تبيين النموذج الاستراتيجي لحفظ القرآن الكريم في فكر آية الله الخامنئي

الملخص

القرآن الكريم هو مفتاح نجاة الإنسان وتقربه إلى الله تعالى. يسعى هذا البحث إلى تبيين النموذج الاستراتيجي لحفظ القرآن الكريم في فكر آية الله الخامنئي، ويهدف إلى دراسة العوامل المؤثرة، والظروف الممهدة، والرؤى التي تبناها سماحته. باستخدام منهجية كيفية قائمة على البيانات النصية، تكشف هذه الدراسة أن العوامل الفعالة في الحفظ تشمل: الإيمان بوعود القرآن، واليقين بالنجاة والهداية من خلال القرآن، والتهذيب والطهارة الأخلاقية، والبدء بالحفظ منذ الطفولة، واستغلال فترة الشباب للحفظ، والتشجيع الأسري، والتلاوة المستمرة، وغيرها، وكلها تُعد أسسًا داعمة تم التأكيد عليها في كلمات قائد الثورة المعظم. كما تم تسليط الضوء على استراتيجيات مثل تعزيز تكريم الأبطال القرآنيين، والتشجيع على حفظ القرآن منذ الصغر، والتأكيد على أهمية الحفظ، ومنح مراتب خاصة لحفظة القرآن، والأساليب العملية للحفظ. وفي المقابل، تم تحديد عقبات مثل نسيان الآيات، وإثقال عقول الأطفال بالأرقام الرقمية، والتقدم في السن. وتتجلى نتائج حفظ القرآن في النمو الشخصي، ونيل المعارف السامية، والتفكير النقدي، والفكر والعمل القرآني، والارتباط الروحي، والهداية نحو النور، بالإضافة إلى الرؤية التي رسمها قائد الثورة المعظم والتي تشمل الازدهار القرآني، وترسيخ الثقافة القرآنية، والوصول إلى عشرة ملايين حافظ للقرآن.

المقدمة

القرآن الكريم هو دليل هداية البشرية، وكلما زاد الأنس بهذا الكتاب الإلهي، ازدادت الهداية والإيمان. قال الإمام علي (عليه السلام): «ما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى» (نهج البلاغة، الخطبة 176). ومن بين طرق إيجاد الأنس بالآيات، حفظ القرآن الكريم. وقد وصف قائد الثورة المعظم حفظ القرآن بأنه «خير كثير» (04/12/1368). وجاء في الرواية: «حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبوسون نور الله عزّ وجلّ»؛ أي أن حفظة القرآن تحيط بهم الرحمة الإلهية ويلبسون ثوبًا من نور الله (المجلسي، 1412: 92). ومنذ صدر الإسلام، أُولي حفظ القرآن أهمية بالغة واهتم به المسلمون. وعلى الرغم من أن لقراءة القرآن من المصحف فضائل خاصة وردت في الروايات، إلا أنه تم التأكيد أيضًا على حفظ القرآن في الصدور. إن حفظ القرآن هو أعظم نعمة إلهية. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أعطاه الله حفظ كتابه فظنّ أن أحدًا أُعطي أفضل ممّا أُعطي فقد غمط أفضل النعمة»؛ أي من أعطاه الله نعمة حفظ كتابه، وظن أن غيره قد أُعطي نعمة أعظم من نعمته، فقد استخف بأفضل النعم ولم يشكرها (محمدي الري شهري، 1384: 6/16631). وفي رواية أخرى ورد: «من قرأ القرآن حتى يستظهره ويحفظه أدخله الله الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار»؛ أي من يقرأ القرآن حتى يستظهره ويحفظه، يدخله الله الجنة ويقبل شفاعته في عشرة من أهل بيته قد استوجبوا النار (الطبرسي، 1372: 1/45؛ السمرقندي، 1413: 421). في هذه الرواية، استُخدمت عبارة «قرأ القرآن حتى يستظهره ويحفظه». في صدر الإسلام، لم تكن القراءة منفصلة عن الحفظ، وكان يُطلق على حافظ القرآن مصطلحات مثل «جماع القرآن»، و«قراء القرآن»، و«حملة القرآن»، و«الماهرين في القرآن» (العاملي، 1374: 259). يكتب العلامة العسكري في كتابه القيم: إن مصطلح «حافظ» استُخدم بعد القرن الأول، وفي صدر الإسلام كان يُطلق على من يحفظ القرآن عن ظهر قلب «جامع» (العسكري، 1416: 1/321). وأصبح استخدام لفظ «حافظ» أكثر شيوعًا في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) كما ورد في الرواية التالية: «الْحَافِظُ لِلْقُرْآنِ الْعَامِلُ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»؛ أي أن حافظ القرآن العامل به سيكون مع السفراء (الوحي) الكرام الأبرار (الكليني، 1365: 2/603).

ولهذا السبب، فإن أكثر ما يؤكد عليه قائد الثورة المعظم هو حفظ آيات القرآن. يقول سماحته: «أوصيكم أيها الشباب الأعزاء بأن تكثروا من أنسكم بالقرآن؛ وأولئك الذين أقاموا صلة مع القرآن، فليعرفوا قدر هذه الصلة؛ وأولئك الذين حفظوا القرآن، فليعرفوا قدر هذا الحفظ؛ وليحتفظوا بهذه الجوهرة الثمينة لأنفسهم» (13/03/1393). ويؤكد سماحته: «أريد أن أقول بشكل خاص لقرّائنا الأعزاء في بلادنا أن يتجهوا أكثر نحو حفظ القرآن» (14/04/1390). ويقول سماحته: «أنا مستعد لأن أعطي كل ما أملك، لماذا لا تحفظون القرآن أيها الإخوة؟ أنتم شباب. والله لقد فكرت مع نفسي مرارًا وقلت لو كان ممكنًا، لأعطيت كل ما أملك وأخذت حفظ القرآن؛ ولكن للأسف، هذا غير ممكن. في هذا العمر، لم أعد أستطيع حفظ القرآن. لكنكم شباب، أنتم أطفال ويمكنكم الحفظ. ذاكرتكم ذاكرة شابة. أعمار العشرينات والخمس والعشرين والثلاثين ودون الثلاثين، وهي الأعمار التي ينتمي إليها معظم قرائنا بحمد الله، هي سن حفظ القرآن. احفظوا كلام الله وآياته الكريمة واقرؤوها عن ظهر قلب» (22/01/1370).

يهدف هذا البحث، نظرًا لتأكيد قائد الثورة المعظم على حفظ القرآن، إلى دراسة الآثار والعوامل المؤثرة في الحفظ، ومن أجل ذلك يسعى إلى تقديم نموذج يتيح الإجابة على التساؤلات بشكل أفضل. السؤال الرئيسي هو: كيف يبدو نموذج حفظ القرآن بناءً على فكر قائد الثورة المعظم؟ والأسئلة الفرعية هي: ما هي العوامل الممهدة لحفظ القرآن بناءً على فكر قائد الثورة المعظم؟ وما هي الاستراتيجيات، والنتائج، والرؤية المستقبلية لحفظ القرآن بناءً على فكر سماحته؟

من بين المقالات التي كُتبت في مجال حفظ القرآن، نذكر مقالة بديعي (1400) بعنوان «دراسة تحليلية لأساليب حفظ القرآن الكريم». أُجري هذا البحث بالطريقة المكتبية، ويسعى الباحث إلى أن يكون لدى حفظة القرآن خارطة طريق قبل الدخول إلى مجال الحفظ ليتمكنوا من السير في هذا الطريق. لذا، يرى أن النجاح في مجال حفظ القرآن يعتمد على اختيار طريقة صحيحة من بين الطرق المتعددة، ويربطه بالعوامل الشخصية والأسرية والثقافية والاجتماعية للحافظ. رضوي وجبرئيلي (1400) في بحثهما «التأثيرات الفردية والاجتماعية لحفظ القرآن في الحضارة الإسلامية مع التأكيد على بيان الخطوة الثانية للثورة» يبيّنان أن حفظ القرآن مؤثر في بناء الذات، وبناء الأسرة، وبناء المجتمع، وله دور مهم في بناء الحضارة. بحر العلوم وبهلوان (1400) في مقال بعنوان «مكانة القرآن ومراتب حفظه في الروايات مع التأكيد على نهج البلاغة» يوضحان أن حقيقة القرآن ذات مراتب، والمقصود بالحفظ ليس فقط حفظ الألفاظ، بل حفظ الحدود، والحفظ القلبي، وحفظ المفاهيم هي مراتب لها قيمتها وأهميتها أيضًا. بيشكر ومسجدي (1392) في مقال بعنوان «دراسة دلالات حفظ القرآن في الروايات» يحللان كلمة «حفظ» لغويًا واصطلاحيًا، ويذكران أنه لا يوجد دليل على انصراف أو حصر الحفظ في معنى الحفظ الذهني.

منهجية البحث

بالنظر إلى المقالات المذكورة، نجد أن الاهتمام في هذه الأبحاث كان منصبًا على وجود خارطة طريق ومنهجية لحفظ القرآن، وتأثيراته الفردية والاجتماعية في المجتمع والحضارة الإسلامية، ودلالة كلمة «حفظ»، ولم يتم إجراء بحث يتناول تبيين نموذج الحفظ في فكر قائد الثورة المعظم، وهذا عمل جديد ومبتكر. في هذا البحث، تم استخدام منهجية النظرية المتجذرة النصية لتصميم نموذج لحفظ القرآن في فكر قائد الثورة المعظم. هذه النظرية، من خلال جمع البيانات المنظمة وتحليلها وتقديم طريقة منهجية دقيقة للمفهمة والإجابة على الأسئلة، تُعد من بين أساليب البحث التي تهدف إلى الفهم المنظم لآراء ومعاني الأفراد في موقف معين. هذه المنهجية، بخصائص مثل الانغماس الكامل للباحث في موضوع الدراسة وإمكانية استخدام أساليب متعددة ومتنوعة لجمع المعلومات والبيانات وإمكانية التحليل المتكرر والتنقل المستمر بين تحليل البيانات وجمعها، تسعى لتوفير فهم دقيق للظاهرة المدروسة للباحث. كما أن المنهج الكيفي في النظرية المتجذرة يتيح للباحث، من خلال دراسة البيانات المجمعة، تحويلها إلى مفاهيم ومقولات، وفي النهاية إلى نماذج بارادايمية. في منهجية النظرية المتجذرة، تنبثق النظرية من صميم البيانات. وهذا لا يعني أن جميع مراحلها تُنفذ بشكل منفصل ومنفصم، بل في هذه الطريقة، يُنظر إلى جميع مراحل جمع البيانات وتحليلها وبناء النظرية كمنهج متماسك ومترابط بشكل متبادل، وتتخذ طابعًا دوريًا، ويتم الترميز (خنيفر، 1341: 201). يتم ترميز البيانات في عدة مراحل، والنتيجة النهائية تُرتب وتُعرض في إطار نموذج محدد مسبقًا بشكل موحد. يجب على الباحث أن يتبنى طريقة وتقنية محددة للتحليل وأن ينفذ مراحل الترميز (المفتوح والمحوري والانتقائي) ويشاركها مع القارئ ويعرضها في النموذج. يتم ترميز البيانات خلال عملية منهجية، وفي النهاية يتم تنظيم وتقديم النموذج البارادايمي بشكل متسق (فراستخواه، 1395: 99). بالرجوع إلى خطابات قائد الثورة المعظم، سيتم تحليل المواد، وفي هذا التحليل والتفسير، يتم استخدام ثلاثة أنواع من الترميز: الترميز المفتوح (نسبة الرموز المفاهيمية والمقولاتية إلى أصغر وحدة ذات معنى من المحتوى النصي المستهدف)، والترميز المحوري (مرحلة من التحليل يتم فيها مقارنة ودمج وضم المقولات والمفاهيم المستخلصة من الترميز المفتوح، وترتيب المعاني المستخلصة في عدة محاور رئيسية)، والترميز الانتقائي (التأمل في الظاهرة الرئيسية وربط كل مجموعة من المقولات بها، وفي النهاية الوصول إلى نموذج بارادايمي) بمنهج وصفي-تحليلي وتبييني لتقديم نموذج حفظ القرآن في فكر قائد الثورة المعظم، وفي النهاية يتم بيان العلاقة بين الرموز والمقولات والكشف عن النموذج النهائي وتبيينه.

نتائج البحث

في هذا البحث، ومن أجل الإجابة على سؤال «كيف هو نموذج حفظ القرآن في فكر قائد الثورة المعظم؟»، تم تدوين وتحليل خطابات وكتابات سماحته، واستُخرجت المقولات والرموز المبنية على النص، وتم تحديد الترميز المفتوح، وبعد ذلك، تم تحديد الترميز المحوري، وأخيرًا الترميز الانتقائي وعرضه. بعد مرحلة الترميز المفتوح والمحوري، يتم ربط المقولات ببعضها البعض، ويتم عرض الترميز المحوري وترتبط المقولات ببعضها البعض، وفي النهاية يتم عرض الترميز الانتقائي.

تبيين وتحليل نموذج حفظ القرآن في فكر قائد الثورة المعظم

في هذا البحث، وبأسلوب النظرية المتجذرة المستمدة من نصوص خطابات قائد الثورة المعظم، تم السعي لتقديم نموذج بارادايمي يمكن من خلاله دراسة العوامل المؤثرة، والأسس والسياقات، والموانع، والاستراتيجيات، ونتائج حفظ القرآن في فكر سماحته، وقد تم عرض هذا النموذج في المخطط البياني بناءً على الترميز. من بين العوامل المؤثرة في كلام قائد الثورة المعظم لحفظ القرآن، والتي هي مجموعة من الأحداث والظروف التي تؤثر على المقولة المحورية، هي الاعتقاد بأن القرآن كتاب وحي من عند الله ونزل على رسوله، والإيمان بوعود وآيات القرآن التي تؤدي إلى نجاة وهداية الإنسان. يقول الإمام علي (عليه السلام): «القرآن نور لا تطفأ مصابيحه» (نهج البلاغة، الخطبة 198). وفي موضع آخر يقول الإمام: «قد رفع لكم علم الهداية فاهتدوا بضوئه» (نهج البلاغة، الخطبة 176)، وفي حديث في وصف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال: «بعثه الله بنور ساطع وبرهان لامع ومنهاج بَيِّن وكتاب هاد» (نهج البلاغة، الخطبة 161). من بين الأسس والسياقات في فكر قائد الثورة المعظم: التهذيب والطهارة، وإخلاص القلب، وحفظ القرآن منذ الصغر، واستغلال فترة الشباب للحفظ، وتشجيع الأسرة، والتلاوة المستمرة. يوصي قائد الثورة المعظم بشدة ببدء حفظ القرآن منذ الصغر، ويقدر الأب والأم اللذين يشجعان ابنهما على قراءة القرآن. وقد بيّن سماحته أن عليكم أن تعرفوا قدر الشباب وأن تنشغلوا بحفظ القرآن في شبابكم؛ ليس الأمر مستحيلاً في الشيخوخة ولكنه صعب، ويضرب سماحته مثلاً بآية الله الخوئي الذي حفظ آيات القرآن في سن الشيخوخة وكان يتحسر على أنه لم يحفظ بنفسه. وفي ذكريات آية الله حسن زادة آملي ورد أنه كان يقول: «ليت أحدًا أخبرني وحفظت آيات القرآن في شبابي» (بديعي، 1392: 80). آيات القرآن تستقر في قلب طاهر ونقي لأنه كلام الله، وفي النهاية ورد في رواية عن الإمام علي (عليه السلام): «اقرأوا القرآن واستظهروه فإن الله تعالى لا يعذب قلبًا وعى القرآن» (الشعيري، 1414: 115). للأسرة دور كبير جدًا في حفظ الأبناء، لأن حفظ القرآن عمل صعب ويحتاج إلى تربية أسرية صحيحة وتشجيع من الأسرة، والأنس بالقرآن في الطفولة مؤثر جدًا كما ورد في الرواية: «علّموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به لا تغلب عليهم المرجئة برأيها» (الكليني، 1365: 2/92).

من بين الأسس اللازمة للحفظ أن يكون القارئ مستمر التلاوة، وهذا ما أشار إليه قائد الثورة المعظم في خطاباته، وفي الواقع، إحدى أبرز سمات الحفاظ هي هذه الميزة، وربما تكون هذه الصفة سبب تفوق حافظ القرآن على غيره، لأن حافظ القرآن يجب عليه أن يتلو آيات القرآن باستمرار ليحافظ على محفوظاته، كما أشير في آيات القرآن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (المزمل: 20). أي ما تيسر لكم من آيات القرآن فتلوه. يبيّن الله في هذه الآيات أنه صحيح أن بعضكم مرضى، وبعضكم يسافرون، وبعضكم يجاهدون في سبيل الله، ولكنه يكرر مرة أخرى أن ما تيسر لكم من آيات القرآن فتلوه. وكأن الله يقول في هذه الآيات: أنا الله أعلم أن لديكم مشاغل ولكن لا تنسوا تلاوة القرآن. بالتأكيد، حددوا في برنامجكم اليومي وقتًا لتلاوة القرآن. حسن حافظ القرآن هو أنه يكرر محفوظاته باستمرار ويتلو القرآن. وهذه التلاوة تؤدي إلى بناء الذات وتنمية الإيمان والتقوى (مكارم الشيرازي، 1371).

من بين الاستراتيجيات والأساليب: ترويج تكريم الأبطال القرآنيين، وتقديم الجوائز والمكافآت للأطفال الصغار، والتشجيع على حفظ القرآن من المدرسة الابتدائية، وإيلاء الأهمية لأمر الحفظ، وتطبيق حفظ الآيات عمليًا. يرى قائد الثورة المعظم أن الحفظ يجب أن يبدأ من الطفولة، وحتى المدارس يجب أن تهتم بهذا الأمر، ولكنه يؤكد على أن الحفظ لا ينبغي أن يكون إجباريًا، بل يجب تحفيز الأطفال من خلال التشجيع والجوائز لحفظ الآيات. في الروايات، تم بيان أسلوب ووقت تعلم القرآن، وقد أوصت روايات كثيرة بالتعلم منذ الصغر وذُكرت له آثار وبركات عظيمة، منها ما ورد في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله): «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فقد أوتي الحكم صبيًّا» (البيهقي، 1410: 2/330). أمر آخر مهم هو التشجيع والمكافأة، وهو ما أشار إليه قائد الثورة المعظم. في الروايات، نجد الكثير عن تشجيع ومكافأة الأطفال، وكذلك الأستاذ والمعلم. هناك روايات جميلة جدًا عن تعامل الإمام الحسين (عليه السلام) مع معلم ابنه، عندما قرأ ابنه سورة من القرآن التي تعلمها على الإمام، أعطى الإمام ألف دينار وألف حلة للمعلم، وعندما استنكر البعض هذا الفعل، قال: «وأين يقع هذا من أخذه – يعني تعليم سورة الحمد -» (ابن شهر آشوب، 1376).

استراتيجية أخرى هي منح درجات خاصة لحفظة القرآن. ورد في الرواية: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» بعد الأنبياء والمرسلين، وهم في أعلى درجات الإنسانية. فلا تستخفوا بحقوق أهل القرآن فإن لهم عند الله الجبار منزلة عالية (الكليني، 1365: 2/603). احترام وتقدير الآخرين أمر مهم في ديننا، وبالنظر إلى الروايات، فإن احترام ومكانة ودرجات حفظة القرآن مختلفة، حتى أنهم في الروايات يُعتبرون «أصدقاء الله». ورد في رواية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «حملة القرآن عرفاء أهل الجنة» ومن يعاديهم فقد عادى الله، ومن يواليهم فقد والى الله (المتقي، 1419: 1/515). في رواية أخرى يقول النبي (صلى الله عليه وآله): «أكرموا حملة القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه…» (الطوسي، 1414: 535). بناءً على هذه الرواية، يجب على حافظ القرآن أن يكون عاملًا بآيات القرآن وألا يغالي فيه.

من بين الموانع: ملء أذهان الأطفال بالأرقام الحاسوبية، والشيخوخة، والنسيان. نقطة يجب الانتباه إليها هي أنه في حفظ القرآن أحيانًا يتم التركيز على هوامش لا فائدة منها، مثل ملء أذهان الأطفال بالأرقام الحاسوبية، كعدد حروف هذه السورة، هذه الأمور ليست ضرورية اليوم، ولكن الاهتمام بمسائل مثل تكرار عبارة «هو السميع العليم» وعدد مرات ورودها وكيفية ذلك يمكن أن يكون له فائدة تدبرية وتأملية. نقطة أخرى تُعد من الموانع ومهمة جدًا أشار إليها قائد الثورة المعظم في حفظ الآيات هي المحافظة على المحفوظات والمراجعة الدورية التي تمنع النسيان. إذا لم تتم مراجعة الآيات، فسيتم نسيانها. يتحقق حفظ القرآن من نتيجته الأساسية والخالدة عندما يحتفظ به الحافظ في ذاكرته قدر استطاعته، ولا ينساه بسبب الإهمال والتهاون. في الروايات، ورد أن نسيان القرآن حسرة يوم القيامة. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من نسي سورة من القرآن، مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة في الجنة، فإذا رآها قال: ما أنت؟ ما أحسنك! ليتك لي. فتقول: أما تعرفني؟ أنا سورة كذا وكذا، ولو لم تنسني لرفعتك إلى هذا» (الكليني، 1365: 2/604). في بعض الروايات، ذُكرت عواقب وخيمة ومؤلمة مثل دخول النار بسبب نسيان القرآن (الصدوق، 1413: 4/12). في بعض الروايات، سأل الراوي الإمام صراحة: هل نأثم إذا حفظنا القرآن ثم نسيناه؟ فأجاب الإمام: لا (الكليني، 1365: 2/633). خلاصة هاتين المجموعتين من الروايات هي أن نسيان الآيات المحفوظة أمر مذموم ولكنه ليس حرامًا (المسعودي، 1396: 158)؛ في الواقع، نسيان الآيات من موانع حفظ القرآن كما أشار إليه قائد الثورة المعظم.

النتائج التي يجلبها حفظ القرآن هي الوصول إلى النمو والرقي والمعارف العالية، والوصول إلى التدبر، وتمييز الكلام الصحيح من الخاطئ، وسهولة قراءة القرآن، والفكر والعمل القرآني، والأنس بالقرآن، والهداية نحو النور. بما أن القرآن نور وسبب لهداية الإنسان، يؤكد قائد الثورة المعظم على قراءة القرآن من أوله إلى آخره عدة مرات حتى تألف ذهن الإنسان مع المعارف القرآنية بشكل كامل. تأكيد سماحته على الحفظ، واعتقاده بأنه إذا حفظتم الآيات، فستضطرون إلى تكرارها مرارًا، وهذا يؤدي إلى التدبر والتأمل في الآيات. المفتاح الرئيسي هو هذا التدبر والتأمل في آيات القرآن. في الواقع، يبيّن سماحته أنه إذا كنا نؤمن، فيجب أن نعمل بالقرآن، ويجب أن يكون مجتمعنا، وفكرنا، وعملنا، وإيماننا قرآنيًا. ورد في الرواية: «حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله» وقد ألبسوا حلة من نور الله (الشعيري، 1414: 15). يقول قائد الثورة المعظم: «يجب أن يأتي يوم يتمكن فيه شباب هذا البلد من تمييز صحة أو خطأ كلمة ما بناءً على القرآن». يقول النبي (صلى الله عليه وآله): «إِذَا التَبَسَت عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ» (الكليني، 1365: 2/459). قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عندما تحيط بكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن. بناءً على الروايات، القرآن هو الذي يمكنه أن ينقذ الإنسان في الفتن، ومعيار تمييز الكلام الصحيح من الخاطئ يمكن تبيينه بناءً على آيات القرآن. في رواية جميلة جدًا، شُبّه حامل القرآن بمخزن مليء بالمسك: «تعلموا القرآن، فإن مثل حامل القرآن كمثل رجل حمل جرابًا مملوءًا مسكًا، إن فتحه فتح طيبًا، وإن وعاه وعاه طيبًا» (النوري، 1407: 4/246؛ الترمذي، 1357: 5/156). بناءً على هذه الرواية، فإن آيات القرآن لها فضل في ذاتها؛ والإنسان هو الذي يمكنه الاستفادة من هذا الفضل أو عدم الاستفادة منه، كالشمس التي في السماء ينبعث منها النور، يمكن الاستفادة من هذا النور أو وضع النفس في الظلام وعدم الاستفادة منه. في رواية أخرى، اعتبر الإمام علي (عليه السلام) القرآن شفاءً لأكبر الأدواء، مثل: الكفر، والنفاق، والضلال، والضياع (نهج البلاغة، الخطبة 176).

الرؤية المستقبلية التي في ذهن سماحته هي الازدهار القرآني، وسيادة الثقافة القرآنية، والوصول إلى عشرة ملايين حافظ للقرآن؛ يقول سماحته إنه إذا كانت لدينا ثقافة قرآنية، فلن يتمكن أي شخص بسهولة من إلقاء الشبهات باسم القرآن والإسلام، والطريق إلى ذلك هو الأنس بآيات القرآن، والتدبر فيها، وإحدى طرق الأنس هي حفظ آيات القرآن.

الخاتمة

في مجال حفظ القرآن، أُجريت أبحاث، ولكن لا يوجد بحث يجمع خطابات قائد الثورة المعظم في موضوع الحفظ، وهذه المقالة عمل جديد ومبتكر. يؤكد قائد الثورة المعظم في خطاباته كثيرًا على حفظ آيات القرآن، وإصرار سماحته يأتي من منطلق أنه يبيّن أن حافظ القرآن يكرر آيات القرآن مرارًا ويكون جليسًا لكلام الله، وبهذا يتحقق الأنس ويؤدي إلى التدبر والتفقه في الآيات. في هذا البحث، ومن خلال منهجية النظرية المتجذرة النصية، تم دراسة خطابات قائد الثورة المعظم وترميزها، وتحديد المقولات، وبعد ربط المقولات والربط النصي، تم تحديد الترميز المحوري والانتقائي، وفي النهاية، وبناءً على فكر سماحته، تم تصميم نموذج للحفظ. في هذا النموذج، العوامل المؤثرة هي: الاعتقاد بأن القرآن كلام الله ونزل على رسوله حضرة محمد (صلى الله عليه وآله)، والإيمان بوعود القرآن وآياته، والاعتقاد بالنجاة والهداية عن طريق القرآن. من بين الأسس التي تساعد وتعين على حفظ القرآن في كلام قائد الثورة المعظم: التهذيب والطهارة، وإخلاص القلب، وحفظ القرآن منذ الطفولة، واستغلال وقت وفرصة الشباب للحفظ، وتشجيع الأسرة، والتلاوة المستمرة، وقد ذُكر أن من سمات حافظ القرآن التلاوة المستمرة لآيات القرآن. ومن بين الاستراتيجيات والأساليب: ترويج تكريم الأبطال القرآنيين، وتقديم الجوائز والمكافآت للأطفال الصغار، والتشجيع على حفظ القرآن من المدرسة الابتدائية، وإيلاء الأهمية لأمر الحفظ، وتطبيق حفظ الآيات عمليًا. ومن بين النقاط التي يجب مراعاتها أن على الحافظ أن يكرر محفوظاته، وهذا التكرار هو ما يخلق الأنس. نقطة أخرى هي أن الذاكرة في سن الشيخوخة لا تساعد كثيرًا والفرصة محدودة، فاعرفوا قدر الحفظ في الشباب. وبدلًا من ملء أذهان الأطفال بعدد حروف سورة ما، يجب الاهتمام بقضايا مثل تكرار بعض الكلمات مثل «وهو السميع العليم» وسبب تدبرها. ومن بين النتائج التي يصر عليها قائد الثورة المعظم كثيرًا: الوصول إلى النمو والرقي والمعارف العالية، والوصول إلى التدبر، وتمييز الكلام الصحيح من الخاطئ، وسهولة قراءة القرآن، والفكر والعمل القرآني، والأنس بالقرآن، والهداية نحو النور. والرؤية المستقبلية التي رسمها سماحته هي: الازدهار القرآني، وسيادة الثقافة القرآنية، والوصول إلى عشرة ملايين حافظ للقرآن.

مقترحات لحفظ القرآن

إذا كان شخص ما ينوي حفظ آيات القرآن، فيجب عليه الانتباه إلى عدة نقاط:

1. المشاركة في فصول الحفظ: الحفظ بدون فصل دراسي ممكن ولكنه صعب جدًا. المشاركة في الفصول تجعل دافع الشخص أكبر ويكون له سند، وهذا مهم جدًا للحفظ.

2. اختيار قرآن بدون ترجمة، وبخط كبير: من الأفضل أن يكون القرآن مصحف عثمان طه، وحاولوا أن يكون بدون ترجمة حتى يكون تركيزكم على الصفحات أكبر، واقرأوا الترجمة من قرآن آخر.

3. استخدام ترتيل الأساتذة: لحفظ القرآن، يُختار أستاذ واحد، وعند حفظ الآية، يتم تشغيل تلاوة ذلك الأستاذ ثم حفظ الآيات.

4. مراجعة الآيات: المراجعة أهم من حفظ الآية نفسها. إذا لم تتم مراجعة الآيات، فسيتم نسيانها، وهذا يضر بالحافظ. هناك طرق مختلفة للمراجعة، مثل الكتابة، والتكرار بالرقم، وطريقة المباحثة.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم، أبو الفضل بهرامبور، قم: نشر سبحان وحر، 1385 هـ.ش.

2. نهج البلاغة، دشتي، محمد، قم: انتشارات مسجد جمكران المقدس، 1382 هـ.ش.

3. ابن شهر آشوب، أبو عبد الله محمد بن علي، المناقب، النجف: مكتبة حيدرية، 1376 هـ.ق.

4. بحر العلوم، محمد مهدي، بهلوان، منصور، «مكانة القرآن ومراتب حفظه في الروايات مع التأكيد على نهج البلاغة»، مجلة دراسات نهج البلاغة، العدد 69، 105-118، 1400 هـ.ش.

5. بديعي، مجتبى، دراسة تحليلية لأساليب حفظ القرآن الكريم، مجلة كوثر القرآنية، العدد 69، 1400 هـ.ش.

6. بديعي، محمد، حوار مع العلامة حسن حسن زاده آملي، قم: تشيع، 1392 هـ.ش.

7. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شُعب الإيمان، تحقيق محمد سعيد بسيوني، بيروت: دار الكتب العلمية، 1410 هـ.ق.

8. بيشكر، أميد، مسجدي، حيدر، دراسة دلالات حفظ القرآن في الروايات، مجلة علوم الحديث، العدد 67، 151-167، 1392 هـ.ش.

9. الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، أحمد محمد شاكر، بيروت: دار الفكر، 1357 هـ.ق.

10. خنيفر، حسين، مسلمي، ناهيد، أصول ومبادئ أساليب البحث الكيفي: رؤية جديدة وتطبيقية، طهران: انتشارات نگاه دانش، 1401 هـ.ش.

11. رضوي، سيد مجتبى، وجبرئيلي، عبد الله (1400). التأثيرات الفردية والاجتماعية لحفظ القرآن في الحضارة الإسلامية مع التأكيد على بيان الخطوة الثانية للثورة. دراسات قراءة القرآن، 9(17)، 36-63.

12. السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد، تنبيه الغافلين، تحقيق يوسف علي بديوي، دمشق، دار ابن كثير، 1413 هـ.ش.

13. الشعيري السبزواري، محمد بن محمد، جامع الأخبار أو معارج اليقين في أصول الدين، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع)، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1414 هـ.ق.

14. الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1413 هـ.ق.

15. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: انتشارات ناصر خسرو، 1372 هـ.ش.

16. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، أمالي الطوسي، قم: مؤسسة البعثة، 1414 هـ.ق.

17. العاملي: فخر مرتضى، بحث جديد حول القرآن الكريم، قم: مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية، 1374 هـ.ش.

18. العسكري، مرتضى، القرآن الكريم وروايات المدرستين، طهران: المجمع العلمي الإسلامي، الطبعة الثانية، 1416 هـ.ق.

19. فراستخواه، مقصود، منهج البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية مع التأكيد على النظرية المتجذرة، طهران: نشر آگاه، 1390 هـ.ش.

20. قاسمي شوب، محمد، ونبوي، سيد مجيد. (1401). دراسة نمط الحياة من منظور آية الله الخامنئي مع التأكيد على الرؤية والأساس والمنهج. فصلية القرآن والعلوم الاجتماعية، 2(1)، 9-27.

21. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تصحيح علي أكبر غفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1365 هـ.ش.

22. المتقي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت: دار الكتب العلمية، 1419 هـ.ق.

23. محمدي الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، قم: دار الحديث، 1384 هـ.ش.

24. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث، 1412 هـ.ق.

25. المسعودي، عبد الهادي، القرآن في الروايات، قم: المؤسسة العلمية الثقافية دار الحديث، 1396 هـ.ش.

26. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371 هـ.ش.

27. النوري، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1407 هـ.ق.

الهوامش

Scroll to Top