تحليل رواية «الله هو المسعِّر» في مصادر الفريقين: دراسة نقدية لإسناد الغلاء إلى الله تعالى

الملخص: توجد روايات متعددة بمضمون «الله هو المسعِّر» في المصادر الإسلامية، تُسند مفاهيم مثل التسعير، والغلاء، والرخص إلى الله تعالى. وقد اهتم محدثو الفريقين بتقييم هذا النوع من الروايات سنداً ومحتوى، وأفتى الفقهاء بناءً عليها، وبحث المتكلمون في مبادئها النظرية. من جهة أخرى، سعى بعض رجال السياسة، بالتمسك بتعابير مثل «الأَسْعَارُ بِيَدِ اللهِ»، إلى تبرير الوضع الاقتصادي المتردي في مجتمعاتهم، متجاهلين العوامل الإنسانية المؤثرة في تقلبات الأسعار. هذه المقالة، التي أُعدت بالمنهج الوصفي التحليلي وبتشكيل أسرة حديثية موافقة ومخالفة لمفهوم كون الله هو المسعِّر، تسعى ضمن تقييم سندي لهذه الأحاديث، إلى تقديم تحليل لغوي وحديثي وكلامي لإسناد فعل «التسعير» إلى الله. وبناءً على هذا البحث، فإن فكرة انحصار التسعير في الله تتعارض مع سيرة المعصومين (ع) والأصول القرآنية، وهذه الفكرة المنحرفة لها جذور في الجبرية والفكر اليهودي الخاطئ.

١. طرح المسألة

لا شك أن تقلبات الأسعار من عوامل اضطراب النظام المعيشي في المجتمع؛ ولهذا السبب، سعى الحكام والمسؤولون الحكوميون دائماً إلى السيطرة على الأسعار أو تبرير أدائهم بطريقة ما، من خلال اعتماد أساليب وتنفيذ تعليمات، وبالتالي زيادة استقرار ومتانة حكمهم.

من الأفكار الأساسية التي شاعت في تبرير الظروف الاقتصادية للمجتمع – حتى قبل الإسلام – هي المصدر الإلهي للأسعار. بناءً على تقرير القرآن، كان «آل فرعون» من بين الذين ظنوا أن التضخم والغلاء من العقوبات الإلهية وناشئ عن شؤم نبي الله. كانوا في وقت الرخاء الشامل يعتبرونه من بركات قومهم؛ أما عندما كان القحط والغلاء يحدث في المجتمع، كانوا ينسبونه إلى نحس النبي موسى (ع) (الشوكاني، ١٤١٤ق، ٢: ٢٧٠). هذه الطريقة غير اللائقة استخدمها اليهود أيضاً في بداية ظهور الإسلام. وكما قال المفسرون، بعد دخول رسول الله (ص) إلى المدينة، عندما شاع الغلاء والتضخم في المدينة، نسب زعماء اليهود ارتفاع الأسعار إلى شؤم ذلك النبي (فخر الرازي، ١٤٢٠ق، ١٠: ١٤٥). ولكن بعد انتشار الإسلام، اكتسبت فكرة «كون الله هو المسعِّر» اعتباراً بين المسلمين في شكل عبارات حديثية. بناءً على عدد من الروايات، التي راج أكثرها بين أهل السنة، نُقلت هذه القصة أنه عند حدوث القحط والغلاء في مدينة المدينة، طلب الناس من رسول الله (ص) التدخل في التسعير، لكن النبي رفض هذا الطلب وصرح بأن «الله هو المسعِّر»، مُعرِّفاً المؤثر الأصلي في التسعير بأنه الله. هذه الأحاديث، التي صاحبتها في البداية جرح وتعديل من محدثي الفريقين، وجدت طريقها إلى الفقه الإسلامي وأصبحت أساساً لبعض الأحكام الاقتصادية مثل حرمة التسعير، وأنشأت باباً بعنوان «باب التسعير» في علم الفقه. بالإضافة إلى ذلك، انتقلت عبارة «الله هو المسعِّر» إلى علم الكلام أيضاً، ومهدت الطريق لنقاشات واسعة في قبول ورفض هذه الفكرة المثيرة للتأمل. من ناحية أخرى – تظهر الدراسات التاريخية أيضاً – أن هذه المسألة المثيرة للجدل أصبحت أحياناً ذريعة للسلاطين الجائرين والظالمين. كانوا في أوقات انتشار الغلاء، ولتبرير ارتفاع الأسعار، والتستر على عدم كفاءتهم، وكذلك منع الاحتجاجات، يروجون لفكرة أن «الأسعار بيد الله» ولا يحق لأحد التكلم عنها (ابن حجر، ١٤١٥ق، ٣: ٧٢). هذا النوع من الكلام المثير للتأمل لا يزال يُسمع من بعض رجال السياسة والدين الذين يقولون «الأَسْعَارُ بِيَدِ اللهِ» لتبرير ارتفاع الأسعار (الحربي، ٢٠٢٢م) ، ويصفون الصبر والتحمل أمام الغلاء بأنه مقصود حديث «الله هو المسعِّر» (الإفتاء المصرية، ٢٠١٧م). وفي المقابل، يرد بعض الكتاب على تلك الأقوال بالتمسك بشعار «الأَرْزَاقُ بِيَدِ اللهِ، والأَسْعَارُ بِيَدِ الحكومة» (عامر، ٢٠١٦م، ٣١).

على الرغم من هذه الخلفيات السياسية والاجتماعية والنقاشات العلمية المشار إليها، والتي تُظهر أهمية الموضوع بين المفكرين الإسلاميين، تبرز أمامنا عدة أسئلة يبدو الرد عليها مهماً ومفيداً ؛ أولاً، ما معنى كلمة «تسعير» في أصل اللغة والاصطلاح، وفي أي حالة يمكن إسناد هذا الفعل إلى الله؟ ثانياً، ما مدى اعتبار مجموعة الأحاديث التي تنسب هذا الفعل إلى الله؟ ثالثاً، هل إسناد فعل التسعير إلى الله يتوافق مع سنة وسيرة المعصومين (ع) وكذلك مع المبادئ القرآنية؟

هذه المقالة، للإجابة على هذه المسائل، تبدأ أولاً في قسم تحديد المفاهيم بالبحث في المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة «سعر»، وتناقش إمكانية إسناد فعل التسعير إلى الله، مستندة إلى آراء أهل اللغة. ثم، من خلال تشكيل أسرة حديثية مؤيدة ومعارضة لفكرة كون الله هو المسعِّر، قامت بتقييم مدى الاعتبار السندي والمضموني لكل مجموعة من هذه الأخبار بناءً على أقوال وآراء علماء الرجال وخبراء الحديث من الفريقين. وفي النهاية، حللت الأسس النظرية لعقيدة «الله هو المسعِّر» في آراء المتكلمين، وكشفت عن تعارض مختلف تقريرات هذه العقيدة مع الأصول القرآنية.

حول خلفية المباحث المذكورة، تجدر الإشارة إلى أن هناك دراسات متفرقة قدمها باحثون معاصرون في مجال دلالة روايات التسعير على المفاهيم (يوسفي، ١٣٧٩ش) والأحكام الاقتصادية (بهمن بوري وحائري، ١٣٨٩ش) ، وفي بعض المصادر الحديثية (محمدي ري شهري، ١٤٢٩ق، ٧: ٤٣-٤٥) والكلامية (عبد الرزاق، ١٤٣٣ق، ٢: ٣١٠-٣١١) بُذلت جهود لتأييد وتبرير محتوى هذه الروايات ؛ ولكن حتى الآن، لم يُعثر على تحقيق مستقل بشأن تقييم اعتبار هذه الأحاديث من حيث انسجام المحتوى مع الكتاب والسنة.

إمكانية تحديد مفهوم كون الله هو المسعِّر

أصل مادة «سعر» يدل على الاشتعال والعلو والارتفاع (مصطفوي، ١٣٦٨ش، ٥: ١٢٩). في استعمالات هذه الكلمة، يُقال «السَّعَر» لشدة الجوع والعطش، ويُوصف الذي يحرص على الأكل والشرب وهو شبعان بـ «المسعور». ولبيان شدة العداوة، استُخدمت كلمة «السَّعَرَان»، وصُوِّرت شدة سرعة وحركة البعير بكلمة «سَعُور» (مهنا، ١٤١٣ق، ١: ٥٩٩). و«مِسْعَر» و«سَاعِير» و«مَسَاعِير» استُعملت أيضاً بمعاني شديد وطويل ومرتفع (الطريحي، ١٣٧٥ش، ٣: ٣٣١). أما كلمة «السِّعْر» في اللغة فتعني «القيمة»، وجمعها «الأَسْعَار»، و«التَّسْعِير» يُقال بمعنى «تحديد القيمة» وكذلك «الاتفاق على القيمة» (ابن منظور، ١٩٩٦م، ٤: ٣٦٥). وحول وجه الشبه بين «السِّعْر» (القيمة) و«إِسْعَار النار» (إضرام النار)، قيل إن المتبادر من «سِعْر» و«تسعير» هو القيمة وتحديدها، أي زيادتها وارتفاعها في السوق، والتي تشتعل وترتفع كألسنة اللهب (الطريحي، ١٣٧٥ش، ٣: ٣٣١).

في تحديد المعنى الاصطلاحي لكلمة «السِّعْر»، بحث أهل اللغة فيه قبل المتكلمين. الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ق) كان يرى أن «السِّعْر» (القيمة) هو ما يقوم به الثمن (الفراهيدي، ١٤٠٨ق، ١: ٣٢٩). هذا التعريف لقي قبولاً من لغويين آخرين واكتفوا بنقله (ابن منظور، ١٩٩٦م، ٤: ٣٦٥؛ الزبيدي، ١٤١٤ق، ٦: ٥٢١). وعلى رأس المتكلمين، عرّف السيد المرتضى علم الهدى (ت ٤٣٦ق) «السِّعْر» بأنه تقدير البذل في مقابل ما يُباع (علم الهدى، ١٤١١ق، ٢٧٤).

في المرحلة التالية، تناول اللغويون «الرخص» (انخفاض السعر) و«الغلاء» (ارتفاع السعر) بوصفهما صفتين أو نوعين من التسعير، وأخذوهما في الاعتبار في التعريف الاصطلاحي للتسعير (تحديد القيمة). في شرح حديث «الله هو المسعِّر»، وبتعبير «هُوَ الَّذِي يُرْخِصُ الْأَشْيَاءَ وَيُغْلِيهَا»، سعوا إلى شرح مفهوم «التسعير» ضمن إسناد متلازم لـ«الرخص» و«الغلاء» إلى الله (ابن الأثير، ١٣٧٦ش، ٢: ٣٦٨؛ ابن منظور، ١٩٩٦م، ٣: ٣٦٥). النقطة المهمة الأخيرة هي أن بعض أهل اللغة اعتبروا مفهوم «التسعير»، بالنظر إلى القدر الجامع للمادة وهو الزيادة والعلو والارتفاع، أكثر انسجاماً مع رفع السعر ؛ فمن وجهة نظرهم، لا يُطلق «التسعير» على تخفيض السعر (الفيومي، ١٩٨٧م، ١: ٢٧٧؛ النووي، ١٩٨٠م، ١٣: ٢٩) ؛ لأن المتبادر من كلمة «سعر» هو الزيادة والارتفاع. نتيجة هذا القول هي أنه في حال سلب إسناد الغلاء عن الله، ينتفي إسناد التسعير أيضاً، حتى لو كان إسناد الرخص إلى الله جائزاً بناءً على بعض الروايات.

تقييم اعتبار الروايات الموافقة والمخالفة لتسعير الله

لتقديم رؤية واقعية في موضوع إسناد التسعير إلى الله، من الضروري دراسة مجموعة الأحاديث الموافقة والمخالفة لهذا الموضوع. توجد في كتب الحديث روايات كثيرة حول الأسعار، ذُكرت تحت «باب التجارة» و«باب الأسعار» وعناوين مشابهة، وقد نقلها محدثون من العامة والإمامية، وليست دراسة جميعها موضوع هذا البحث. من بينها، تم تحليل وتقييم أهم الروايات التي تدل على إسناد أو عدم إسناد التسعير إلى الله فقط. تجدر الإشارة إلى أن هذا البحث، دون إنكار الطرق المتداولة في تقييم الروايات، اعتمد على نظرية شاملة في هذا المجال، يُلحظ فيها نقد السند والمتن معاً ؛ لأنه إذا كان الهدف من تقييم الروايات هو تمييز الحديث الصحيح من السقيم، فللوصول إلى هذا الهدف يجب إعطاء أهمية لجميع الطرق المؤثرة في تحقيق هذا الغرض (كريم بور و نورائي، ١٣٩٨ش، ١١).

١٣. أنواع الأحاديث الموافقة لتسعير الله

يدل عدد من روايات باب الأسعار على كون الله هو المسعِّر بشكل مباشر أو غير مباشر. معظم هذه الروايات نُقلت عن طريق مشايخ ومحدثي أهل السنة، وبعد تأييدها، اعتُبرت أمراً مسلماً به. ولكن يبدو أن هذه الأنواع من الروايات – في الفئات التالية – قابلة للتحليل والتقييم:

١١٣. انحصار التسعير في الله

صدرت هذه المجموعة من الروايات في ثلاثة أطياف مختلفة وفي ظروف متفاوتة ؛ بعضها رُوي عند حدوث الغلاء المطلق (الغلاء)، وبعض هذه الروايات أخبرت عن ارتفاع المستوى العام للأسعار في زمن القحط، وبعضها الآخر نسب التسعير إلى الله في ظروف نشأ فيها الغلاء بسبب الاحتكار:

١- أهم حديث صدر عن النبي (ص) عند حدوث الغلاء في المدينة، وظاهره يدل على انحصار التسعير في الله، هو الحديث المشهور الذي لم يغفل عن نقله أكثر محدثي أهل السنة. أصل هذا الحديث – الذي سُجِّل بإسنادات وعبارات مختلفة في مصادر العامة – نُقل هكذا: «غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر، فسعّر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ…”» (ابن حنبل، ١٤٢٠ق، ٣: ٢٨٦).

٢- بناءً على حديث عن ابن عباس، في سنة أصاب فيها القحط المدينة، طُلب من النبي الإسلام (ص) التدخل في تسعير البضائع، لكنه امتنع وأجابهم بتعبير «الْقَابِضُ الْبَاسِطُ هُوَ الْمُسَعِّرُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللهَ» (الفراهيدي، ١٤٣٢ق، ١٣١). كما نقل ابن الأثير (٦٣٠ق) في أسد الغابة حديثاً مشابهاً للحديث السابق هكذا: في زمن القحط في مدينة المدينة، طُلب من النبي الأكرم (ص) التسعير، فامتنع عن فعله وقال: لا أسأل الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني بها، ولكن سلوا الله من فضله (ابن الأثير، ١٤١٥ق، ٣: ٥٤٢).

٣- روى الشيخ الصدوق (٣٨١ق) أنه عندما مر النبي الأكرم (ص) بسوق المحتكرين، أمرهم بعرض البضائع المحتكرة للبيع. في هذه الأثناء، قال له شخص: يا ليتك حددت لهم سعراً. فغضب النبي من هذا الكلام، وبينما آثار الغضب بادية على وجهه، قال باستفهام إنكاري: «أَنَا أُقَوِّمُ عَلَيْهِمْ؟ إِنَّمَا السِّعْرُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَرْفَعُهُ إِذَا شَاءَ وَيَخْفِضُهُ إِذَا شَاءَ» (الصدوق، ١٣٩٨ق، ٣٨٨).

١١١٣. التقييم السندي

أورد محدثو أهل السنة أقوالاً مختلفة حول صحة وضعف الطيف الأول من الروايات. تظهر ملاحظة مسند أحمد بن حنبل (٢٤١ق) أنه روى قصة كون الله هو المسعِّر خمس مرات؛ مرتين روى حديث «الله هو المسعِّر» عن أنس بن مالك (ابن حنبل، ١٤٢٠ق، ٣: ١٥٦ و ٢٨٦)، ومرة عن أبي سعيد الخدري (نفس المصدر، ٣: ٨٥)، وفي روايتين أخريين نشر عبارة «اللهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» بواسطة أبي هريرة، أحد أعمدة الإسرائيليات (نفس المصدر، ٢: ٣٣٧ و ٣٧٢). وفي هذا السياق، صحح الترمذي (١٩٧٥م، ٣: ٥٩٧) وابن حبان (١٤١٤ق، ٣: ٣٠٧) حديث أنس بن مالك فقط.

أما البزار (٢٩٢ق) فقد روى مضمون الحديث الأول عن طريق الإمام علي (ع) (١٤٣٠ق، ٣: ١١٣)، والذي يعتقد بعض العامة أن سنده متفرد وضعيف (الهيثمي، ١٩٩٤م، ٤: ٩٩-١٠٠). كما نقل ابن الجوزي (٥٩٧ق) حديثاً مشابهاً لرواية البزار عن علي (ع) واعتبر سنده ضعيفاً لوجود عبد الله بن أيوب بن أبي علاج فيه؛ لأنه يعتقد أن هذا الشخص من رواة الأحاديث الموضوعة (١٩٦٦م، ٢: ٢٣٩-٢٤٠). كذلك، روى الطبراني (٣٦٠ق) هذا الحديث في «المعجم الكبير» عن أبي جحيفة (بدون تاريخ (أ)، ٢٢: ١٢٥)، وفي «المعجم الصغير» عن ابن عباس (بدون تاريخ (ب)، ٢: ٧) ؛ ولكن هاتين الروايتين أيضاً ضعيفتان سنداً في نظر بعض العامة (الهيثمي، ١٩٩٤م، ٤: ٩٩-١٠٠). كما روى المتقي الهندي مرتين مضمون الحديث الأول عن الحسن البصري (١١٠ق) مرفوعاً وبدون واسطة، مع أنه من التابعين (١٩٨١م، ٤: ١٨٤). الحديث الثاني، وهو رواية ابن عباس الثانية، ورد بصيغة “صحيح” في كتاب “الجامع الصحيح” للربيع بن حبيب (١٧٥ ق) (الفراهيدي، ١٤٣٢ق، ١: ١٣١). أما راوي حديث ابن الأثير، وهو عبيد بن نضيلة الخزاعي الأزدي، فقد قيل إنه من التابعين ولم يدرك النبي الأكرم (ص) أصلاً (ابن الأثير، ١٤١٥ق، ٣: ٥٤٢). روى الشيخ الصدوق (٣٨١ق) في “التوحيد” الحديث الثالث عن غياث بن إبراهيم التميمي، وهو زيدي المذهب من فرقة البترية، عن الإمام الصادق (ع) (١٣٩٨ق، ٣٨٨). أما الشيخ الطوسي (٤٦٠ق) فقد نقله بسند مختلف عن أمير المؤمنين (ع) (١٤٠٧ق، ٧: ١٦٢-١٦٣). يعتقد بعض الباحثين المعاصرين أن سند رواية الشيخ الطوسي مضطرب وفيه إشكال، سواء بسبب جهالة محمد بن جعفر وسائر الرواة، أو بسبب تسلسل الرجال (الأراكي، ١٣٩٥ش، الجلسة ٢٩).

٢١١٣. التحليل الروائي

بغض النظر عن ضعف سند معظم الأحاديث المذكورة، يمكن طرح عدة مسائل أساسية حول محتوى هذه الروايات. أولاً، ما المقصود بـ«التسعير» (تحديد الأسعار) الذي ورد ضمن عبارة «الله هو المسعِّر»؟ وكيف يمكن تبرير إسناده إلى الله؟ ثانياً، ما سبب امتناع النبي الإسلام (ص) عن التسعير؟ ثالثاً، هل هذا الإسناد بمنزلة حكم شرعي وتأييد للوضع القائم، ويجب التسليم بهذا الحكم وعدم الاعتراض عليه، أم أن هذه المجموعة من الروايات لا تحمل مثل هذه الدلالة؟

طُرحت آراء مختلفة من قبل أهل النظر إزاء هذه الأسئلة، نشير إلى بعضها:

١- المقصود من السعر الذي بيد الله هو السعر المتعارف عليه؛ هذا النوع من السعر، الذي هو نتيجة لآلية العرض والطلب وينشأ في الظرف الطبيعي، يعود في النهاية إلى مشيئة الله وهيمنته على نظام الوجود، وربما يكون ظاهر قول رسول الله (ص): «الله هو المسعِّر» يقصد به هذا المعنى من السعر المتعارف والعادل؛ وليس ذلك السعر الذي نشأ نتيجة الاحتكار أو خلق احتكار في السوق وهو ظلم وإجحاف بالناس (ابن تيمية، بدون تاريخ، ٢١-٢٢؛ المنتظري، ١٣٧٩ش، ٥: ١٣١). فكأن طلب الصحابة من النبي (ص) كان التدخل في هذا النوع من السعر الطبيعي، لكن النبي أعرض عن التسعير وقال: «الأسعار بيد الله» (المنتظري، ١٣٧٩ش، ٥: ١٣١). الروايات التي تدل على إسناد الغلاء والرخص إلى الله، تشير في الحقيقة إلى هذا المعنى وهو أن أكثر أسباب الغلاء والرخص بيد الله، أو أن الله بما أنه ترك عباده أحراراً – مع وجود دوافع داخلية – في إحداث الغلاء والرخص، فكأن الغلاء والرخص قد وقعا بإرادة إلهية…. بناءً على ذلك، يمكن حمل بعض هذه الأخبار على منع التسعير والنهي عنه، وعلى الحاكم الإسلامي ألا يجبر الناس على سعر معين وأن يتركهم وشأنهم حتى يجري السعر وفقاً للإرادة الإلهية (المجلسي، ١٤٠٤ق، ٥: ١٥١؛ شبر، ١٤٢٤ق، ٢: ٥٤٨). ٢- حديث «الله هو المسعِّر» يتعلق بالتدبير التكويني لله ؛ لأن ارتفاع السعر إما بسبب نقص السلعة في السوق أو بسبب زيادة الحاجة لدى الناس، وفي كلتا الحالتين تُدار هذه الأسباب بمشيئة وحكمة إلهية، وبناءً على هذه الأسباب يختبر الله تعالى عباده بزيادة أو نقصان في الرزق: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ» (الإسراء: ٣٠). فإذا ألزمنا الناس بسعر محدود ومعين عن طريق الحكم بالتسعير، بينما أراد الله زيادة الرزق بتوسيع الأسباب والإمكانيات، فهذا ظلم للخلق واعتراض على الخالق في تقسيم الأرزاق (عبد الرزاق، ١٤٣٣ق، ٢: ٣١٠-٣١١).

في تحليل ونقد هذه الأقوال، تجدر الإشارة إلى موضوعين أساسيين: أولاً، أن التسعير المنسوب إلى الله، وإن كان كونه تكوينياً قابلاً للتأييد، إلا أن تخصيصه بالتسعيرات المتعارفة والعادلة غير مقبول؛ بل الحق أن التسعيرات غير المتعارفة والظالمة للمحتكرين تنشأ أيضاً بمشيئة الله وهيمنته التكوينية، لأنه بناءً على آيات متعددة من القرآن، منها آية: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» (النساء: ٧٨)، تم تبيين هذا الأصل وهو أن ما يظهر في العالم من خير وشر (إنساني وغير إنساني) إنما هو بمقتضى المشيئة التكوينية لله سبحانه، وإن كانت إرادة الإنسان في المجال الإنساني تقع في الوسط (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١١٦:٢٠). النقد الآخر الوارد هو الإجابة على هذه المسألة المهمة: هل التسعير التكويني لله يستلزم حكماً شرعياً بـ«تحريم التسعير»؟ الإجابة على هذه المسألة – خلافاً لرأي أكثر الفقهاء والمحدثين – سلبية إجمالاً. مثل هذه الملازمة غير قابلة للإثبات؛ بل أقيمت أدلة على نفيها، سيُشار إلى بعضها في تحليل الروايات القادمة.

٢١٣. تدبير التسعير بواسطة الوكلاء السماويين

المجموعة الثانية من الروايات المؤيدة لإسناد الغلاء والرخص إلى الله هي الأخبار التي مضمونها نشاط الوكلاء السماويين أو الملائكة في مجال تدبير الأسعار. بعض هذه الروايات كالتالي:

١- نُقل عن رسول الله (ص) أنه قال: «الغلاء والرخص جندان من جنود الله، اسم أحدهما الرغبة والآخر الرهبة، فإذا أراد الله أن يغلي الأسعار؛ أدخل الرغبة في قلوب التجار، فحينئذ حبسوا السلع فارتفعت الأسعار، وإذا أراد الله أن يرخص الأسعار؛ ألقى الرهبة في قلوب التجار، فحينئذ أخرجوا السلع فرخصت الأسعار» (ابن الجوزي، ١٩٦٦م، ٢: ٢٤٠). ٢- في رواية أخرى قال النبي الأكرم (ص): «إن لله ملكاً من حجر اسمه عمارة، ينزل كل يوم على حمار من حجر، فيسعر الأسعار، ثم يعرج» (نفس المصدر، ٢: ٢٣٩). في المصادر الشيعية، رُويت أحاديث متعددة مشابهة للأخبار المذكورة أعلاه، ومنها هذا الحديث عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إن الله وكل بالسعر ملكاً، فلا يدعه يغلو من قلة الشيء، ولا يرخص من كثرته» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٥: ١٦٢).

١٢١٣. التقييم السندي

راوي الحديث الأول، كما في بعض روايات المجموعة الأولى، هو أنس بن مالك. وجود العباس بن بكار الضبي، المتهم بالكذب والوضع، وعبد الله بن المثنى الأنصاري، الذي وُصف بالضعف عند العامة، أدى إلى ضعف سند الحديث (ابن الجوزي، ١٩٦٦م، ٢: ٢٤١).

سند الحديث الثاني أيضاً اعتُبر ضعيفاً لوجود راوٍ كذاب اسمه «السري البغدادي» (نفس المصدر، ٢: ٢٣٩-٢٤١). وفي سند الحديث الثالث، بالإضافة إلى الإرسال، يوجد شخص مثل محمد بن أسلم الجبلي، الذي وُصف بأنه «غالٍ» و«فاسد الرواية» (الحلي، ١٤١١ق، ٢٥٥).

٢٢١٣. التحليل الروائي

هذه المجموعة من الروايات، التي يبدو أنها مفسِّرة لروايات المجموعة الأولى، تحكي عن أن الحق تعالى لا يتصرف مباشرة في تغيير الأسعار؛ بل يلعب دوراً في تدبير الأسعار بإرسال الجنود وتوكيل الملائكة. من المؤكد أن تدبير الملائكة في التسعير ليس تدبيراً تشريعياً وتعاقدياً، بل هو تدبير تكويني يعملون بموجبه كعلة خارجية بأمر الله. لا شك أن وجود مثل هذه العلية في الملائكة لا يتنافى مع صدور حكم تشريعي واعتباري – بإذن الله – من قبل البشر (الحسيني، ١٣٦٥ش، ٦٣١) ؛ لأن أمر التكوين وإدارة العالم، بما في ذلك صدور القوانين والأنظمة الاعتبارية بين البشر مثل التسعير، لا يقع دون تدخل ومشيئة تكوينية من الله، وهو سبحانه يفعل كل ما يتعلق بالبشر عن طريق المبادئ الاختيارية للإنسان (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ٢٠: ١١٧).

من ناحية أخرى، وإن كانت الأفعال الإنسانية، بما في ذلك إصدار القوانين الاعتبارية الحاكمة بين الناس (مثل التسعير)، تتحقق في طول الإرادة التكوينية لله وبإذنه ووكلاءه؛ إلا أن هذه القوانين في كيفية تحققها وفي مقام التنفيذ، بسبب بنائها على اختيار الإنسان، ليست بالضرورة متوافقة مع الإرادة التشريعية لله. من هذا المنطلق، يمكن القول إن العقود والتسعيرات الظالمة، وإن وقعت بإرادة وإذن تكويني، إلا أنها ليست مطلوبة لله ولا تتفق مع إرادته التشريعية؛ كما قيل عن الفقر والحاجة، فمع أن الفقر في المجتمع يمكن أن يظهر بإرادة تكوينية من الله، إلا أنه ليس مطلوباً ولا متفقاً مع الإرادة التشريعية لله أبداً؛ ولهذا السبب – خلافاً لادعاء علماء اليهود المتظاهرين بالعلم – لا يستلزم النهي ونفي المطلوبية الشرعية للإنفاق (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١٢: ٣٢٨).

٣١٣. طلب رخص الأسعار من الله

في مجموعة أخرى من الأخبار والروايات المؤيدة لكون الله هو المسعِّر، نُسب إرخاص الأسعار (خفضها) إلى الله بصيغة الدعاء، مما يدل على أهلية الله لإسناد هذا الفعل إليه.

١- «اللَّهُمَّ اسْقِنَا سَقْياً … تُنْبِتُ بِهِ الْأَشْجَارَ، وَ تُرْخِصُ بِهِ الْأَسْعَارَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ» (النوري، ١٤٠٨ق، ٦: ١٣٩). ٢- «اللَّهُمَّ … اسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً، … تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ … وَ تُرْخِصُ الْأَسْعَارَ» (نفس المصدر، ٦: ١٥٨). ٣- خاطب رسول الله (ص) في دعاء يُعرف بدعاء الفرج، الله بأنه مرخص الأسعار: «يَا مُرْخِصَ الْأَسْعَارِ» (ابن طاووس، ١٤١١ق، ١: ١٠٨). ٤- أمير المؤمنين علي (ع) أيضاً طلب في أدعية متعددة من الله مطراً ترخص به الأسعار: «وَ اسْقِ سَهْلَنَا وَ جَبَلَنَا وَ بَدْوَنَا وَ حَضَرَنَا حَتَّى تُرَخِّصَ بِهِ أَسْعَارَنَا» (الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٥٣٧).

١٣١٣. التقييم السندي

في هذه الأخبار التي طُلب فيها من الله رخص الأسعار، كما هو الحال في غالب الأدعية الأخرى، لم يُهتم بسلسلة الأسانيد، ورُويت مباشرة عن المعصوم (ع) بحذف السند.

٢٣١٣. التحليل المضموني

حول هذه المجموعة من الروايات، هناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام:

١- في جميع هذه الروايات، طُلب الرخص من الله بعبارات مثل «يَا مُرَخِّصَ الْأَسْعَارِ»؛ أي يا من تجعل الأسعار رخيصة، ولم يُخاطب الله أبداً بتعبير «يَا مُغْلِيَ الْأَسْعَارِ»؛ أي يا من تجعل الأسعار غالية. وهذا يدل على أن إسناد الغلاء إلى الله ليس لائقاً. ٢- في مناجاة الاستسقاء (طلب المطر)، لم يُقدَّم الله مباشرة كمرخص للأسعار؛ بل ذُكر هطول المطر كوسيط وعامل طبيعي للرخص. وهذا يعني أن رخص الأسعار يقع في طول الإرادة التكوينية لله. ٣- بسبب المطلوبية والتأثير الحقيقي للرخص في النمو والازدهار الروحي لغالبية المجتمع، فإن هذه الخاصية مرادة تشريعياً من الله أيضاً. من هذا المنطلق، كان الأنبياء والأولياء الإلهيون يطلبون دائماً من الله سبحانه وفرة النعمة ورخص الأسعار، وعند توليهم الإمارة والحكم على المجتمع، كانوا يبذلون كل جهدهم في سبيل إقرار العدالة والرخص في المجتمع.

٢٣. أنواع الأحاديث المخالفة لتسعير الله

مقابل روايات كون الله هو المسعِّر التي – بناءً على رأي أكثر العلماء المسلمين – ظاهرها يستلزم عدم تدخل الحاكم الإسلامي في الأسعار، يوجد نوع آخر من الأحاديث حول السيرة الاقتصادية لرسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، تبين أن الحاكم الإسلامي يتحمل مسؤولية الإشراف ومنع ارتفاع الأسعار في السوق. بعض هذه الروايات كالتالي:

١- نُقل عن العامة أنه عندما مر النبي بشخص في السوق يبيع سلعته بسعر أقل من سعر السوق، سأله عن السبب، وعندما اتضح أنه يفعل ذلك لرضا الله، شجعه النبي على ذلك: «فَقَالَ: تَبِيعُ فِي سُوقِنَا بِسِعْرٍ هُوَ أَرْخَصُ مِنْ سِعْرِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: صَبْراً وَاحْتِسَاباً؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَبْشِرْ! فَإِنَّ الْجَالِبَ إِلَى سُوقِنَا كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُحْتَكِرَ فِي سُوقِنَا كَالْمُلْحِدِ فِي كِتَابِ اللهِ» (النيسابوري، ١٤٣٥ق، ٣: ١٧٩). ٢- حذر النبي الأكرم (ص) حكيم بن حزام الذي كان يحتكر، وقال له: «يَا حَكِيمُ، إِيَّاكَ وَأَنْ تَحْتَكِرَ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٥: ١٦٥). ٣- كانت سيرة الإمام علي (ع) المستمرة في السوق أنه كان يمر بالبائعين ويقول لهم: «أحسنوا إلى المسلمين، بيعوا رخيصاً فإنه يزيد في البركة» (الزمخشري، ١٤١٢ق، ٥: ٩٥). ٤- عرّف أمير المؤمنين (ع) في عهد مالك الأشتر إحدى واجبات وشؤون الحاكم العادل في المجتمع الإسلامي بمكافحة الغلاء والاحتكار، وكذلك الإشراف على الأسعار، حتى لا يُظلم أحد، لا بائع ولا مشترٍ: «فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ… وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ» (الشريف الرضي، ١٤١٤ق، ٤٣٨).

١٢٣. التقييم السندي

أورد ناصر الدين الألباني الحديث الأول في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة»؛ لأنه يعتقد أن يسع بن المغيرة لا يمكن أن يكون راوي هذا الحديث، كما أن هذا الحديث منكر وضعيف بشهادة كثير من المحدثين ولا يُحتج به (الألباني، ١٤١٢ق، ٣: ٤٦٢).

وجود رواة إمامية ثقات في جميع الطبقات حتى المعصوم (ع)، وكذلك صفوان بن يحيى الجبلي من أصحاب الإجماع، أدى إلى اعتبار سند الحديث الثاني. الحديث الثالث رواه الزمخشري (٥٣٨ق) بدون سند. بخصوص الحديث الرابع، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن السيد الرضي (٤٠٦ق) نقل عهد مالك مرفوعاً، إلا أن النجاشي (٤٥٠ق) ذكر سند العهد صحيحاً ومسنداً (النجاشي، ١٣٦٥ش، ٨).

٢٢٣. التحليل المضموني

منذ بداية تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، كان الإشراف على سوق المسلمين يتم بواسطة النبي الأكرم (ص) ومأموريه الخاصين (الكتاني، بدون تاريخ، ١: ٢٤٠). الحديث الأول والثاني مثال واضح على الإشراف المباشر لرسول الله (ص) على سوق المسلمين. في الرواية الأولى، تجدر الإشارة إلى أن النبي (ص) كان يسعى من خلال الاستجواب إلى معرفة سبب ونتيجة البيع الرخيص، ليتضح هل هذا الخفض في السعر لرضا الله ولصالح الناس، أم أنه ربما للاستغلال الاحتكاري للسوق وإفلاس الآخرين؟ شجع النبي (ص) الحالة الأولى وقبّح الاحتمال الثاني.

في الحديث الثالث والرابع أيضاً، يمكن ملاحظة الإشراف الخاص لأمير المؤمنين (ع) في السوق من خلال «التشجيع على البيع الرخيص»، و«منع الاحتكار»، و«التدخل في تحديد السعر العادل». بالإضافة إلى ذلك، نُقلت أخبار أخرى من العامة حول مكافحة شديدة من قِبَلِه للمحتكرين – إلى حد إحراق البضائع المحتكرة – (المتقي الهندي، ١٩٨١م، ٤: ١٨٢)، وقد أنكر بعض العامة مجموع هذه الأخبار (الماوردي، ١٤١٤ق، ٥: ٤١٠). ربما كان هذا الإنكار بسبب تعارض هذه المجموعة من الروايات مع الأخبار المؤيدة لإسناد التسعير إلى الله. من هذا المنطلق، صرح بعض أهل النظر بأن مفاد عهد مالك يدل على جواز التسعير، وقدموه إلى جانب روايات النهي عن الاحتكار، مخالفاً للرأي الذي ينسب جميع التسعيرات إلى الله بناءً على حديث «الله هو المسعِّر» (ابن صلاح الشرفي، ١٤١٥ق، ١: ٣١٦). كما أكد بعض الباحثين المعاصرين التعارض الظاهري بين نوعي الروايات المؤيدة والمخالفة لإسناد التسعير إلى الله، واعتبروا مفتاح حل هذا التعارض هو رأي المرحوم الصدوق، وكتبوا نقلاً عنه أنه إذا كان الرخص والغلاء بسبب وفرة أو ندرة السلعة نفسها (القحط)، فهذا بيد الله، والتسليم به لازم. أما إذا كان الرخص أو الغلاء بسبب تصرفات الناس أنفسهم، بحيث يجمع شخص معين سلعة المدينة (يحتكرها) ويمنع الناس من الوصول إليها، فلا يمكن القول بوجوب التسليم بهذا الارتفاع في السعر (الصدوق، ١٣٩٨ق، ٣٨٩؛ نظر بور، ١٣٨٠ش، ٢٣٧-٢٣٨).

في تحليل ونقد هذا القول، تجدر الإشارة إلى نقطتين: أولاً، أن هذا الرأي، مع الأخذ في الاعتبار مجموع الروايات التي حصرت التسعير في الله، يبدو غير مكتمل ؛ لأنه في الرواية الثالثة التي نقلها المرحوم الصدوق نفسه، قال النبي الأكرم (ص) في ظروف نشأ فيها الغلاء بسبب الاحتكار: «إِنَّمَا السِّعْرُ إِلَى اللهِ» (الصدوق، ١٣٩٨ق، ٣٨٨) ؛ بناءً على ذلك، فإن كون الله هو المسعِّر، طبقاً لظاهر هذه الرواية، لا يختص بوقت القحط أو الغلاء المطلق؛ بل يشمل وقت الاحتكار أيضاً. ثانياً، بالإضافة إلى الإذن التكويني لله في إيجاد الغلاء، فإن الحكم التشريعي لله في دفع ورفع الغلاء جائز وسارٍ أيضاً. من هذا المنطلق، حدد الشارع المقدس عند الغلاء واجبات وتكاليف للحاكم ولآحاد المجتمع الإسلامي. ماهية تكاليف الحاكم الإسلامي محددة في عهد مالك الأشتر، وهي التعامل الحازم مع المحتكرين وتهيئة الظروف لتحديد سعر عادل، وتكليف آحاد المجتمع الإسلامي في ظروف النقص والغلاء هو «المواساة» و«تقدير المعيشة»، وهو ما صُرح به في بعض الروايات المنقولة عن الإمام الصادق (ع) والإمام الكاظم (ع) (راجع: الكليني، ١٤٠٧ق، ٥: ٧ و ١٦٦). بناءً على ذلك، فإن التسليم بالتسعير التكويني لله – خلافاً لرأي المرحوم الصدوق وغيره – غير قابل للتأييد؛ بل إن الحركة في مسار العمل بالتكاليف الشرعية تبدو لازمة.

مما سبق، يُستنتج هذه النقطة الأساسية وهي أن روايات التسعير، خاصة الروايات التي عرّفت التسعير (الغلاء والرخص) بأنه منحصر في الله، على فرض اعتبارها، تدل فقط على التسعير التكويني، أي التأثير التكويني لله على نظام الوجود وأسباب التسعير، ولا تستلزم أي ملازمة مع الحكم الشرعي للتسعير (حرمة التسعير). بعبارة أوضح، فإن القول بأن رواية التسعير «الله هو المسعِّر» تستلزم أن الحاكم الإسلامي ليس عليه تكليف شرعي تجاه تقلبات الأسعار هو قول غير معتبر. من هذا المنطلق، فإن ما ذكره المحدثون والفقهاء المسلمون في تأييد وتبرير أحاديث التسعير واستخراج الحكم الشرعي منها قابل للنقاش.

المباني الكلامية لإسناد التسعير إلى الله

إن كثرة عبارة “كون الله هو المسعِّر” في كتب الحديث حوّلت هذا المضمون إلى عقيدة وأُدرجت في كتب الكلام تحت مبحث التوحيد. يعتقد كثير من المتكلمين أن الله سبحانه مؤثر في ارتفاع وانخفاض الأسعار. فمن جهة، ينسب الأشاعرة، بسبب ابتلائهم بالجبرية، جميع التسعيرات إلى الله، ومن جهة أخرى، اتخذت مذاهب مثل الإمامية والمعتزلة، بناءً على عقيدة اختيار الإنسان، طريقاً وسطاً، وقالوا بالتفصيل في إسناد التسعير إلى الله والعباد. تحليل ونقد الأسس النظرية لهذه الآراء كالتالي:

١٤. رأي الإمامية والمعتزلة

تُظهر دراسة آراء الإمامية والمعتزلة أن هذه المجموعة من المتكلمين قدمت أقوالاً متشابهة نسبياً فيما يتعلق بإسناد التسعير إلى الله والإنسان. يمكن تلخيص نظريتهم واستدلالهم في المقدمات التالية:

١- إذا حدث الرخص والغلاء بسبب من الله تعالى، وجب نسبتهما إلى الله تعالى، وإذا توفرت أسباب الغلاء والرخص بأفعال العباد، وجب إسناد الرخص والغلاء إلى العباد (القاضي، ١٩٦٥م، ١١: ٥٦؛ علم الهدى، ١٣٨٧ق، ٤٦؛ الطوسي، ١٤٠٦ق، ١٧٧؛ الحلي، ١٣٦٣ش، ١٩٤-١٩٥؛ الحمصي الرازي، ١٤١٢ق، ١: ٣٦٨؛ الفاضل المقداد، ١٤٠٥ق، ٢٩٣). ٢- ما يحدث بسبب من الله ويؤدي إلى الرخص، مثل انخفاض عدد السكان بسبب المرض، وزيادة السلع بسبب كثرة الأمطار، وانخفاض الرغبة في الاستهلاك؛ وما يؤدي إلى الغلاء، مثل زيادة عدد السكان، وتقوية الرغبة في الاستهلاك، ونقص السلع بسبب الجفاف أو الآفات السماوية، كلها في اتجاه مصلحة تستلزم الشكر والتسليم بها (علم الهدى، ١٤١١ق، ٢٧٥؛ الحلي، ١٤١٣ق، ٣٤٢-٣٤٣؛ الحمصي الرازي، ١٤١٢ق، ١: ٣٦٩؛ الفاضل المقداد، ١٤٠٥ق، ٢٩٣؛ الحسيني الشيرازي، ١٤١٠ق، ٣٢٧). أما الأعمال مثل تسعير البضائع بسعر أقل، ومنع الاحتكار، وعرض السلع بكثرة مما يؤدي إلى الرخص؛ وكذلك الأعمال مثل الاحتكار، ومنع دخول السلع إلى السوق، وإثارة الخوف من نقص البضائع مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فتكون أحياناً ظالمة تستحق الذم وتُنسب إلى العباد، وأحياناً حسنة تستحق الشكر ويمكن إسنادها إلى العباد (علم الهدى، ١٤١١ق، ٢٧٥؛ الحلي، ١٤١٣ق، ٣٤٣؛ الحمصي الرازي، ١٤١٢ق، ١: ٣٦٩؛ الفاضل المقداد، ١٤٠٥ق، النص ٢٩٤) ، بل وحتى إلى الله؛ وذلك عندما يكون الرخص بأمر إلهي (القاضي، ١٩٦٥م، ١١: ٥٧).

٢٤. رأي الأشاعرة

يدلُّ مطالعه أقوال الأشاعرة فيما يتعلق بمنشأ الغلاء والرخص على موقفهم الواحد في إسناد التسعير إلى الله سبحانه. هذا الموقف يرجع إلى أدلتهم العقلية ورؤيتهم الجبرية، وكذلك بسبب تفسيرهم الخاطئ للآيات والروايات. من الأدلة القرآنية للأشاعرة التي طُرحت في كتب التفسير والكلام آية: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» (النساء: ٧٨).

حول سبب نزول هذه الآية، قال كثير من المفسرين إنه عندما قدم رسول الله (ص) إلى المدينة، كانت المدينة تتمتع بنعم وفيرة؛ ولكن عندما ظهر عناد وعداوة اليهود والمنافقين، حرمهم الله من بعض نعمه. في هذه الحالة، قال اليهود والمنافقون: ما أشأم هذا الرجل، فبقُدومه قلت محصولاتنا وارتفعت الأسعار. فقول الله هذا: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ» يعني الوفرة ورخص الأسعار والأمطار المتوالية، فقالوا إنها من عند الله: «يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ»، وقوله: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ» يعني القحط والغلاء، الذي قالوا إنه من شؤم محمد (ص): «يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» (فخر الرازي، ١٤٢٠ق، ١٠: ١٤٥). بعد ذكر سبب النزول هذا، طرح فخر الرازي هذا الادعاء وهو أنه بناءً على مذهب الأشاعرة، فإن الوفرة والرخص والقحط والغلاء كلها داخلة في القضاء والقدر الإلهي وبيد الله (نفس المصدر). وفي موضع آخر، تمسك بآية: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» وقال: هذا القول من الله تعالى، بعد عمومية مفهوم «حَسَنَةٌ» و«سَيِّئَةٌ» في الآية (النساء: ٧٨)، تصريح بهذه النقطة وهي أن جميع الطاعات والمعاصي وجميع الخيرات والشرور، بما في ذلك الرخص والغلاء التي تحدث بفعل العباد، هي من عند الله وفعله (هو نفسه، ١٤١٤ق، ١٦١).

٣٤. تحليل ونقد رأي المتكلمين

يبدو أنه للوصول إلى رؤية واقعية فيما يتعلق بمنشأ حوادث الخير والشر في العالم، بما في ذلك الرخص والغلاء، وكذلك لتحليل ونقد أدق لرأي المتكلمين الإسلاميين، فإن إلقاء نظرة على تفسير الآيات المذكورة مفيد ومناسب. حول هذه الآيات، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط تفسيرية: ١- إذا كان المقصود من الحسنات والسيئات في الآية (النساء: ٧٨) خصوص الحوادث التكوينية والأحداث العينية المرة والحلوة – كما يؤيد ظاهر الآية كونها تكوينية – فإن طرح فكرة الجبر والتفويض في نظام تشريع أفعال العباد لا يتناسب مع هذه الآية (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١٩: ٥٦٧).

٢- القرآن الكريم في الآية التالية – لنفي توهم الجبرية – مع إسناد الحسنات إلى الله، أكد على إسناد السيئات إلى الإنسان: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» (النساء: ٧٩). في شرح هذه الآية قيل: إن الله تعالى أقام شريعة وسنة تبين للإنسان بوضوح طريقين: الحسنة والسيئة (الأوامر والنواهي). فإذا سلك أحد طريق الحسنة والطاعة، ناله ثواب من عند الله «مِنْ عِنْدِ اللهِ» وبسبب هداياته «فَمِنَ اللهِ»، وإذا سلك أحد طريق السيئة والمعصية، ناله عقاب من عند ربه «مِنْ عِنْدِ اللهِ»، بسبب سوء عمله «فَمِنْ نَفْسِكَ» (صادقي طهراني، ١٣٦٥ش، ٧: ١٩٢). ٣- إن التفكر والتدبر في مفاد الآيات محل البحث يدل على أنه لا يوجد تعارض أساساً بين الآيتين ٧٨ و٧٩ من سورة النساء، وكل منهما يبين حقيقة منفصلة عن الأخرى (نفس المصدر). الأولى التي تنسب جميع حوادث الخير والشر في العالم إلى الله بتعبير «مِنْ عِنْدِ اللهِ»، تنظر إلى مقام التكوين، والأخرى التي تعرّف منشأ الحسنات (الطاعات) بأنه الله سبحانه ومبدأ السيئات (المعاصي) بأنه الإنسان – متوافقة مع آية: «إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: ١١) – تتعلق بأفعال العباد (نظام التشريع) (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ٥: ٩٨). من هذا المنطلق، يوبخ الله سبحانه في ذيل الآية الأولى الذين لا يتفكرون ولا يتدبرون ويقول: ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون الفرق بين «مِنَ اللهِ» و«مِنْ عِنْدِ اللهِ»؟!: «فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا» (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١٩: ٥٦٨). ٤- يُستفاد من تعبير «لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ» هذا المعنى وهو أن زعماء المنافقين واليهود لم يكونوا جاهلين بالفرق بين مقام التكوين «مِنْ عِنْدِ اللهِ» ومقام التشريع «مِنَ اللهِ» ؛ لم يكن الأمر أنهم قالوا بشؤم النبي (ص) عند القحط من منطلق الجهل فقط «لَا يَفْقَهُونَ» ؛ بل إنهم بسوء اختيارهم وبهدف النيل من مقام الرسالة والهروب من مشقة التكاليف الشرعية، تفوهوا بمثل هذه الخرافات (صادقي طهراني، ١٣٦٥ش، ١٩١٧). يؤيد هذا الرأي آية «قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ» (يس: ٤٧)، التي تُظهر كيف أن علماء اليهود المتظاهرين بالعلم – بمغالطة وعدم التفريق بين مقام التكوين ومقام التشريع – تمسكوا بذريعة الإذن التكويني لله في ظهور وبروز الفقر في المجتمع للهروب من التكليف الشرعي بالإنفاق (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١٢: ٣٢٨).

يبدو أن ما ذُكر كنقاط تفسيرية أربع تحت الآيتين ٧٨ و٧٩ من سورة النساء، يقدم نتائج جديرة بالاهتمام في تحليل ونقد آراء المتكلمين الإسلاميين حول مسألة التسعير، منها:

١- بناءً على النقطة الأولى، يمكن القول إن ما قاله فخر الرازي ومن وافقه، بالتمسك بالآية التكوينية «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» لإثبات مذهب الجبر وإسناد أفعال العباد التشريعية (بما في ذلك الرخص والغلاء) إلى الله، هو قول لا وجه له ولا يرتبط بالآية. ٢- بناءً على النقطة الثانية، يمكن فقط في نظام التشريع تعريف الله بأنه منشأ الخيرات والعباد بأنهم مبدأ الشرور (مفاد الآية ٧٩ من سورة النساء). أما بناءً على نظام التكوين «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ»، فإن جميع الخيرات والشرور تُنسب جملة واحدة إلى الله. من هنا يتضح أن ما قاله الإمامية والمعتزلة في تقسيم أسباب الرخص والغلاء لا ينسجم مع الآيات المذكورة؛ لأنهم لو تمسكوا في إسناد الرخص والغلاء بمعيار نظام التكوين (النساء: ٧٨) لكان لزاماً عليهم، مثل الأشاعرة، أن ينسبوا جميع حالات الرخص والغلاء جملة واحدة إلى الله، ولم يعد هناك مجال لذكر العباد. وإذا عملوا في إسناد الرخص والغلاء بناءً على نظام التشريع (النساء: ٧٩) لكان لزاماً عليهم أن يعرّفوا منشأ جميع الخيرات وحالات الرخص بأنه الله، ومبدأ جميع الشرور وحالات الغلاء بأنهم العباد ؛ ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل جمعوا بين نظام التكوين ونظام التشريع واستفادوا من معيارين ومقسمين مختلفين في آن واحد. يبدو أن هذا الجمع بين التكوين والتشريع واستخدام معيارين ومقسمين مختلفين في إسناد الرخص والغلاء إلى الله والعباد، بالإضافة إلى التوصية بالتحمل والتسليم بالإرادة التكوينية لله، يمثل نقطتي ضعف في كلام هذه المجموعة من المتكلمين، وقد لوحظ ما يشبه ذلك سابقاً في كلام محدثين مثل المرحوم الصدوق والمرحوم المجلسي (راجع: ٣-٢-٢ و ٣-١-١-٢). بناءً على ذلك، فإن المفسرين الذين، انسجاماً مع قول أكثر المحدثين والمتكلمين في تفسير آية: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»، حملوا تعبير «حَسَنَةٌ» على الأمور التكوينية (أفعال الله) ولفظ «سَيِّئَةٌ» على الأمور التشريعية (أفعال العباد) (الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٣: ١٢٢)، قد ارتكبوا تفريقاً خاطئاً (الجوادي الآملي، ١٣٨٨ش، ١٩: ٥٩١-٥٩٢) ؛ لأنه كما مر في النقطة الثانية والثالثة، فإن الآية المذكورة تنطبق كلها على أفعال العباد (نظام التشريع). ٣- بناءً على النقطة الثالثة، يتأكد هذا المعنى وهو أن عدم التفريق بين مقام التكوين ومقام التشريع هو أسلوب خاطئ في التفكير والاستدلال، أدى إلى ظهور أقوال غير صائبة في إسناد الغلاء إلى الله. وقد لوحظ سابقاً كيف أن فخر الرازي، بالتمسك بـ«كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ»، ادعى أن «جميع» الحسنات والسيئات من الله سبحانه، وأن الطاعات والمعاصي من جملة الحسنات والسيئات، إذن فطاعات ومعاصي العباد من الله سبحانه (فخر الرازي، ١٤١٤ش، ١٦١) ؛ ولكن الحقيقة أن صورة هذا الاستدلال هي في الواقع مغالطة نشأت من خلط مقام التكوين (كبرى الاستدلال) بمقام التشريع (صغرى الاستدلال)، وأدت إلى إسناد جميع الأفعال الإنسانية إلى الله (الجبرية) وإقصاء الإنسان من دائرة التسعير. بناءً على ذلك، اعترف السيد الشريف الإيجي بحق بأن حديث «الله هو المسعِّر» لا ينسجم إلا مع الأصل المقبول عندنا نحن الأشاعرة، وهو الجبرية (الإيجي، ١٣٢٥ش، ٨: ١٧٣).

٤- بناءً على النقطة التفسيرية الرابعة، تتجلى هذه الحقيقة وهي أن الخلط بين مقام التكوين ومقام التشريع هو من ذلك النوع من الأفكار والمغالطات الخاطئة التي كانت لها جذور سابقة بين علماء اليهود المتظاهرين بالعلم، وأدت إلى ظهور أقوال عنادية ضد مقام الرسالة. كانوا في بعض الأحيان، بسوء استغلالهم لهذا الأسلوب الفكري الخاطئ، وبذريعة قبول الإرادة التكوينية لله في موضوع الفقر، ينفون الحكم الشرعي بالإنفاق ، بينما المطلوب الشرعي لله في كل حال هو دفع الشرور مثل الفقر والغلاء بأفعال مناسبة مثل الإنفاق والتسعير العادل.

٥. الخلاصة

تُقدَّم نتائج هذا البحث – للإجابة على المسائل المطروحة – في البنود التالية:

١- يُظهر فحص المصادر اللغوية أن أهل اللغة سعوا إلى شرح مفهوم «التسعير» من خلال إسناد وصفي الغلاء والرخص إلى الله. يعتقد بعضهم، بالنظر إلى القدر الجامع لمادة «سعر» التي تعني الزيادة والعلو والارتفاع، أن مفهوم التسعير أكثر انسجاماً مع رفع السعر، ولا يُطلق التسعير على تخفيض الأسعار. بناءً على هذا الرأي، فإن إسناد التسعير إلى الله يستلزم إسناد الغلاء إلى الله سبحانه.

٢- توجد في مصادر الحديث لدى الفريقين أنواع مختلفة من روايات التسعير، أهمها الأخبار التي تدل على عقيدة انحصار التسعير في الله. معظم هذه الأحاديث حُكم عليها بالضعف والجرح من حيث السند؛ أما من حيث المحتوى، فقد اجتذبت آراء تبريرية وتأييدية متعددة من علماء الفريقين، ويبدو أن هذه التبريرات والاعتبارات قابلة للنقد من جوانب مختلفة. أولاً، أن التسعير المنسوب إلى الله، وإن كان كونه تكوينياً قابلاً للتأييد، إلا أن تخصيصه بالتسعيرات المتعارفة والعادلة غير مقبول؛ بل إن التسعير غير المتعارف للمحتكرين ينشأ أيضاً بإذن تكويني من الله: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» (النساء: ٧٨). ثانياً، أن التسعير التكويني لله لا يستلزم النهي عن التسعير من قبل الحاكم الإسلامي؛ كما أن الإذن التكويني لله بإمكانية ظهور الفقر في المجتمع لا يستلزم إنكار الحكم الشرعي للإنفاق. ثالثاً، وإن تعلقت الإرادة التكوينية لله بوجود الغلاء في المجتمع، إلا أنه بناءً على بعض الروايات، فإن الإرادة التشريعية لله قد ألقت بواجبات على عاتق الحكام وآحاد المجتمع الإسلامي في سبيل مواجهة الغلاء؛ من هذا المنطلق، فإن التسليم بالإرادة التكوينية دون الحركة في مسار العمل بالتكاليف الشرعية ليس لائقاً. ٣- في تحليل ونقد مختلف تقريرات المتكلمين الإسلاميين حول «إسناد التسعير إلى الله»، تم التوصل إلى النتائج التالية: أولاً، أن ما قاله الأشاعرة بالتمسك بآية «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ» لإثبات مذهب الجبر وإسناد الرخص والغلاء (الطاعات والمعاصي) من العباد إلى الله، هو في الحقيقة مغالطة مبنية على الخلط بين مقام التكوين ومقام التشريع. ثانياً، أن ما ذكره الإمامية والمعتزلة في تقسيم أسباب الرخص والغلاء وإسنادها إلى الله والعباد لا ينسجم مع الآيتين ٧٨ و٧٩ من سورة النساء؛ لأنهم جمعوا في هذا التقسيم بين معيارين ومقسمين مختلفين، وهما نظام التكوين ونظام التشريع، ومن المؤكد أن مثل هذا الجمع والخلط غير مقبول. وأخيراً، يبدو أن عدم التفريق بين مقام التكوين ومقام التشريع، الذي أدى إلى ظهور أفكار خاطئة في إسناد الغلاء إلى الله، لم يقتصر على العلماء المسلمين؛ بل بناءً على بعض الآيات، فإن هذا النوع من التفكير الخاطئ كان له جذور سابقة بين علماء اليهود المتظاهرين بالعلم، وأدى إلى ظهور أقوال عنادية في مواجهة مقام الرسالة والأحكام الشرعية.

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • ابن أثير، علي بن محمد، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ق.
  • ابن أثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان، ١٣٧٦ش.
  • ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الحسبة في الإسلام، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ.
  • ابن جوزي، أبو الفرج، الموضوعات لابن الجوزي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٦٦م.
  • ابن حبان، محمد، صحيح ابن حبان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٤ق.
  • ابن حجر، أحمد بن علي، إنباء الغمر بأبناء العمر، القاهرة، وزارة الأوقاف، لجنة إحياء التراث الإسلامي، ١٤١٥ق.
  • ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، القاهرة، مؤسسة قرطبة، ١٤٢٠ق.
  • ابن صلاح شرفي، أحمد، عدة الأكياس في شرح معاني الأساس، صنعاء، دار الحكمة، ١٤١٥ق.
  • ابن طاووس، سيد علي، مهج الدعوات ومنهج العبادات، قم، دار الذخائر، ١٤١١ق.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ١٩٩٦م.
  • الأراكي، محسن، «نظام اقتصادي إسلامي»، ١٣٩٥ش.
  • الإفتاء المصرية، «الأَسْعَارُ بِيَدِ اللهِ»، ٢٠١٧م.
  • الألباني، ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، الرياض، دار المعارف، ١٤١٢ق.
  • الحربي، سلمان، «تجارة دمشق»، ٢٠٢٢م.
  • الكتاني، عبد الحي، نظام الحكومة النبوية، بيروت، دار الأرقم، بدون تاريخ.
  • الإيجي، سيد شريف، شرح المواقف، قم، الشريف الرضي، ١٣٢٥ش.
  • البزار، أبو بكر، مسند البزار، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٣٠ق.
  • بهمن بوري، عبد الله ومحمد حسن حائري، “نقد وبررسي فقهي عدم جواز تسعير”، فقه ومباني حقوق إسلامي ٤٣، ٢ (١٣٨٩): ٦٧-٧٩.
  • الترمذي، أبو عيسى، سنن الترمذي، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٩٧٥م.
  • الجوادي الآملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، إسراء، ١٣٨٨ش.
  • الحسيني، سيد هاشم، توضيح المراد، طهران، مفيد، ١٣٦٥ش.
  • الحسيني الشيرازي، سيد محمد، القول السديد في شرح التجريد، قم، دار الإيمان، ١٤١٠ق.
  • الحلي، حسن بن يوسف، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، قم، الإسلامي، ١٤١٣ق.
  • الحلي، حسن بن يوسف، الخلاصة، قم، دار الذخائر، ١٤١١ق.
  • الحلي، حسن بن يوسف، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، قم، الشريف الرضي، ١٣٦٣ش.
  • الحمصي الرازي، سديد الدين، المنقذ من التقليد، قم، الإسلامي، ١٤١٢ق.
  • الزمخشري، أبو القاسم، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٢ق.
  • شبر، سيد عبد الله، حق اليقين في معرفة أصول الدين، قم، أنوار الهدى، ١٤٢٤ق.
  • الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير، دمشق، بيروت، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، ١٤١٤ق.
  • الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، صبحي صالح، قم، هجرت، ١٤١٤ق.
  • صادقي طهراني، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، قم، فرهنگ إسلامي، ١٣٦٥ش.
  • الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٣٩٨ق.
  • الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم، جامعة مدرسين، ١٤١٣ق.
  • الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، جامعة مدرسين، ١٤١٧ق.
  • الطبراني، أبو القاسم، المعجم الكبير، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، بدون تاريخ (أ).
  • الطبراني، أبو القاسم، المعجم الصغير، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ (ب).
  • الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران، ناصر خسرو، ١٣٧٢ش.
  • الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران، مرتضوي، ١٣٧٥ش.
  • الطوسي، محمد بن حسن، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٦ق.
  • الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ق.
  • عامر، جلال، قصر الكلام، القاهرة، مصر، دار الشروق، ٢٠١٦م.
  • عبد الرزاق، محمود، أسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة، مصر، دار العقيدة المصرية الرضوانية، ١٤٣٣ق.
  • علم الهدى، سيد مرتضى، الذخيرة في علم الكلام، قم، الإسلامي، ١٤١١ق.
  • علم الهدى، سيد مرتضى، جمل العلم والعمل، النجف، مطبعة الآداب، ١٣٨٧ق.
  • فخر الرازي، محمد بن عمر، تفسير مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠ق.
  • فخر الرازي، محمد بن عمر، القضاء والقدر، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤١٤ق.
  • الفراهيدي، خليل بن أحمد، العين، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٨ق.
  • الفراهيدي، ربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، مسقط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ١٤٣٢ق.
  • الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، القاهرة، دار المعارف، ١٩٨٧م.
  • كريم بور، سيد حسين ومحسن نورائي، “ارزيابي سندي ونقد محتوايي گونه هاي روايي حجر الأسود ناظر به مسأله ميثاق ذر”، مطالعات فهم حديث ٦، ١١ (١٣٩٨): ٩-٣٣.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ق.
  • الماوردي، أبو الحسن، الحاوي الكبير في فقه الشافعي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٤ق.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٤٠٤ق.
  • محمدي ري شهري، محمد، حكم النبي الأعظم (ص)، قم، دار الحديث، ١٤٢٩ق.
  • المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، وزارت فرهنگ وارشاد إسلامي، ١٣٦٨ش.
  • القاضي، عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاهرة، الدار المصرية، ١٩٦٥م.
  • المنتظري، حسين علي، مباني فقهي حكومت إسلامي، ترجمة محمود صلواتي، طهران، سرايي، ١٣٧٩ش.
  • مهنا، عبد الله علي، لسان اللسان: تهذيب لسان العرب، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٣ق.
  • النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، الإسلامي، ١٣٦٥ش.
  • نظر بور، محمد نقي، “امام علي، حكومت وبازار”، كتاب نقد ١٩ (١٣٨٠): ٢٢٢-٢٧٢.
  • النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم، آل البيت لإحياء التراث، ١٤٠٨ق.
  • النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، عمان، دار الفكر، ١٩٨٠م.
  • النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار التأصيل، ١٤٣٥ق.
  • المتقي الهندي، علي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨١م.
  • الهيثمي، نور الدين، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، القاهرة، مكتبة القدسي، ١٩٩٤م.
  • يوسفي، أحمد علي، “دگرگوني قيمتها در عصر تشريع”، فقه ٧، ٢٥ و ٢٦ (١٣٧٩): ١٥٣-٢١٤.
Scroll to Top