ملخص
يعدّ المحدّث الأرموي من المحققين والعلماء المعاصرين، وهو مصحح لكثير من التراث الشيعي المكتوب في مختلف الحقول كالتفسير والحديث والكلام والتاريخ والرجال والعرفان وغيرها، كما أنه مؤلف شرح مفصل على دعاء الندبة. وقد تجلّت جهوده في دراسة الحديث، بغض النظر عن شرح دعاء الندبة، في المقدمات والحواشي والتعليقات المتعددة التي كتبها على آثاره التحقيقية، والتي تعتبر أحيانًا بمثابة تأليف مستقل نظرًا لتفصيلها. في هذا البحث، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، وضمن دراسة وتأمل جهود الأرموي في آثاره الحديثية، تم استخلاص المباني التي اعتمدها في دراسة سند الأحاديث ومتنها ومنشئها. وتُظهر نتائج البحث أن اعتقاده بضرورة إحراز صحة الحديث من حيث صدوره عن المعصوم أو عدمه، وتقييم رجال السند، هي من مبانيه في الدراسات السندية. كما أن اعتقاده بضرورة دراسة متن الحديث من حيث عدم مخالفته للقرآن والسنة والحديث والتاريخ القطعي وضروريات الدين والمذهب، وكذلك ضرورة علو المضامين وفصاحة البلاغة في المتن الصادر عن المعصوم (ع)، هي من مباني دراسة المتن لدى المحدّث الأرموي. وهو يؤكد كذلك في دراسة منشأ الأحاديث على ضرورة أخذ الحديث من المصادر المعتبرة.
1. طرح المسألة
بعد القرآن الكريم، تعتبر الروايات المصدر الأساسي لاستنباط وتبيين المعارف الإلهية لدين الإسلام. وقد كان للروايات دور واضح ومحسوس في نشأة العلوم الإسلامية وتوفير الأرضية لانتشارها. ولكن، بما أن الحديث لم يسلم على مر الزمان من التصحيف والتحريف لأسباب مختلفة، فإن الاستفادة منه في تبيين أحكام الدين تتطلب التنقيح والتحليل والشرح والنقد العلمي.
لذلك، كانت دراسة الحديث منهجًا وسيرة مستمرة لدى علماء الإسلام، خاصة العلماء الشيعة. وقد استخدم العلماء في آثارهم وبحوثهم الحديثية طرقًا وقواعد يمكن أن يطلعنا استخلاصها على مباني وأساليب فهم الحديث ونقده. وفي هذا السياق، تحدث بعض المحدثين عن مبانيهم الحديثية في مقدمات كتبهم، بينما لم يصرح آخرون بذلك. لذا، من الضروري استخلاص هذه المباني والأصول من خلال البحث والتدبر في أساليبهم وأفكارهم وآرائهم.
من المحدثين المعاصرين الذين قدموا خدمات قيمة في مجال تحقيق المخطوطات وتصحيح النصوص هو مير جلال الدين المحدث الأرموي. إن تصحيح وتحقيق متون الحديث أمر صعب؛ لأنه بالإضافة إلى المعرفة والتخصص والمهارة في علم المخطوطات، يستلزم معرفة وإلمامًا بتاريخ الثقافة والتراث الإسلامي، ومعتقدات المسلمين، ودوافعهم، وتياراتهم الدينية والاجتماعية والسياسية المؤثرة في تشكيل التاريخ الثقافي للعالم الإسلامي، فضلاً عن التبحر في اللغة العربية (انظر: صدرائي خويي، 1383ش، 43).
كان المحدث الأرموي من الأفراد القلائل الذين تمتعوا بكل هذه المزايا، وقد صحح الكثير من التراث الشيعي المكتوب في مختلف المجالات كالتفسير والحديث والكلام والتاريخ والرجال والعرفان وغيرها. كل هذه المزايا العلمية، إلى جانب عقيدته الراسخة بالولاية، جعلت منه شخصية بارزة في عصره في الدفاع عن كيان مذهب أهل البيت. على سبيل المثال، قيل عنه: «كان شديد الولاء لأهل البيت (ع)، يرى أن الحق لا يوجد إلا في الأحاديث المأثورة عنهم ولا يمكن تطبيق الإسلام الصحيح، إلا باتباعهم والأخذ منهم، ولذا كان شديد الذب عن مذهبهم»؛ «كان راسخًا وثابتًا في ولاية أهل البيت، ويعتقد أن الحق لا يوجد إلا في الأحاديث المأثورة عنهم، وأن اتباع الإسلام الصحيح غير ممكن إلا باتباع أهل البيت وتلقي تعاليمهم. لذلك كان يدافع بشدة عن مذهب أهل البيت» (حسيني أشكوري، 1414ق، 1: 129).
وفي مقام مقارنة منهج ورؤية المحدث الأرموي وجلال الدين همائي، قيل إن السمة البارزة للمحدث كانت تعلقه بالحديث والتاريخ والرجال، وكان تعامله مع العرفان والتصوف تعاملاً حديثياً بالمعنى الكلاسيكي الشبيه بالصفوي. وكان اهتمامه بشرح وتصحيح “زاد السالك” للفيض الكاشاني (ت 1091) وتصحيح “شرح مصباح الشريعة” لعبد الرزاق الجيلاني لأنه كان يستشف معارف أهل البيت (ع) من هذه المتون. ويمكن تتبع ميول المحدث الحديثية في تصحيح وطبع كتابي “الأصول الأصيلة” و”الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين” للفيض الكاشاني. وقد كُتب هذان الكتابان دفاعًا عن المسلك الإخباري المعتدل ومعارضةً للاجتهاد بمعناه الأخص (انظر: جهانبخش، 1378ش، 74).
وفيما يتعلق بالبيئة العلمية والثقافية في عصر المحدث، يُذكر أن خطابات وكتابات الأفراد الذين نشأوا في الحوزة العلمية وأظهروا تعلقهم بالسنة والحضارة الإسلامية، بل بالإسلام نفسه، لم تكن مسائل دينية بحتة، وبتعبير أوضح، لم تكن شرعية صرفة ومصطلحية. حتى الكتابات التي تناولت الأدب والعرفان الإسلامي وتاريخ المسلمين كانت تفتقر إلى صبغة التعلق العقائدي، ولم يكن هدفها ترسيخ الأسس الدينية والمعتقدات الدينية. في مثل هذه الأجواء، كانت بحوث وكتابات المحدث الدينية والإيمانية تؤكد بوضوح على ترسيخ المبادئ العقائدية الشيعية والدفاع عن الأفكار الإمامية ونشر مذهب أهل البيت (ع)، وبهذا بدت متميزة (انظر: جهانبخش، 1378ش، 14، 75).
بناءً على ما تقدم، فإن معرفة مباني دراسة الحديث عند المحدث الأرموي تكتسي أهمية بالغة في تبيين منهجه في تقييم وفهم الأحاديث وتصحيح متونها. ولكن، بما أنه استعان في تصحيح المتون بمنهج نقل أقوال وآراء الكبار ونادرًا ما أبدى رأيه، فإن معرفة مبانيه أمر صعب. والجدير بالذكر أنه كُتبت مؤلفات عديدة حول المحدث الأرموي وآثاره. ومن بين الكتب التي كُتبت بمناسبة ندوة تكريمه، كتاب “يادنامه محدث ارموى” الذي تناول آثاره وخصاله الأخلاقية والعلمية. وكتاب “هديه بهارستان به زنده ياد استاد مير جلال الدين محدث ارموى” تأليف عبد الحسين طالعي هو عمل آخر في هذا المجال، يتضمن مجموعة مقالات في أربعة أقسام: مختارات من آثاره، تعريف بآثاره، وثائق وصور للمحدث الأرموي، وغيرها. وهناك عمل آخر بعنوان “ميراث محدث ارموى (آثارى چند درباره دعاى ندبه)” كتبه السيد جعفر الأشكوري، يتناول سيرته الذاتية وتقريراً عن مكتبته الشخصية، وتحقيق متن رسالة “وسيلة القربة في شرح دعاء الندبة” وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، كُتبت مقالات متعددة عنه، مثل: “سيد جلال الدين محدث ارموى” تأليف علي صدرائي خوئي، و”مرحوم محدث ارموى احياگر ميراث تشيع” بقلم بويا جهانبخش، وغيرها من الحالات المشابهة التي تناولت سيرة المحدث، والتعريف بآثاره وسيرته العلمية والأخلاقية، وصولاً إلى بيان أسلوبه في تصحيح المتون.
كما يلاحظ، لم يتم في أي من الآثار المذكورة والحالات المشابهة تناول منهج المحدث الأرموي في دراسة الحديث مع التركيز على استخلاص مبانيه، بل في معظم هذه الآثار، بعد سيرته الذاتية والتعريف بمؤلفاته، تم تحليل وتقييم منهجه في تحقيق المخطوطات فقط. لذا، في هذا البحث، ومن خلال استقراء التوضيحات التي قدمها المحدث الأرموي في حواشيه المطولة عند تصحيح المتون، وكذلك بالنظر إلى النقاط التي أوردها في شرح دعاء الندبة، سيتم استخلاص مباني المحدث الأرموي في تقييم ونقد متون وروايات السند.
2. مباني المحدّث الأرموي في دراسة سند الحديث
يجب اعتبار معرفة محتوى الحديث ودلالته من الأركان الهامة للاستفادة من الحديث؛ لأن الهدف النهائي للمستفيدين من الحديث هو الاستفادة من متنه ومحتواه ومدلوله. ولكن هذا الاستدلال، الذي يحظى بالاهتمام في علم فقه الحديث، لا يمكن أن يكون في موضعه المنطقي إلا بعد إحراز صدور الرواية عن المعصوم (ع) (رحمان ستايش، 1397ش، 39). لذا، فإن دراسة السند ضرورية. يلتزم المحدث الأرموي في تقييم سند الحديث بأصول ومعتقدات سيتم شرحها فيما يلي:
1-2. ضرورة إحراز صدور الحديث عن المعصوم (ع)
قبل الخوض في معنى رواية ما، لا بد من التأكد من صحة صدورها عن المعصوم (ع) كأحد الأصول الهامة في فقه الحديث؛ لأنه مع فرض وجود شك في أصل الرواية، سيكون تحليل ودراسة المتن بلا جدوى (انظر: ميرجليلي، 1396ش، 95؛ شريفي، 1398ش، 243). سعى المحدث الأرموي في تعامله مع الروايات المنسوبة إلى أهل البيت (ع) إلى قبولها أو رفضها بذكر الدليل. على سبيل المثال، في دراسة سند دعاء الندبة، أجرى دراسات مفصلة تظهر دقة نظره وسعة تتبعه في جميع جوانب السند. ومن ذلك، في إجابته على سؤال ما إذا كان الدعاء صادرًا عن الإمام المعصوم (ع) أم لا، قدم أدلة مستندة إلى الكتب ذات الصلة، ودرس هذا الدعاء من حيث السند والمتن. كما أنه في إجابته على سؤال حول معنى جملة “هذا دعاء لصاحب الزمان” وما إذا كانت من صاحب الزمان أم من معصوم آخر، يجيب بأن البعض يعتقد أن “الدعاء صادر عن الإمام الصادق (ع)”. وهو يرفض هذا الاعتقاد بذكر الأدلة والاستنادات.
إن الحالات التي أرجع فيها المحدث الأرموي في بحوثه إلى مصادر حديثية، والمصطلحات التي استخدمها في السند، تدل على اهتمامه بالدراسات السندية وإحراز صحة الحديث كشرط لقبوله.
على سبيل المثال، تحت حديث خالد بن عرفطة الذي نقلته أم حكيم بنت عمرو الخولية، أنها سمعت عليًا (ع) وهو يخطب على المنبر، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين استغفر لخالد بن عرفطة، فإنه مات بأرض تيم. فقال أمير المؤمنين: كذبت! والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب الفيل ومعه راية ضلالة. قالت أم حكيم: فشهدت خالد بن عرفطة وقد دخل من باب الفيل ومعه راية معاوية، فركزها وسط المسجد. في كتاب “فضل بن شاذان” (1398ش، 69)، مع الإشارة إلى أن هذه الرواية وردت في مصادر مثل “الخصائص”، و”الاختصاص”، و”أعلام الورى”، و”بحار الأنوار”، و”مناقب ابن شهر آشوب” (ت 588)، و”شرح نهج البلاغة” لابن أبي الحديد (ت 656) ومصادر أخرى بنفس الشكل أو باختلاف طفيف، يذكر أن الشيخ المفيد قال في “الإرشاد” عن هذه الرواية: «وهذا أيضاً خبر مستفيض لا يتناكره أهل العلم الرواة للآثار وهو منتشر في أهل الكوفة ظاهر في جماعتهم لا يتناكره منهم اثنان وهو من المعجز الذي ذكرناه». ثم يضيف أنه بالإضافة إلى الشيخ المفيد، فإن الطبرسي في “أعلام الورى” وابن شهر آشوب في “مناقب” قد اعتبرا هذا الخبر مستفيضًا (نفسه، 70-72).
كما أنه ضمن بيان معنى الحديث النبوي «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» من “النهاية”، يذكر أقوالاً من مصادر الفريقين تفيد بأن هذه الرواية متواترة (نفسه، 200). على سبيل المثال، ورد في “مجمع البحرين” بعد بيان هذا الحديث ومعناه: «وقد بلغ هذا الحديث غاية الاشتهار وحتى قيل بتواتره لفظًا» (نفسه، 201). وفي “وصول الأخيار إلى أصول الأخبار” بعد ذكر الحديث، ورد: «متواتر عند العامة…». وفي نفس الموضوع، ينقل عن الشهيد الثاني في “البداية في علم الدراية” والمامقاني في “مقباس الهداية”. ويتابع المحدث نقلاً عن السيد حسن الصدر (ت 1354) في “شرح الوجيزة” ضمن بحث معنى المتواتر ونقل الأقوال المختلفة حوله: «لا إفراط ولا تفريط فإن حديثي الغدير والمنزلة متواتر عندنا وحديث من كذب علي إلى آخره متواتر بالاتفاق» (نفسه، 201). علاوة على ذلك، ينقل المحدث من مصادر أهل السنة مثل “نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر” لابن حجر العسقلاني (ت 852)، و”الجامع الصغير” للسيوطي، و”فيض القدير” للمناوي (ت 1031)، و”قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث” أقوالاً حول تواتر هذه الرواية وإثبات نقلها، ويشير إلى أن البحث في هذا الحديث والتصريح بصحة صدوره وإثبات نقله أمر واسع جدًا. ويتابع بتوجيه القارئ إلى كتاب “الموضوعات” لابن الجوزي (ت 597) لمزيد من الاطلاع على تواتر هذا الحديث.1
مثال آخر هو حديث الثقلين، حيث يذكر المحدث أن هذا الحديث متواتر بين فرق الشيعة وأهل السنة، ويوجه المخاطب لدراسة طرقه بين الخاصة والعامة إلى بعض المصادر (نفسه، 334).
كذلك، في تعليقات “نقض”2 حول حديث المنزلة والإخاء يقول: «كل من هذين الحديثين متواتر بين المسلمين ومقبول لدى الفريقين، الخاصة والعامة». ويكتفي في هذا الصدد بتحقيق مختصر للعلامة المجلسي ويحيل من يرغب في الحصول على معلومات تفصيلية إلى المجلد التاسع من “بحار الأنوار” و”غاية المرام” ونظائرهما (حسيني أرموي، 1358ش، 1: 354-362؛ لمزيد من الأمثلة انظر: فضل بن شاذان، 1398ش، 387).
2-2. ضرورة تقييم رجال الحديث
من أهم علوم الحديث علم الرجال، الذي يتولى معرفة أحوال الرواة ورجال الحديث، ويتمتع بمكانة وموقع خاص بين العلوم الإسلامية. لهذا العلم دور قيم في تحليل وتقييم أسانيد الروايات ومعرفة صحتها وسقمها وصدورها عن المعصوم (ع) أو غيرهم من الذين ينتهي إليهم الحديث، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين.
استفاد المحدث الأرموي بشكل كبير من علم الرجال في مقدمات وحواشي وتعليقات آثاره. بالإضافة إلى ذلك، يعد كتاب “الفهرست” للرازي من الكتب التي صححها المحدث كأطروحة دكتوراه له.3 وفي مقدمته على “الفهرست” للرازي، تناول باختصار فائدة علم التاريخ استنادًا إلى القرآن والأحاديث، ثم أورد مسائل حول أهمية هذا الكتاب الرجالي. وبحسب قوله، فإن شغفه بعلم الرجال هو ما جعله يأنس بـ”الفهرست” ويراجعه مرارًا وتكرارًا حسب الضرورة أثناء تصحيح كتاب “النقض”، ومن ثم أدرك أهمية هذا الكتاب ومكانته أكثر من أي وقت مضى، وكان هذا هو الدافع الذي جعله يصحح الكتاب (انظر: الرازي، 1366ش، مقدمة المحدث الأرموي).
في بحوث وتحقيقات المحدث على الآثار التي صححها وطبعها، تبرز الدراسات الرجالية بوضوح. لدرجة أنه في مقدمة كل كتاب، ألزم نفسه بتعريف مؤلف الكتاب بحسب أهمية الكتاب ومكانة المؤلف. لذا، في بعض المقدمات، نواجه كمًا هائلاً من المطالب الرجالية. خاصة عندما يكون المؤلف من رواة الأحاديث، مثل مؤلف “الإيضاح”، ومؤلف “الغارات”، ومؤلف “المحاسن”. هؤلاء الأفراد هم من الذين ذكر المحدث عنهم معلومات رجالية كثيرة، بما في ذلك توثيقات الرجاليين التي هي سبب الثقة والاعتبار. وفي شرح آقا جمال الخوانساري على “غرر الحكم” أيضًا، وبسبب مكانة ومنزلة مؤلف الكتاب وشارحه، أجرى دراسات مفصلة في هذا المجال (انظر: خوانساري، 1366ش، 67).
علاوة على ذلك، أورد المحدث معلومات رجالية مفصلة في حواشيه وتعليقاته عن بعض الرواة الذين وردوا في سلسلة سند الأحاديث.4 على سبيل المثال، في مقدمة شرح دعاء الندبة، أثناء دراسة سند هذا الدعاء، ذكر حول وثاقة محمد البزوفري الذي لم يرد ذكره بشكل مستقل في كتب الجرح والتعديل والتراجم، عوامل أدت إلى توثيقه، وذكر أيضًا مسائل حولها استنادًا إلى بعض كتب الرجال. هذه العوامل هي:
1- اهتمام كبار المشايخ
من الشواهد التي يراها المحدث سببًا لتوثيق محمد البزوفري، اهتمام الكبار بأحاديثه وأخذهم الرواية عنه. لأنه بحسب قول العلماء المتأخرين، إذا كانت طرق الرواية صحيحة، يمكن الاعتماد على الراوي (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 185).
2- اختصاص الكنية بفرد واحد
العامل الآخر في هذا الصدد هو ذكر الكنية له، بحيث ورد في جميع روايات “الغيبة” للطوسي ذكر محمد البزوفري بالكنية والاسم، ولكن لم يُذكر كبار آخرون وأفراد مثل الشيخ المفيد وحسين البزوفري وغيرهم بالكنية. وهذا الأمر يدل على جلالته (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 189).
3- التشيع
العامل الآخر هو التصريح بكونه شيعيًا. لقد تناول المحدث مذهب جميع الرواة والمؤلفين كعامل للتوثيق. بحيث إذا لم يُشر إلى مذهب الراوي مباشرة، فإنه يحدده بذكر الشواهد والأدلة (انظر: حسيني أرموي، 1394ش، 1: 68). مثلاً، في حالة محمد البزوفري، لم يتم التصريح بكونه شيعيًا. المحدث، من خلال دراسة روايات “الغيبة” للشيخ الطوسي التي وردت عن فرقتين حول إمامة الأئمة الاثني عشر (ع)، وبالنظر إلى أن الشيخ الطوسي قبل نقل روايات الخاصة قال: «فأما ما روي من جهة الخاصة فأكثر من أن يحصي غير أنا نذكر طرفًا منه» وعند نقل أخبار العامة قال: «فمما روي في ذلك من جهة مخالفي الشيعة»، توصل إلى أن محمد البزوفري يقع في طرق روايات الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، نقل البزوفري في نفس الروايات حديث اللوح.5 المحدث، باستخدام هذه الشواهد الموجودة في “الغيبة”، يعتقد أن هذا التعبير تصريح بإماميته، ومن ناحية أخرى، هناك حالات أخرى مثل اعتماد المشايخ والترضي والترحم ودلالة مضمون الأخبار التي نقلها، مثل نقل دعاء الندبة الذي لا يصدر إلا عن معتقد بإمام الزمان (عج) والأئمة الاثني عشر، وهذا يدل على تشيع البزوفري (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 190).
4- ترحم وترضي المعصوم أو كبار الشيعة
من الشواهد الأخرى التي اهتم بها المحدث في الوصول إلى وثاقة الرواة، ومنهم البزوفري، هو الترحم والترضي. أحيانًا يكون الترحم من الإمام المعصوم (ع)، وهذا التعبير محل اهتمام الرجاليين وسبب لمدح الراوي. كما أن هذا التعبير صدر من الإمام (ع) في حق الفضل بن شاذان وكان محل اهتمام علماء الرجال (انظر: فضل بن شاذان، 1398ش، 71).
ولكن أحيانًا تكون هذه العبارات من كبار المتقدمين أو المتأخرين. وفي حالة البزوفري، الأمر كذلك؛ بمعنى أن الترحم والترضي على البزوفري هو قطعًا من المتقدمين، وكما يتضح من عبارة المجلسي والكلباسي، فإن كبار المتأخرين لا يعرفونه، فما بالك بالكتاب وأمثالهم الذين يضيفون من عند أنفسهم “رحمة الله” أو “رضي الله” في حق الكبار المعروفين. لذلك، فإن البزوفري في سند دعاء الندبة قد حظي بالترضي من قبل ابن أبي قرة وفي الأمالي من قبل الشيخ المفيد، والبزوفري من مشايخ هذين الشخصين بلا واسطة. لذا، من وجهة نظر المحدث الأرموي، هو مطلقًا مفيد للتعظيم والتجليل. خاصة وأنه جاء قبله وبعده شخصيات كبيرة أخرى، لكن الترضي والترحم اختص بالبزوفري (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 191).
5- امتلاك كتاب أو أصل دليل على المدح
المعيار الآخر في هذا الصدد هو امتلاك كتاب أو أصل. يذكر المحدث في جميع آثاره البحثية مؤلفات المؤلفين ويعرف بآثارهم. في سند دعاء الندبة، بما أن الدعاء نُقل من كتاب البزوفري، فقد ورد نقل حول امتلاك كتاب وأصل. في هذا النقل، جاء أن مدح الرجل بامتلاكه كتابًا هو أعظم من مدح من يملك أصلاً، لأن امتلاك كتاب يتضمن علوًا في العلم مع مشقة وجهد صاحبه، ويدل على اجتهاد في الدين وقضاء العمر في التحصيل. كما أن الكتاب يشتمل على استدلالات واستنباطات شرعية وعقلية. هذا في حين أن الأصل ليس كذلك، لأنه مجموعة من عبارات الأئمة (ع) دون أن تكون مصحوبة باجتهاد واستنباط. من هنا، فإن مقام صاحب الكتاب أعلى من صاحب الأصل (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 196).
6- قبول التوثيق العام
بالإضافة إلى التوثيق الخاص، أحيانًا يتم توثيق مجموعة كبيرة من الرواة تحت قاعدة وضابطة خاصة، وهو ما يُعرف بالتوثيقات العامة. وأهم هذه المجموعة هم أصحاب الإجماع. ورواة كتاب “المزار” للمشهدي (ت 610) هم أيضًا من ضمن التوثيقات العامة (الخوئي، 1413ق، 1: 51). يقبل المحدث الأرموي توثيق البزوفري لأنه روى دعاء الندبة في “المزار”، والبزوفري يُحسب من رواة “المزار”، وكذلك بالاعتماد على كلام المشهدي – الذي اعتبر جميع رواة كتابه موثوقين بشكل ما – وبالاستناد إلى كلام صاحب “المستدرك” – الذي يعتبر المشهدي موثوقًا – (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 168-166؛ لمزيد من التوضيح انظر: نفسه، 94).
3. مباني المحدث الأرموي في دراسة متن الحديث
النقد الداخلي أو المحتوائي يعني التدقيق في محتوى الحديث للتأكد من صحته. ولم يغفل الأرموي في بحوثه عن متن الأحاديث أبدًا. وقد سعى دائمًا، باستخدام علم الصرف والنحو والبلاغة، إلى تقديم معنى صحيح للأحاديث للمخاطب. على الرغم من أن هدفه الأساسي كان تصحيح المتون، إلا أن جهوده في هذا المجال توضح رؤيته في دراسة الروايات. يظهر هذا الرأي بوضوح في شرح دعاء الندبة. فهو في شرح كل عبارة من الدعاء يبدأ أولاً بمعنى الكلمات وشرحها لتقديم معنى صحيح للدعاء، ثم يستند في متن الأحاديث إلى الآيات والروايات. وفي هذا الصدد، لديه افتراضات سيتم بيانها لاحقًا.
1-3. ضرورة موافقة الحديث للقرآن
القرآن هو النص الأقطع والسند المكتوب الأحكم للمسلمين، وهو المعيار الأساسي لنقد وفهم الحديث. لذلك، من أهم الافتراضات التي يبني عليها المحدث الأرموي دراسته ونقده للأحاديث، عدم مخالفتها للقرآن. بحيث يرد كل رواية تخالف القرآن. مثلاً، في بحث تحريف القرآن، عند مواجهة الروايات التي نقلها العامة واحتج بها الفضل بن شاذان في مباحثاته الكلامية مع أهل السنة، وفي مقام تأييد كلام الفضل والدفاع عن مذهب الشيعة، يسترجع هذه الروايات من مصادر أهل السنة المعتبرة ويكتب: «الاعتقاد بمضامين أخبار تحريف القرآن، التي هي ساقطة عن درجة الاعتبار في نظر أهل التحقيق، يهدم أساس الدين ويدمر أركان اليقين، ويزيل قيمة الإسلام وبهائه، ويعكر ينابيع الأحكام، لذا يجب اللجوء إلى الله منه». ويتابع بتوجيه المخاطب إلى تفسير “آلاء الرحمن” للاستفادة من تحقيق العلامة البلاغي (ت 1352) العميق في هذا الباب (فضل بن شاذان، 1398ش، 220).
بالإضافة إلى ذلك، يستند المحدث في محتوى بعض الروايات إلى آيات القرآن. على سبيل المثال، في شرح دعاء الندبة، نلاحظ عبارات أخذها الإمام (ع) من القرآن. المحدث، مع الإشارة إلى هذه الآيات، في بيان مراد ومقصد الإمام (ع) من ذكرها، يستفيد أيضًا من التفاسير. مثلاً، في شرح عبارة «وآتيته البينات وأيدته بروح القدس»، يوضح أن هذه الجملة مأخوذة من الآيتين 85 و253 من سورة البقرة: «… وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس …». ويتابع بنقل تفسير هذه الآية من “مجمع البيان” (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 655؛ لمزيد من التوضيح انظر: نفسه، 106).
2-3. ضرورة موافقة الحديث للسنة
في آيات القرآن وكلام المعصومين (ع)، تم التأكيد على السيرة والسنة كمعيار راسخ في رفض أو قبول الأحاديث. وفي هذا السياق، جعل فقهاء ومحدثو الشيعة الكبار كلام الأئمة (ع) أساس عملهم، واشترطوا في قبول الرواية عدم مخالفتها للسنة. وقد وضع المحدث الأرموي أيضًا هذا المعيار في اعتباره كباحث حديثي. على سبيل المثال، نقل الفضل بن شاذان عن العامة رواية «أنه شرب المسكر وأمر بشربه وأنه رفع إليه إناء من شراب فقربه من فيه فقطب ومنع فدعا بماء فصبه عليه وشربه ثم قال: إذا رابكم أشربتكم فاكسروها بالماء» المنقولة عن النبي (ص). يكتب المحدث في حاشيته حول هذه الرواية: «يظهر أن أمثال هذه الروايات إنما هي من دس الوضاعين وافتراء المختلقين نظير حديث خلق الله تعالى نفسه من عرق الخيل وإلا فكيف يمكن أن يتفوه مسلم بأمثال هذه الأباطيل فضلاً من أن يرويها ويصدقها». بالإضافة إلى ذلك، يذكر أنه لم يجد مثل هذه الرواية في أي مرجع ومصدر، ومن المحتمل أن المصنف أخذها من مصادر كانت لديه. ويتابع قائلاً: «بظن قوي، هذه الرواية منسوبة إلى عمر، وقد اشتبه الأمر على المصنف أو صاحب المصدر الذي أخذ عنه المصنف. لأن نظير هذه العبارة قد نُقل عن عمر في كتب أهل السنة والجماعة». ثم، لتقوية ظنه، ينقل روايات من “الغدير”، و”كنز العمال”، و”أحكام القرآن” للجصاص، و”جامع المسانيد” لأبي حنيفة، و”مستدرك” الحاكم، تدل على شرب عمر بن الخطاب للنبيذ (الشراب) الغليظ (فضل بن شاذان، 1398ش، 270-272). على الرغم من أن المحدث لم يصرح بمخالفة متن الرواية لآيات القرآن وسنة النبي (ص)، إلا أن ما دفعه إلى اعتبار هذه الرواية مزورة هو أن متنها، بالإضافة إلى مخالفته الصريحة لآيات القرآن، يتعارض قطعًا مع سنة النبي (ص) القطعية.
3-3. ضرورة موافقة الحديث مع ضروريات الدين والمذهب
مسلمات كل دين ومذهب هي تعاليم نُقلت بالتواتر لأتباع ذلك المذهب، وأُثبتت بأدلة قوية بحيث لا يجوز الشك فيها، ولا يُحتمل أي مخالفة أو إنكار لها. على سبيل المثال، لا يقبل المسلمون أبدًا أن يرتكب النبي (ص) ذنبًا. والشيعة أيضًا لا يقبلون نسبة عمل غير لائق إلى الأئمة المعصومين (ع) (فضل بن شاذان، 1398ش، 252). يدافع المحدث الأرموي في بحوثه بجدية عن هذا المعتقد والمبدأ، ويرد أي رواية تخالفه.
على سبيل المثال، يطعن الفضل بن شاذان في العامة لنسبتهم الكذب إلى إبراهيم (ع) ويقول: «وحتى نحلتم إبراهيم (ع) الكذب في قوله بل فعله كبيرهم هذا وما فعل شيئًا فزعمتم أن هذا كذب والله عز وجل يقول وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء فزعمتم أن حجة الله كذب وقلتم إنه قال إني سقيم ولم يكن سقيما فزعمتم أن هذا القول منه كذب وأنه كان منه طاعة» (فضل بن شاذان، 1398ش، 349).
ينقل الأرموي هذه الرواية من “العرائس” للثعلبي وتفسير أبي الفتوح الرازي، ويذكر جواب العلماء والكبار في رد هذه النسبة الكاذبة. ومن ذلك، ينقل رد السيد المرتضى الرازي في “تبصرة العوام” الذي يقول: «اعلم أن من يقول بجواز أن يكذب رسول الله ثلاث كذبات، يجيز له أكثر من ثلاث. وإذا كان كاذبًا، فإنه لم يعد معصومًا ولا يمكن الاعتماد على قوله. وبالتالي، فإن إرسال رسول إلى الخلق يكون عملاً عبثيًا. لأنه في هذه الحالة، لا يكون قوله حجة. وهذا المعنى من هذه الطائفة الملحدة ليس غريبًا، حيث يقول العطوي من تلاميذ أبي الحسن الأشعري: «الكذب جائز على الله، فبالأولى على الأنبياء». في هذه الحالة، لا يوجد اعتماد لا على قول الله ولا على قول الرسول، تعالى الله عما يقولون» (فضل بن شاذان، 1398ش، 32).
يواصل المحدث بذكر رأي السيد المرتضى علم الهدى (ت 436) في هذا الشأن من كتاب “تنزيه الأنبياء”. يعتقد السيد المرتضى أن معتقدات الناس حول عصمة الأنبياء مختلفة. الشيعة الإمامية لا تجيز عليهم أي معصية، صغيرة كانت أم كبيرة، قبل النبوة أو بعدها. وعقيدتهم في الأئمة (ع) كذلك. أما الحشوية وأهل الحديث، فيجيزون ارتكاب الكبائر والصغائر من الأنبياء. بينما المعتزلة لا يجيزون إلا ارتكاب الكبائر والصغائر التي تؤدي إلى انتقاص مكانة الأنبياء بين الناس، سواء قبل النبوة أو بعدها. لكنهم في كلتا الحالتين يجيزون ارتكاب الصغائر التي لا توجب وهن الأنبياء. وفي الوقت نفسه، يعتقد الفريقان، المعتزلة والحشوية، أنه على الرغم من أن ارتكاب الكبائر والصغائر من الأئمة (في رأيهم، الإمام يعني الحاكم المسلم) ليس مستحيلاً، إلا أنه يؤدي إلى عزلهم من مناصبهم (نفسه، 42).
يقول الأرموي نفسه في هذا الصدد: «إذا استمرت هذه الأساطير والشائعات الكريهة، فلن يبقى من أساس الدين الواضح وأعمدة الشرع المحكم شيء، ولن يبقى حجر على حجر، وهذا الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، سيصبح صحراء يتيه فيها الخبراء» (نفسه، 349).
كما أنه، بالإضافة إلى اعتباره الروايات المنقولة في مصادر أهل السنة التي تحكي عن شرب النبي (ص) وعلي (ع) للخمر مزورة، يكتب: «هذه النسب التي وردت في روايات متفرقة ورواها العامة، لا توجد في كتب الشيعة. لأن الشيعة، كما يعتقدون بعصمة الأنبياء، يؤمنون بعصمة الأئمة (ع)» (فضل بن شاذان، 1398ش، 278؛ لمزيد من الأمثلة انظر: نفسه، 31، 30).
4-3. ضرورة موافقة الحديث للعقل
كان استخدام العقل كمعيار راسخ لاستبعاد الأحاديث الموضوعة شائعًا في الأوساط العلمية الشيعية، وبعد الرواة، استخدم العلماء أيضًا هذا المعيار (مسعودي، 1392ش، 260). وقد اهتم المحدث الأرموي أيضًا بهذا المعيار الهام.
في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى رواية من أصحاب الحديث والحشوية حول استجابة زليخا لطلب يوسف (ع) ومعصيته. وقد نقل المحدث نقدًا من تفسير أبي الفتوح الرازي تحت آية «ولقد همت به وهم بها» (يوسف: 34)، وهو: «هذا الكلام باطل، غير ممكن ومستحيل عندنا. لأنه بحكم القرآن والأخبار والشرع والعقل، نزه الله الأنبياء وهم معصومون ومطهرون، ولا يجوز عليهم ارتكاب الصغائر والكبائر. لأنه في هذه الحالة، لا يمكن للمكلفين امتثال أوامرهم. لذا، بما أن طاعتهم واجبة، فقد نزههم الله. فوجب أن يكونوا منزهين عن الزنا الذي هو من أكبر وأهم الذنوب والخطايا» (فضل بن شاذان، 1398ش، 33).
5-3. ضرورة علو المضامين والفصاحة والبلاغة في كلام صادر عن المعصوم (ع)
إحدى طرق معرفة الحديث هي دراسة علو مضمونه. قد يكون هذا العلو في المضمون بحيث يُعتبر صدوره من غير المعصوم أمرًا مستحيلاً. وقد أولى المحدث الأرموي اهتمامًا كبيرًا بهذا المبدأ. وهو يعتقد أنه يمكن معرفة الروايات من خلال أسلوب المتن واستنتاج صدورها أو عدم صدورها عن المعصوم (ع).
على سبيل المثال، في دراسة دعاء الندبة، يعتبر متانة الأسلوب وعلو مضامين الدعاء شاهدين ودليلين على صدور الدعاء من المعصوم (ع) واعتباره. لدرجة أنه لا يرى فائدة كبيرة حتى في ذكر السند وشرحه؛ لأن علو المضامين وفصاحة وبلاغة عباراته تدل على صحة صدوره عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، ويعتبر ذكر السند وشرحه فقط من باب اطمئنان القلب والتيمّن والتبرّك الذي كان القدماء يؤمنون به لبيان سند الأحاديث (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 145).
وفي دفاعه عن رأيه، استند أيضًا إلى مصادر أخرى وآراء الكبار في هذا الصدد. ومن ذلك، نقل رأي مؤلف “عقد الجمان” حول متانة متن الدعاء ومضامينه، ثم فسر كلام المؤلف على النحو التالي: «هذا الكلام يعني كشف اعتبار الخبر واستشمام رائحة صدوره عن المعصوم (ع) من خلال علو المضمون، واستحكام الأسلوب، ومتانة معاني الدعاء. كما يظهر عظمة وكبر مباني ومنهج العلماء الذين كانوا يوصون بذلك في كتبهم» (نفسه).
كما نقل المحدث في هذا الصدد كلام الشهيد الثاني والمحقق الداماد (ت 1388) فيما يتعلق بطرق معرفة الحديث الموضوع، حيث يكون أحدها إقرار الواضع والآخر ركاكة اللفظ وسخافة المعاني، وقال: «هذان الملاكان مهمان وراسخان لأهل العلم، لدرجة أنه إذا كان سند حديث ضعيفًا، ولكن متنه صحيح، فسيتم قبول ذلك الحديث. خاصة إذا كان يتمتع بأسلوب محكم، وبلاغة، وأسرار خفية، وكنوز العلوم ونظائرها، فإن صدوره من غير المعصوم يكون مستحيلاً» (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 139).
استشهد الأرموي على هذا القول بأحاديث من المجلد الأربعين من “بحار الأنوار”، حيث حكم العلامة المجلسي بصحة الحديث رغم ضعف السند، بسبب بلاغة الكلام وعلو المضامين (نفسه).
ولتقوية هذا الموضوع، استند أيضًا إلى كلام المامقاني والبهبهاني. جاء في كلام البهبهاني بعد ذكر قرائن الاعتماد وعلامات وثوق الرواية: «اعلم أن العلامات والقرائن كثيرة: منها قرائن على حجية الخبر، وهي أن يكون العمل أو الفتوى متفقًا عليه، أو أن يكون مشهورًا حسب الرواية أو الفتوى، أو مثل مقبولة عمر بن حنظلة، أو أن يكون موافقًا للكتاب والسنة والإجماع وحكم العقل، أو التجربة. مثل ما تم امتحانه من أثر في خصائص الآيات والأعمال والأدعية؛ ومنها قراءة آخر سورة الكهف بقصد الاستيقاظ في ساعة معينة، أو أن يكون في متن الحديث ما يشهد بصدوره عن الأئمة، مثل خطب نهج البلاغة ونظائرها وصحيفة السجادية ودعاء أبي حمزة وزيارة الجامعة الكبيرة وغيرها» (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 141).
وفي تأييد كلام البهبهاني، ذكر المحدث كلام ابن أبي الحديد حول نهج البلاغة. في جزء من بيانه ردًا على من يعتبرون بعض خطب أو رسائل أو كلمات قصار نهج البلاغة مزورة، جاء: «من أنس بالكلام والخطابة، ونال حظًا من علم البيان، وكانت له قريحة في هذا الباب، فإنه لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، والفصيح والأفصح، والكلام الأصيل والبديل… ألا ترى أننا بمعرفتنا بالشعر ونقده، إذا تصفحنا ديوان أبي تمام ووجدنا فيه قصيدة أو قصائد ليست له، فإننا بذائقتنا الأدبية سنجد أنها تخالف شعر وروح وأسلوب أبي تمام… بهذا البرهان الواضح، تبين ضلال من زعم أن نهج البلاغة كله أو جزء منه ليس منسوبًا إلى علي (ع). ثم يتابع: «عندما تتأمل في نهج البلاغة، ستجده ماءً واحدًا وروحًا واحدة وأسلوبًا واحدًا، كجسم بسيط لا تختلف حقيقة أجزائه عن بعضها البعض؛ مثل القرآن الكريم الذي بدايته كوسطه ووسطه كنهايته، وكل سورة وآية منه في المنبع والمدرسة والفن والأسلوب والنظم، مثل آيات وسور أخرى منه» (نفسه، 1: 142).
بناءً على هذا المبدأ، يتسامح المحدث في المواضع التي يكون فيها كتاب ذو مضامين عالية، ولكن وردت فيه بعض المطالب الضعيفة. شرح “شهاب الأخبار” بالفارسية، الذي اعتذر فيه عن نقل بعض المطالب الضعيفة حول المستحبات والمكروهات، واعتبرها مشمولة بقاعدة التسامح في أدلة السنن، هو مثال على ذلك (قضاعي، 1361ش، 12؛ لمزيد من التوضيح انظر: 78).
وفي مقدمته على شرح “مصباح الشريعة” بالفارسية، الذي صححه بعد عدة سنوات من شرح “شهاب الأخبار” بالفارسية، وبالنظر إلى اختلاف آراء العلماء حول اعتبار الكتاب والاستفادة منه، يعتقد أنه على الرغم من أن الكتاب يختلف إلى حد ما في أسلوبه عن سائر أخبار الأئمة (ع) ويشبه أسلوب كلمات العرفاء والمتصوفة، إلا أنه بما أن غالبية مضامينه تتوافق مع الأخبار والآيات من حيث المعنى، واشتماله على مصطلحات صوفية ليس بالحد الذي لا يمكن نسبته إلى الإمام الصادق (ع)، وبعض مصطلحاته قابلة للتوجيه والتأويل، ومن ناحية أخرى، موضوع الكتاب هو الأخلاق والآداب والمواعظ والنصائح وغيرها، فإنه يمكن أن يشمله قاعدة التسامح في أدلة السنن التي يمكن بموجبها قبول الأخبار الضعيفة وتكون موضع عمل وقبول بالإجماع، مع إبقاء نسبتها إلى الإمام في محلها وإن لم تصل إلى حد الثبوت. لذلك، لا يمكن ترك الكتاب جانبًا لمجرد ذكر أقوال منقولة عن الإمام من قبل ربيع بن خثيم وأمثاله. لذا، يجب وضعه في بوتقة الإجمال، والاكتفاء بمجرد نسبته إلى حضرته. وإن لم نعتبر نسبته مسلمة، لكن يجب أن نستفيد من كلماته الحكيمة ومواعظه المفيدة، ونعمل بموجب الأمر العقلي «انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال». خاصة وأن كل ما نُقل في هذا الكتاب يتعلق بتهذيب وتزكية النفس (جيلاني، 1366ش، 14).
6-3. ضرورة تأويل بعض الأحاديث
معنى معظم الأحاديث واضح، والناس عامة الذين هم مخاطبو الأحاديث يفهمون مقصودها، ولكن كما أن بعض آيات القرآن الكريم متشابهة وتحتاج إلى تأويل، ففي الأحاديث أيضًا يوجد محكم ومتشابه، وكل حديث متشابه يحتاج إلى تأويل. المراد من تأويل الحديث هو انصراف وعدول عن ظاهر الحديث بسبب دلالات عقلية أو نقلية (مدير شانه چي، 1385ش، 186).
أخذ المحدث هذا المبدأ في الاعتبار في دراسة الحديث، وإذا احتاج متن خبر إلى تأويل، أشار إليه. في معنى الرواية النبوية «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»، استند المحدث إلى أمالي السيد المرتضى ونقل كلامه حول تأويل هذا الخبر. يعتقد السيد المرتضى أن للخبر تأويلين: 1- يعتقد البعض أن معنى الرواية هو أن الدهر ليس له فعل أو أثر، والله هو الذي يدبره ويتصرف فيه. فالرواية تعني: «إن الله هو مصرف الدهر» أو «إن الله هو مدبر الدهر». 2- يعتقد البعض أن خطاب رسول الله (ص) في هذا الحديث موجه إلى الأعراب الذين كانوا معتادين على نسبة المصائب والأمراض والجفاف وغيرها من الأمور إلى الدهر. مقصود النبي (ص) هو أن الله هو علة هذه الأمور، وعندما تسبون الدهر بسبب هذه الأمور، فإنكم تسبون الفاعل الحقيقي، أي الله. يفضل السيد المرتضى هذا التأويل على التأويل الأول.
بعد ذكر هذا الكلام، قال الأرموي: «شبيه بمضمون هذه الرواية أبيات فارسية تنسب الحوادث إلى الزمان، مثل: الزمان هو الذي يعز ويذل، والفلك اللاعب له من هذه الألعاب الكثير» (فضل بن شاذان، 1398ش، 9).
كما قال عن هذا الحديث: «الحديث مشهور وتأويله أيضًا وليس محمولاً على ظاهره» (نفسه، 182).
7-3. لزوم الاستفادة من الشواهد النقلية في إحراز صحة الحديث
من المبادئ الأخرى التي اهتم بها المحدث الأرموي في دراسة متن الحديث، لزوم الاستفادة من الشواهد النقلية، بالإضافة إلى الشواهد العقلية. هذا المبدأ يستند إلى أقوال الكبار التي ينقلها. على سبيل المثال، تحت رواية «ما كنا نبعد أصحاب محمد أن السكينة تنطق على لسان عمر وكان ملك بين عينيه يوفقه ويسدده» (فضل بن شاذان، 1398ش، 307)، يذكر أنه يتضح من كلمات علماء العامة ومراجعة كتبهم أن هذه الرواية مسلمة ومقبولة عندهم. وفي نقد هذه الرواية ومضمونها، يكتب: «أما علماء الشيعة فلا يقبلونها بل يزيفونها ويكذبونها ويستدلون على بطلانها بدلائل عقلية وشواهد نقلية»، ثم يذكر الشواهد النقلية. ويورد جواب السيد المرتضى في “الشافي” على هذه الرواية، حيث يقول: «صحة هذا الخبر تستلزم عصمة عمر، في حين لم يعتقد أحد به هذا الاعتقاد. بالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن الاعتقاد بأن الحق يجري على لسان شخص يغير رأيه في الأحكام ويشهد على خطأه، وعندما يعارض في أمر ما، يرجع عن حكمه ورأيه ويوافق مخالفه، ويقول: «لولا علي لهلك عمر» و «لولا معاذ لهلك عمر»؟ ولماذا لم يحتج عمر نفسه بهذا الخبر في المواقف التي كان بحاجة إليه فيها؟» (فضل بن شاذان، 1398ش، 308).
8-3. لزوم موافقة الحديث مع التاريخ المعتبر
من المبادئ الأخرى للأرموي في دراسة متن الحديث، الاهتمام بموافقته للتاريخ. وقد راجع في دراسته الحديثية العديد من الكتب التاريخية وتحقق من كثير من الروايات فيها. إن تطبيق بعض الروايات على التاريخ هو وسيلة لتقييم صحتها وسقمها.
على سبيل المثال، في الجزء الذي أورد فيه الفضل بن شاذان اعتراضات الصحابة على عثمان، نقل رواية طويلة ذكر فيها الحسن بن عمر العوفي، ضمن سرده لواقعة مفصلة، كلامًا مشهورًا لأبي بن كعب: «… فوالله ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ يوم قبض رسول الله (ص) …» (فضل بن شاذان، 1398ش، 376).
تحقق المحدث أولاً من هذه الرواية في مصادر شيعية وسنية مختلفة مثل “المسترشد” لأبي جعفر الطبري الشيعي، و”البحار” للعلامة المجلسي، و”طبقات ابن سعد”، و”مستدرك” الحاكم النيسابوري، و”صفة الصفوة” لابن الجوزي. كما أشار إلى نقل هذه الرواية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من رسالة للزيدية، وأكد على أن ابن أبي الحديد وأستاذه أبو جعفر يحيى بن محمد العلوي، استندا إليها لجواز لعن الصحابة الذين ثبت فسقهم. ثم يخبر عن الاختلاف في تاريخ وفاة أبي بن كعب، حيث ذُكر تاريخان له في مصادر أهل السنة: سنة 22 في خلافة عمر، وسنة 30 في خلافة عثمان. وقد سمى البعض مثل ابن سعد والحاكم القول الثاني بـ«أثبت الأقاويل»، لكن ابن عبد البر قال في “الاستيعاب”: «الأكثر أنه مات في خلافة عمر». لا يرى المحدث الأرموي كلام ابن عبد البر صحيحًا ويقول: «أواخر خلافة عثمان كانت زمن اعتراض أشخاص مثل أبي بن كعب، وفي زمن عمر لم تكن الظروف مهيأة لمثل هذه الاعتراضات» (فضل بن شاذان، 1398ش، 374-380؛ لمزيد من الحالات انظر: 114).
4. مبدأ المحدث الأرموي في دراسة منشأ الحديث: الاعتقاد بضرورة أخذ الحديث من المصادر المعتبرة
كانت معظم انتقادات المحدثين الأوائل موجهة إلى الكتاب، وليس إلى سند الحديث. وتوضيح ذلك: كلما كان المصدر أضعف وحكم علماء الكتب عليه أكثر سلبية، قل اطمئناننا إلى الحديث. من هنا، فإن معرفة حكم مدوني الفهارس وعلماء الرجال في تحديد الكتاب ومؤلفه أمر مهم ويوفر أرضية لنقد رواياته. إن عدم وضوح طريق وصول الكتاب إلينا، أو عدم معرفة النسخة الأصلية، وعدم التعريف الصحيح والواضح للمؤلف، يوفر أيضًا أرضية لإضعافه، على الرغم من أن الطريق طويل إلى حد اعتبار كتاب بأكمله مزورًا، ويتطلب وجود علامات أخرى (محمدي ري شهري، 1397ش، 2: 57).
وقد اهتم المحدث الأرموي أيضًا بهذا الأمر الهام وجعله مبدأ في دراسته الحديثية. والجدير بالذكر أن المصادر والمآخذ التي استخدمها في تحقيق المخطوطات ودراسة الحديث كثيرة جدًا. لدرجة أن هذا العدد في شرح دعاء الندبة يبلغ 488 مصدرًا. وقد استفاد، حسب الموضوع، من مصادر شيعية معتبرة ومشهورة، وحتى من مصادر أهل السنة المعتبرة واستند إليها. لقد كان للمحدث دقة ووسواس كبير في دراسة الكتب واعتبارها ونسبتها إلى مؤلفيها. وهذه الجهود الوافرة في المقدمات التي كتبها للكتب واضحة تمامًا. لدرجة أنه في بعض الكتب ذات الأهمية الأكبر، تكون تحقيقات المحدث في المصادر أكثر عمقًا.
وقد اعتبر في هذا الصدد اهتمام وعناية كبار العلماء بالكتب معيارًا لاعتبارها. على سبيل المثال، تحقق من أحاديث “المحاسن” في “بحار الأنوار” وأحاديث “الغارات” في “بحار الأنوار” و”شرح ابن أبي الحديد” وغيرها. كما ذكر أسماء من نقلوا من “الغارات” في كتبهم بوساطة أو بدونها. علماء مثل ابن أبي الحديد المعتزلي في “شرح نهج البلاغة”، والحسن بن سليمان الحلي في “مختصر البصائر”، والشيخ الحر العاملي في “الوسائل” و”إثبات الهداة”، والعلامة المجلسي في “بحار الأنوار”، والمحدث النوري في “المستدرك” و”نفس الرحمن”، والمحدث القمي في بعض كتبه، رووا من “الغارات” بدون واسطة. وهناك العديد من الأفراد مثل حبيب الله الخوئي (ت 1413) في “منهاج البراعة على نهج البلاغة”، والمامقاني في “تنقيح المقال”، والعلامة الأميني (ت 1390) في “الغدير”، والسيد مرتضى العسكري (ت 1428) في “أحاديث عائشة” وغيرهم، نقلوا أيضًا من هذا الكتاب بوساطة (ثقفي، 1395ش، 1: 88).
مثال آخر على اهتمام المحدث بهذا المبدأ، يظهر تحت رواية تتعلق بعداوة خالد بن الوليد لأمير المؤمنين وعزمه على قتله. يقول في هذا الصدد: «هذه القضية معروفة وفي كتب الفريقين، ومنها “علل الشرائع”، و”الاحتجاج”، و”تفسير علي بن إبراهيم”، و”كتاب سليم بن قيس”، و”غاية المرام”، و”بحار الأنوار”، و”شرح ابن أبي الحديد”» (فضل بن شاذان، 1398ش، 156-158)، تم نقل هذه الواقعة وردها.
في موضع آخر، في رسالة “شرح أخبار الطينة”، تحت 10 روايات شرحها آقا جمال الدين الخوانساري، أشار أولاً إلى وجود الرواية في “الكافي”، ثم أحال إلى “مرآة العقول” بذكر رقم المجلد والصفحة، ونقل سند الحديث كاملاً (انظر: خوانساري، 1366ش، 6: 498-555). وفي دراسة سند دعاء الندبة، أشار أيضًا إلى اعتبار المصادر التي نقلت الدعاء، ثم انتقل إلى شرحها وتبيينها (حسيني أرموي، 1394ش، 1: 158).
5. الخلاصة
أدى تحليل ودراسة مباني المحدث الأرموي في دراسة الحديث في مجالات السند والمتن والمنشأ إلى النتائج التالية:
1- على الرغم من أن الدراسات أظهرت أن مباني المحدث الأرموي في دراسة الحديث تتوافق غالبًا مع مباني المحدثين الآخرين، إلا أنه نظرًا لأهمية الوعي بهذه المباني في تبيين منهج المحدث في تصحيح المتون الحديثية، فإن استخلاصها ضروري. في الواقع، دراسة الحديث نفسها هي أساس تحقيق المخطوطات. وضمن هذا، يظهر هذا التوافق مكانة هذه المباني وأهميتها في جميع العصور، بحيث التزم بها المتقدمون والمتأخرون والمعاصرون، واستندوا إليها دائمًا في تقييماتهم.
2- سعى المحدث الأرموي في مواجهة الروايات المنسوبة إلى أهل البيت (ع) إلى قبول الرواية أو رفضها بالدليل. من هنا، فإن دقة نظره وتتبعه الواسع في جميع جوانب الحديث واضحة. كما قام بتحليل وتقييم الحالات المختلفة للأسانيد من حيث الاتصال أو الانقطاع، وكذلك أحوال الرواة. لذا، يمكن القول إن ضرورة إحراز السند من المعصوم، وكذلك تقييم رجال السند وكيفيته، من مباني المحدث الأرموي في دراسة السند.
3- على الرغم من أن الهدف الأساسي للمحدث كان تصحيح المتون، إلا أنه بذل جهودًا ملحوظة في فهم ودراسة المتن أيضًا. على سبيل المثال، اهتم بمعاني الكلمات وشرح المفردات، واستند في متن الحديث إلى الآيات والروايات والأدلة العقلية وغيرها. من هنا يمكن القول إن ضرورة موافقة الحديث مع القرآن والروايات والعقل وضروريات الدين والمذهب هي من مباني ومعايير اهتمامه في تقييم متن الأحاديث. ومن المبادئ الهامة الأخرى من وجهة نظره في هذا الصدد، الاعتقاد بضرورة علو المضامين وفصاحة وبلاغة الكلام الصادر عن المعصوم. وبناءً على هذا المبدأ، إذا كان كتاب ما يحتوي على مضامين عالية، ولكن نُقلت فيه مطالب ضعيفة، خاصة المتعلقة بالمستحبات والمكروهات التي لم يثبت اعتبارها، فإنه يعتبرها مشمولة بقاعدة التسامح في أدلة السنن.
4- من الأمور الأخرى التي اهتم بها المحدث الأرموي في دراسة الحديث، أهمية أخذ الحديث من المصادر المعتبرة. والدليل على هذا القول هو الرجوع إلى 488 مصدرًا في شرح دعاء الندبة و400 مصدر في تصحيح “الإيضاح”. من هنا، يمكن القول إن هذا الأمر جزء من المبادئ التي اهتم بها في دراسة منشأ الحديث.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- ثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات، محقق ومصحح: سيد جلال الدين حسيني أرموي، طهران، انجمن آثار ملي، 1395ق.
- جهان بخش، جويا. «آشنایی با مصححان و محققان: مرحوم محدث ارموی احیاگر میراث تشیع». آینه میراث 2، 5 و 6(1378): 73-83.
- حسيني أرموي، سيد جلال الدين، تعليقات نقض، طهران، انجمن آثار ملي، 1358ش، شرح دعای ندبه، به اهتمام: رضا استادي؛ محسن احمدي تهراني، قم، کتابخانه تخصصی علوم حديث، 1394ش.
- حسيني أشكوري، احمد، تراجم الرجال، قم، کتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، 1414ق.
- خوانساري، محمد بن حسين، شرح آقا جمال خوانساري بر غرر الحکم و دررالکلم، محقق و مصحح: جلال الدين حسيني ارموي محدث، طهران، دانشگاه تهران، چاپ چهارم، 1366ش.خويي، ابوالقاسم، معجم الرجال الحدیث و تفصيل طبقات الرواة، بيجا، بینا، 1413ق.
- رازي، علي بن عبيدالله، فهرست أسماء علماء شيعه و مصنفيهم، محقق: سيد جلال الدين حسيني ارمــوي بــه کوشش سمامي حائري، محمد؛ مرعشي، محمود، قم، کتابخانه عمومی آيت الله مرعشي نجفي، 1366ش.
- رحمان ستایش، کاظم، آشنایی با علم رجال، قم، دارالحدیث، چاپ دوم، 1397ش.
- شریفی، محمد، علي محمد ميرجليلي و علیرضا لکزایی، «روش و مبانی فهم حدیث علامه مجلسی در کتاب السماء و العالم». مطالعات فهم حديث 5، 10(1398): 239-259. /10.30479 :doi
2019.1619 - صدرایی خویی، علی، «سید جلال الدین محدث ارموی»، میراث حديث شیعه، 12(1383): 447-459.
- فضل بن شاذان، ابو محمد، الإيضاح، مصحح: سید جلال الدین حسینی ارموی، طهران، دانشگاه تهران، چاپ چهارم، 1398ش.
- قضاعی، محمد بن سلامه، شرح فارسي شهاب الأخبار، مصحح: سيد جلال الدین حسینی ارموی، طهران، مرکز انتشارات علمی و فرهنگی، 1361ش.
- کلینی، محمدبن یعقوب، الکافی، طهران، دار الکتب الاسلامیه، 1407ق.
- گیلانی، عبدالرزاق محمد بن هاشم، شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة، مصحح: سید جلال الدین حسینی ارموی، طهران، صدوق، 1366ش.
- محمدی ری شهری، محمد، شناخت نامه حدیث، قم، دارالحدیث، 1397ش.
- مدیر شانه چی، کاظم، علم الحديث، قم، دفتر انتشارات اسلامی، 1385ش.
- مسعودی، عبدالهادی، روش فهم حدیث، طهران، سمت، چاپ هفتم، 1392ش.
- میر جلیلی، علي محمد، حسن رضایی هفتادر، و یاسر ملکی، «پیش فرض ها و مبانی فهم و نقد روايات از دیدگاه امام خمینی (ره)». مطالعات فهم حديث 4، 7(1396ش): 55-79. /10.30479 :doi mfh.2018.1302
الهوامش
1 نفسه، 202. ذكر المحدث أن هذا الحديث متواتر في تعليقاته على “نقض” أيضًا، وأحال إلى مصادر متنوعة. انظر: أرموي، تعليقات نقض، 2: 1126.
2 كتاب “نقض” تأليف عبد الجليل القزويني الرازي من الآثار الفارسية المتبقية من القرن السادس الهجري، وهو ذو أهمية من جوانب مختلفة مثل اشتماله على معلومات تاريخية وجغرافية. وقد طُبع هذا الكتاب مع تصحيح وتعليقات المحدث الأرموي.
3 كتاب “فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم” تأليف منتجب الدين الرازي، من علماء الشيعة في القرن السادس، وفيه قائمة بأسماء علماء الشيعة وكتبهم.
4 يمكن ملاحظة هذه المعلومات الرجالية في تعليقات “الإيضاح” و”تعليقات الغارات”. كما كتب تعليقات مفصلة على “الفهرست” للرازي وأورد شرحًا مفصلاً لحال الأشخاص المذكورين في متن الكتاب.
5 حديث لوح السيدة فاطمة الزهراء (س) من الأحاديث المنقولة عن النبي (ص) لإثبات إمامة الأئمة الاثني عشر للشيعة (لمشاهدة الحديث، انظر: الكليني، 1407ق، 1: 527).