبب ظهور الجهل في العصر المعاصر هو نتيجة تحريف وكتمان أهل الكتاب في صدر الإسلام «مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ…» (النساء: 46 والبقرة: 41 و 101) وقادة العصور الوسطى.
في العصر المعاصر أيضاً، فإن تحقيق وتأليف كتب الدراسات الإسلامية من قبل المستشرقين، بتوجهات سلبية حول دين الإسلام وإثارة الإشكالات عليه. يقول إدوارد سعيد إن عدد الكتب التي كتبها المستشرقون خلال 150 عاماً من أوائل القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين يبلغ حوالي ستين ألفاً. (إدوارد سعيد، 1371: 367). وكمثال على ذلك، بطرس في القرن الثاني عشر، عندما رأى تأثر المسيحيين بثقافة المسلمين وعلمهم، أدرك أنه يجب عليه التعرف بعمق على أفكار العدو، فدخل شخصياً ميدان الدراسات الإسلامية وترجم وحقق في القرآن الكريم، وفي نفس الوقت، كتب كتاباً ضد الإسلام تضمن طعناً في النبي (ص) ونفياً لإعجازه وطرحاً لبدع الإسلام. (بدوي، 1375: 78). وعليه، فإن تقصير علماء المسلمين في العصر المعاصر في تقديم مصادر غنية لمدرسة الإسلام والرد في جميع المجالات، أدى إلى ضعف التوعية وتفاقم الجهل والغموض في المباحث الدينية وتأثرهم بمباحث الاستشراق والتبشير، وأدى إلى نفور الشباب من الدين، مما مهد الطريق للمسيئين. ولهذا السبب، يؤكد على واجب العلماء والمبلغين والكتاب المسلمين، خاصة في المجتمع الإسلامي، في هذا الاتجاه.
1-1-2. الجهل بشخصية النبي الأعظم (ص)
الأصل المعرفي الثاني للمواجهات السلبية هو الجهل بشخصية النبي الأعظم (ص). المعاني الثلاثة للجهل هي: 1- عدم العلم بالحق، 2- الاعتقاد الباطل والمخالف للواقع، 3- فعل ما لا ينبغي، سواء كان عن اعتقاد صحيح أو خاطئ. (راغب أصفهاني، 1412: 1/209).
جهل المنكرين في صدر الإسلام والعصر المعاصر بشخصية النبي الأكرم (ص) بكل معانيه الثلاثة، أدى إلى السماح بتوجيه الإهانات إليه. إن الجهل بشخصية النبي (ص) في صدر الإسلام ناتج عن عدة عوامل مركزية في الظروف الاجتماعية لتلك الفترة.
1- التقييم بالمعايير الجاهلية: كان التفوق القيمي في تلك الثقافة يعتمد على معايير مادية، مما أدى إلى هذا الأصل؛ «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (الزخرف: 3).
2- عدم معرفة مقام الإنسان وقدرته على الاتصال بالغيب والمقامات الروحانية للبشر، كان من أسباب الجهل بشخصية النبي؛ «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ» (الفرقان: 7). احتقار الرسول الأكرم من قبل المنافقين كان نتيجة جهلهم بمقام نبي الله؛ «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (المنافقون: 8). جهلهم بهذه الحقيقة، وهي أن العزة لله ورسوله وحدهما (الطبري، 1412: 28/72)، بسبب شدة غرورهم (البيضاوي، 1418: 5/215) ونفاقهم الذي أظلم قلوبهم وأعمى بصائرهم وأصم أسماعهم، فلم يتمكنوا من إدراك الحقيقة (الأمين، د.ت: 13/325)؛ «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الروم: 59). كما أن نية المنافقين الخبيثة وبذر الفتنة والتفرقة أدت إلى إهانة النبي (ص) وأصحابه وإذلالهم. (ابن عاشور، 1394: 82/222). وعليه، كان المنافقون يعتقدون اعتقاداً مخالفاً للواقع (المعنى الثاني للجهل). وقد ذُكر الجهل بالمعنى الأول في قسم الجهل بالتعاليم في الأصل السابق.
كان أهل الكتاب على علم تام بجميع علامات نبي آخر الزمان في كتابهم السماوي. صفات النبي (ص) والبشارة ببعثته وردت في التوراة (مثل إنجيل يوحنا، الإصحاح 16، الآية 9 و 10)، ولكن بعد بعثته عادوه؛ «وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ» (البقرة: 41)، ولهذا السبب، فإن الجهل بالمعنى الثالث (فعل شيء مخالف لما يجب فعله، سواء كان الاعتقاد به صحيحاً أو خاطئاً) في حق أهل الكتاب ذُكر هكذا: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (البقرة: 101). فكان يجب عليهم قبوله والإيمان به، ولكنهم أنكروه وحاربوه. في الواقع، كان جهلهم هو نفس نقض العهد مع الله وترك العمل بواجبهم في اتباع رسول الله (ص). (الطبري، 1412: 1/352).
ما يؤيد الجهل بالمعنى الثالث في هؤلاء الأفراد، هو آية «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ» (الجمعة: 5). لم يكن اليهود جهلاء بالمعنى الأول (غير عالمين)، ولكنهم لم يحملوا التوراة، لأنهم لم يعملوا بها. من الأمثلة الأخرى على الجهل بالمعنى الثالث لدى المنافقين (البقرة: 13). إذن، للجهل في الثقافة القرآنية معنى أوسع. كثير من علماء أهل الكتاب في صدر الإسلام، رغم علمهم بالحقيقة، كتموها وحرفوها، ووجهوا الكثير من الإهانات له ولدينه المقدس (آل عمران: 71، 187، النساء: 46، المائدة: 13، 41، البقرة: 146). وكمثال على ذلك: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرة: 146).
يبدو أن عاملين مهمين وجذريين يمهدان للجهل بشخصية النبي الأكرم: 1- الأقاويل الباطلة والتحريف في الكتب المقدسة، 2- الروايات الإسرائيلية والموضوعة في الصحيحين وكتب دينية أخرى؛ والتي سيتم بحثها فيما يلي.
1-2-1-1. الأقاويل الباطلة والتحريف في الكتب المقدسة
العامل الأول الممهد والمهم في خلق الجهل بشخصية النبي الأكرم (ص) هو الأقاويل الباطلة والتحريف في الكتب المقدسة. المراد بالتحريف في الكتب السماوية هو تغيير معنى الكلمة إلى ما يشبهها؛ مثل أن اليهود كانوا يغيرون مفاهيم التوراة إلى أقرب المعاني إليها. (الفراهيدي، 1409: 3/210)، وهو ما يعتبره الطبري المراد بالتحريف في آية «مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ…» (النساء: 46) تبديل معنى الكلام وتغييره عن تأويله. (الطبري، 1412: 5/75). يقول القرآن: «أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرة: 75). لقد قُدم الأنبياء في بعض فقرات العهدين كأشخاص ملوثين وغيرهم! مثل:
أ) إبراهيم، بطل التوحيد والعبودية في آيات القرآن (هود: 57، النحل: 120) والأسوة الحسنة المشهود لها (الممتحنة: 4)، ولكنه للأسف قُدم في الكتب المقدسة كشخص غير مبالٍ بالاعتداء على شرفه وغير غيور (التوراة، سفر التكوين، الإصحاح 12، الآية 19-21).
ب) إرميا النبي ينسب الخداع إلى الله: «يا رب قد أغويتني فأغويت» (العهد القديم، إرميا النبي، الإصحاح 20، الآية 7).
ج) ورد في فقرات من التوراة سقي لوط الخمر ومضاجعة ابنتيه معه (العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح 19، الآية 32-38).
د) داود بعد أن عشق امرأة وارتكب معها زنا المحارم، قُتل زوجها بأمره في الحرب، وتزوج داود من هذه المرأة! (العهد القديم، سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 11).
وجود مثل هذه الروايات في العهدين أدى إلى أن يكون للمسيحيين والغربيين نظرة سلبية تجاه الأنبياء الإلهيين، ومهد للجهل بشخصية النبي الأكرم (ص) والإهانات الموجهة إليه؛ لأن بعض إهانات العصر المعاصر للنبي الأعظم (ص) نابعة من الأقاويل الباطلة الموجودة في العهدين. على سبيل المثال، في كتاب العهد القديم، قُدم إسماعيل كشخص عنيف، بالقول إنه «إنسان وحشي، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه» (العهد القديم، الإصحاح 16، الآية 2). وقد شبه العالم المسيحي بيدا المكرم محمد (ص) بجده إسماعيل [في رواية التوراة] ووصفه بأنه نهم للسلطة، والعرب بأنهم شعب وقح ومحارب. (انظر: دائرة المعارف الإسلامية كامبريدج، 1992: 379 نقلاً عن صميمي، 1395: 184).
من أمثلة كتمان الحقيقة والتحريف في العهدين فيما يتعلق برسول الله (ص) ما ورد في إنجيل يوحنا في ثلاثة مواضع عن شخص يُدعى فارقليط أو بارقليط، والذي تُرجم في الترجمة الفارسية الحالية بكلمة «المعزي». مثل إنجيل يوحنا، الإصحاح 16، الآيات 8 و 9 و 10. في هذه الفقرة من إنجيل يوحنا، رُبط مجيء الفارقليط (المعزي) برحيل عيسى؛ بحيث أنه بدون رحيل عيسى، لن يكون مجيء خليفته ممكناً، وبمجيء الخليفة، سيحكم على العالم بالعدل.
في النص السرياني للأناجيل، المأخوذ من الأصل اليوناني، وردت كلمة «بارقليطا» بدلاً من «المعزي»، وفي النص اليوناني، وردت كلمة «بيريكليتوس» التي تعني في الثقافة اليونانية «الشخص المحمود»، أي ما يعادل «محمد» و«أحمد». لكن أرباب الكنيسة كتبوا كلمة «باراكليتوس» التي تعني المعزي بدلاً من «بيريكليتوس»، وبهذا التحريف الواضح، غيروا وثيقة إثبات حقانية محمد (ص). (طهراني، 1406: 28/304). ومما يؤيد هذا الأمر أن أشخاصاً بعد عيسى وقبل نبوة النبي (ص)، قدموا أنفسهم كفارقليط، قائلين إننا النبي الموعود الذي بشر عيسى بقدومه. مثل شخص يدعى مونتانوس في «ميسيا» الذي تجمع حوله الكثير من الناس وأطلقوا عليه اسم فارقليط. (ويل ديورانت، 1341: 3/255 و 256).
إن كتمان الحقيقة والتحريفات المتعلقة بوجود النبي الأعظم (ص) المقدس، أدت إلى عدم معرفة مقامه الحقيقي في صدر الإسلام والعصر المعاصر، وبالتالي، بقاء البشرية في جهل بشخصية النبي الأكرم (ص)، مما مهد لإطلاق الأقاويل الباطلة عليه.
على إثر نزول بعض الآيات، وجه المنافقون والمشركون في صدر الإسلام أيضاً إهانات للنبي الأكرم (ص). من ذلك ما يتعلق بزواج النبي (ص) من زينب بنت جحش، التي كانت في الجاهلية تُعتبر ابنة بالتبني، ولها جميع حقوق الابن من أبيه، فنزلت آية تعلن صراحة أن أبناءكم بالتبني ليسوا أبناءكم الحقيقيين (الأحزاب: 4).
في القرآن الكريم، طُرحت قضية تبني زيد بن حارثة وزواجه من زينب بنت جحش في آيات (الأحزاب: 36). بعد زواج زينب من زيد، لم يمض وقت طويل حتى انفصلا، رغم جهود النبي الأكرم (ص) للمصالحة. ثم تزوجها النبي (ص) بأمر من الله لتعويض فشل زينب في زواجها، ولمحاربة الحكم الجاهلي بتحريم الزواج من زوجة الابن بالتبني (دياري، 1383: 317)؛ «فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا» (الأحزاب: 37).
في التفاسير، ذُكر ما يشبه هذا المضمون، وهو أن زينب كانت تروق لرسول الله (ص) وكان يخفي ميله إليها حتى لا يعلم زيد بهذا الأمر فيطلقها. (الطبري، 1412: 10/22؛ السيوطي، 1404: 5/201). ثم يشبه السيوطي هذا الميل من نبي الله لامرأة متزوجة بداود في الكتب المقدسة (السيوطي، 1404: 5/203)، وهو إشارة إلى قصة بثشبع. (العهد القديم، سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 11). تعرض زواج النبي (ص) من زينب لانتقاد المنافقين. (الواقدي، 1374: 3/35).
في العصر المعاصر أيضاً، قام العديد من المستشرقين، بالاعتماد على بعض الروايات المحرفة في صدر الإسلام وبالاستناد إلى روايات تاريخية ضعيفة وتأويلات شخصية، بسرد قصة زواج النبي (ص) من زينب بطريقة مهينة لمقامه المقدس. (غوستاف لوبون، 1347: 117-122). وكذلك ذكر الدكتور سها بعنوان «الاستيلاء على زوجة الآخرين» (سها: 423، نقلاً عن رضائي أصفهاني، 1394: 35) وديدرو بعنوان «صديق النساء» (ديدرو ودالامبير، 1969: مدخل محمد وعبد الله، نقلاً عن مينو صميمي، 1395: 289-292) هي أيضاً من هذه الأمثلة. علي دشتي، بوصفه هذا الزواج بأنه عشق من النبي (ص)، يستدل على ذلك بتفسير الزمخشري. (الزمخشري، 1407: 3/540؛ دشتي، 1973: 136). إن جذور مثل هذه الرؤى تجاه النبي والجهل بشخصيته في العصر المعاصر، مرتبطة بصدر الإسلام والتاريخ وبعض التفاسير تحت الآيات والأقاويل الباطلة والتحريف في الكتب المقدسة.
1-2-1-2. الروايات الإسرائيلية والموضوعة في الصحيحين وكتب دينية إسلامية أخرى
العامل الثاني المهم والمهد للجهل بشخصية النبي الأكرم (ص) كأصل ثانٍ للإهانات في صدر الإسلام والعصر المعاصر، هو الروايات الإسرائيلية والموضوعة في الكتب الدينية. الإسرائيليات هي روايات دخلت المصادر الإسلامية، بسبب كثرة مخالطة أهل الكتاب بالمسلمين في صدر الإسلام، وغالباً ما تكون ذات صبغة يهودية. (الذهبي، 1976: 1/165). نظراً لأهمية الحديث كمصدر ثانٍ مهم بعد القرآن الكريم لفهم واستنباط الأحكام الشرعية في الدين الإسلامي، قام أفراد مغرضون بأغراض مختلفة باختلاق أكاذيب عن النبي، ومع مرور الوقت، تسربت هذه الأحاديث الكاذبة إلى الكتب الدينية. كانت شدة هذه الأكاذيب، التي بدأت في حياة النبي الأكرم (ص)، إلى درجة أنه نبه إليها مراراً في حياته الشريفة: «يا أيها الناس! لقد كثر الكاذبون عليّ. فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». (الكليني، 1407: 1/62). بناءً على حديث عن الإمام علي (ع)، بدأ وضع الحديث وجعله في عهد النبي (ص) ثم انتشر بعده. (نفس المرجع). دخلت الكثير من الأكاذيب إلى المصادر التاريخية عن طريق أمثال سيف بن عمر. (عليانسب، 1396: 17). يؤكد عز الدين نيازي، وهو كاتب معاصر من أهل السنة، على أن الحكومة كانت دائماً تملك رجال دين لوضع أحاديث تخدم أهدافها. كما أنه يدرس الصحيحين ويجد فيهما نماذج كثيرة من التوراة تشمل أحاديث تقدم صورة قبيحة عن رسول الله (ص). (نيازي، 1997: 450 و 465). يعتبر السيوطي أن أحد أسباب دخول الأحاديث الضعيفة في كتب التفسير هو اختصار سند الأحاديث والنقل الناقص للأقوال، ويعتقد أن الأكاذيب نشأت من هنا واختلط الصحيح بالسقيم. (السيوطي، 1429: 2/378).
من الروايات الكاذبة الأخرى التي أدت إلى إهانات للنبي الأكرم (ص)، أسطورة الغرانيق، التي وردت في المصادر التاريخية والتفسيرية تحت آيات 19 و 20 من سورة النجم (السيوطي، 1404: 4/366؛ الزمخشري، 1407: 3/164) وكانت محل نقد جاد من السيد جعفر مرتضى العاملي (العاملي، 1426: 261). يقيناً أن أسطورة الغرانيق كاذبة؛ لأن سند هذا الحديث لا يتصل بأي من أصحاب النبي (ص). إنما نُسب إلى عدد من التابعين الذين لم يدركوا زمن النبي. إذن الحديث مرسل. (معرفت، 1388: 1/121-128).
هذا الحديث في العصر المعاصر، أصبح ذريعة للمستشرقين والهازئين بالقرآن الكريم ودين الإسلام. في بعض الفقرات، يشير كارل إلى اعتراف النبي (ص) بألوهية الأصنام الثلاثة التي كانت تُدعى بنات الله وخضوعه لها، بسبب وساوس الشيطان فيه. (بروكلمان، 1973: 34). دشتي، بناءً على هذه الروايات المختلقة، يؤمن بتحريف القرآن وعدم عصمة النبي (ص). (دشتي، 1970: 69). وات، بتصور مهين، اعتبر حرص النبي على إرضاء المخالفين سبباً لجريان آيات شيطانية على لسانه. (مونتغمري وات، 2002: 197).
كذلك حديث اللدود في العصر المعاصر، أصبح مادة لإهانات. النبي (ص)، كانتقام لصب دواء مر في فمه، بعد أن أفاق، أمر بمعاقبة هذا الفعل، بصب الدواء المر في أفواه جميع الحاضرين في المجلس! (البخاري، د.ت: 7/17). بينما هذا الحكم المضحك من نبي يُعتبر أسوة الأخلاق العظيمة، لا يتوافق مع العقل والمنطق والأخلاق. حديث اللدود في العصر المعاصر أصبح ذريعة لأفراد ليبرزوا جانب الخطأ والزلل في الوجود المقدس للنبي الأعظم (ص) ويقللوا من شأن عصمته. دشتي ينقل من كتاب صحيح مسلم، عن النبي الأكرم (ص) قوله إنه بشر أيضاً يغضب ويتأثر كبقية البشر (مسلم، 1419: 4/1595)، وفي إثبات هذا القول، يذكر حديث اللدود ليبرر غضب النبي بالانتقام بصب الدواء المر في أفواههم. (دشتي، 1970: 94).
من الروايات الممهدة للجهل بشخصية النبي الأكرم ومنطلق الإساءة إليه، روايات أسطورية عن بداية الوحي وورقة بن نوفل (البخاري، د.ت: 1/7) التي كانت محل نقد جاد من الكتاب. أليس من غير المعقول إثارة نبي جاهل بنبوته ومحتاج إلى امرأة أمية وكاهن نصراني؟ لماذا لم يفهم النبي نفسه ما فهمته تلك المرأة وورقة؟ (عليانسب، 1396: 105). القرآن الكريم، خلافاً لهذه الأحاديث الضعيفة، يصرح بثبات قلب النبي وعدم تردده في تلقي الوحي؛ «كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ» (الفرقان: 32) و «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ» (يوسف: 108 والأنعام: 57).
أمثال هذه الروايات المختلقة في العصر المعاصر أصبحت مادة للإساءة إلى النبي (ص). وات في كتابه يتحدث عن علاقة النبي الأكرم (ص) الوثيقة بورقة بن نوفل، حتى قبل بعثته، وأن ورقة المسيحي الذي كان ضليعاً في تدريس الأناجيل، قد مزج أفكاره الإسلامية بأفكار مسيحية. (مونتغمري وات، 2002: 119).
من الأحاديث الضعيفة الأخرى، يمكن الإشارة إلى قرص النبي لعائشة أثناء الصلاة (البخاري، د.ت: 1/131). أمثال هذه الأحاديث في كتب الصحيحين والكتب الدينية الإسلامية، مهدت للجهل بشخصية النبي الأكرم (ص) ووفرت مادة جيدة للمستشرقين الغربيين والمخالفين للإساءة إلى شخصيته المقدسة وإنكار أصالة الوحي.
1-2-1-3. تحليل التشابهات والاختلافات في الأصل المعرفي للجهل بشخصية النبي الأكرم (ص)
رغم أن جهل الكفار والمنافقين في صدر الإسلام والعصر المعاصر بشخصية وأخلاق رسول الله (ص) متشابه، إلا أن سبب ظهور الجهل في العصر المعاصر يمكن اعتباره تحريف وكتمان أهل الكتاب في صدر الإسلام، والإسرائيليات والروايات الموضوعة في الصحيحين والمصادر الدينية التي تبعها أرباب الكنيسة والعصور الوسطى، اتباعاً لأسلافهم، بتعصب ورؤية متحيزة في استمرار جهل المعاصرين. إذا كان جهل كفار قريش بسبب عدم علمهم بالحق، وهو جهل بسيط، فإن جهل أهل الكتاب في صدر الإسلام وأرباب كنيسة العصور الوسطى لم يكن ناتجاً عن عدم العلم والمعرفة، بل رغم علمهم بالحقيقة، أنكروها واعتقدوا بخلاف الواقع وحاربوها، وبهذه الطريقة، أدى الجهل بالمعنى الثاني والثالث فيهم إلى إنكار وإهانة الرسول الأعظم (ص). اليوم أيضاً، يعرف قادة إمبراطورية الإعلام شخصية النبي (ص) أفضل من غيرهم، ولكن لأنهم يعتبرون دين الإسلام مانعاً لمصالحهم الشخصية والقومية والسياسية، فإنهم يوجهون الإهانات والمواجهة له بعلم وعمد.
من العوامل المهمة الممهدة للجهل بشخصية النبي الأكرم (ص)، الأقاويل الباطلة والتحريف في الكتب المقدسة، والتي كانت مؤثرة في تشديد الجهل وتمهيد terreno للإساءة إليه من جهتين. أولاً، شوهت الأقاويل الباطلة في كتب العهدين صورة الأنبياء الإلهيين لدى أهل الكتاب والمشركين والكفار عبر التاريخ، وأنزلهم من مقام الطهارة والعصمة والقدوة، وسمحت للناس بتكرار تلك الإهانات والتجرؤ على هذه المقامات القدسية. ثانياً، أدى كتمان الحقيقة والتحريف إلى بقاء البشرية في جهل بشخصية النبي (ص)، ومهد لاستمرار الافتراءات والأقاويل الباطلة الموجهة إلى مقامه الملكوتي والقدسي.
وفرة الروايات الموضوعة والضعيفة في كتب الصحيحين ودخول الإسرائيليات في الكتب الدينية الإسلامية، خاصة كتب أهل السنة، والتي كانت، حسب نبوءة النبي نفسه، بسبب المصالح السياسية وحب المال والسلطة، أو حذف سند الأحاديث للاختصار، مهدت لاستمرار الجهل. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالروايات الأسطورية عن بداية الوحي أو أسطورة الغرانيق، تم الترويج لها في العصر المعاصر من قبل مستشرقين مثل كارل ومونتغمري وات، ووجهت إساءة لأصالة الوحي وقدسية النبي. النقطة التي يجب الإشارة إليها في تحليل هذه القضية هي أن المستشرقين يبحثون عن الإسلام الأصيل بشكل عام في كتب أهل السنة، وإذا صادفوا روايات خاصة تخدم غرضهم في الطعن في دين الإسلام، فإنهم يضخمونها وينشرونها باسم الإسلام الحقيقي، بينما يوجد الإسلام المحمدي الأصيل في مذهب أهل البيت (ع) والتشيع (حديث الثقلين المتواتر الذي يثبت عصمتهم ووجوب طاعتهم في آية أولي الأمر وآيات أخرى (الأحزاب: 33، النساء: 59، البقرة: 124 وغيرها) والتوصية بمودتهم ومحبتهم في القرآن الكريم (الشورى: 23)). ولعل هذا هو ضعف التبليغ الشيعي الذي لم يتمكن بعد من إيصال تعاليم الإسلام الأصيل إلى أسماع الكتاب والباحثين الغربيين في الخارج والداخل ليتعرفوا على مذاهب أخرى، ويجد الباحثون المنصفون وطالبو الحق طريقهم إلى ينابيع الحقيقة بسهولة أكبر.
في مواجهة الإهانات الموجهة للمقام الشامخ للرسالة وشخصية محمد (ص)، من المناسب التأسي بالقرآن الكريم، الذي بادر في هذا المجال، لرفع جهل مخاطبيه، بتعريف شخصيته؛ فهو عبد الله (العلق: 10)، وذو خلق عظيم (القلم: 4)، والأسوة الحسنة (الأحزاب: 21)، وخاتم النبيين (الأحزاب: 40)، ومصدر رحمة وشفقة للعالمين (الأنبياء: 107، الكهف: 6، الشعراء: 3) وغيرها من الصفات المحمودة. في العصر المعاصر أيضاً، يجب تعريف شخصيته الأخلاقية والإنسانية والروحية الخيرة والمسالمة وأهدافه الإلهية والإنسانية باستخدام الأدوات العصرية الفنية والأدبية والعلمية وغيرها.
تتمة الحلول القرآنية في الدفاع عن النبي ومواجهة الأقاويل الباطلة تشمل ما يلي:
1- إعلان البراءة والنفور من الكفار في مواجهة الإهانة والافتراء في القول والفعل؛ «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ» (هود: 35).
2- الاستدلالات المحكمة والواضحة في الدفاع عن الشبهات الشيطانية. من أساليب الاستدلال الأخرى في القرآن للدفاع عن كتمان وتحريف أهل الكتاب فيما يتعلق بصفات وخصائص الرسول الأكرم (ص) في التوراة والإنجيل، نزول آيات لتبيين وإثبات تلك الصفات في العهدين؛ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ… ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ» (الفتح: 29).
3- التوصية بالصبر والاستقامة في مواجهة إهانات وأذى الكافرين؛ «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ» (الروم: 60، الأحقاف: 35، الطور: 48، الإنسان: 24، هود: 49).
4- عدم الحزن (آل عمران: 176).
5- التوكل على الله؛ «وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» (الأحزاب: 48).
6- الإعراض عن المشركين (الحجر: 94).
7- طلب الدليل والبرهان على ادعاءات المخالفين: «أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» (الصافات: 156-157).
8- التذكير؛ «فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ» (الطور: 29 والغاشية: 21).
9- اللعن والتقريع (الأحزاب: 60).
10- التهديد (الأحزاب: 60).
11- التحدي (هود: 121).
12- قتل ونفي المنافقين (الأحزاب: 60-61).
13- الجهاد؛ «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (التوبة: 73).
الخاتمة
1- الإيمان والمعرفة والفكر هي المحرك لأفعال الإنسان. المسيئون منذ صدر الإسلام حتى الآن، بهذين الأصلين المعرفيين: التعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام والجهل بشخصية النبي الأعظم (ص)، بطبيعة واحدة وتشابه كامل، ولكن في قوالب مختلفة من حيث التعبير والسلوك والهجوم، ومع تغير الظروف والأدوات وتغير شكل السياق والمجال، غيروا القالب فقط، ووجهوا أنواعاً من الإهانات للشخصية الحقيقية والاعتبارية للنبي (ص) والمسلمين على مر التاريخ.
2- تغير شكل العقائد الإلحادية والشركية المؤدي إلى الإهانة على مدى 14 قرناً، كان بطبيعة واحدة، حيث وُضعت الشرك وعبادة الأصنام والتثليث في صدر الإسلام في قوالب تمثالية لأصنام العصر المعاصر، مثل كلمات السلطة، والحكومة، ورأس المال، كشريك لله في الألوهية والتوحيد. إنكار المعاد في صدر الإسلام، بنوع من الاعتقاد بالمعاد في المسيحية الأرثوذكسية في العصر المعاصر، في إطار نظرية فصل الدنيا والآخرة والمسائل الدينية عن المسائل الدنيوية، بمساعدة أشخاص مثل فولتير، غير لونه، وهُمش المعاد وأُنكر ضمنياً. لكن الإلحاد في صدر الإسلام، بمساعدة المدارس المادية وأمثال نيتشه وماركس وفرويد وبرتراند راسل، تعزز في العصر المعاصر، وأُنكر الوحي والمعاد والله تماماً، وبرز كأبرز وأهم أصل معرفي مشترك في الإهانة والمواجهات السلبية مع النبي الأكرم (ص)، ويمكن اعتباره حتى منبعاً لأصول الإهانة الأخرى. وعليه، فإن أصول الدين، وعلى رأسها التوحيد، تُعرف كمدخل للإسلام. لذا، فإن عدم الإيمان بالتوحيد هو مدخل للكفر والإلحاد وإنكار النبي الكريم والإساءة إليه.
3- إرث الجهل بحقيقة الإسلام وشخصية النبي (ص)، في لباس تحريف وكتمان الحقائق من كتب مغرضة من العصور الوسطى في الغرب، واستمرار طريق أسلافهم من أهل الكتاب في تشويه الصورة الطاهرة والمعصومة للأنبياء في كتب العهدين، وتوجيه نفس الاتهامات بالفسق والفجور لوجودهم المقدس، وتوجيه نفس الاتهامات للنبي الأعظم (ص)، وكتمان وتحريف أسمائهم وصفاتهم وعلاماتهم. بهار هذا الطعام الفاسد هو تحريف وقلب الحقائق، الذي قام به بعض المسلمين من طلاب الدنيا والجهلاء من صدر الإسلام حتى الآن، بوعي أو بغير وعي، بإدخال أحاديث ضعيفة أو جعل أحاديث دينية، في خدمة الحكام أو لمصالح معينة، في كتب التفسير والحديث والفقه.
4- الجهل البسيط للمسيئين للنبي الأكرم (ص) في صدر الإسلام، وجهل أهل الكتاب وكتاب الكتب المغرضة في العصور الوسطى وبعد عصر النهضة، باعتقاد مخالف للحقيقة، رغم علمهم بها وعملهم بخلافها (المعنى الثاني والثالث للجهل)، مهد لأنواع الإهانات على مدى أربعة عشر قرناً لوجوده المقدس، وهذا الأمر يزيد من عبء الكتاب والمبلغين الدينيين. إن الجهل بشخصية النبي وصفاته السامية من أهم الأصول المعرفية للإهانات، والتي يكون فيها التوعية الإسلامية العالمية ونشر معارف أهل البيت (ع) وزيادة البصيرة في ضوء جهاد التبيين في هذا المجال مفيداً جداً.
6- نظراً لتنوع الأدوات في عمليات الاستشراق الكافرة، هناك حاجة لاستخدام جميع الإمكانيات الإعلامية والاجتماعية في الجبهة المقابلة؛ «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ» (الأنفال: 60).
7- تشابه كلا الأصلين المعرفيين للإهانات في الجوهر والماهية من صدر الإسلام حتى الآن، يدل على وحدة استراتيجية شياطين الجن والإنس في مواجهة الرسل الإلهيين على مر التاريخ، ويمكن أن يرشدنا إلى النجاح في مواجهة هذه الإهانات الشيطانية، إلى الينابيع المتصلة بالغيب التي هم الرسل الإلهيون، واستراتيجياتهم، خاصة استراتيجيات النبي (ص). تشمل الحلول القرآنية في مواجهة الإهانات ذات الأصل المعرفي للتعارض الفكري والعقائدي مع تعاليم الإسلام: 1- دعوة الجميع إلى كلمة التوحيد، 2- الدعوة إلى التقوى وقول الحق، 3- أسلوب الاستدلال، 4- أسلوب إبلاغ الرسالة، 5- الإنذار بالقرآن، و 6- المباهلة. أما الحلول القرآنية في التعامل مع الأقاويل الباطلة الموجهة للنبي ذات الأصل المعرفي للجهل بشخصيته، فتشمل: 1- تعريف شخصيته وخصائصه الأخلاقية، 2- إعلان البراءة والنفور من الكفار، 3- الاستدلالات المحكمة، 4- التوصية بالصبر، 5- عدم الحزن، 6- التوكل على الله، 7- الإعراض عن المشركين، 8- طلب الدليل والبرهان على ادعاءات المخالفين، 9- التذكير، 10- لعن وتقريع الأعداء، 11- التهديد، 12- قتل ونفي المنافقين، و 13- الجهاد مع الكفار والمنافقين، مما يبرهن على ضرورة إجراء بحوث تطبيقية في هذه الحلول القرآنية ويُقترح على الباحثين الكرام.