الملخص: لقد مرّ فهم الحديث وتقييمه بمنعطفات مختلفة في العالم الإسلامي منذ القرن الهجري الأول. وعلى الرغم من ذلك، يسود اليوم تصور بأن المعيار الذي اعتمده العلماء المسلمون على مر القرون لتقييم الأحاديث كان يركز بشكل أساسي على رجال السند ودراسة أحوال الرواة، في حين أن المعطيات التاريخية لا تدعم حصر المنهج في ذلك. تهدف هذه المقالة إلى استكشاف الخلفيات التاريخية لفهم الحديث القائم على المصدر لدى الإمامية وأهل السنة، وتقديم صياغة منهجية للطريقة التي اتبعها المحدثون المتقدمون. في هذا السياق، نتناول في الخطوة الأولى مسألة انتقال الأحاديث بشكل مكتوب لدى المحدثين المتقدمين، وندرس حصة الانتقال المكتوب في تاريخ حديث الفريقين من خلال استعراض أحدث آراء العلماء المسلمين والمستشرقين. وفي الخطوة الثانية، وفي سياق تحليل المكتشفات التاريخية للخطوة الأولى، نقوم بصياغة منهجية لفهم الحديث القائم على المصدر في ثلاث مراحل: “النقد الخارجي”، و”إثبات حجية الكتاب”، و”النقد الداخلي”. ونوضح بالأدلة التاريخية أن المراحل الثلاث جميعها كانت متبعة لدى محدثي الإمامية المتقدمين، خاصة في القرون من الثالث إلى الخامس الهجري. أما لدى محدثي أهل السنة، فقد اقتصر الأمر على استخدام “النقد الخارجي” و”النقد الداخلي”، مما جعل منهجهم في فهم الحديث القائم على المصدر ناقصًا.
١. مقدمة
المشهور بين العلماء المسلمين أن القرآن الكريم قطعي الصدور، بينما الأخبار والروايات ظنية الصدور. هذه المسألة هي التي دفعت إلى بدء الجهود لتقييم الروايات منذ القرون الإسلامية الأولى، وأثمرت هذه الجهود عن ظهور خطاب الإسناد وعلم الرجال. مع ذلك، يبدو أنه في القرون الأربعة الأولى، التي شهدت ذروة خطاب الإسناد وعلم الرجال، كان هناك معيار آخر يُعتمد في تقييم الروايات إلى جانب علم الرجال، وهو ما نسميه في هذا البحث “فهم الحديث القائم على المصدر”، والمقصود به هو تقييم درجة اعتبار حديث فردي بالاستناد إلى درجة اعتبار مصدره المكتوب. إن استخدام هذين المعيارين معًا كان من شأنه أن يتيح تقييم اعتبار الروايات بمزيد من الاطمئنان.
يطلق آية الله المددي على هذا المعيار اسم “التبيين الفهرسي”، ويرى أنه كان موجودًا فقط لدى محدثي الشيعة، ولم يكن مطروحًا لدى محدثي أهل السنة. (المددي الموسوي، ١٣٩٤: ٧٧-١٣٨) وقد رحبت مجموعة من الباحثين بهذه الرؤية وأخضعوها لمزيد من الدراسة (راجع: خداميان الآراني، ١٣٨٩: ٢١/١-١١٢؛ ملكيان، ١٣٩٤: ٩/١-٩٣)، بينما عارضتها مجموعة أخرى، معتبرة أن استنتاجه لا يتوافق مع تاريخ حديث الشيعة وأهل السنة. (للاطلاع على آراء بعض المعارضين، راجع: أنصاري، ١٣٩٦: ٢٧-٢٨؛ حب الله، ٢٠١٧: ٨١/٣-١٢٥).
١-١. المنهجية
على الرغم من كل الجهود التي بُذلت لتوضيح هذا المعيار والرد على المعارضين (للاطلاع على إحدى هذه المحاولات، راجع: ميرزائي، ١٣٩٨، كل الكتاب)، إلا أن ثمة فراغين في الدراسات المنجزة: الأول، هو أنه لم يتم بحث ومقارنة الخلفيات التاريخية التي أدت إلى نشوء هذا المعيار في فهم حديث الإمامية وأهل السنة كما ينبغي. والثاني، هو أنه لم يتم حتى الآن دراسة علاقة هذا المعيار من الناحية المنهجية بسائر الأساليب العلمية في نقد النصوص.
ما توصل إليه هذا البحث لصياغة المنهج الذي اتبعه المحدثون المسلمون المتقدمون هو أن فهم الحديث القائم على المصدر كان يتم في ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، بعد تحديد “المصدر” الذي ورد فيه الحديث، يتم التعرف على مؤلف هذا المصدر المكتوب وإثبات نسبة المصدر إليه. وفي المرحلة الثانية، يتم بحث الحجية الشرعية للمصدر المذكور وإثبات الحجية المجموعية لكل رواياته المفترضة. وفي المرحلة الثالثة، من خلال التعرف على التحارير المختلفة لهذا المصدر المكتوب ودرجة اعتبار كل منها (بمعنى صحة نسبتها إلى المؤلف)، يتم إثبات نسبة الحديث موضع البحث إلى مؤلف المصدر. ومن الواضح أن الافتراض المسبق لهذه المراحل هو الانتقال المكتوب للروايات.
وفقًا للمصطلحات المتداولة في مجال دراسات نقد النص، التي ظهرت منذ القرن التاسع عشر الميلادي نتيجة لتشكل منهجية علم التاريخ في الغرب، فإن المرحلة الأولى تتطابق مع “النقد الخارجي”، والمرحلة الثالثة تتطابق مع “النقد الداخلي”. (للتوسع حول هذا المجال الدراسي، راجع: مارشال، ١٣٧٢: ٥٥-١٧٤).
يكمن وجه الاختلاف بين دراسات نقد النص وفهم الحديث القائم على المصدر أولاً في المرحلة الثانية، التي نسميها “إثبات حجية الكتاب”، والتي تستند إلى الكشف عن الحجية الشرعية لكتاب مؤلف ما، ولا معنى لها إلا في السياق الديني الداخلي. وثانياً، في مكانة التقييم المحتوائي؛ حيث إن هذا الأمر في دراسات نقد النص يتم في مرحلة النقد الداخلي، بينما في فهم الحديث القائم على المصدر، يمكن أن يُطرح كأداة لأي من المراحل الثلاث المذكورة، وذلك بحسب درجة تطابق المحتوى مع التعاليم المسلّم بها لدى المحدث. (للتوسع حول التقييم المحتوائي، راجع: حسيني وحمادي، ١٣٩٣، كل الكتاب؛ سيد شبيري وقناعتكر، ١٣٩٨: ٩١).
٢-١. هيكل البحث
في ما يلي من هذا البحث، نعتزم، بناءً على المنهج المصوّر، مقارنة حصة هذا المعيار في تقييم روايات الشيعة وأهل السنة. ولهذا الغرض، نبحث في الخطوة الأولى مسألة حصة الانتقال المكتوب للسنة النبوية مقارنة بالانتقال الشفاهي لدى الشيعة وأهل السنة. ومن هنا، سنبحث أولاً في كون مصادر المجاميع الحديثية للفريقين شفهية أم مكتوبة، ونطرح أحدث آراء الباحثين المسلمين والمستشرقين في هذا الخصوص. وفي الخطوة التالية، من خلال إعادة قراءة المسار التاريخي لتدوين ونقل السنة النبوية لدى الشيعة وأهل السنة، سنتتبع خلفيات فهم الحديث القائم على المصدر لدى الفريقين.
٣-١. أهمية المسألة
إن إثبات وجود هذا المعيار في تقييمات المحدثين يمكن أن يكشف عن ضعف نظريات مثل “تبديل السند” (للتوسع حول هذه النظرية، راجع: الصدر، ١٤٠٨: ٢٣٨/٣-٢٦١)، ومن خلال إيجاد فهم أدق لكلام المتقدمين، يمكن أن يضع حداً للنقاشات حول بعض المباحث الفرعية، ومنها دلالة مقدمة “كامل الزيارات” على توثيق مشايخ ابن قولويه. (للاطلاع على النظريات في هذا الخصوص، راجع: السيستاني، ١٤٣٧: ٨٩/١-١٢٤).
٢. خلفية النقاش حول الانتقال الشفاهي أو المكتوب للحديث
منذ زمن بعيد، يعتقد غالبية علماء أهل السنة والباحثين الغربيين، استنادًا إلى وجود روايات تنهى عن كتابة الحديث، أن الحديث لم يُكتب في القرن الهجري الأول. (ابن سعد، ١٤١٠: ١٤٣/٥؛ الدارمي، ١٤١٢: ٤١٢/١-٤٢٨؛ للاطلاع على تاريخ هذه الرؤية لدى الباحثين الغربيين، راجع: پاكتچي، ١٣٩٢: ٥٤/١-٥٦). ومن بين المستشرقين البارزين في هذا المجال يمكن الإشارة إلى “جولد تسيهر”، الذي لاقت نظريته حول التأخر في تدوين الحديث رواجًا كبيرًا. فقد أعاد تدوين النصوص الحديثية إلى نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث، مستندًا إلى روايات كثيرة من صدر الإسلام تعارض كتابة الحديث، وإلى أن المجاميع الحديثية المعتبرة لا تشير إلى مصادر مكتوبة سابقة لها، وأن ألفاظًا مثل “أخبرني” و”حدثني” تدل على النقل الشفاهي. (نيل ساز، ١٣٩١: ١٣٤؛ پارسا، ١٣٨٧: ٣٣-٣٥).
ومع ذلك، منذ منتصف القرن العشرين، أظهر “فؤاد سزكين” في رسالته للدكتوراه باللغة التركية بعنوان “مصادر البخاري”، التي أجرى فيها بحثًا حول المصادر المكتوبة لكتاب “صحيح البخاري”، أنه على الرغم من وجود روايات تنهى عن الكتابة، فإن تدوين الحديث بدأ بين عامة المسلمين منذ القرن الأول، وأن أسانيد الروايات كانت تتضمن أسماء مؤلفي الكتب. وقد بيّن أدلته على هذه الرؤية في كتابه “تاريخ التراث العربي” الذي ألفه باللغة الألمانية. ولإثبات دعواه، استند إلى فئتين من الأدلة:
أ) الروايات والتقارير من تاريخ صدر الإسلام التي تظهر أن تدوين الحديث كان شائعًا بين الصحابة والتابعين.
ب) الأدلة التي تظهر أنه منذ النصف الثاني من القرن الأول، لم يكن يُكتفى بالسماع والقراءة لتحمل الحديث، بل كانت تُستخدم إلى جانبهما طرق “المكاتبة” و”المناولة” وما شابهها. (سزكين، ١٤١١: ١١٨/١-١٥٢؛ آقائي، ١٣٩٤: ٢٧٦-٢٧٧).
يرى سزكين أن الأسانيد الموجودة في بداية الروايات لا تدل على الرواية الشفهية، بل إن هذه الأسماء تشتمل على أسماء المؤلفين والرواة الذين أجازوا المصدر المكتوب للحديث. ويذكر كمثال على ذلك أن الطبري في تفسيره قد نقل من “تفسير مجاهد” الذي وصل إلينا، بسند: “حدثنا محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد”. (سزكين، ١٤١١: ١٤٧/١).
أحد إنجازات سزكين الأخرى هو تقديمه طريقة للمقارنة المنهجية للأسانيد. فئة من رجال سند الأحاديث هم المؤلفون الذين كانوا يجمعون المواد من مصادر متنوعة، وفئة أخرى هم الرواة المحضون الذين كانوا ينقلون هذه المجاميع في دروسهم. يعتقد سزكين أن آخر اسم مشترك في سلسلة أسانيد ذات حلقات ابتدائية متشابهة يمثل المؤلف المباشر لمصدر معين لكتاب مفترض. (المصدر نفسه، ١٥٠-١٥١).
في العقود الأربعة التي تلت رؤية سزكين، وجهت الأبحاث المختلفة إشكالين أساسيين لعمله:
الأول: أن النسخ المكتشفة حديثًا من الكتب تظهر اختلافات، قد تكون جادة أحيانًا، مع المواد المنقولة في المجاميع الروائية التي يدعي سزكين أنها مأخوذة من هذه النسخ. ومثال على ذلك، الاختلاف بين النسخة الخطية لـ”تفسير مجاهد” والمواد المنقولة عن مجاهد في “تفسير الطبري”.
الثاني: أن الاختلاف الكبير بين التحارير المتبقية من بعض الآثار، مثل “سيرة ابن إسحاق”، لا يتوافق مع نظرية النقل الحرفي للكتب، أو حتى نقلها بالكامل، والتي يعتقد سزكين أنها بدأت في وقت مبكر جدًا في نقل المعرفة. (نيل ساز، ١٣٩٣: ٣٣٠-٣٣١).
في هذا السياق، سعى “جريجور شولر” إلى تقريب وجهتي النظر المتضادتين لسزكين وجولد تسيهر من خلال تقديم رؤية جديدة. يعتقد شولر أن الجدل حول النقل الشفاهي مقابل النقل المكتوب في القرون الأولى نابع من عدم الالتفات إلى خصائص النظام التعليمي في الإسلام. هذا النظام كان يعتبر أن أفضل طريقة لتعلم العلم هي السماع من الأستاذ، ولم يكن يعتد كثيرًا بالنسخ المحض من المدونات. لذلك، كان النقل الشفاهي والمكتوب طريقتين متكاملتين. في هذا النظام، يمكن أن يكون سبب ظهور تحارير مختلفة لعمل واحد هو أن الأستاذ قدم المواد بأشكال مختلفة في مجالس درس مختلفة، أو أن مدونات الطلاب كانت مختلفة عن بعضها البعض. (نيل ساز، ١٣٩١: ١٣٧-١٤٢).
يواصل شولر في رؤيته الإشارة إلى الفرق بين المذكرات الشخصية التي يعدها الأستاذ للتذكير أثناء إلقاء الدرس، والآثار المهيكلة التي يتم تأليفها بشكل منظم. في اللغة اليونانية، يُطلق على النوع الأول “هيبومنيما” (Hypomnema) وعلى النوع الثاني “سينجراما” (Syngramma). يرى شولر أن المصادر المكتوبة لمؤلفي المجاميع الأولى كانت في الغالب من نوع “هيبومنيما” ومذكرات شخصية، وأن العلماء المسلمين حتى أواخر القرن الثاني، بل وأوائل القرن الثالث، لم يكونوا يعطون آثارهم شكلاً نهائياً ومستقراً. بالطبع، هناك أدلة موثوقة على أن بعض العلماء، منذ الفترات الأولى، كانوا يعطون أعمالهم، أو على الأقل نسخة منها، شكلاً نهائياً ويؤلفون كتباً من نوع “سينجراما”. يرى شولر أن هاتين الفئتين من المدونات كانتا قابلتين للنشر سواء في مجالس الدرس بطريقة السماع والقراءة، أو عن طريق النسخ. (المصدر نفسه، ١٤٢-١٤٥).
نقطة أخرى حظيت بالاهتمام في رؤية شولر هي أنه، على عكس رأي سزكين، لا يمكن التمييز بدقة بين المؤلفين والرواة، على الأقل في الفترة المبكرة؛ لأنه حتى القرن الثالث، كان معظم الرواة يقومون بتصحيح النصوص التي يروونها أو يضيفون إليها مواد، وكانوا بشكل عام مؤثرين جدًا في تشكيل الآثار. بالطبع، تضاءلت هذه التغييرات تدريجيًا وتوقفت تمامًا في منتصف القرن الرابع. (المصدر نفسه، ١٤٦؛ للاطلاع الكامل على رؤية شولر وأدلته، راجع: شولر، ١٣٩١، كل الكتاب).
من بين المستشرقين الآخرين الذين قدموا آراءً قيمة في هذا المجال، “هارالد موتسكي”، الذي لديه انتقادات لمنهج سزكين ويرى ضرورة إدخال بعض الإصلاحات على رؤيته. يقول في مقال له حول تأريخ كتاب “موطأ مالك”: “لقد توصلت في أبحاثي حول تقاليد نقل الحديث إلى نتيجة مفادها أنه، على الرغم من النقل غير الرسمي للحديث شفهيًا، فإنه مع تنظيم نظام التعليم منذ النصف الثاني من القرن الأول، أصبح التدوين المكتوب للأحاديث شائعًا ومعتادًا. وكانت أشكال هذا التدوين المكتوب مختلفة أيضًا. كان الطلاب أحيانًا يدونون الدروس أثناء التعلم، وأحيانًا يكتبونها بعد الدرس، أو يكتبونها بإملاء من الأستاذ بدقة وعناية، أو ينسخون من مخطوطة ثم يقرؤونها على الأستاذ مرة أخرى. لهذا السبب، كانت تقاليد النقل تختلف باختلاف الموضوع والزمان والمكان والأستاذ والطالب”. (پارسا، ١٣٨٧: ٤١). في الواقع، يعتقد موتسكي أن اقتران الكتابة بالنقل الشفاهي لا يمكن تعميمه؛ لأن كتابة الأحاديث واستخدام النقل المكتوب كان يختلف في البيئات والمراكز التعليمية المختلفة.
في بحث آخر أجراه موتسكي حول “مصنف عبد الرزاق الصنعاني”، توصل باستخدام أسانيد الكتاب إلى أن “المصنف” اعتمد على آثار مفقودة لـ”معمر بن راشد”، و”ابن جريج”، و”سفيان الثوري”، وأنه يمكن إعادة بناء هذه الكتب على أساسه. (موتسكي، ١٣٨٥: ١٠١). بالطبع، هو، على عكس سزكين، لا يسعى لإثبات أن عبد الرزاق استقى مواد مصنفه من هذه الكتب. يرى أن الاستنتاج الأكثر وثوقية هو أن عبد الرزاق أخذ تلك النصوص من هؤلاء العلماء في محاضراتهم. بناءً على هذه الرؤية، من المحتمل أن كتبهم المفترضة كانت إلى حد كبير أساس محاضراتهم، وأن عبد الرزاق قد حرر تلك المحاضرات. (آقائي، ١٣٩٤: ٢٨٣).
على الرغم من أن الجهود المذكورة سابقًا في هذا الموضوع جديرة بالتقدير، إلا أن أحد إشكالاتها هو اقتصار الدراسة على التراث العلمي لأهل السنة. هذا في حين أنه فيما يتعلق بالتراث الحديثي الشيعي، يكون إثبات اعتماد المجاميع الحديثية في القرنين الرابع والخامس على مصادر مكتوبة أسهل؛ إذ إن اثنين من مؤلفي الكتب الأربعة (الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي) يشيران صراحة إلى استخدامهما لمصادر مكتوبة في تأليف آثارهما. (راجع: تتمة المقال).
ومع ذلك، فإن فكرة التعرف على المصادر المكتوبة للأحاديث الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها من الآثار الشيعية الموازية لها، وإعادة بناء هذه المصادر، ليس لها تاريخ طويل. رواد هذا البحث في مجال روايات الشيعة الإمامية هم: السيد أحمد المددي الموسوي (المددي الموسوي، ١٣٩٤: ٧٨-١٣٨)، والسيد حسين المدرسي الطباطبائي (المدرسي الطباطبائي، ١٣٨٦، كل الكتاب)، وأحمد پاكتچي (پاكتچي، ١٣٨٠: ٩-١٢؛ المصدر نفسه، ١٣٨٢، كل الكتاب)، والسيد محمد جواد الشبيري (الشبيري، ١٣٩٤ ألف: ٣٧٩-٤٣٠؛ المصدر نفسه، ١٣٩٤ باء: ٤٥٥-٤٩١).
المبادئ العامة للمنهج الذي يتبعه هؤلاء الباحثون متشابهة. في الواقع، يقومون بالتعرف على مصدر الرواية من خلال جمع وتنظيم الأسانيد المتشابهة ومقارنتها بالطرق المذكورة في كتب الفهارس للكتب المتقدمة. من الواضح أن هذا المنهج فيما يتعلق بـ “دراسة الأسانيد” لا يختلف جوهريًا عن منهج سزكين (الشبيري، ١٣٩٤ ألف: ٤٠٠-٤٠١؛ سزكين، ١٤١١: ١٥٠/١-١٥١)، على الرغم من أنه فيما يتعلق بدراسة روايات الشيعة، تم استخدام دقة وأدلة أخرى أيضًا (الشبيري، ١٣٩٤ ألف: ٣٧٩-٤٣٠). بالإضافة إلى ذلك، فإن كتب الفهارس، التي توفر لنا قائمة بأقدم الآثار المكتوبة الشيعية والرواة الذين أجازوا هذه الكتب، تعد أداة قيمة تسهل التعرف على المصدر المكتوب لروايات الشيعة وتصحح وتؤكد النتيجة المستخلصة.
في ما يلي، وبناءً على أحدث الدراسات التي تم عرضها في السطور السابقة، سنعيد النظر في المسار التاريخي لتدوين ونقل السنة النبوية لدى الشيعة وأهل السنة، ثم نتتبع خلفيات فهم الحديث القائم على المصدر لدى الفريقين.
٣. كتابة الحديث في القرن الأول الهجري
الآثار المكتوبة المعروفة من القرن الأول الهجري ليست كثيرة. من الأمثلة غير الشيعية على كتابة الحديث في القرن الأول الهجري يمكن الإشارة إلى “الصحيفة الصادقة” لعبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ) (سزكين، ١٤١١: ١٥٣/١)، والتي، حسب رواية، كتبها بإذن من النبي الأكرم ﷺ على الرغم من معارضة قريش لكتابة كلماته. (الدارمي، ١٤١٢: ٤٢٩/١). ومن الأمثلة الأخرى على الكتابة: صحيفة سمرة بن جندب (ت ٦٠ هـ)، وصحيفة جابر بن عبد الله برواية تلميذه سليمان بن قيس اليشكري (ت ٨٠ هـ) (سزكين، ١٤١١: ١٥٤/١)، وصحيفة عمرو بن حزم (ت ٥٤ هـ) التي تضمنت بعض الأمور مثل السنن المالية والجزائية (ابن حبان، ١٤٠٨: ٥٠١/١٤)، وكتب عروة بن الزبير (ت ٩٣ هـ) الذي، على الرغم من إحراقه لها (الذهبي، ١٤٠٥: ٤٢٦/٤)، جمع ابنه هشام دفترًا من أحاديث والده. (الفسوي، ١٤٠١: ٨٢٢/٢؛ للاطلاع على قائمة بالتراث الحديثي لأهل السنة في هذا القرن، راجع: الأعظمي، ١٤٠٥: ١٣٩/١-٢٢٠؛ سزكين، ١٤١١: ١٥٣/١-١٦٤).
ومن الأمثلة الشيعية على كتابة الحديث، يمكن الإشارة إلى كتاب “السنن والأحكام والقضايا” لأبي رافع (بعد ٤٠ هـ)، الذي كان مبوبًا وشمل أبواب الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والقضايا. (النجاشي، ١٤٣٦: ٦). بالإضافة إلى ذلك، يعد كتاب علي بن أبي رافع في أبواب الفقه المختلفة، وكتاب ربيعة بن سميع في زكاة الأنعام، وكذلك كتاب سليم بن قيس (ت ٧٦ هـ) من الأمثلة الأخرى على كتابة الحديث في القرن الأول. (المصدر نفسه، ٦-٩).
بالطبع، في التراث المكتوب الشيعي، ربما لا يرقى أي كتاب إلى مستوى “الصحيفة الجامعة” أو ما يعرف بـ”كتاب علي”، الذي كان بإملاء النبي الأكرم ﷺ وخط أمير المؤمنين (الكليني، ١٤٠٧: ٢٤٢/١). هذا الكتاب، الذي كان، حسب روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت، خاصة الإمام الباقر والإمام الصادق، يشمل كل ما يحتاجه الناس وكل الحلال والحرام (الصفار، ١٤٠٤: ١٤٢-١٥٠)، هو من مواريث الإمامة التي كانت تنتقل بين أئمة أهل البيت ولم تكن في متناول أصحابهم. ومع ذلك، كان الأئمة أحيانًا يسندون أجوبتهم على الأسئلة إلى هذا الكتاب. (البروجردي، ١٤٣٣: ٤١/١-٤٧).
٤. كتابة الحديث من القرن الثاني فصاعدًا
مع انقضاء الربع الأول من القرن الثاني الهجري، بدأ نوع جديد من كتابة الحديث، حيث قام المحدثون بتدوين كتب مرتبة حسب الأبواب المختلفة. (پاكتچي، ١٣٩٢ ب: ٩١/١؛ المطيري، ٢٠٠٢: ١٩٩). أقدم مثال على هذا النوع من الكتب المبوبة لدى أهل السنة والجماعة كتبه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) في مكة. (ابن حنبل، ١٤٢٢: ٣١١/٢؛ المزي، ١٤٠٠: ٣٤٧/١٨؛ الذهبي، ١٤٠٥: ١١١/٧).
أما في التيار الشيعي الإمامي، فيمكن اعتبار عبيد الله بن علي الحلبي (قبل ١٤٨ هـ) أول من كتب هذا النوع من الكتب، حيث أقر الإمام الصادق هذا الكتاب بعد الاطلاع عليه وأثنى عليه قائلاً: “أترى لهؤلاء [أي أهل السنة] مثل هذا؟”. (النجاشي، ١٤٣٦: ٢٣١). قد تشير هذه العبارة إلى أن تأليف هذا الكتاب كان على الأقل قبل شهرة وانتشار كتاب ابن جريج.
على الرغم من أن هذه الفكرة في تأليف الكتب بدأت في أوائل القرن الثاني لدى كل من محدثي الشيعة ومحدثي أهل السنة والجماعة، إلا أنها لم تتمكن من أن تكون نظرية بلا معارضين لدى الفريقين في السنوات والقرون اللاحقة، وكانت الآثار الحديثية غير المبوبة توجد بكثرة في الفترات التالية. لذلك، فإن المسار العام لتدوين الحديث في القرون الثانية وما بعدها، والذي صاحبه اختلافات مهمة بين تيار أهل السنة والشيعة الإمامية، سيتم بحثه بشكل منفصل في الفصول القادمة.
١-٤. حركة أهل السنة في تدوين السنة من القرن الثاني فصاعدًا
كما ذُكر، كان أحد الخلافات القديمة في مجال الحديث هو الاختلاف حول كتابته (راجع: الخطيب البغدادي، ١٩٧٤، كل الكتاب). وبغض النظر عن إجازة النبي أو نهيه في هذا الشأن، فإن ما هو مسلم به هو تقابل مجموعتين من الصحابة بعد وفاة النبي، حيث كان معظم صغار الصحابة في جناح الموافقين، وكبار الصحابة في جناح المعارضين. (پاكتچي، ١٣٩٢ ألف: ٢٤١). لهذا السبب، كانت كتابة الحديث خلال القرن الأول متبعة في الغالب من قبل صغار الصحابة.
مع بداية القرن الثاني الهجري وأمر عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث (الدارمي، ١٤١٢: ٤٣١/١)، اشتدت وتيرة الكتابة التي كانت موجودة في القرن السابق. وفي هذا السياق، بالإضافة إلى سنة النقل الشفاهي التي ظل لها أنصارها، تم المضي قدمًا في مسارين: تحمل ونشر الآثار المكتوبة في القرن الأول، وكذلك تأليف آثار جديدة. (پاكتچي، ١٣٩٢ ألف: ٢٤٢). بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه، كما أظهر شولر وموتسكي فيما يتعلق بكتب الحديث لدى أهل السنة، فإن تحمل ونشر الآثار المكتوبة في القرن الأول وتأليف آثار جديدة لا يعني أن كل هذه الآثار كانت قد اتخذت شكل كتاب بالمعنى الاصطلاحي (سينجراما)، بل إن العديد منها كان على شكل مذكرات ودفاتر (هيبومنيما)، حتى أن بعض الأساتذة لم يكونوا يحضرونها إلى مجلس الدرس، وكان الأستاذ يفضل أن يروي الأحاديث من حفظه.
بناءً على هذه المقدمة، في المسار الأول (تحمل ونشر آثار القرن الأول)، تمت قراءة وسماع آثار مثل “الصحيفة الصادقة” لعبد الله بن عمرو بن العاص، التي وصلت إلى حفيده عمرو بن شعيب (ت ١١٨ هـ) وكان يحدث منها (ابن حجر العسقلاني، ١٣٢٦: ٤٩/٨-٥٠)؛ و”صحيفة سمرة بن جندب” التي كان يدرسها الحسن البصري (ابن المديني، ١٩٨٠: ٥٣)؛ وكتاب أنس بن مالك في الصدقات الذي كان يرويه حفيده ثمامة بن عبد الله (الدارقطني، ١٤٠٥: ٢٣٠/١)؛ وكتاب الحارث الأعور (ت ٧٠ هـ) الذي كان تلميذه أبو إسحاق السبيعي (ت ١٢٧ هـ) يحدث منه (المزي، ١٤٠٠: ١١١/٢٢).
وفي المسار الثاني (تأليف آثار جديدة)، تم تأليف آثار على شكل “سينجراما” أو “هيبومنيما”، ومنها: كتاب نافع مولى ابن عمر (ت ١١٧ هـ) الذي تضمن مسموعاته من عبد الله بن عمر (الذهبي، ١٤٠٥: ٩٨/٥)؛ وصحيفة همام بن منبه التي اشتملت على روايات أبي هريرة؛ وكتاب “السنن” لمكحول الشامي (ت ١١٦ هـ) الذي اشتمل على روايات فقهية (ابن النديم، ١٤١٧: ٢٧٩)؛ وصحيفة خراش بن عبد الله التي اشتملت على رواياته عن أنس بن مالك (للنسخ الخطية الموجودة، راجع: سزكين، ١٤١١: ١٥٦/١-١٥٧)؛ وكذلك صحيفة يحيى بن أبي كثير (ت ١٣٢ هـ).
استمرت هذه الحركة خلال القرن الثاني بتأليف كتب مبوبة في السنن، والتي يمكن اعتبار ابن جريج في مكة رائدها لدى أهل السنة والجماعة، وتم تأليف مثل هذه الآثار في مختلف البيئات الإسلامية. من الأمثلة المهمة والمؤثرة على هذا النوع من الآثار، التي تُعرف عادة بالأسماء العامة “جامع” و”مصنف”، كتاب “الموطأ” لمالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، الذي انتهى تأليفه في منتصف القرن الثاني في المدينة. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن تأليف كتاب مبوب لا يعني بالضرورة أنه كان من نوع “سينجراما”، بل كما بيّن شولر بحق، فإن مالك نفسه لم يحدد الشكل النهائي للموطأ ولم يعد نسخة رسمية ومنقحة تكون أساسًا للنسخ الموجودة. في الحقيقة، النسخ المختلفة للموطأ هي مذكرات و”هيبومنيما” مختلفة قُدمت في فترات مختلفة بطريقة السماع أو القراءة، وبها اختلافات كثيرة. (نيل ساز، ١٣٩١: ١٤٣).
إن تأليف الكتب المبوبة بعناوين “جامع” أو “مصنف” أو “سنن”، والتي تشتمل جميعها على نوع من التبويب، على الرغم من متابعته في القرن الثالث، إلا أنه في مقابل هذه الفئة من المؤلفات، شهدنا في سنوات الانتقال من القرن الثاني إلى الثالث في أوساط بعض المحدثين معارضة للتبويب في الحديث. كان هذا الطيف من المحدثين يخشى من الابتعاد عن النقل المحض من خلال التبويب ووضع حديث ما إلى جانب أحاديث أخرى في باب واحد. وكبديل للتبويب، قامت هذه المجموعة بجمع كل أحاديث صحابي واحد معًا بغض النظر عن الموضوع، وبذلك كانوا يتجنبون الاجتهاد في النقل، وفي الوقت نفسه يرشدون القارئ إلى المصادر المرجعية والنسخة المستخدمة من ذلك المصدر. (پاكتچي، ١٣٩٢ ب: ٩١/١-١١٦).
كمثال مهم على هذه الآثار، “مسند أحمد بن حنبل” (ت ٢٤١ هـ)، الذي رتب كتابه على أساس أسماء الصحابة، وجمع أحاديث كل صحابي في باب واحد. ومع ذلك، كما ذُكر، لم تكن معارضة التبويب صادقة لدى جميع محدثي القرن الثالث الهجري، فأشخاص مثل إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) لم يكونوا معارضين للتبويب وألفوا آثارًا مبوبة.
في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، مهد هذان التياران (تيار أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه) لتدوين نمطين من الآثار الحديثية: نمط “المسند”، الذي كان رائده أحمد بن حنبل، ونمط “المدون”، الذي مهد لآثار من نوع “السنن” و”الصحيح” من قبل أشخاص مثل أصحاب الصحاح الستة. (المصدر نفسه، ١٣٩٢ ألف: ٢٤٥، ٢٥٠).
مع نهاية هذا القرن، انقضت الفترة التأسيسية لتدوين الحديث لدى أهل السنة والجماعة، وتم تدوين جميع المسانيد وكتب الصحاح الستة.
٢-٤. حركة الشيعة الإمامية في تدوين السنة من القرن الثاني فصاعدًا
كما ذُكر، على الرغم من أن الآثار الحديثية قد كُتبت من قبل متقدمي الإمامية منذ القرن الأول الهجري، إلا أنه مع بداية القرن الثاني، وبجهود الإمام الباقر والإمام الصادق، تشكل المذهب الجعفري. والحديث الإمامي، الذي كان قبل ذلك يتضمن حجمًا واسعًا من الأحاديث النبوية والعلوية، أصبح يركز على أحاديث الصادقين، وذلك بسبب الفهم الذي كان يُستخلص منها ولم يكن مورد تأييد الصادقين، وكذلك بسبب المخاوف من الجعل والتحريف بشأنها. وتضاءلت الأحاديث النبوية والعلوية بما يتناسب مع أحاديث الصادقين. (المصدر نفسه، ٢٤٣). في الواقع، سلك المجتمع الشيعي الإمامي في عصر الصادقين مسارًا جديدًا في تنقية كتب الفترة السابقة، وفي المقابل، اتجه إلى تدوينات جديدة تستند إلى روايات الأئمة بعد الإمام السجاد. في رواية، يصف الإمام الصادق الشيعة قبل فترة والده بأنهم كانوا محتاجين إلى غيرهم في الفقه، ويبيّن أنه بجهود الإمام الباقر تمكن الشيعة من تحقيق الاستقلال الفقهي. (الكليني، ١٤٠٧: ٢٠/٢).
في هذا السياق، انتشر التيار الغالب في تدوين ونشر الحديث لدى الشيعة الإمامية في ثلاث موجات رئيسية. في الموجة الأولى من التدوين والنشر، منذ أواخر القرن الأول الهجري، كان الشيعة، الذين كان معظمهم يسكن الكوفة، يصلون إلى خدمة الأئمة في أيام الحج وغيرها ويسألونهم، ويدونون رواياتهم الشفهية عنهم في كتب. وحتى منتصف القرن الثاني الهجري، تم تدوين كتب لأصحاب الصادقين بهذه الطريقة. شملت هذه المؤلفات كتاب “الأربع مائة مسألة في أبواب الحلال والحرام” لمحمد بن مسلم (ت ١٥٠ هـ)، وكتاب “يوم وليلة” لأبي بصير الأسدي (ت ١٥٠ هـ)، وكتب أبي حمزة الثمالي، وكتاب الفضيل بن يسار، وكتاب أبي عبيدة الحذاء، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي، وكتب معاوية بن عمار (ت ١٧٥ هـ)، وكتاب جميل بن دراج (قبل ٢٠٣ هـ)، وغيرها. (النجاشي، ١٤٣٦: ٣٢٤، ٤٤١، ١١٥، ٣٠٩، ١٧٠).
تزامنت الموجة الثانية من التدوين والنشر مع تأسيس مدينة بغداد في منتصف القرن الثاني الهجري وهجرة بعض الشيعة إلى بغداد، ونشأت على يد شخصيات مثل محمد بن أبي عمير ورجال تيار هشام بن الحكم في هذه المدينة، والرجال المقيمين في الكوفة الذين كانوا في الغالب من شخصيات تيار هشام بن سالم وطيف المفضل بن عمر. (للتعرف على التيارات الفكرية داخل المجتمع الشيعي، راجع: گرامي، ١٣٩٦: ٢٦٤؛ المصدر نفسه، ١٣٩٠، كل الكتاب). في هذه الموجة، انخرط شيعة الكوفة وبغداد في الأنشطة الحديثية في اتجاهين: الاتجاه الأول، قاموا بتدوين كتب جديدة تستند إلى أحاديث الصادقين والأئمة اللاحقين. والاتجاه الثاني، واصلوا تنقية ونشر كتب الموجة الأولى. من الآثار الحديثية المتعلقة بهذه الموجة الحديثية يمكن الإشارة إلى كتب محمد بن أبي عمير (ت ٢١٧ هـ)، وكتب هشام بن سالم، وكتب يونس بن عبد الرحمن، وآثار بني فضال، وكتب صفوان بن يحيى (ت ٢١٠ هـ)، وكتب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (ت ٢٢١ هـ)، وكتب الحسن بن علي الوشاء، وكتب الحسن بن محبوب (ت ٢٢٤ هـ). (النجاشي، ١٤٣٦: ٣٢٦، ٤٣٤، ٤٤٦، ٣٤).
بدأت الموجة الثالثة من التدوين والنشر من عصر الإمام الرضا وما بعده، في أوائل القرن الثالث الهجري، في قم. في هذه الموجة، تم نقل آثار مختلفة من المراحل السابقة من العراق (بغداد والكوفة) إلى قم على يد كبار مثل أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، وإبراهيم بن هاشم، والحسين بن سعيد الأهوازي، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي. وبعد تنقيتها، استُخدمت كمصدر لآثار حديثية أحدث. (المصدر نفسه، ٨١، ١٦، ٥٨، ٧٦).
شكلت هذه الموجات الثلاث مراحل إنتاج العلم في الحديث الشيعي، واستمرت حتى أواخر القرن الرابع مع كبار مثل سعد بن عبد الله الأشعري (ت ٣٠١ هـ)، ومحمد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩ هـ)، ومحمد بن الحسن بن الوليد (ت ٣٤٣ هـ)، ومحمد بن علي بن بابويه (ت ٣٨١ هـ)، وكان ذلك في الغالب في مدينة قم. قامت هذه الشخصيات بتدوين آثار أكثر تفصيلاً من خلال تجميع وتنقية الأحاديث المكتوبة في الموجات الثلاث السابقة. (للاطلاع على جهود البيئات الحديثية الإمامية الأخرى، راجع: غلام علي، ١٣٩٢، كل الكتاب؛ پاكتچي، ١٣٩١، كل الكتاب).
فيما يتعلق ببعض آثار هذه الموجات الثلاث، ليس من المستبعد أننا نواجه دفاتر حديثية من نوع “هيبومنيما”، والتي ربما تعرضت للتصحيح والإكمال من قبل أصحابها. (للاطلاع على أدلة في هذا الخصوص، راجع: أكبري، ١٣٩٧، القسم ٣-٤-٣؛ جديدي نژاد، ١٣٩٠، كل الكتاب). هذه المسألة تكتسب قوة خاصة بالنظر إلى فترة حضور الأئمة التي استمرت ١٤٠ عامًا بعد الإمام الباقر. وكما يبيّن شولر فيما يتعلق بآثار أهل السنة، يمكن أن يكون هذا من عوامل الاختلاف في تحارير الكتب المتقدمة للإمامية أيضًا.
في سنوات الانتقال من القرن الرابع إلى الخامس الهجري، شهدت المدرسة الشيعية في مدينة بغداد ازدهارًا جديدًا، وقامت شخصيات مثل الشيخ المفيد (ت ٤١٣ هـ) والسيد الرضي (ت ٤٠٦ هـ)، اللذين لم يبديا اهتمامًا كبيرًا بجمع وتأليف الآثار الحديثية بسبب غلبة التوجه الكلامي، بإعداد آثار مختصرة. يمكن اعتبار كتابي “الأمالي” للشيخ المفيد و”نهج البلاغة” للسيد الرضي نتاجًا حديثيًا لهذه الفترة في مدينة بغداد. (پاكتچي، ١٣٩٢ ألف: ٢٥٢).
في منتصف القرن الخامس أيضًا، خالف الشيخ الطوسي، الذي تربى في مدينة بغداد، الأجواء الفكرية السائدة في هذه المدينة وقال بحجية خبر الواحد (المددي الموسوي، ١٣٩٤: ١١٧)، وبهذا السبب أبرز مكانة الحديث مرة أخرى بين الفقهاء، وقام بتأليف كتابي “تهذيب الأحكام” و”الاستبصار” مستخدمًا الآثار الحديثية المؤلفة في الفترات السابقة.
بعض الآثار الحديثية لهذه القرون الخمسة كانت موجودة في فترة مدرسة الحلة في القرن السابع، وكان السيد ابن طاووس أحيانًا يروي أحاديث في آثاره مع التصريح باسم هذه الكتب (كولبرغ، ١٣٧١، كل الكتاب)، لكن معظمها غير متاح لنا اليوم. ومع ذلك، يمكن من خلال التراث الحديثي الموجود الوصول إلى جزء كبير من محتويات هذه الآثار. توضيح ذلك أن إشارة ابن بابويه إلى مصادره المستخدمة في تدوين كتاب “من لا يحضره الفقيه” (ابن بابويه، ١٤١٣: ٣/١-٤)، وكذلك مقدمة “مشيخة التهذيب” للشيخ الطوسي (الطوسي، ١٤٠٧: المشيخة/٤)، وكذلك الأبحاث المعاصرة حول إعادة التعرف على المصادر المكتوبة لكتب الحديث الأخرى (لمصادر “غيبة النعماني” المكتوبة، راجع: شبيري، ١٣٩٤ ألف: ٣٧٩-٤٣٠؛ لبعض مصادر “الكافي” للكليني المكتوبة، راجع: طارمي راد، ١٣٩٤: ١٦٦-١٦٩)، تظهر بوضوح، كما قيل في السطور السابقة، أن محدثي الإمامية المتقدمين استخدموا في تدوين كتب الحديث الكتب الحديثية المكتوبة في الموجات السابقة لهم. لذلك، يتكون السند الموجود في بداية روايات هذه الكتب من قسمين: القسم الأول يبدأ من مدون الكتاب وينتهي باسم كاتب الكتاب المصدر، وهو طريق المدون لتحمل الكتاب المأخوذ منه. والقسم الثاني هو إعادة كتابة السند الموجود في الكتاب المأخوذ. (عمادي حائري، ١٣٩٤: ٥١-٦٤). لذلك، على الرغم من أن كتب الحديث للفترات السابقة غير موجودة بشكل مباشر، إلا أن روايات هذه الكتب قد أُدرجت ضمن الآثار الموجودة، أحيانًا باختيار من المدون مثل “الكافي” و”من لا يحضره الفقيه”، وأحيانًا بدون اختيار مثل “تهذيب الأحكام”.
٥. تقييم الحديث (اعتبار سنجی)
بناءً على ما تقدم، يتضح أن أصل الانتقال المكتوب للحديث لدى الشيعة وأهل السنة لا يمكن إنكاره. لذلك، يمكننا أن نتوقع وجود أحكام قائمة على المصدر من محدثي الفريقين. في ما يلي، وباستخدام الصياغة الثلاثية المراحل المقترحة: “النقد الخارجي”، و”إثبات حجية الكتاب”، و”النقد الداخلي”، سندرس كيفية وكمية تقييم الحديث القائم على المصدر لدى الشيعة وأهل السنة.
١-٥. تقييم الحديث القائم على المصدر لدى الشيعة الإمامية
منذ سنوات الانتقال إلى القرن الثاني الهجري وفي الموجة الأولى من التدوين، بدأت كتابة آثار حديثية مختلفة، ومنذ منتصف ذلك القرن استمرت هذه العملية بوتيرة أسرع، وخاصة كُتبت آثار بعنوان “الأصل”. هذه الفترة، التي يمكن اعتبارها نقطة تحول في ازدهار المدونات الحديثية الإمامية، تزامنت مع وجود أئمة أهل البيت في الكوفة، وهذا يُعتبر ورقة رابحة في الحديث الإمامي؛ إذ إن الشيعة الإمامية، بناءً على رؤاهم الكلامية، كانوا يعتبرون حديث الإمام مرآة تامة للسنة النبوية. لذلك، لتقييم اعتبار روايات هذه الكتب، كان بإمكانهم عرضها عليهم، وبذلك يصلون إلى نقد مجموعي لجميع روايات الكتاب.
تم الإبلاغ عن أمثلة لعرض الكتب والدفاتر الحديثية منذ زمن الإمام السجاد حتى الأئمة المتأخرين، والتي على الرغم من أنها ليست متعددة، إلا أنها يمكن أن تشير إلى وجود هذه الفكرة في الحديث الإمامي. ومن أمثلة ذلك: عرض محمد بن قيس كتاب “السنن والأحكام والقضايا” لأبي رافع على الإمام الباقر (الطوسي، ١٤٣٥: ١٧٦)، وعرض كتاب عبيد الله بن علي الحلبي على الإمام الصادق (النجاشي، ١٤٣٦: ٢٣١)، وعرض يونس بن عبد الرحمن بعض كتب أصحاب الصادقين على الإمام الرضا (الكشي، ١٤٠٩: ٢٢٤)، وعرض كتاب “يوم وليلة” ليونس بن عبد الرحمن، وكتب بني فضال، وكتاب أحمد بن عبد الله بن خانبة على الإمام العسكري. (النجاشي، ١٤٣٦: ٤٤٧؛ الطوسي، ١٤١١: ٣٥٩؛ ابن طاووس، ١٤٠٦: ١٨٣).
تُظهر هذه الأمثلة أن فكرة “العرض” كأداة لإثبات حجية الكتاب كانت، على الأقل، محل اهتمام بعض محدثي الإمامية خلال القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث. على الرغم من فعالية “العرض” في إثبات حجية الكتاب، لم يكن من الممكن عرض جميع الكتب المؤلفة من قبل الإمامية على أئمة أهل البيت. لهذا السبب، كانت أحيانًا شخصية المؤلف المعتبرة تؤدي إلى قبول كتبه وتلقيها بالقبول، وأحيانًا أخرى، على الرغم من عدم اعتبار المؤلف، كان كتابه يُقبل لشهرته ووجود رواياته في سائر الأصول والمصنفات المعتبرة. (الطوسي، ١٤٣٥: ٣٢؛ النجاشي، ١٤٣٦: ٤٢؛ راجع: سيد شبيري وقناعتكر، ١٣٩٨: ٩٠). ولعل رواية الإمام الصادق الموجهة إلى عمر بن حنظلة، والتي يصف فيها الرواية “المجمع عليها” بأنها “لا ريب فيه” (الكليني، ١٤٠٧: ٦٨/١)، لم تكن عديمة الأثر في قبول هذا النوع من المؤلفات.
يشرح الشيخ الطوسي طريقة علماء الإمامية المتقدمين في قبول فتوى شاذة، فيكتب: “عندما كان أحدهم يفتي بفتوى غير مألوفة، كانوا يسألونه عن دليلها. فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة وحديثه غير منكر، قبلوا منه تلك الفتوى. هذه كانت طريقة العلماء منذ زمن النبي والأئمة، ومنذ زمن الإمام الصادق الذي انتشر منه العلم.” (الطوسي، ١٤١٧: ١٢٦/١-١٢٧). تُظهر هذه العبارات بوضوح أن شهرة المصدر وتلقيه بالقبول كان يُستخدم كمعيار في إثبات حجية الكتاب لدى علماء الإمامية المتقدمين.
خلال القرن الثالث، بعد مرور ثلاث موجات حديثية وانتقال وتجميع الكتب الحديثية في مدينة قم، واجه محدثو الإمامية عددًا كبيرًا من الكتب الحديثية والتحارير المختلفة لكل كتاب، والتي كانت مصحوبة باختلافات. هذا التعدد في التحارير أوجد الحاجة إلى “النقد الخارجي” و”النقد الداخلي”، وأدى إلى أن تكون إحدى الجهود الرئيسية للمحدثين خلال القرنين الثالث والرابع موجهة نحو معرفة المؤلفين والكتب صحيحة النسبة إليهم، وتمييز التحرير الذي تُنسب فيه جميع الروايات إلى المؤلف بأقل تصحيف وتحريف.
كمثال على ذلك، عدم قبول “أصل زيد الزراد” و”أصل زيد النرسي” و”كتاب خالد بن عبد الله بن سدير”، ورفض ابن الوليد نسبة هذه الآثار إلى هؤلاء الأفراد (الطوسي، ١٤٣٥: ١٣٠)، وعدم قبول أيوب بن نوح والفضل بن شاذان لكتب محمد بن سنان (النجاشي، ١٤٣٦: ٣٢٨؛ الكشي، ١٤٠٩: ٣٨٩ و٥٠٧) هي من أمثلة “النقد الخارجي”. وقبول ابن الوليد لجميع نسخ كتب يونس بن عبد الرحمن باستثناء الروايات المنفردة في نسخة محمد بن عيسى (الطوسي، ١٤٣٥: ٢٦٦) يُقيّم في إطار “النقد الداخلي” في القرنين الثالث والرابع الهجري.
من النتائج الأخرى لتجميع الكتب الحديثية وتحاريرها المختلفة في مدينة قم، نشوء خطاب “كتابة الفهارس” في قم في هذه الفترة. كانت كتب “الفهرست” في صورتها الأولية قائمة بالكتب والتحارير التي تحملها محدث ما عن مشايخه. (راجع: الطوسي، ١٤٣٥: ٣٢؛ سيد شبيري وملكian، ١٣٩٨: ٨٨). أول فهرست معروف كُتب في نهاية القرن الثالث في بيئة قم على يد سعد بن عبد الله الأشعري (ت ٢٩٩ هـ أو ٣٠١ هـ). بعده، وخلال القرن الرابع، باستثناء حميد بن زياد (ت ٣١٠ هـ) الذي كان من الواقفة ويسكن الكوفة، كُتبت الفهارس الأربعة المعروفة الأخرى جميعها في مدينة قم. (راجع: الطوسي، ١٤٣٥: ١٣٥، ٩٢، ٢٣٧؛ النجاشي، ١٤٣٦: ٢٣٢، ١٩٠، ٣٣).
خلال القرنين الرابع والخامس، استمر استخدام “النقد الخارجي”، و”إثبات حجية الكتاب”، و”النقد الداخلي” بهدف تقييم الحديث القائم على المصدر. في هذا السياق، يُعد تعريف ابن بابويه لبعض الكتب بأنها مشهورة ومعتمدة لدى الشيعة في مقدمة كتاب “من لا يحضره الفقيه” (ابن بابويه، ١٤١٣: ٣/١-٤)، وآراء النجاشي والشيخ الطوسي وابن الغضائري حول كون كتاب ما موثوقًا به أو غير موثوق به (ابن الغضائري، ١٣٦٤: ٤٣، ٥٣، ٩٥؛ الطوسي، ١٤٣٥: ٥٤، ١١٦، ١٨٩؛ النجاشي، ١٤٣٦: ٩١، ٢٠٤)، وكذلك عدم قبول الشيخ المفيد لرواية لعدم وجودها في الأصول المعتمدة (المفيد، ١٤١٣ ب: ٩٤)، دليلًا على الجهود المبذولة في اتجاه إثبات حجية الكتاب أو النقد الخارجي.
أو عدم قبول الشيخ المفيد لرواية لعدم وجودها في نسخة معتمدة من كتاب حديثي (المصدر نفسه، ١٤١٣ ألف: ٢٤)، وتعريف النسخ المختلفة لكتب الحسين بن سعيد وتسمية نسخة أحمد بن محمد بن عيسى بأنها النسخة المعتمدة والمقبولة لدى علماء الإمامية من قبل ابن نوح السيرافي (النجاشي، ١٤٣٦: ٥٩)، وكذلك عدم قبول تحرير معين من كتاب (ابن الغضائري، ١٣٦٤: ٥٤، ٦١، ٦٧، ٨٧)، أو قبول الروايات غير المنفردة لراوٍ سيء السمعة (المصدر نفسه، ٥٤، ٦٧)، هي من أمثلة “النقد الداخلي” لدى علماء الإمامية في القرنين الرابع والخامس.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الآراء الصريحة واختيار الروايات من قبل مؤلفي الكتب الأربعة الكبار، أي الكليني وابن بابويه في القرن الرابع، يدل على اعتماد كل منهما على تحارير خاصة من الكتب المعتمدة لديهما بهدف النقد الداخلي. على سبيل المثال، يعتمد الكليني في النقل من كتب الحسن بن علي بن فضال على تحرير محمد بن يحيى العطار من نسخة أحمد الأشعري، بينما يعتمد ابن بابويه على تحرير سعد بن عبد الله من هذه النسخة؛ في حين أن كليهما كان لديه إمكانية الوصول إلى كلا التحريرين. (صفا، ١٣٩٩: ١٩٧-١٩٨).
خلال القرون من السادس إلى الحادي عشر الهجري، تتضاءل أدلة تقييم الحديث القائم على المصدر بشدة، وقد يكون سبب ذلك هو ضياع آثار القدماء وندرة أسانيد الروايات (راجع: نتاج حسن بن زين الدين، ١٣٦٣: ١٤/١)، أو آراء مثل حجية خبر الواحد التعبدية. (المددي الموسوي، ١٣٩٤: ١١٧). وفي سياق هذا المسار، قام المحقق الحلي بتلخيص “فهرست” الشيخ الطوسي في كتابه “تلخيص الفهرست”، ولكن مع فارق أنه حوّل فهرست الشيخ، الذي كان هدفه التعريف بالكتب، إلى فهرست للرجال، وأغفل طريق الشيخ الطوسي إلى الكتب. (المحقق الحلي، ١٤٢٤، كل الكتاب).
في القرن الحادي عشر أيضًا، تنبه أشخاص مثل حسن بن زين الدين في قسم فوائد كتاب “منتقى الجمان” (حسن بن زين الدين، ١٣٦٣: ٤/١-٤٥)، والشيخ البهائي في مقدمة “مشرق الشمسين” (البهائي، ١٤١٤: ٢٤-٤٠)، ومحمد أمين الأسترآبادي في كتاب “فوائد المدنية” (الأسترآبادي، ١٤٢٦: ١٠٩-١٢٠)، إلى حد ما إلى هذا الاختلاف في المنهج بين القدماء والمتأخرين. وتُظهر عبارات محمد تقي المجلسي في أثناء كتاب “روضة المتقين” أنه كان مدركًا لهذه النقطة وحاول مرة أخرى أن يهتم بمعيار مصدر الحديث في تقييم الروايات. (المجلسي، ١٤٠٦: ٤٩٨/٣؛ ٨٣/٧؛ ٢٠٢/٤).
٢-٥. تقييم الحديث القائم على المصدر لدى أهل السنة
مع بداية خطاب الإسناد في أوائل القرن الثاني الهجري (پاكتچي، ١٣٧٧: ٧٠٩)، انصرف محدثو أهل السنة في تقييمهم للروايات إلى النقد الفردي للأحاديث الموجودة في الكتب والدفاتر الحديثية. ومن هنا، أصبح المعيار الأكثر شيوعًا لتقييم الروايات لديهم هو اعتبار رجال السند من حيث العدالة، والضبط، وبالطبع اتصال السند. (السيوطي، ١٤١٥: ٦١/١-٧٨؛ صالح، ١٩٨٤: ١٢٦-١٣٨). ومع ذلك، يُطرح هذا السؤال: إلى أي مدى اهتم محدثو أهل السنة، إلى جانب التقييم الرجالي، بتقييم الحديث القائم على المصدر؟
توضيحًا لذلك، كما بُيّن في بداية المقال، يتم تقييم الحديث القائم على المصدر في ثلاث مراحل: “النقد الخارجي”، و”إثبات حجية الكتاب”، و”النقد الداخلي”. بعبارة أخرى، إذا تم استخدام هاتين المرحلتين معًا من قبل المتقدمين، يمكن إثبات وجود هذا المعيار التقييمي لديهم. فيما يتعلق بالشيعة الإمامية، كما بُيّن في الفصل السابق، كانت القرون من الثالث إلى الخامس الهجري هي ذروة استخدام هذا المعيار. لذلك، في هذا الفصل، نبحث عن أدلة على استخدام هذه المراحل الثلاث في أحكام أهل السنة.
في سياق الإجابة على هذا السؤال، يجب القول إنه على عكس ما قيل بخصوص فكرة “العرض” لدى الشيعة الإمامية، لم يكن لدى أهل السنة مرجع مثل أهل البيت يمكن من خلال “عرض” الكتب والأحاديث عليهم الاطمئنان إلى صحتها. ومن هنا، لم يكن أي مصدر، سواء كان كتابًا أو دفترًا حديثيًا، يمكن أن يُعتبر مصدرًا موثوقًا للسنة النبوية. هذا يعني أن أداة “إثبات حجية الكتاب” بالشكل الذي كانت موجودة به لدى الشيعة الإمامية لم تكن موجودة لدى أهل السنة. علاوة على ذلك، حتى شهرة الكتاب وتلقيه بالقبول، التي كانت تُستخدم لدى علماء الإمامية كمكمل لـ”العرض”، فإنها في نقاشات أهل السنة الحديثية تتعلق بالأحاديث المنفردة ولا تُستخدم بخصوص الكتب. (السيوطي، ١٤١٥: ٦٦/١). ولهذا السبب، لم يبدأ الحديث عن تلقي الآثار بالقبول لدى علماء الحديث إلا بعد تدوين جوامع مثل “صحيح البخاري” و”صحيح مسلم”، وليس المؤلفات السابقة، مما مهد لنظرية الصحاح الستة. (پاكتچي، ١٣٩٢ ب: ٢١-٣٩).
ومع ذلك، فإن كتابة كتب الفهارس لدى أهل السنة تمت بتأخير ثلاثة قرون عن الشيعة الإمامية، ومنذ القرن السادس، بدأت تظهر آثار بعنوان “فهرسة”، “برنامج شيوخ”، أو “ثبت”، بهدف التعريف بالكتب والتحارير المختلفة للكتب التي تحملها المؤلف عن مشايخه. من أهم هذه الآثار لدى أهل السنة يمكن الإشارة إلى “الفهرسة” لابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ)، و”الفهرس” لابن عطية (ت ٥٤١ هـ)، و”التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد” لابن نقطة (ت ٦٢٩ هـ). (للمزيد من المعلومات، راجع: پاكتچي، ١٣٩٢ ب: ٤٠/٢-٤٥).
على الرغم من عدم وجود “إثبات حجية الكتاب” لدى أهل السنة، تُلاحظ أدلة على “النقد الخارجي” لديهم. على سبيل المثال، ينقل ابن الجوزي أن كتابًا باسم “الألوية” منسوب إلى عبد الكريم الجندي، وأن ميسرة بن عبد ربه هو من وضعه. (ابن الجوزي، ١٤٠٦: ١٥٢/٣). وتُلاحظ أدلة مختلفة على “النقد الداخلي” لدى محدثي أهل السنة. على سبيل المثال، عدم تحمل مصدر ما بشكل صحيح في إحدى الطبقات يمكن أن يجعل صحة نسبته إلى المؤلف مشكوكًا فيها ويؤدي إلى عدم قبول ذلك المصدر في الطبقات اللاحقة. أبرز مثال على هذه الظاهرة يُرى في “الصحيفة الصادقة”، حيث كان البعض لا يقبلها لأن راويها عمرو بن شعيب لم يسمع منها إلا جزءًا صغيرًا. (ابن حجر العسقلاني، ١٣٢٦: ٤٩/٨-٥٠).
الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) أيضًا يضعف رواية عن حماد بن سلمة (ت ١٦٧ هـ) فقط لعدم وجودها في مصنفات حماد، ولا يقبل إسنادها إليه. (الدارقطني، ١٤٢٤: ١٣٠/١). بالإضافة إلى ذلك، يقبل علماء الحديث بخصوص وضاح بن خالد اليشكري (ت ١٧٥ هـ) الروايات التي يحدث بها من كتابه، ولا يقبلون رواياته الشفهية. (ابن سعد، ١٤١٠: ٢١٢/٧). والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) يقول في قاعدة عامة: “قراءة الحديث على شيخ حديثي تكون معتبرة مثل السماع منه إذا كان حافظًا لذلك الكتاب الحديثي، أو إذا لم يكن حافظًا، كان الكتاب لديه.” (الترمذي، ١٩٩٨: ٢٤٧/٦).
لهذا السبب، عندما كان شيخ الحديث ضعيف الحافظة، كانوا يطلبون منه أن يحدث بالروايات من كتابه. (ابن حنبل، ١٤٢٢: ٤٧٤/٨). وبعض المحدثين المتشددين مثل يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ) كانوا، حتى لو كان شيخ الحديث قوي الحافظة، لا يقبلون إلا روايته من كتابه ولا يكتفون ببيانه الشفهي للرواية. (الذهبي، ١٤٠٥: ٥٦٨/٩).
كل هذه الدقة والتشدد بخصوص الذين كانوا يقرؤون الروايات والكتب من حفظهم على الطلاب، كان سببها هو أن تنتقل روايات الكتاب أو الدفاتر الحديثية إلى الطلاب دون تصحيف وتحريف، وألا يصبح إسنادها إلى المؤلف محل إشكال. تُلاحظ أمثلة أخرى على النقد الداخلي في عبارات أحمد بن حنبل، الذي هو أحد أكثر العلماء تأثيرًا في مجال علل الحديث. من ذلك أن عبد الله بن أحمد يروي لأبيه رواية بسند: (مجاهد بن موسى، عن محمد بن عبيد، عن مسعر بن كدام، عن يزيد الفقير، عن جابر، عن النبي ﷺ)، ويسأله عن رأيه فيها. فيرفضها أحمد بن حنبل لأنه لم يجد هذه الرواية في نسخة محمد بن عبيد من أحاديث مسعر. (ابن حنبل، ١٤٢٢: ٣٤٧/٧).
في تقرير آخر، يشير أحمد بن حنبل، من خلال مقارنة ومقارنة تحرير سفيان بن عيينة وتحرير مالك بن أنس لروايات الزهري، إلى إشكال سفيان في أكثر من عشرين رواية، ولم يكتف بالآراء العامة حول ضبط وعدالة راوٍ ما. (المصدر نفسه، ٣٤٩).
بناءً على هذه الأدلة المتعددة، لا يمكن إنكار وجود تقييم الحديث القائم على المصدر لدى متقدمي أهل السنة بشكل كلي، بل يجب القبول بوجود مرحلتي “النقد الخارجي” و”النقد الداخلي” لديهم.
الخاتمة
لم يكن التراث المكتوب الموجود من القرن الأول الهجري كافيًا بأي حال من الأحوال لتلبية الاحتياجات العلمية للمسلمين. ولحل هذه المشكلة، لم يكن أمام أهل السنة خيار سوى استخدام تلك المدونات المحدودة من القرن الأول، وكذلك الرجوع إلى الصحابة والتابعين في القرن الثاني والاستفادة من رواياتهم الشفهية. نتيجة لهاتين الحركتين، تشكلت مجموعة من الدفاتر الحديثية من القرنين الأول والثاني، والتي لم تكن في العادة أكثر من مذكرات شخصية، ولا يمكن اعتبارها كتبًا منقحة بالمعنى الحديث. كانت هذه الدفاتر الحديثية تُدرّس من قبل المشايخ وفقًا لتقاليد التعليم في القرون من الثاني إلى الرابع، وخلال ذلك كانت تتعرض للتغيير أحيانًا، بحيث ظهرت مع مرور الزمن تحارير مختلفة لدفتر حديثي واحد. هذه التحارير نفسها مهدت في أواخر القرن الثالث لتدوين المجاميع الحديثية لأهل السنة.
في المقابل، فإن الشيعة الإمامية، التي أصبحت واعية بحدودها العلمية مع أهل السنة بعد فترة إمامة الإمام الباقر، كانت ترى المشكلة المذكورة أعلاه محلولة بفضل رؤيتها الكلامية لعلم الأئمة بالسنة النبوية، ولم تكن تشعر بالحاجة إلى إرجاع أقوال الأئمة إلى القرن الأول والرسول ﷺ. ولهذا السبب، انصبت كل جهود فقهاء الشيعة منذ منتصف القرن الثاني على كتابة وتسجيل أحاديث الأئمة، وفي ثلاث موجات حديثية، نُقلت هذه الآثار في النهاية إلى مدينة قم وتم تجميعها هناك.
لذلك، في القرون التي سبقت انتشار المجاميع الحديثية، واجهنا، لدى كل من أهل السنة والشيعة، مدونات حديثية بدرجات متفاوتة، والتي مهدت الطريق لتقييم الحديث القائم على المصدر. ومع ذلك، لدى أهل السنة، بسبب عدم استقرار وضع الدفاتر الحديثية، وفي كثير من الحالات عدم وجود تحرير رسمي لدفتر حديثي، لم يُستخدم هذا المعيار إلا في مرحلتي “النقد الخارجي” و”النقد الداخلي”. أما الشيعة الإمامية، فبفضل وجود ظاهرة “العرض” على الإمام، وما تبعها من شهرة وتلقٍ للكتب بالقبول، كانت لديهم أداة لإثبات حجية الكتاب، والتي، إلى جانب الجهود في إطار “النقد الخارجي” و”النقد الداخلي”، جعلتهم يستخدمون جميع معايير تقييم الحديث القائم على المصدر، خاصة في القرون من الثالث إلى الخامس الهجري.
المصادر والمراجع
- آقائي، سيد علي (١٣٩٤ش)، محققان غربى و بازسازى متون حديث: مرورى بر پژوهشهاى غربى در بازسازى منابع حديثى كهن، ضمن بازسازى متون كهن حديث شيعه، به كوشش سيد محمد عمادى حائرى، قم: دار الحديث.
- ابن بابويه، محمد بن على (١٤١٣ق)، من لا يحضره الفقيه، به كوشش على اكبر غفارى، قم: دفتر انتشارات اسلامى.
- ابن جوزى، عبدالرحمن بن على (١٤٠٦ق)، الضعفاء والمتروكين، به كوشش عبدالله القاضى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن حبان، محمد (١٤٠٨ق)، الإحسان فى تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب على بن بلبان، به كوشش شعيب الارنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- ابن حجر عسقلانى، احمد بن على (١٣٢٦ق)، تهذيب التهذيب، هند: مطبعة دائرة المعارف النظامية.
- ابن حنبل، احمد (١٤٢٢ق)، العلل و معرفة الرجال، به كوشش وصى الله بن محمد عباس، الرياض: دار الخانى.
- ابن سعد، محمد بن سعد (١٤١٠ق)، الطبقات الكبرى، به كوشش محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن طاووس، على بن موسى (١٤٠٦ق)، فلاح السائل و نجاح المسائل، قم: بوستان كتاب.
- ابن غضائرى، احمد بن حسين (١٣٦٤ش)، الرجال، قم: دار الحديث.
- ابن مدينى، على بن عبدالله (١٩٨٠م)، العلل، به كوشش محمد مصطفى الاعظمى، بيروت: المكتب الاسلامى.
- ابن نديم، محمد بن اسحاق (١٤١٧ق)، الفهرست، به كوشش ابراهيم رمضان، بيروت: دار المعرفة.
- استرآبادى، محمدامين (١٤٢٦ق)، فوائد المدنية، به كوشش رحمت الله رحمتى اراكى، قم: دفتر انتشارات اسلامى.
- الاعظمى، محمد مصطفى (١٤٠٥ق)، دراسات فى الحديث النبوى و تاريخه، بيروت: المكتب الاسلامى.
- اكبرى، حميدرضا (١٣٩٧ش)، بررسى اختلافات مبانى قدما و متأخران اماميه در تضعيفات رجالى، پايان نامه سطح ٣، حوزه علميه قم.
- انصارى، حسن (١٣٩٦ش)، بررسىهاى تاريخى ديگر در حوزه اسلام و تشيع، تهران: دهگان.
- بروجردى، سيد حسين (١٤٣٣ق)، جامع احاديث الشيعة، به كوشش اسماعيل معزى ملايرى، قم: انتشارات واصف لاهيجى.
- بهايى، بهاءالدين محمد (١٤١٤ق)، مشرق الشمسين و إكسير السعادتين، با تعليقات محمد اسماعيل خاجونى، به كوشش سيد مهدى رجايى، مشهد: مجمع البحوث الاسلامية.
- پارسا، فروغ (١٣٨٧ش)، “سنتهاى نقل حديث در بررسى تطبيقى ديدگاههاى خاورشناسان”، مقالات و بررسيها، تهران، دوره ٤٠، شماره ٨٨، تابستان، ص ٣١-٥١.
- پاكتچى، احمد (١٣٧٧ش)، مدخل “إسناد”، دايرة المعارف بزرگ اسلامى، زير نظر كاظم موسوى بجنوردى، تهران: مركز دايرة المعارف بزرگ اسلامى.
- پاكتچى، احمد (١٣٨٠ش)، “روش بازشناسى متون كهن حديثى”، پيام صادق، تهران، دوره ٦، شماره ٣٦، مرداد و شهريور، ص ٩-١٢.
- پاكتچى، احمد (١٣٨٢ش)، مولد أمير المؤمنين: النصوص مستخرجة من التراث الاسلامى، قم: مؤسسة العالمية لنهج البلاغة.
- پاكتچى، احمد (١٣٩١ش)، “حوزههاى كم شناخته و متقدم حديث و معارف اماميه در عراق، شام و مصر”، مطالعات تاريخى قرآن و حديث (صحيفه مبين)، تهران، شماره ٥٢، پاييز و زمستان، ص ١٢٥-١٦٦.
- پاكتچى، احمد (١٣٩٢ش)، (الف) مدخل “حديث”، دائرة المعارف بزرگ اسلامى، زير نظر كاظم موسوى بجنوردى، تهران: مركز دائرة المعارف بزرگ اسلامى.
- پاكتچى، احمد (١٣٩٢ش)، (ب)، پژوهشى پيرامون جوامع حديثى اهل سنت، تهران: انتشارات دانشگاه امام صادق.
- ترمذى، محمد بن عيسى (١٣٩٥ق)، سنن الترمذى، به كوشش بشار عواد معروف، بيروت: دار الغرب الاسلامى.
- جديدى نژاد، محمدرضا (١٣٩٠ش)، “بازخوانى نسبت برخى از كتابها به برخى از مؤلفان در رجال النجاشى و الفهرست شيخ طوسى”، آينه پژوهش، قم، سال ٢٢، شماره ١٢٧، فروردين و ارديبهشت، ص ١٨-٢٣.
- حبّ الله، حيدر (٢٠١٧م)، الحديث الشريف، حدود المرجعية و دوائر الاحتجاج، بيروت: مؤسسة الانتشار العربى.
- حسن بن زين الدين (١٣٦٣ش)، منتقى الجمان فى الاحاديث الصحاح و الحسان، به كوشش على اكبر غفارى، قم: مؤسسة النشر الاسلامى.
- حسينى، سيد عليرضا و عبدالرضا حمادى (١٣٩٣ش)، “جايگاه نقد محتوايى در اعتبار سنجى احاديث شيعه”، پژوهشهاى قرآن و حديث، تهران، سال ٤٧، شماره ١، بهار و تابستان، ص ٢٧-٥١.
- خداميان الآرانى، مهدى (١٣٨٩ش)، فهارس الشيعة، قم: مؤسسة تراث الشيعة.
- خطيب بغدادى، احمد بن على (١٩٧٤م)، تقييد العلم، به كوشش يوسف العش، الطبعة الثانية، قاهره: دار احياء السنة النبوية.
- دارقطنى، على بن عمر (١٤٠٥ق)، العلل الواردة فى الاحاديث النبوية، رياض: دار طيبة.
- دارقطنى، على بن عمر (١٤٢٤ق)، سنن الدارقطنى، به كوشش شعيب الارنؤوط و ديگران، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- دارمى، عبدالله بن عبد الرحمن (١٤١٢ق)، سنن الدارمى، به كوشش حسين سليم اسد الدارانى، المملكة العربية السعودية: دار المغنى.
- ذهبى، محمد بن احمد (١٤٠٥ق)، سير أعلام النبلاء، به كوشش شعيب الارنؤوط و ديگران، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- سزگين، فؤاد (١٤١١ق)، تاريخ التراث العربى، ترجمه محمود فهمى حجازى، رياض: جامعة الامام محمد بن سعود الاسلاميه.
- سيد شبيرى، سيد محمد جواد و محمد باقر ملكيان (١٣٩٨ش)، “درنگى بر نسخه تصحيح شده فهرست شيخ طوسى توسط سيد عبدالعزيز طباطبايى”، مطالعات اعتبار سنجى حديث، مشهد، دوره اول، شماره اول، بهار و تابستان، ص ٨٥-١١٦.
- سيد شبيرى، سيد محمد جواد و مصطفى قناعتگر (١٣٩٨ش)، “اعتبار سنجى محتوايى شمارى از گزارههاى كتاب توحيد مفضل با رويكرد عرضه بر روايات شيعى”، مطالعات اعتبار سنجى حديث، مشهد، دوره اول، شماره دوم، پاييز و زمستان، ص ٨٥-١١٠.
- سيستانى، سيد محمدرضا (١٤٣٧ق)، قبسات من علم الرجال، به كوشش سيد محمد البكاء، بيروت: دار المؤرخ العربى.
- سيوطى، جلال الدين (١٤١٥ق)، تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى، به كوشش نظر محمد الفاريابى، بيروت: مكتبة الكوثر.
- شبيرى، محمد جواد (١٣٩٤ش)، (الف)، “منابع نعمانى در غيبت”، ضمن بازسازى متون كهن حديث شيعه، به كوشش سيد محمد عمادى حائرى، قم: دار الحديث.
- شبيرى، محمد جواد (١٣٩٤ش)، (ب)، “تهذيب الأحكام و نقل از منابع واسطه”، ضمن بازسازى متون كهن حديث شيعه، به كوشش سيد محمد عمادى حائرى، قم: دار الحديث.
- شولر، گريگور (١٣٩١ش)، شفاهى و مكتوب در نخستين سدههاى اسلامى، ترجمه نصرت نيل ساز، تهران: مؤسسه انتشارات حكمت.
- صالح، صبحى (١٩٨٤م)، علوم الحديث و مصطلحه، بيروت: دار العلم للملايين.
- صدر، محمد باقر (١٤٠٨ق)، مباحث الأصول، به كوشش سيد كاظم الحائرى، قم: مكتب الإعلام الاسلامى.
- صفا، وحيد (١٣٩٩)، “عوامل ايجاد اختلاف نسخه در ميان اصول و مصنفات متقدم اماميه”، مطالعات قرآن و حديث، تهران، سال ١٣، شماره ٢٦، بهار و تابستان، ص ١٩٣-٢١٨.
- صفار، محمد بن حسن (١٤٠٤ق)، بصائر الدرجات، به كوشش محسن كوچه باغى، قم: مكتبة آية الله المرعشى النجفى.
- طارمى راد، حسن (١٣٩٤)، “پيشينه مكتوب منابع معتبر حديثى شيعه اماميه”، ضمن بازسازى متون كهن حديث شيعه، به كوشش سيد محمد عمادى حائرى، قم: دار الحديث.
- طوسى، محمد بن حسن (١٤٠٧ق)، تهذيب الأحكام، به كوشش حسن موسوى خرسان، تهران: انتشارات اسلاميه.
- طوسى، محمد بن حسن (١٤١٤ق)، الأمالى، به كوشش مؤسسة البعثة، قم: دار الثقافة.
- طوسى، محمد بن حسن (١٤١٧ق)، العدة فى اصول الفقه، به كوشش محمدرضا انصارى قمى، قم: محمد تقى علاقبنديان.
- طوسى، محمد بن حسن (١٤٣٥ق)، الفهرست، به كوشش جواد قيومى، قم: مؤسسة نشر الفقاهة.
- عمادى حائرى، سيد محمد (١٣٩٤)، “تحليل كتابشناسى حديث و بازسازى متون متقدم”، ضمن بازسازى متون كهن حديث شيعه، قم: دار الحديث.
- غلامعلى، مهدى (١٣٩٢ش)، تاريخ حديث شيعه در ماوراء النهر و بلخ، قم: دار الحديث.
- فسَوى، يعقوب بن سفيان (١٤٠١ق)، المعرفة و التاريخ، به كوشش اكرم ضياء العمرى، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- كشى، محمد بن عمر (١٤٠٩ق)، اختيار معرفة الرجال، به كوشش حسن مصطفوى، مشهد: مؤسسه نشر دانشگاه مشهد.
- كلبرگ، اتان (١٣٧١ش)، كتابخانه ابن طاووس و احوال و آثار او، ترجمه سيد على قرانى و رسول جعفريان، قم: كتابخانه آيت الله مرعشى نجفى.
- كلينى، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق)، الكافى، به كوشش على اكبر غفارى، تهران: انتشارات اسلاميه.
- گرامى، سيد محمدهادى (١٣٩٠ش)، “درآمدى بر شناسايى جريانهاى اماميه در عراق و ايران در سده دوم و سوم هجرى”، پژوهشنامه تاريخ تمدن اسلامى، تهران، سال ٤٤، شماره ١، بهار و تابستان، ص ١٢١-١٥١.
- گرامى، سيد محمدهادى (١٣٩٦ش)، نخستين انديشههاى حديثى شيعه، تهران: انتشارات دانشگاه امام صادق.
- مارشال، روبر (١٣٧٢ش)، “نقد متون”، ضمن روشهاى پژوهش در تاريخ، زير نظر شارل ساماران، ترجمه ابوالقاسم بيگناه، مشهد: بنياد پژوهشهاى آستان قدس رضوى.
- مجلسى، محمدتقى (١٤٠٦ق)، روضة المتقين، به كوشش على پناه اشتهاردى و حسين موسوى كرمانى، قم: مؤسسه فرهنگى اسلامى كوشانپور.
- محقق حلى، جعفر بن حسن (١٤٢٤ق)، “من نوادر التراث الحديثى: تلخيص الفهرست للشيخ الطوسى”، علوم الحديث، به كوشش رضا استادّى، قم، شماره ١٤، رجب-ذو الحجة، ص ٢١١-٢٥٢.
- مددى موسوى، سيد احمد (١٣٩٣ش)، “فقه و مسلك فهرستى و نسخهشناسى”، نگاهى به دريا، قم: مؤسسه كتابشناسى شيعه.
- مددى موسوى، سيد احمد (١٣٩٤ش)، “گفتگو”، بازسازى متون كهن حديث شيعه، قم: دار الحديث.
- مدرسى طباطبايى، سيد حسين (١٣٨٦ش)، ميراث مكتوب شيعه از سه قرن نخستين هجرى، ترجمه سيد على قرائى و رسول جعفريان، قم: مورخ.
- مزى، يوسف بن الزكى (١٤٠٠ق)، تهذيب الكمال، به كوشش بشار عواد المعروف، بيروت: مؤسسة الرسالة.
- المطيرى، حاكم عبيسان (٢٠٠٢م)، تاريخ تدوين السنة و شبهات المستشرقين، كويت: جامعة الكويت.
- مفيد، محمد بن محمد (١٤١٣ق)، (الف)، جوابات اهل الموصل فى العدد و الرؤية، به كوشش مهدى نجف، قم: كنگره هزاره شيخ مفيد.
- مفيد، محمد بن محمد (١٤١٣ق)، (ب)، المسائل العكبرية، قم: كنگره هزاره شيخ مفيد.
- ملكيان، محمد باقر (١٣٩٤)، مقدمه بر رجال النجاشى، قم: مؤسسه بوستان كتاب.
- موتسكى، هارالد (١٣٨٥ش)، “مصنف عبد الرزاق صنعانى: منبعى براى احاديث قرن نخست هجرى”، ترجمه شادى نفيسى، علوم حديث، قم، سال ١١، شماره ٤٠، تابستان، ص ٩٥-١٢٢.
- ميرزايى، احمد (١٣٩٨ش)، بررسى روايات به روش فهرستى، قم: مؤسسه مطالعات راهبردى علوم و معارف اسلام.
- نجاشى، احمد بن على (١٤٣٦ق)، رجال النجاشى، به كوشش سيد موسى شبيرى زنجانى، قم: دفتر انتشارات اسلامى.
- نيل ساز، نصرت (١٣٩١ش)، “ماهيت منابع جوامع روايى اوليه از ديدگاه گرگور شولر”، رهيافتهايى در علوم قرآن و حديث، مشهد، سال ٤٤، شماره ٨٨، بهار و تابستان، ص ١٣٣-١٦٤.
- نيل ساز، نصرت (١٣٩٣ش)، “تبيين و ارزيابى نظريه سزگين درباره شناسايى و بازسازى منابع جوامع روايى”، پژوهشهاى قرآن و حديث، تهران، سال ٤٧، شماره ٢، پاييز و زمستان، ص ٣٢١-٣٤٦.
- همام بن منبه (١٤٠٧ق)، صحيفة همام بن منبه، به كوشش على حسن على عبد الحميد، بيروت: المكتب الاسلامى.