العدول النحوي في الخطاب القرآني: دراسة في إحلال الاسم محل الفعل

الملخص

النص هو بنية لغوية تتبع أنماطًا وقواعد نحوية خاصة، يُطلق عليها اللغة المعيارية أو التلقائية. في بعض الأحيان، يتجاوز الأديب، بهدف تعظيم المفهوم المنشود، قواعد اللغة المألوفة على الرغم من إمكانية الالتزام بها، وذلك لجذب انتباه المخاطَب إلى معنى خاص وإبراز المفهوم في حقيقة الأمر. العدول هو أحد أساليب إبراز المعنى، ويمكن بحثه في ثمانية مستويات. توصل هذا البحث، من خلال دراسة العدول النحوي على مستوى إحلال الاسم محل الفعل في الخطاب القرآني – وهو ذو تواتر عالٍ – إلى نتيجة مفادها أن الانحراف عن استخدام الفعل في القرآن قد تم على ثلاثة مستويات: الإحلال الأولي للاسم محل الفعل، وإحلال الاسم المشتق من الجذر نفسه محل الفعل، وإحلال الاسم المضاد محل الفعل، وذلك بقصد إبراز أغراض بلاغية مثل مناسبة الزمن، وعدم تعلق الغرض بالفاعل، وتأكيد وقوع الحدث، أو ثباته.

مقدمة

تتبع كل لغة في أسلوبها، وتركيبها، وخطابها، وكتابتها، وأصواتها، قواعد وبنية خاصة تسمى “معيار اللغة”. اللغة في دورها التواصلي، وبناءً على العرف، تتبع قواعد اللغة المعيارية ولا تتجاوزها؛ لأن هدف المتكلم في هذه الحالة هو إيصال الرسالة فقط، وهو ما يتم بأبسط صورة ممكنة من خلال مراعاة المعيار. ولكن وظيفة اللغة في الدور الأدبي لا تقتصر على إيصال الرسالة ببساطة، بل يجب أن تتمتع بالجمال والإبداع أيضًا، وهذا الأصل الفني هو بحد ذاته عامل للخروج عن المعايير المألوفة والمعهودة للغة، والذي وإن كان يجعل الوصول إلى المفهوم أكثر صعوبة في الوهلة الأولى، إلا أنه في النهاية يضفي على هذا البحث وجهًا جذابًا ومرغوبًا من خلال اللذة التي يمنحها للمخاطب عند اكتشاف المعنى. بإجماع اللغويين والمفسرين، استخدم القرآن أيضًا، كنص أدبي، لإيصال رسالته إلى المخاطب بشكل أفضل، أنماطًا متعددة في إبراز المفاهيم، وهذا البحث، نظرًا لاتساع الموضوع، يتناول دراسة حالة واحدة من حالات الإبراز النحوي فيه (استخدام الاسم بدلًا من الفعل)، ويسعى من خلال منهج وصفي-تحليلي بهدف الوصول إلى جزء من الطبقات الخفية للمفاهيم القرآنية، للإجابة على الأسئلة التالية:

١- في كم مستوى تم إحلال الاسم محل الفعل في القرآن؟

٢- ما المفاهيم التي سعى هذا النوع من العدول إلى إبرازها في كل مستوى؟

الدراسات السابقة

فيما يتعلق بالعدول، أُجريت عدة أبحاث، منها مقال “أصل إحلال الأفعال في سياق الآيات القرآنية”، المنشور في مجلة “پژوهشهای قرآنی” (البحوث القرآنية) عام 1390هـ.ش (2011م)؛ وقد تناول هذا المقال أسباب إحلال صيغ الأفعال المختلفة (الماضي، المضارع، الأمر) محل بعضها البعض. مقال “الوظائف الجمالية لحذف حروف الجر في القرآن الكريم”، المنشور في مجلة “آموزه‌های قرآنی” (التعاليم القرآنية) عام 1390هـ.ش (2011م)؛ والذي درس العدول بشكل خاص في حذف حروف الجر. مقال “إزالة الألفة في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم”، المنشور في مجلة “پژوهشهای ادبی – قرآنی” (البحوث الأدبية – القرآنية) عام 1392هـ.ش (2013م)؛ وقد درس هذا المقال بعض جوانب العدول بشكل عام جدًا في الجزء الثلاثين. مقال “دور العدول المعجمي في كشف الطبقات المعنائية للقرآن الكريم”، المنشور في مجلة “پژوهشهای زبان‌شناختی قرآن” (البحوث اللسانية القرآنية) عام 1393هـ.ش (2014م)؛ والذي تناول العدول من الناحية المعجمية وعليه بعض الإشكالات. مقال “تطبيق عناصر جماليات القرآن على نظرية العدول النحوي”، المنشور في “پژوهشهای ادبی – قرآنی” (البحوث الأدبية – القرآنية) عام 1395هـ.ش (2016م)؛ والذي تناول بعض حالات العدول النحوي وبنى أساس عمله بشكل أكبر على أسلوب الالتفات. النقطة الجديرة بالتأمل في الأبحاث المنجزة هي أن أيًا منها لم يشر إلى موضوع بحثنا هذا ولم يتناوله. من هنا، يعتبر هذا المقال خطوة في سبيل استكمال الأبحاث السابقة.

الأسس النظرية

1. العدول (هنجارگریزی)

العدول مصطلح طرحه لأول مرة الشكلانيون التشيك والروس فيما يتعلق بأي خروج عن معيار وقواعد اللغة المعيارية/التلقائية. وقد افترض هؤلاء اللغويون وجود نظامين للغة: النظام التلقائي ونظام الإبراز. النظام التلقائي للغة هو استخدام عناصر اللغة بقصد التعبير عن موضوع ما؛ دون أن يلفت أسلوب التعبير الانتباه. ولكن الإبراز هو استخدام عناصر اللغة بطريقة تلفت الانتباه، وتكون غير مألوفة، وفي مقابل اللغة التلقائية، تكون لغة غير تلقائية (صفوي، 1380، ج1، ص 34). يعتقد اللغوي الإنجليزي جفري ليتش أن الإبراز يحدث بطريقتين: الانحراف عن قواعد اللغة التلقائية (العدول – إزالة الألفة) أو إضافة قواعد إلى القواعد الحاكمة للغة (التعزيز المعياري) (بامدادي ومدرسي، 1388، ص 3). يشير بحثنا الحالي، أي العدول، إلى «أي استخدام لغوي – من الاستخدام الدلالي إلى بنية الجملة – لا تراعى فيه العلاقات العادية والمألوفة للغة» (داد، 1383، ص 540). الهدف منه هو إزالة الاعتياد ودفع المخاطب إلى التمعن والتأمل في اللغة. بناءً على هذه الظاهرة الجمالية الأدبية، يعيد صاحب الأثر الأدبي تنظيم الإدراك الحسي للمخاطب بإزالة غبار العادة، وفي هذا المسار، يغير قواعد الواقع المألوفة والبنى الظاهريًا الدائمة (أحمدي، 1372، ص 47). بالطبع، يجب الأخذ في الاعتبار أن ليس كل نوع من العدول يمكن أن يكون فنيًا وجميلًا. في بعض الحالات، قد يؤدي الخروج عن المعيار إلى جعل الجملة غير نحوية وعدم فهم المخاطب، وفي هذه الحالة، تخرج المسألة عن دائرة العدول وتقع في دائرة «الخطأ». يضع شفيعي كدكني شروطًا لصحة هذا النوع، ويقول: «الشرط الأساسي في التوسعات اللغوية هو أن يلتزم الشاعر بعملين آخرين بتصرفه: الأصل الجمالي والأصل التواصلي والإيصالي. الأصل الجمالي هو أنه عندما نفصل كلمة عن عائلتها ونضعها في عائلة أخرى، يشعر القارئ بنوع من الجمال في هذا الفصل والزواج الجديد. والمقصود بالأصل التواصلي هو أن يتمكن القارئ من إدراك شعور المتكلم إلى حد ما» (شفيعي، 1370، ص 12). أحد أساليب العدول في القرآن هو مخالفة تلقائية اللغة في البنية النحوية، والذي يعتبره شفيعي أصعب أنواع إزالة الألفة؛ لأن الإمكانيات النحوية ومجال الاختيار النحوي في أي لغة هي أضيق الإمكانيات. من ناحية أخرى، فإن أكثر مجالات التجديد تنوعًا في اللغة هي مجال النحو نفسه. وهو يعتقد أنه عندما يتحدث عبد القاهر الجرجاني عن علم معاني النحو، فإن مقصده هو وعي الشاعر والأديب بالاستخدامات النحوية للغة، وأن كل بنية في أي حالة ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه (نفس المصدر، ص 30). هذا النوع من العدول هو من بين الأنواع الأكثر استخدامًا في البلاغة العربية، وله أشكال متنوعة ومتعددة. من بين أنواع العدول النحوي يمكن الإشارة إلى مسألة التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والالتفات و… . يركز هذا البحث على أساس منهج «الإحلال» من بين مختلف أنواع الإبراز الموجودة في القرآن، وبشكل خاص على دراسة استخدام الاسم في موضع الفعل. هذا المنهج هو أحد أساليب الإبراز التي يلجأ فيها منشئ الأثر إلى الاختيار في محور الاستبدال، وفي موضع يتعلق بكلمة ما، يستخدم كلمة أخرى. هذا الأصل يشمل جزءًا من علم البيان مثل التشبيه والاستعارة و…، وجزءًا من علم النحو مثل إحلال الضمير، والموصول، والإشارة محل الاسم أو إحلال صيغ الفعل المختلفة والصور الاسمية والفعلية محل بعضها البعض و… .

2. الدلالة المعنوية للاسم

الاسم كلمة تدل على مفهوم دون اقتران بزمن معين (السيرافي، 2008، ج 1، ص 15). بالطبع، لم يقبل جميع علماء النحو «عدم التقييد بالزمان»، حيث إن بعضهم، لعلمهم بشبه اسم الفاعل بالفعل المضارع، يعتبرونه مثل الفعل مفيدًا للحدوث (ابن جني، 2010، ج 3، ص 103)، وبعضهم مثل عبد القاهر يعتبرونه مفيدًا للثبوت: «إذا قلت: (زيد منطلق)، فقد أثبتت الانطلاق لزيد، دون أن تفيد به تجددًا، فهذه العبارة منك هي بعينها كقولك: (زيد طويل وعمرو قصير)» (الجرجاني، 1992، ص 174). على الرغم من أن جميع الأسماء تفيد معنى الثبوت، إلا أن هناك نقطة يجب الانتباه إليها، وهي أن جميع الأسماء ليست متساوية من حيث دلالتها على الدوام والثبوت، كما قال بعض المحققين: «اسم الفاعل حد وسط بين الفعل والصفة المشبهة؛ أي أن اسم الفاعل مقارنة بالفعل يدل على الثبوت، ولكنه مقارنة بالصفة المشبهة يدل على الحدوث» (السامرائي، 1434هـ، ج 1، ص 144). الأسماء التي يمكن أن تحل محل الفعل قسمان: المصدر والاسم المشتق. أحد الفروق بين هذين القسمين هو أن وجود قرائن في الجملة يمكن أن يدل على الفاعل والزمان للاسم المشتق. مثلًا، في الآية الشريفة «إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا» (الكهف: 23)، تدل كلمة «فاعل» على حتمية وقوع الفعل لا على ثبوته! وضمير «الياء» يبين الفاعل، وقيد «غدًا» الذي يدل على النطاق الزمني لتحقق الأمر المقصود، يتناقض مع معنى الثبوت. بينما في المصادر، يكون الفاعل والزمان دائمًا غير محددين. لذلك، بنفس القدر الذي يكون فيه الإسناد إلى الاسم المشتق أقوى من الفعل، يكون الإسناد إلى المصدر أقوى من الاسم المشتق. أما فيما يتعلق باستخدام الاسم والفعل، فمن المؤكد أن الاسم بأي نوع منه أقوى من الفعل؛ لأن الاسم يدل فقط على مفهوم وغير مقيد بقيد الزمان. بالإضافة إلى ذلك، الأمر بالمصدر أقوى بكثير من الأمر بالفعل، لأن التأكيد في الحالة المصدرية يكون على الحدث، بينما الفعل بالإضافة إلى المفهوم يشير إلى الفاعل أيضًا (نفس المصدر). إذن، إدخال قيد الزمان أو الفاعل في تعريف الاسم غير صحيح؛ لأن هذه المفاهيم تحتاج إلى قرائن خارجية ولا ترد في إطار تعريف الاسم بشكل مستقل.

3. الدلالة المعنوية للفعل

يقسم سيبويه الفعل من حيث الزمن إلى ثلاثة أقسام: فعلٌ مضى زمان حدوثه؛ مثل أفعال «ذهب، سمع»، وفعل لم يقع بعد، ومقصده فعل الأمر الذي يمكن أن يكون زمان حدوثه الآن أو في المستقبل، والفعل المضارع الذي يجري الآن ويمكن أن يستمر (السيرافي، 2008، ج 1: ص 15 و 17). يعرف السيرافي الفعل بأنه ذو ثلاثة أزمنة: الماضي، والمستقبل، والفعل الذي يضاف في أوله أربعة أحرف زائدة (حروف المضارعة)؛ مثل «أقوم ونقوم»، والزمان الدائم؛ مثل «قائم وضارب» (همو، 1986: ص 493). مقصود السيرافي من كلمة «دائم» هي الأسماء التي تتضمن معنى الفعل، ولكنها لا تدل على الزمان. وقد درس بعض المحققين المعاصرين دلالة الفعل من جهتين ويعتقدون أن للفعل ماهيتين صرفية ونحوية، وهما مختلفتان. فالفعل الصرفي يُدرس خارج السياق، أما الفعل النحوي فيُدرس داخل السياق وبالاعتماد على القرائن الموجودة في الكلام (حسان، 2004، ص 2)، فإذا نظرنا إلى فعل مثل «أكملتُ» من الناحية الصرفية، فإنه يعتبر ماضيًا، ولكن في سياق الآية الشريفة «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (المائدة: 3)، وبناءً على وجود قرينة «اليوم»، يدل على الحاضر (قواقزة، 2015، ص 2). إذن، الفعل «أكملت» هو فعل ماضٍ أفاد معنى المضارع بسبب سياق الآية التي ورد فيها. بالطبع، بناءً على بحث الخروج عن المعيار اللغوي المألوف، فإن ما يجب الانتباه إليه في مثل هذه البنية هو سبب العدول عن صيغة الماضي إلى المضارع وإيجاد المعنى المراد منه، والقول بوجود ماهيتين صرفية ونحوية للفعل غير مقبول، والفعل في كل حال لا يخرج عن تعريف القدماء بأنه دال على وقوع مفهوم (حدث) في فترة زمنية معينة بواسطة فاعل معين.

4. إحلال الاسم محل الفعل

يتكون كل نص من بنية سطحية وبنية عميقة، وأي تغيير يطرأ على البنية السطحية للنص يؤدي إلى تغيير جوهري في مفهومه وبنيته العميقة، والوصول إليه يتطلب بحثًا وتفاعلًا صحيحًا من المخاطب مع النص. إحلال الاسم محل الفعل هو أيضًا نهج اختياري من جانب المتكلم، بالإضافة إلى التغيير الذي يحدثه في البنية الظاهرية للنص – نظرًا للاختلاف الدلالي بين الاسم والفعل في أداء المعنى – فإنه يؤدي أيضًا إلى تحول في البنية العميقة للمعنى. لقد حدث إحلال الاسم في مكان الفعل في الخطاب القرآني من حيث البنية الظاهرية بثلاثة أشكال، وكل من هذه الأشكال أدى إلى إبراز مفاهيم معينة، وهو ما يتناوله البحث الحالي بدراسة عينات استقرائية من كل حالة.

أ) الإحلال الأولي للاسم محل الفعل

في هذا الأسلوب، يتغاضى الكاتب منذ البداية عن استخدام الفعل ويحل الصيغة الاسمية للكلمة محل الصيغة الفعلية، لكي يبرز بذلك مفاهيم من الطبقات السفلية للنص ويلفت انتباه المخاطب إليها، ونشير إلى بعض الأمثلة:

«فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ» (محمد: 4).

في هذه الآية، حل المصدر «ضرب» محل فعل الأمر «اضربوا». يعتقد الزمخشري أن أصل الجملة هو «فاضربوا الرقاب ضربًا»، والمصدر نائب عن الفعل، وهو يفيد فائدتين: الاختصار والتأكيد (الزمخشري، 1407هـ: ج 4، ص 316). استخدام المصدر بدلًا من الفعل في هذه الآية، تم بقصد تضخيم عدة مفاهيم، وهي كالتالي:

أولًا: سياق الآية يدل على ضرورة تنفيذ فعل الأمر بسرعة فائقة وبدون ترحم؛ لأن التباطؤ في تنفيذ الفعل يؤدي إلى إلحاق الضرر بالشخص نفسه أو ضياع فرصة قتل العدو المعاند. استخدام حروف الشدة (ق-أ-ب-ت) ونوع ترتيب الكلمات ينقل هذا المعنى أيضًا، كما هو محسوس تمامًا عند قراءة هذا الجزء من الآية، السرعة مع الشدة والخشونة. لذلك، فإن استخدام فعل الأمر يتناقض مع السرعة التي تقتضيها الآية؛ لأن هذا العمل يستلزم ذكر الفاعل ثم المفعول، مما يبطئ سرعة البيان، في حين أن الأسلوب المستخدم في الآية، أي حذف الفعل وبالتالي الفاعل، يحقق هذا الغرض.

المسألة الثانية: عدم تعلق الغرض بالفاعل، وهو ما يمكن تحقيقه باستخدام المصدر؛ بمعنى أن الغرض هو وقوع فعل الأمر، دون تحديد المأمور به (السامرائي، 1434هـ، ج 1، ص 145). تعميم الفاعل فائدة معنوية أخرى تتحقق من هذا العدول؛ أي أن فعل الأمر قابل للتنفيذ من قبل أي فاعل لديه القدرة على القيام به. والفائدة الأخيرة هي وجود معنى الدوام والثبات في المصدر، مما يدل على ضرورة تنفيذ الأمر، دون تحديد زمني وبشكل مستمر.

«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» (النساء: 122)

نصب «وَعْدَ اللَّهِ» على أنه مصدر ومفعول مطلق. فعله محذوف لقرينة معنوية في الكلام. «حقًا» مفعول مطلق توكيدي، فعله محذوف أيضًا؛ أي «أحقه حقًا». قال البعض إنه تمييز، مثل «هو أكرم منك فعلًا»؛ أي «وعد الله ذلك وعدًا حقًا لا خلف فيه»؛ يعني أن الله وعد وعدًا حقًا ولا يخلف وعده (الطبرسي، 1372، ج 3، ص 174).

في هذه الآية، وُضع مصدران محل فعلين: «وعد» حل محل الفعل المضارع «أعد»، و«حقًا» حل محل الفعل المضارع «أحق». هذا التأكيد على المفهوم يمكن دراسته من جهتين: الأولى، مقارنة وعود الله بوعود الشيطان التي ليست حقيقية؛ «وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ» (إبراهيم: 22). الثانية، التأكيد على تحقق وقوع وعود الله للمخاطبين الذين لا يؤمنون بوقوعها. يعتقد الزمخشري أن استخدام المصدر لتأكيد مفهوم المصدر نفسه ولتأكيد سائر المفاهيم المذكورة في الآية (قطعية دخول المؤمنين الجنة وخلودهم فيها) والعبارة «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» هي تأكيد ثالث. فائدة هذه التأكيدات هي أولًا أنها جاءت في معارضة وعود الشيطان الكاذبة، وثانيًا أنها ترغيب للعباد في القيام بأي عمل يستحقون مقابله وعد الثواب الإلهي (الزمخشري، 1407هـ، ج 1: ص 567).

من الأمثلة الأخرى على الإعراض عن الفعل، يمكن الإشارة إلى الإسناد الاسمي. من أمثلتها، الآيات التالية في وصف المؤمنين التي نُسبت إليهم صفات متعددة بصيغة اسمية:

«قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ» (المؤمنون: 1-9).

يمكن تعليل استخدام الاسم بدلًا من الفعل في سياق هذه الآيات. الإيمان من أعلى مراتب العبودية التي لا ينالها إلا القليلون، ولكي يصل شخص إلى هذه المرتبة، يجب أن تكون فيه صفات راسخة ودائمة؛ وكأنها جزء من طبيعته. من هنا، نُسبت الصفات إلى المؤمنين بصيغة اسمية لكي لا تكون مقيدة بزمان، وهو ما يتناقض مع روح الإيمان. في المقابل، صفة المحافظة على الصلاة «وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ» جاءت بصيغة فعلية، وسبب ذلك هو الالتزام بالصلاة في أوقاتها الخمسة وتجددها (السامرائي، 2003، ص 152).

يمكن رؤية مثال على الإسناد الاسمي في وصف أحوال أهل النار، والهدف منه التأكيد على دوام وبقاء عذابهم:

«ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» (الواقعة: 51-55).

في هذه العبارات، تعليق الحكم على الوصف المستخدم يشعر بالعلية؛ بمعنى أن سبب دوام الأكل وما بعده هو دوام ضلال وتكذيب الضالين، وسياق الآيات أيضًا، بدلالة «وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» (الواقعة: 46)، يؤيد هذا المعنى. إذن، الآية الشريفة ليست بصدد بيان أن الأكل مرة واحدة من ثمرة الزقوم المرة أو الشرب من ماء جهنم الحارق يمنع تكرار العذاب، بل هي بصدد بيان أنهم يأكلون تباعًا من ذلك الطعام المر ويشربون من ذلك الماء الحارق، وهذه الحالة ثابتة ودائمة لهم؛ لا يخفف عنهم هذا العذاب، ولا يقل ألمه، كما قال في موضع آخر: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» (الزخرف: 74-75). وبما أنهم في الدنيا لم يكفوا عن تكرار أعمالهم، فإن العذاب في الآخرة لا يُرفع عنهم، وعذاب الآخرة هو انعكاس لأعمالهم الدنيوية وموافق لها.

«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة: 30).

في هذه الآية الشريفة، نظرًا لأن عملية خلق البشر لم تكن قد تمت بعد، فإن جعل خليفة على الأرض لم يكن قد وقع أيضًا. لذلك، فإن لفظ «سأجعل» هو الذي يتناسب مع بنية وسياق الآية، ولكن المتكلم عدل عن هذه البنية واستخدم لفظ «جاعل» بدلًا منها. الهدف من استخدام الاسم بدلًا من فعل المستقبل هو إظهار قطعية وقوع الفعل؛ وكأن هذا الفعل قد تم وثبت وجوده من الآن. من ناحية أخرى، استخدام الاسم يفيد معنى الدوام وعدم الانقطاع؛ لأن وجود الإنسان على وجه الأرض وعدم وجود خليفة يتعارض مع أصل هدف الخلق الإلهي. تأكيدًا لهذا المفهوم، يمكن الإشارة إلى آيات كثيرة، منها هذه الآية: «وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى» (طه: 134).

يُظهر التحليل والاستقراء لآيات هذا القسم أن خالق الأثر الأدبي، في جميع الآيات التي لجأ فيها إلى الإحلال الأولي للاسم في مكان الفعل، كان لديه عدة أهداف، وهي كالتالي:

أولًا: إبراز مفاهيم لا وجود لها أساسًا في الصيغة الفعلية، ولكنها من الخصائص الثابتة للصيغة الاسمية؛ كما في إحلال «جاعل» محل «أجعل»، فإن الهدف هو إبراز مسألتي تحقق وقوع الحدث ومناسبة الزمن، وهما ما تفتقر إليه الصيغة الفعلية.

ثانيًا: إبراز مفاهيم تكون في الصيغة الفعلية أضعف منها في الصيغة الاسمية؛ كما في استخدام «مكذبون» بدلًا من «يكذبون»، فإن الهدف هو تضخيم وجه الدوام على الضلال والتكذيب، والذي يكون في الصيغة الفعلية أضعف ودلالته على الدوام تحتاج إلى قرائن خارجة عن الكلمة وفي سياق الآيات.

ثالثًا: إبراز مفهوم بشكل مطلق، والذي يتجلى عادة في صيغة الأمر أو النهي. يسعى الكاتب في هذا النوع من العدول عن الصيغة الفعلية إلى فوائد مثل الاستغناء عن الفاعل، والزمان، وحتى أحيانًا المفعول، مما يؤدي بحد ذاته إلى تعميم الحكم وتسريته، ويجعل المفهوم المقصود عظيمًا في عين المخاطب.

ب) إحلال الاسم المشترك في الجذر محل الفعل

في هذا النوع من الإحلال، يقوم الكاتب بوضع الصيغة الفعلية مقابل الصيغة الاسمية في تناول موضوع ما، ويخلق بنية خارجة عن المألوف، ويدفع المخاطب إلى البحث عن الفروق الدلالية بين القطبين، ونشير إلى بعض الأمثلة:

«وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا» (الكهف: 59).

في هذه الآية الكريمة من القرآن، نشهد عدولًا عن الفعل الماضي «أهلكنا» إلى الاسم «مهلك». بالنظر إلى بنية وسياق آيات هذه السورة، ندرك أن المخاطبين بالآية هم كفار عصر النبي، الذين يعتبرهم الله تعالى أظلم الناس بسبب إعراضهم عن دعوة رسوله، ثم يعرض عليهم الأطلال المتبقية من الأقوام السابقة، من بني إسرائيل وقوم هود ونوح ولوط وصالح الذين نزل بهم عذاب الله، كشاهد على هلاك الظالمين وعبرة لهم (طيب، 1378، ج8: ص 376). بناءً على آية «وَلَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا» (الكهف: 58) وسياق الآية 59، فإن النتيجة الحتمية للظلم هي الهلاك، ولكن ما يمنع تعجيل العذاب هو تقييد العذاب بزمن معين بهدف إتاحة فرصة للتوبة، وبعد ذلك يكون نزول العذاب حتميًا. بالنظر إلى التوضيحات السابقة، في العدول عن فعل «أهلكنا» إلى اسم «مهلك»، تم إبراز نقطتين معنويتين: الأولى، أنه بسبب استمرار الظلم بين الأقوام، وصلوا إلى الهلاك، ووقوع معلول الظلم، أي «المهلك»، كان قطعيًا، ومسجلًا، وغير قابل للتغيير. ثانيًا، أن هلاكهم بسبب العذاب، بدلالة فعل «أهلكنا»، حدث في ذلك «الموعد المعين» وانتهى، وقبل وبعد ذلك الزمن المحدد، لم تشاهد أو تبق أي علامة على وقوع العذاب بين الظالمين. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى عذاب نوح، الذي بدأ بفوران الماء من «التنور» (هود: 40) وانتهى بتوقف المطر وجفاف الأرض (هود: 44). كذلك، في هذا العدول، هناك تعريض بكفار مكة والمدينة الذين عذابهم أيضًا، بسبب الظلم الذي يرتكبونه، أمر مسجل ومحقق الوقوع، إلا إذا تابوا قبل ذلك «الموعد المعين» ووقوع العذاب، وإذا لم يفعلوا، فبدلالة ثبوت اسم «مهلك»، سيأتيهم ذلك العذاب في الزمن المعين قطعًا ولا مفر منه.

«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» (النساء: 142).

في هذه الآية الشريفة، حدثت ثلاثة أنواع من العدول: أولًا، أن فعل «يخادعون» خرج من حالة المشاركة (باب مفاعلة) وأصبح أحادي الاتجاه (ثلاثي مجرد)؛ لأنه إذا استخدم المنافقون الخداع والمكر ضد الله، فبحكم آية «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (آل عمران: 54)، فإن الله يرد عليهم مكرهم. ولكن إذا خدعهم الله، فلن يكون لديهم القدرة على رد الفعل. آية «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ» (البقرة: 9) تؤيد هذا المعنى أيضًا. ثانيًا، أن فعل الخداع له معنى سلبي، ونسبته إلى الله جائزة فقط من باب المشاكلة. إذن، في هذه الآية، الخداع من جانب الله يعني فقط دفع الخداع. أما النوع الثالث من الانحراف عن البنية، وهو موضوع بحثنا، فهو إسناد الخداع إلى المنافقين بصيغة فعلية وإلى الله بصيغة اسمية. في إسناد الفعل المضارع إلى المنافقين، هناك عدة فوائد معنوية. أولًا، تقييد فعل «يخادعون» بالزمن، وهو ما يدل على تقييد خداع المنافقين بالزمن؛ لأنهم، نظرًا لضعفهم البشري، غير قادرين على الثبات على هذا الأمر. الفائدة الثانية المُبرزة هي إشارة إلى محاولة المنافقين استخدام أنواع مختلفة من الخداع لإلحاق الضرر بالمؤمنين، وهو ما يُستفاد من خاصية التجدد في الفعل المضارع وسياق الآيات 7-8 و 11-12 من نفس السورة، حيث يظهرون أنفسهم مؤمنين كذبًا مرة، ومصلحين مرة أخرى بالقيام بأعمال مفسدة. في إسناد اسم «خادع» إلى الله، يمكن استنباط الثبوت والدوام المعنوي؛ لأن الله لا يغفل لحظة عن أحوال المنافقين ويخدعهم باستمرار: «وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» (الأنعام: 132).

«وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» (الأعراف: 11).

في هذه الآية الشريفة، عدلت اللغة عن فعل «لم يسجد» إلى «لم يكن من الساجدين»، فخرجت عن المألوف. بالنظر إلى أن الحكاية حالية، وتتعلق بالزمن الماضي، فإن فعل «سجدوا» يشير إلى حدوث السجود من قبل الملائكة في الزمن الماضي وانتهائه في ذلك الزمن. وفيما يتعلق بعدم سجود إبليس، فإن هذه المسألة صحيحة أيضًا، ولكن القصة ذُكرت بنفي انتساب صفة الفاعلية إلى إبليس، وكما يُفهم من معنى الاسم، فإن هذه البنية تعني نفي صفة السجود بشكل دائم عن إبليس، بينما كان حتى لحظة عصيانه لله من الساجدين في حضرة الأحدية. يمكن البحث عن سبب هذا الخروج عن المألوف في هذه النقطة المعنوية: أن أمر الله لم يكن أمرًا مطلقًا بالسجود، بل كان أمرًا مقيدًا: «اسجدوا لآدم»؛ أي اسجدوا أمام آدم. امتنع إبليس عن السجود لله، بل كان يعتقد بالسجود لسيدنا آدم. في الحقيقة، غرض الآية هو أن «إبليس لم يكن من الساجدين لآدم» (الزمخشري، 1407هـ، ج 2، ص 89). الجار والمجرور «لآدم» حُذف لدلالة القرينة المذكورة. إذن، الصفة التي سُلبت من إبليس بشكل كلي ودائم بدلالة اسم الفاعل، هي كونه ساجدًا أمام آدم، ولا يمكن أن تكون نفيًا مطلقًا لصفة السجود؛ لأن إبليس كان من الساجدين قبل خلق آدم. من ناحية أخرى، فإن جواب إبليس لله على سؤال «لماذا لم تسجد؟» هو دليل آخر على هذا الادعاء. استدل بأن جنس النار أفضل من الطين (الأعراف: 12، ص: 76) وقال: «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (الحجر: 33). اللام في «لأسجد» هي لام الجحود وتعني تأكيد النفي (المرادي، 1992، ص 119)، وفي هذه البنية، لها معنى النفي الدائم والأبدي. بمعنى «لن أسجد أبدًا لبشر مخلوق من طين»، ولا ينفي كونه ساجدًا لله. من التحليل التحليلي للآيات السابقة، يتبين أنه في جميع الحالات التي تم فيها إنشاء بنية ذات وجهين بخصوص موضوع مشترك، يتم التعبير عن المفهوم مرة بصيغة فعلية ومرة أخرى بصيغة اسمية، ويسعى الكاتب إلى مقارنة ذلك المفهوم في موقفين أو بين مجموعتين. إذن، بالخروج عن المألوف ووضع كل من الطرفين المقارنين في إحدى الصيغتين الفعلية والاسمية – بناءً على الفروق الدلالية لكل منهما – يحكم على قوة وثبات المفهوم المقصود في الصيغة الاسمية ويؤكد رجحانها. الجدير بالذكر أن المقصود برجحان الصيغة الاسمية هو مجرد قوة الحكم، وتفوق إحدى الصيغتين على الأخرى لا يُستفاد إلا من خلال سياق الآيات؛ كما أن نسبة صفة «عدم السجود» إلى إبليس أقوى من إسناد «السجود»؛ على الرغم من أنها لا تتفوق عليها. ولكن في إسناد صفة «خادع» إلى الله مقابل «يخادعون»، فإن تفوقها من حيث قوة الحكم مقصود أيضًا.

ج) إحلال الاسم المضاد محل الفعل

في هذا النوع من الإبراز، يلجأ الكاتب أو المتكلم في بنية تقابلية، بهدف المقارنة بين مفهوم وضده، إلى إنشاء معادلة غير متكافئة، ليثير بذلك ذهن المخاطب لتلقي معنى يهدف إلى تضخيمه.

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ» (البقرة: 11).

هذه الآية تخاطب المنافقين بعبارة «لا تفسدوا»، وتطلب منهم الامتناع عن الفساد في الأرض بارتكاب الذنوب ومنع الناس من الميل إلى الإيمان والإسلام (بقول ابن عباس)، أو بمساعدة الكفار (بقول أبي علي الجبائي)، أو بتغيير الدين وتحريف الكتاب (بقول الضحاك) (الطبرسي، 1372، ج 1: ص 75). استخدام أسلوب الجملة الاسمية من قبل المنافقين في الرد على طلب «لا تفسدوا» أدى إلى تضخيم عدة أبعاد معنوية في وصفهم. الحالة الأولى هي أن فعل النهي يحذر المنافقين من الفساد في قيدي الزمن الحاضر والمستقبل، ولكنهم في ردهم ينسبون الإصلاح إلى أنفسهم بصيغة اسم الفاعل، بمعنى أننا كنا وما زلنا أهل إصلاح، ولم نقم (لا في الماضي ولا الآن) ولن نقوم بعمل غيره؛ بمعنى أنهم ليسوا المخاطبين بهذا الفعل النهي، أو إذا كانوا كذلك، فقد حدث خطأ في مخاطبتهم – هم الذين لم تنفصل عنهم صفة الإصلاح أبدًا!

النقطة الثانية، تقابل كلمة «إصلاح» مع فعل «فساد». هاتان الكلمتان بينهما تضاد؛ فوجود إحدى الصفتين يعني نفي الأخرى. المنافقون، للمبالغة في نفي الفساد عن أنفسهم، يتجنبون إسناد هذه الكلمة حتى في حالتها السلبية، وبدلًا من أن يقولوا «نحن لم نفسد»، يقولون «إِنَّما نحنُ مصلحون»!

النقطة الأخيرة، حصر أنفسهم في صفة الإصلاح. في أسلوب «إنّما»، يُحصر الجزء الأول في الجزء الثاني. أي أننا مصلحون فقط ولا شيء آخر! وبهذا ينفون عن أنفسهم كل صفة غير الإصلاح. ولكن الله في الآية التالية يرفض هذا الإسناد، وبنفس الأسلوب باستخدام الجملة الاسمية والحصر، يؤكد ويثبت كون هذه المجموعة مفسدة؛ «أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ» (البقرة: 12).

«قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» (الأنبياء: 55).

هذه الآية الشريفة تخاطب قوم إبراهيم الذين يسألونه: هل جئتنا (ضد الشرك وإثبات التوحيد) بكلام حق وحجة قاطعة أم أنك تهزل وتلعب؟ المقصود بـ«لعب»، هو الكلام أو الفعل الذي لا يُفهم منه مفهوم عقلي، والعاقل لا يميل إليه. أحد أبرز مصاديق اللعب هو الهزء والسخرية، الذي يفيد معنى القبح أيضًا (مصطفوي، 1360، ج 10، ص 197). المقصود بـ«لعب» في هذه الآية الشريفة، بناءً على سياق الآية والآيات السابقة، هو الهزء والسخرية الذي وقع عليه السؤال بأسلوب المعادلة. في أسلوب المعادلة، الأصل أن يكون طرفا المعادلة بصورة واحدة، اسمية أو فعلية؛ مثل «أعليٌّ في الدار أم خالدٌ؟». في هذه الآية، بما أن المستفهَم عنه (جئتنا) فعل ماضٍ، فيجب أن يكون معادله أيضًا فعلًا ماضيًا (لعبت): «قالوا أَجِئْتَنا بالْحَقِّ أم لعبت بنا»، ولكن في حالة عدم مراعاة هذا الأصل وخروج المتكلم عن المألوف، يجب البحث عن سبب الخروج عن المألوف والمعنى الجديد الذي ينتج عن هذه البنية الجديدة. لهذا الأمر، يجب أولًا عرض سياق وموقف إلقاء الكلام لتتضح الظروف والدوافع التي أدت إلى صدور مثل هذا الكلام للمخاطب. بناءً على سياق آيات (51-54) من سورة الأنبياء، دعا إبراهيم الخليل عمه وقومه إلى التوحيد ووصفهم بالضالين. تعجب المشركون من نسبة الضلال إليهم لدرجة أنهم طرحوا سؤالهم بصيغة استفهام إنكاري وبافتراض مسبق أنه يسخر منهم. لذلك سألوا: ما تقوله، هل هو حقيقة أم سخرية؟ وبما أن هذه الدعوة – بالنظر إلى دعوة أبيه وأقربائه – التي هي من المراحل الأولى للدعوة، لم يكن لها تاريخ طويل، فإن المشركين كانوا يعتقدون اعتقادًا راسخًا أن إبراهيم لا يتكلم بجد. لهذا السبب، استخدموا كلمة «لاعبين» بصيغة اسم الفاعل مقابل الفعل الماضي «جئتنا»، مما يدل على ميلهم إلى تصديق وقبول الجزء الثاني من المعادلة، أي سخرية إبراهيم.

«مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ» (النحل: 96).

في العدول عن الفعل المضارع إلى اسم الفاعل، غرض المتكلم هو التأكيد على متعلق فعل «ينفد» (ما عندكم) ومتعلق اسم «باق» (ما عند الله). عادة ما تكون ممتلكات الإنسان خلال حياته قابلة للفناء والاستبدال، وتتغير مرارًا وتكرارًا، تتجدد، وتزول، وتُكتسب من جديد، لذلك ليس لها خاصية الدوام والثبات. من ناحية أخرى، حياة الإنسان محدودة بفترة زمنية معينة، وبالتالي فإن ممتلكاته لها أيضًا محدودية زمنية؛ أي بافتراض أن جنس ممتلكات شخص ما من النوع الذي يمكن أن يدوم لفترة طويلة، فإنه بسبب فناء الإنسان نفسه، لا يمكن أن تبقى في حوزته لفترة طويلة، وهو ما يتطابق تمامًا مع طبيعة التجدد والتقييد الزمني للفعل المضارع. مع هذا التوضيح، يتضح تمامًا سبب استخدام اسم «باق» لملك الله الأزلي والأبدي. يمكن مشاهدة مثال آخر من هذا النوع من العدول في الآيات التالية التي ترتبط بمفهوم الآية السابقة:

«كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (الرحمن: 26-27).

في هذه الآيات، نُسب الفناء إلى ذات الأشياء، وهو أمر مسجل وحتمي لجميع الكائنات غير الله. كلمة «فان» تفيد أيضًا قطعية الفناء؛ وكأن هذا الأمر قد تحقق ووقع الآن. ولكن فيما يتعلق بالله، استُخدمت كلمة «وجه» التي تعني الاتجاه والجهة، ومعها استُخدم فعل «يبقى»؛ أي كل ما يتجه وجهة إلهية، من حيث إنه ليس جزءًا من الذات الإلهية، فهو متجدد ومقيد بالزمن، ومن حيث إنه يتصل بالله تعالى، فهو غير فانٍ وأبدي. تُظهر الدراسات أنه في جميع الآيات التي وُضع فيها اسم وفعل متضادان في سياق واحد، وفي الحقيقة مقابل بعضهما البعض، كان الهدف هو إنشاء معادلة في قطبين موجب وسالب، يبرز فيها الكاتب أحد وجهي المعادلة بشكل أقوى من الآخر، ليبرز بذلك، بروز المفهوم المقصود في الوجه الاسمي، بناءً على الواقع الموجود، أو بناءً على اعتقاد أو ادعاء المتكلم، أو كليهما؛ فاستخدام الوجه الاسمي المضاد «مصلحون» مقابل «لا تفسدوا» يدل على قوة الحكم بناءً على ادعاء المتكلم وخلاف الواقع، واستخدام «لاعبين» مقابل «جئت لنا بالحق» بناءً على اعتقاد المتكلم وخلاف الواقع، واستخدام «باق» مقابل «ينفد» بناءً على اعتقاد المتكلم وعين الواقع. بالطبع، لا ينبغي إغفال هذه النقطة، وهي أن المقصود بالمعادلة ليس أسلوب المعادلة المعروف في علم البلاغة، على الرغم من أنه يشمله أيضًا (كما شوهد في قصة إبراهيم)، بل المقصود بالمعادلة هو وضع مفهومين متضادين مقابل بعضهما البعض.

خاتمة

العدول أو الخروج عن إطار قواعد اللغة المعيارية هو أحد الخصائص البنيوية للغة القرآن التي استُخدمت بتواتر عالٍ جدًا بهدف جذب انتباه المخاطب وتضخيم مفاهيم خاصة. أحد أنواع العدول في القرآن هو العدول النحوي الذي تناوله هذا البحث بدراسة حالة خاصة منه على مستوى إحلال الاسم محل الفعل، وتوصل إلى النتائج التالية:

١- تصنيف حالات استخدام الاسم محل الفعل في القرآن يوضح أن هذه الظاهرة حدثت على ثلاثة مستويات: الإحلال الأولي للاسم محل الفعل، وإحلال الاسم المشتق من نفس الجذر محل الفعل، وإحلال الاسم المضاد محل الفعل.

٢- بناءً على الفروق الدلالية بين الاسم (الدوام، الثبات، القطعية، واللازمانية) والفعل (التقييد بالزمان، الحاجة إلى فاعل، احتمال عدم الوقوع، التجدد)، فإن أي خروج أولي عن استخدام الفعل وإحلال الاسم محله يتم بهدف إبراز مفاهيم تكون في الصيغة الفعلية أضعف منها في الصيغة الاسمية، أو لا توجد أساسًا في الفعل، أو بقصد إبراز مفهوم بشكل مطلق ودون تقييد بالقيود الخاصة بالفعل، أي الزمانية، والفاعلية، و…

٣- إحلال الاسم المشتق من نفس الجذر محل الفعل، يتم بقصد المقارنة بين مفهوم لشخص في حالتين، أو المقارنة بين موقفين أو مجموعتين، حيث يؤكد الكاتب من خلال إبراز الوجه الاسمي على قوة الحكم في هذا الجانب.

٤- العدول عن الفعل إلى الاسم المضاد يتم بهدف إنشاء معادلة غير متكافئة لمقارنة مفهوم وضده، حيث يبرز الكاتب من خلال إبراز الوجه الاسمي قوة الحكم بناءً على اعتقاد المتكلم أو ادعائه الذي لا يتطابق بالضرورة مع الواقع.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم.

2. ابن جني، أبو الفتح (2010)، الخصائص، الطبعة الرابعة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

3. أحمدي، بابك (1372)، ساختار و تأویل متن (البنية وتأويل النص)، طهران: نشر مركز.

4. بامدادي، محمد؛ مدرسي، فاطمه (1388)، «نگاهی به فراهنجاری دستوری در اشعار م. سرشک» (نظرة على العدول النحوي في أشعار م. سرشك)، پژوهش‌نامه زبان و ادب فارسی، السنة الثالثة، العدد 2، ص 1-22.

5. حسان، تمام (2004)، اللغة العربية معناها ومبناها، الطبعة الرابعة، القاهرة: عالم الكتب.

6. جرجاني، عبد القاهر (1413هـ)، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق: محمود محمد شاكر، الطبعة الثالثة، القاهرة: مطبعة المدني.

7. داد، سيما (1383)، فرهنگ اصطلاحات ادبی (معجم المصطلحات الأدبية)، طهران: مرواريد.

8. زمخشري، أبو القاسم (1407هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الكتاب العربي.

9. سامرائي، فاضل صالح (2003)، لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، الطبعة الثالثة، عمان: دار عمار للنشر والتوزيع.

10. __________ (1434هـ)، معاني النحو، الطبعة الأولى، بيجا: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر.

11. سيرافي، أبو سعيد (2008)، شرح كتاب سيبويه، تحقيق: أحمد حسن مهدلي، علي سيد علي، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.

12. __________ (1986)، شرح كتاب سيبويه، تحقيق: رمضان عبد التواب وآخرون، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

13. شفيعي كدكني، محمدرضا (1370)، موسیقی شعر (موسيقى الشعر)، طهران: انتشارات آگاه.

14. صفوي، كوروش (1380)، از زبان شناسی به ادبیات (من اللسانيات إلى الأدب)، الطبعة الثانية، طهران: پژوهشگاه فرهنگ و هنر اسلامی.

15. طبرسي، فضل بن حسن (1372)، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: ناصر خسرو.

16. طيب، سيد عبد الحسين (1387)، أطيب البيان في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، طهران: انتشارات إسلام.

17. قواقزة، محمد حسن (2015)، «الدلالة الزمنية للأسماء في اللغة العربية، اسم الفاعل و اسم المفعول و المصدر نموذجا»، مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 42، العدد 1، ص 1-19.

18. مرادي، أبو محمد (1992)، الجنى الداني في حروف المعاني، تحقيق: فخر الدين قباوة، محمد نديم فاضل، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.

19. مصطفوي، حسن (1360)، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: بنگاه نشر و ترجمه كتاب.

الهوامش

1. المراد بالنحو في نموذج الإبراز الدلالي هو القواعد النحوية للغة، والتي تشمل في اللغة العربية علمي الصرف والنحو كليهما.

Scroll to Top