مقدمة
بِحمد الله والصلَاة والسلام على رسول الله وأوصيائه الاثني عشر المصطفين من قِبَل الله.
أسعى في هذه المقالة الموجزة إلى شرح المنظومة الهيكلية لعلم أصول الفقه وفقاً للمباني المستفادة من دراسة المسالك الاجتهادية، لكي تتضح مكانة علم الأصول بالنسبة إلى سائر علوم المنطقة الدينية، ومكانته بالنسبة إلى العلوم الواقعة في المناطق الأخرى؛ وإن كان هذا الإيجاز لا يفي بإيضاح الحدود ورسم الثغور بين علم الأصول وسائر العلوم. ومع ذلك، فإن سعة نطاق مباني أصول الاجتهاد وأصول الفقه في العصر الحاضر، لا سيما وفقاً لنظرية التحول الاكتشافي للاجتهاد، ستتجلى من خلال الشرح الكلي لهيكلية أصول الفقه. (١. هذه الرؤية قد حصلت لي قبل عدة سنوات خلال دراسة مسالك الاستنباط، وقد نُشر جزء منها حتى الآن. (راجع مقالة «دراسة المسالك الأصولية والإخبارية ونظرية الاجتهاد الاكتشافي» في مجلة كيهان انديشه)).
بطبيعة الحال، يُشار في هذا المقال فقط إلى نتيجة مباني هذه النظرية، ولا يُتطرق إلى عرض النظرية نفسها أو مبانيها؛ ذلك أن مجرد عرض موجز للنظرية المذكورة يستدعي من جهة عرض نظريات أخرى في هذا المجال، ومن جهة أخرى يستدعي عرضاً نقدياً للجهاز العقلي والحُسن، الأمر الذي يحوّل هذا المقال الموجز برمته إلى بحث مفصّل يخرج عن نطاق هذا المقام. وأما بيان النظام الجامع لعلم الأصول:
مصادر الاجتهاد – على وجه العموم – [ و ] مصادر أصول الفقه – على وجه الخصوص
تُسمى هذه المصادر بالأدلة الأربعة، وهي: كتاب الله، وسنة النبي (صلى الله عليه وآله) والأوصياء (عليهم السلام)، والعقل، والإجماع. وفي هذا السياق، يُعد الكتاب والسنة في الاجتهاد المصدرين الأساسيين للدين. أما العقل والإجماع فيقعان في طول الكتاب والسنة، ولذلك فهما في مرتبة متأخرة وليسا من مصادر التشريع؛ بل هما مشروطان ومحدودان يمكن أن يكونا كاشفين عن معطيات الكتاب والسنة. ذلك أن الدليل العقلي يعمل من خلال قاعدة الملازمة، والإجماع يدخل في الاستدلالات الفقهية من خلال تضمنه لرأي المعصوم (عليه السلام) أو كشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام). وكل من الملازمة والتضمن والكشف، في العقل والإجماع، يمكن أن يدخل في الاستدلال الاجتهادي ضمن شروط معينة في منطقة محددة. وحينئذٍ، بعد الدخول في الاستدلال الاجتهادي، إذا تم التوصل إلى استنباط فقهي عن طريق الملازمة والتضمن والكشف، فيجب نقد هذا الاستنباط على مرحلتين.
الأولى: مرحلة اختبار الاستنباط عن طريق العقل والإجماع، لمعرفة ما إذا كانت شروط الاستنباط قد استُخدمت فيه، وهل وصل إلى مرحلة إنتاج قاعدة الملازمة في العقل أو قاعدة التضمن والكشف في الإجماع أم لا؟
الثانية: مرحلة التحقيق في ميزان حجية الاستنباط الذي تم التوصل إليه. بمعنى، هل حجيته في ميزان الحجية المتعدية بحيث يمكن أن تكون أساساً للفتوى؟ أم أنها في ميزان الحجية اللازمة، وبالتالي لا يمكن أن تكون أساساً للفتوى للمقلدين؟
هوية علم الأصول بالمعنى الأعم
كل علم يتولى وظيفة الكشف والتمحيص والاستدلال بالنسبة لعلوم أخرى، يُعتبر منطقاً لتلك العلوم وعلماً آلياً لعلوم منطقته. وبالطبع، فإن العلم الذي يتولى هذه الوظيفة بالنسبة لمطلق التفكير هو المنطق الكلي والمنطق العام، الذي يشكل المنطق الكلاسيكي والمنطق الحديث جزءاً منه.
إذا كانت العلوم الأخرى هي «Y» والعلم الآلي هو «X»، فسيكون لدينا تابع يقابل كل مجموعة من العلوم المسماة «Y» بعلم آلي يسمى «X»، على النحو التالي: { P [ Y ]n… = X }.
الآن، وبناءً على هذا، وبما أنه يوجد في علوم المنطقة الدينية، سواء كضرورة منطقية أو كأمر واقع، علم يتولى وظيفة الكشف والتمحيص والاستدلال ثم الاستنباط، فإنه يوجد لجميع العلوم الدينية علم واحد بهذه الوظيفة الأساسية. وبما أنه يجعل مباني تلك العلوم موضوعاً لبحثه وتمحيصه، فهو علم الأصول العام الذي يقرر أصول الاستنباط بشكل شامل.
يشمل أصول الاستنباط العام جميع المسائل النظرية والاكتسابية في المباني والفروع. وبما أنه يضع مباني الاجتهاد لتلك العلوم في صلب التحقيق والتمحيص، فهو علم أصول الاجتهاد. وبما أنه يمحص مباني الاستنباطات الفقهية، فهو علم أصول الفقه. وفي جميع هذه الحالات، فإن هذا العلم الاستنباطي هو علم منطقي وآلي وانضباطي لسائر العلوم الدينية.
وللتوضيح نقول: إن كونه آلياً ليس بمفهوم كونه مقدمة، وكون أصول الفقه علماً استنباطياً آلياً يعني أن هذا العلم يتولى تبيين وتحقيق الأمور التي هي العوامل والموجبات الكلية لإمكان استنباط الأمور والقرارات الفقهية. ولأن علم الأصول في مقام البحث الأصولي، يجرد عوامل وموجبات الكشف والاستنباط من المضامين الخاصة. من هنا، فإن العوامل والموجبات المطروحة في أصول الفقه، كالصور والنظم المطروحة في المنطق، هي آلية وهيكلية، ولا ترتبط بمعنى خاص، وتوفر شروط انتقال المعنى وإنتاج النتيجة. بناءً على ذلك، ليس أصول الفقه علماً مقدمياً، بل هو علم استنباطي آلي بمنزلة المنطق للفقه، ويجري في الاستنباطات الفقهية. وكما أوضحت في شرح المسلكين الأصولي والإخباري وفي دراستهما، فإن أصول الفقه بالمعنى الأعم، الذي يشمل مباني الاستنباط وقواعد الاجتهاد الفقهي، مشترك بين المسلكين المذكورين؛ لأن كلا المسلكين لهما طريقة استنباطية ويشتركان في هذا، وتمييزهما يكمن في خصوصية الاستنباط لدى كل منهما. فكل من المسلكين المذكورين يساهم بمبانٍ وقواعد خاصة في الاستنباط الفقهي.
على سبيل المثال: المسلك الإخباري لا يعتمد على الاستدلالات العقلية الاكتسابية وغير الضرورية، لا في مقدمات الاستنباط ولا في متن عملية الاستنباط؛ أما المسلك الأصولي فلا يرفض إمكان الاستفادة المشروطة من الدليل العقلي عن طريق قاعدة الملازمة رفضاً قاطعاً، بل يقبله.
الآن، وللتوضيح بشأن تقسيم علم الأصول إلى علمين استنباطيين، نقول: علم الأصول، على نحو مانعة الخلو، يكون بأحد معنيين:
المعنى الأول هو أصول الاجتهاد الذي يشمل جميع علوم المنطقة الدينية. من علم أصول الدين إلى علم تفسير القرآن والأحاديث، إلى علم الكلام الإسلامي الخاص والمستند، والفلسفة الإسلامية الخاصة والمستندة، وإلى أصول الفقه، وكذلك كل علم آخر يمكن استنباطه من مصادر الكتاب ونصوص المعصومين (عليهم السلام)، يندرج تحت مظلة أصول الاجتهاد. إن أسس وتوجيهات وتساؤلات علم أصول الاجتهاد عالمية. وقد بينت بعض هذه الأمور في بعض كتاباتي، خاصة في المقال المخصص لنظرية الاجتهاد الاكتشافي الذي نُشر جزء منه في مجلة كيهان انديشه.
والمعنى الثاني منهما هو معنى أصول الفقه، الذي حاولت في هذا المقال الموجز أن أبينه من منظور جديد مستخرج من مباني أصول الاجتهاد، وأن أعرض تنظيمه وترتيبه في منظومة هيكلية متحدة ومترتبة. بالطبع، في مقال قصير، لا يتيسر تبيين أصول الفقه على هيئة منظومة هيكلية بشكل مستدل. ولكن تبيينه بشكل إشاري متيسر. والآن، تُعرض تباعاً المؤسسات والأقسام والمراحل للمنظومة الهيكلية لأصول الفقه من منظور خاص توصلت إليه:
مراحل المنظومة الهيكلية لأصول الاجتهاد ستُشرح بمشيئة الله في مقال آخر.
أ) تعريف أصول الفقه
هو علم هيكلي يبين ويبحث ويستدل على المؤسسات الآلية القابلة للتعميم في الاستنباط الفقهي. تتحلل المؤسسات الآلية للاستنباط إلى الموضوعات والمحمولات، والمقدمات والتوالي، والشقوق الانفصالية في القضايا الحملية والشرطية والمنفصلة، وإلى القضايا نفسها، وكذلك إلى الملازمات والاقتضاءات. سمة جميع هذه الأجزاء أنها أجزاء لمؤسسات آلية، كما أن سمة المؤسسات المتشكلة من هذه الأجزاء تتحدد في ثلاث خصوصيات:
- إمكان وقوعها على نحو الطريقية في كل عملية الاجتهاد، وإن لم يكن لها مدخلية فعلية في الاجتهاد، أو حتى أُقيم الدليل على امتناع مدخليتها في الاستنباط.
- قابلية التعميم بالنسبة لأبواب الفقه. وهذا يعني إمكان تعميم تعاريف وقضايا علم الأصول على جميع أبواب الفقه، وإن لم يشمل بعضها بالفعل كل الفقه.
- كونها آلية. بمعنى أن مسائل علم الأصول يجب أن يكون لها موقع محدد منطقي وهيكلي بالنسبة لمسائل الفقه. بحيث تُنظم المضامين الفقهية في الأطر الأصولية الممكنة ليتسنى استنباط الأمور الفقهية من عناصر أصول الفقه.
- كونها استنباطية. بمعنى أن تعاريف وقوانين علم الأصول هي أدوات استنباط علمية، كما أن خبر الواحد، وسيرة المتشرعة، والإجماع، هي من جملة عناصر استنباط واكتشاف الأحكام الفقهية، والمجتهدون يسعون من خلال تتبع الروايات والسير والإجماعات وغيرها من العناصر الأصولية إلى استنباط الأحكام والقرارات الشرعية.
يمكن الآن تعريف أصول الفقه بإيجاز كما يلي: «أصول الفقه هو علم اجتهادي بالعناصر الآلية والاستنباطية والقابلة للتعميم، بحيث يستطيع الفقيه باستخدام تلك العناصر وتطبيقها على الموارد الخاصة، أن يستنبط الأحكام والأمور الفقهية على أساس الأدلة الأربعة».
ب) سمة مسائل أصول الفقه
الآن وقد تم تعريف علم الأصول، حان وقت تحديد سمة مشتركة لجميع مسائل علم الأصول. مسائل أصول الفقه هي أمور لها سنخية مع المؤسسات الأصولية. وبسبب هذه السنخية، فإن إيجاب القضية وسلبها كلاهما أصوليان. علم الأصول يبحث ويمحص المسائل التي من هذا القبيل. أحياناً، يتوصل البحث إلى نتيجة مفادها أن المسألة قيد البحث لا تصلح للوقوع في الاستنباط. ومع ذلك، تظل المسألة المبحوث عنها من سنخ مسائل الأصول؛ وإن ثبت بطلانها. فإذا لم تكن من مسائل الأصول، لما استطاع علم الأصول أن يبت فيها، وكون علم الأصول يستطيع أن يبت فيها هو علامة على كونها أصولية. وبشكل عام، في كل علم، فإن رد وقبول المسائل هو من وظيفة ذلك العلم نفسه، وفي كلتا الحالتين، تُعد المسألة قيد البحث من سنخ مسائل ذلك العلم.
وللتوضيح نضيف: موضوعات ومحمولات مسائل الأصول، بما أن لها جانباً آلياً وطريقياً، يجب أن تكون ناظرة إلى مضامين الفقه، لا حاملة وواجدة لتلك المضامين. وكذلك المقدم والتالي في الشرطيات الأصولية والشقوق الانفصالية في المنفصلات الأصولية. على هذا الأساس، يمكن وضع الأصول العملية الأربعة (البراءة، الاحتياط، التخيير، الاستصحاب) في مجموعة القواعد الفقهية. ومع ذلك، هناك استدلال قوي على أن الأصول العملية – كما هو مشهور أيضاً – تُدرج ضمن مسائل علم الأصول. بالطبع، بصرف النظر عن ذلك الاستدلال الذي تُستحصل مقدماته من خلال تعريف علم الأصول، يبدو أنه يوجد في الأصول العملية الأربعة، من حيث كونها فقهية أو أصولية، نوع من التعارض الاستدلالي الذي ما لم يُحل، لا يتضح كون الأصول المذكورة فقهية أو أصولية. ولكن الاستدلال المشار إليه، الذي يستند إلى التعريف الجديد لعلم الأصول، قادر على حل هذا التعارض.
ج) تصنيفات مسائل علم الأصول
تحدد هذه التصنيفات آلية عمل أصول الفقه ووظيفته. بتعميم بعض هذه التصنيفات واستبدالها بتصنيفات أخرى لهيكلية أصول الاجتهاد العام، يتضح وجود منطقة أوسع من أصول الفقه. وبما أن الملحوظ في هذا البيان هو أصول الفقه فقط، لذا، نكتفي ببيان تصنيفات مسائل أصول الفقه بناءً على التعريف الذي تم لعلم الأصول، في عرض موجز:
التصنيف الأول: الكواشف والاكتشافات غير الشرطية
وهي التي تشمل جميع مباحث الدلالات والمدلولات والألفاظ وذوات الأدلة. من مباحث الصحيح والأعم، والمشتق، والأصول اللفظية، والبناءات والسير العقلائية، إلى الأوامر والنواهي، ومباحث العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمفسِّر والمؤوَّل، والحاكم والمحكوم، والوارد والمورود، وكذلك المباحث التي تبحث في وجود الأدلة الفقهية وشروطها وحدودها وإمكان أو عدم إمكان كاشفيتها ودرجة أو مدى كاشفيتها، كلها تقع ضمن تصنيف الكواشف والاكتشافات غير الشرطية.
ذوات الأدلة العقلية في علم أصول الفقه لا تندرج في هذا التصنيف أيضاً. هذا التصنيف من مسائل أصول الفقه لا يبحث عن حجية وعدم حجية الأدلة المطروحة وحدود شروط الحجية أو منجزية الأدلة، بل في المرحلة الأولى، يلحظ الموقع الوجودي للأدلة، وفي المرحلة الثانية، يدرس سمات أصول الفقه لها، وفي المرحلة الثالثة، يحقق في شروط وطرق حصولها، وفي المرحلة الرابعة، يمحص إمكان ودرجة كاشفيتها.
أما البحث عن حجية ومنجزية الأدلة المذكورة، فلا يتم في هذا التصنيف، بل يُحال إلى تصنيف مباحث التنجيز والاحتجاج. بناءً على ذلك، يغطي تصنيف الاكتشافات غير الشرطية عدة مجموعات فرعية أساسية، وهي بإيجاز:
- الصحيح والأعم.
- المشتق.
- الأوامر والنواهي.
- مفاهيم الشرط والوصف والحصر وغيرها.
- العام والخاص، المطلق والمقيد، الحاكم والمحكوم، وسائر المتضايفات الأصولية كالمجمل والمبين أو الناسخ والمنسوخ.
- السير الشرعية والمتشرعية والعقلائية.
- الإجماعات المنقولة والمحصلة.
- الأخبار وشروطها وطرقها وأسانيدها وأقسامها.
- سائر الأمارات الظنية وما دون الظنية من حيث إمكان الكاشفية أو امتناع الكاشفية، وكذلك من حيث حدود وشروط الإمكان والامتناع.
في جميع هذه المباحث، يُبحث فقط في الموقع الإمكاني والوجودي والشرطي للعناوين المذكورة. أما بحث القيمة والإحراز فيُحال إلى مباحث التنجيز والاحتجاج.
التصنيف الثاني: الكواشف والاكتشافات الشرطية
يغطي هذا التصنيف الملازمات، الاقتضاءات، المنفصلات، اجتماع الأوامر والنواهي، وتزاحم المقتضيات والأدلة. المجموعات الفرعية لهذا التصنيف هي:
- مجموعة الملازمات العقلية المحضة، المسماة بالمستقلات العقلية. هذه المجموعة تتفرع عن الأدلة العقلية التي وُضعت ضمن التصنيف الأول من حيث ترتيب البحث؛ فالتصنيف الأول يشمل ذوات الأدلة وشروطها وحدودها، وأخبار الآحاد، والإجماعات، والسير، وذوات العناصر الأخرى غير الشرطية تقع في هذا التصنيف. بحث الملازمات نفسه، وإن كان في التصنيف المذكور الذي يبحث عن الذوات، إلا أنه من حيث الماهية يتعلق بالدليل العقلي. من هنا، بعد إثبات الملازمة العقلية بين الشرع والعقل، يجب أن يُطرح هذا البحث: هل يمكن للملازمة، كدليل عقلي، أن تستنتج حكماً شرعياً؟ في أي من بحوث التصنيفين الأول والثاني وبحوث التصنيف الثالث من درجة الحجية والمنجزية، لا يُبحث في الكواشف والأدلة؛ لأن هذا النوع من البحث يختص بتصنيف مسائل الحجية. وبشكل عام، في التصنيفات الأخرى، يُبحث في مسائل ماهية الأمور الأصولية وموقعها الوجودي، وشروطها وحدودها، وكيفيتها، وعلاقاتها، واستنتاجاتها. وحينما تُعرف مرحلة موقعها الاستنتاجي والوجودي، يأتي دور دراسة الحجية وسائر المباحث المتعلقة بالقيمة الاستنباطية. لهذا السبب، في المستقلات العقلية في المرحلة الأولى، يُحقق في أن مبانيها العقلية هي من جملة العناصر والقضايا العقلية الكلية أم تتعلق بمجموعة العناصر والقضايا العقلية الاكتسابية وغير الكلية. في المرحلة الثانية، إذا عُلم أن جميعها أو جزءاً منها يتعلق بالعقل الاكتسابي، يُحقق في سبب وكيفية وطريقة الوصول إلى استنتاج المستقلات العقلية. ثم في المرحلة الثالثة، التي ترتبط بمباحث الحجية، يُنقد ويُحقق في حجية ومنجزية وقيمة استنباط الملازمات العقلية ومبانيها.
- مجموعة غير المستقلات العقلية، وهي تلك الملازمات التي يكون مقدمها معطى من خلال النصوص الدينية أو مستنبطاً من النصوص، ولكن تاليها يُثبت عن طريق الملازمة، مثل مسألة الواجب ومقدمة الواجب، ومسألة الأمر واقتضاء النهي عن الضد. بالطبع، يمكن أيضاً تقديم المباحث الملازماتية في غير المستقلات العقلية كبحوث عقلية أو كقضية قابلة للاستنباط من النصوص الدينية. هذه المجموعة تسمى بالاستلزامات العقلية. مبحث الاستلزامات، على أي حال، ليس من المستقلات العقلية؛ لأن العقل لا ينظر إلى الاستلزامات إلا بشكل مشروط وبفرض ثبوت قضية أخرى. وأما المباحث الملازماتية في المستقلات العقلية، فهي من سنخ المباحث العقلية المحضة التي تنقسم إلى قسمين: كلي وغير كلي. كلا القسمين يقعان في تصنيف الاكتشافات الشرطية. وفي هذا التصنيف، يُبحث في موقعها العقلي وحدودها وشروطها. ثم في تصنيف الحجيات والمنجزيات، تُنقد وتُستدل على حجية وعدم حجية هذه الملازمات.
التصنيف الثالث: مباحث الملاكات
وهي التي تُنظم وتُرتب في خمس مجموعات: تخريج الملاكات، تنقيح الملاكات، تحقيق الملاكات، تبيين الملاكات المنصوصة، وتعميم الملاكات. ثم في تصنيف بحوث الحجية والمنجزية، تُطرح هذه المسألة: هل للاستنباطات الملاكية قيمة فتوائية أم لا؟ وإذا كانت لها قيمة، فضمن أي شروط وفي أي حدود تكون لها هذه القيمة؟ وبعبارة أخرى، هل الاستنباطات الملاكية هي أيضاً مدرك شرعي؟ وإذا كانت كذلك، فهل هي لازمة أم متعدية؟ (١. إشارة إلى مبناي في تقسيم الحجة إلى لازمة ومتعدية وشاملة. الحجة اللازمة لها قيمة فقط لصاحبها. الحجة المتعدية لها قيمة لغيره أيضاً بشروط وفي حدود معينة. والحجة الشاملة هي حجة وملاك للجميع على حد سواء.) كما يُطرح في هذا التصنيف، وفي المجموعة المخصصة للأدلة العقلية، هذه المسألة: هل للعقل قدرة على الوصول إلى ملاكات القرارات والأحكام أم لا؟ وعلى فرض الوصول إلى الملاكات، هل يمكنه الاعتماد على رأيه في الملاكات المحصلة استنباطياً أم لا؟ هذه المسألة الأخيرة، التي تبحث في إمكان وعدم إمكان الاعتماد الفقهي على الملاكات المستخرجة عن طريق العقل، تتعلق بمباحث الحجية والمنجزية.
التصنيف الرابع: مباحث ونقد الحجية والمنجزية
وهي من أكثر مسائل أصول الفقه أساسيةً ونتاجها النهائي. في هذا التصنيف، وفقاً لرؤية جديدة، تُفصل أولاً مسألة الحجية والمدركية عن مسألة المنجزية. ثم تُدرس حالات كل منهما. بعد ذلك، تُنقد شروط وحدود كل منهما. في هذا السياق، يتم البحث الجديد في تفكيك الحجية اللازمة عن الحجية المتعدية، وتفكيك كليهما عن الحجية الشاملة (الكونية، العالمية). هذا التفكيك، بالإضافة إلى كونه أساسياً ومفيداً جداً، فإنه يبين بوضوح الفارق بين الأنظار العلمية البحتة والأنظار العلمية التي يمكن أن تكون أساساً للعمل الفقهي. تلك الأنظار العلمية التي تفتقر إلى الجانب الفتوائي ليست ملاكاً للعمل، فقط الأنظار العلمية المقرونة بسند للإفتاء يمكن أن تكون ملاكاً للعمل. كما يتم في هذا المجال تفكيك المنجزية اللازمة عن المنجزية المتعدية، ثم كليهما عن المنجزية الشاملة (الكونية، العالمية). بالإضافة إلى ذلك، يبرز مبحث رئيسي في باب المنجزية، وهو الفصل بين المنجزيات الفقاهتية والمنجزيات الاجتهادية. هذا الفصل يتناظر مع فصل الأدلة الفقاهتية عن الأدلة الاجتهادية الذي اكتشفه محققو علم الأصول ونقحوه بعمق.
التصنيف الخامس: القطوع والظنون والشكوك (اليقينيات، والظنيات، والشكوك)
في هذا التصنيف، يُبحث في أحكام القطع والظن والشك من الناحية الطريقية والموضوعية. بالطبع، البحث في هذا التصنيف هو من النوع الأصولي ويختلف عن البحث الفقهي حول أحكام القطع والظن والشك. من المسائل الرئيسية في القطع من منظور جديد: أولاً، أن القطع من سنخ المنجِّزات، وفي حال كان اكتشافه عينياً ومستنداً إلى الاستدلال أو التجربة أو المشاهدة، فإن القطع في هذه الحالة له منجزية وحجية معاً. وثانياً، أن منجزية القطع هي منجزية لازمة وتختص بالشخص القاطع. ولهذا، فإن قطع فرد لا يكون ملزماً لفرد آخر ليس لديه ذلك القطع. بمعنى أن قطع فرد لا يمكن أن يكون منجِّزاً للآخرين. ثالثاً، أن القطع إذا كان يتمتع بالحجية بالإضافة إلى المنجزية، فإن منجزيته وحجيته يمكن أن تتعدى، ويمكن أن يصبح منجِّزاً أو حجة لفرد أو أفراد آخرين بشروط وفي حدود معينة. رابعاً، هل يمكن تخطئة القطع الطريقي؟ على سبيل المثال، المسألة التي هي محل بحث وخلاف بين المسلك الأصولي والمسلك الإخباري هي أنه من جهة، في المسلك الإخباري، القطع الحاصل عن طريق العقل لا قيمة شرعية له. لازم هذه الرؤية هو إمكان تخطئة القطع الطريقي. ومن جهة أخرى، في المسلك الأصولي، بما أن الحجية للقطع ذاتية، فلا يوجد أي طريق لرد القطع الحاصل، إلا إذا تحول القطع من طريق إلى قطع موضوعي، أو لوحظ تقصير وتفريط من الشخص القاطع، فتكون التخطئة موجهة نحو التقصير والتفريط قبل القطع بدلاً من القطع نفسه. أو أن يتم التفكيك بين الجعل والمجعول، وبهذه الطريقة يمكن توفير إمكانية جعل القطع مشروطاً، كما ذهب إليه بعض كبار المحققين. أو أن يُعتمد المسلك الذي قصده هذا القاصر بناءً على نقد العقل وتمحيص الطرق الاجتهادية. بناءً على هذا المسلك، يمكن الاحتجاج على القطوع الطريقية الشخصية غير المستندة إلى مبانٍ عينية.
التصنيف السادس: التعادل والتراجيح
في هذا التصنيف، تُطرح المباحث والدراسات المتعلقة بتقابل الأدلة، سواء كانت جميع الأدلة اجتهادية أو فقاهتية، أو كان بعضها اجتهادياً وبعضها الآخر فقاهتياً. بالطبع، في الحالة الأخيرة التي يكون فيها بعض الأدلة اجتهادياً وبعضها فقاهتياً، وإن كانت الأدلة الاجتهادية متقدمة دائماً، إلا أن المسألة الرئيسية هي دراسة نسبتها إلى الأدلة الفقاهتية وكذلك سبب وكيفية الانتقال إلى الأدلة الفقاهتية. هذا التصنيف هو متمم للاجتهاد وموجب لإنتاج الاستدلال الفقهي. يثمر الاستدلال الفقهي بالنظر إلى كلتا مرحلتي الاجتهاد والفقاهة بشكل كامل، ويضع مسائل الفقه في أي موقع بحثي بحيث تتمكن النتائج الحاصلة، بالإضافة إلى توفير سند للأنظار الفتوائية، من توفير سند تحقيقي للأنظار العلمية البحتة التي لم تكتسب بالفعل جانباً فتوائياً، وبهذه الطريقة يوسع فضاءها.
التصنيف السابع: الأصول العملية الأربعة
هذه الأصول هي البراءة، الاحتياط، التخيير، والاستصحاب. من المسائل الرئيسية المطروحة في هذا التصنيف هي: هل الأصول المذكورة من مجموعة القواعد الفقهية أم من فئة الضوابط الأصولية؟ على أي حال، فإن هذه الأصول الأربعة جارية في جميع أبواب الفقه، ويُرجع إليها عند عدم وجود أدلة اجتهادية أو إجمالها أو تعارضها. بالطبع، في حالة تعارض الأدلة الذي ينتهي بالتعادل، وإذا لم يكن مبنى الفقيه في باب تعادل الأدلة هو تساقط الأدلة، بل التخيير الاجتهادي، فلا تصل النوبة إلى الأصول العملية الأربعة، ويكون التخيير فيها اجتهادياً لا فقاهتياً؛ لأن الأصل العملي، كدليل فقاهتي، يجري في مورد لا يوجد فيه دليل اجتهادي. وحيثما يوجد دليل اجتهادي، فإن الدليل الفقاهتي لا يجري، إما من حيث حكومة الدليل الاجتهادي أو من حيث وروده. الآن – على أي حال – المطلب الرئيسي في مبحث الأدلة الفقاهتية (الأصول العملية)، سواء عُدت من الضوابط الأصولية أو من القواعد الفقهية، هو أن الانتقال من الأدلة الاجتهادية إلى الأصول العملية هو انتقال أصولي، والفقيه من حيث أنه توصل بنظر أصولي إلى أن مورد بحثه يقع تحت الأصول العملية، يرجع لتشخيص وظيفته العملية إلى الأصول المقررة في ذلك المورد. لهذا، حتى لو كانت الأصول العملية من سنخ القواعد الفقهية، فإن تحديد مورد كلي كمجرى للأصول العملية هو إما عمل أصولي أو عمل مبنائي للفقه، وإن لم يكن أصولياً، بل من سنخ تحقيق الأسانيد أو أمر آخر. بناءً على ذلك، فإن استنباط لزوم الرجوع إلى الأدلة الفقاهتية ليس من سنخ الاستنباط الفقهي. وفي مورد قواعد الشكوك الفقهية، وفقاً للتعريف المشهور، فإن لزوم الرجوع إليها يقع أيضاً في منطقة الاستنباط الأصولي أو المبدئي. ولكن هل نتيجة ذلك الاستنباط مسألة فقهية؟ على سبيل المثال، قاعدة الطهارة تجري في حالة الشك في الطهارة، وبناءً على جريانها في الشبهات الحكمية للطهارة، فهي نظير أصل البراءة الذي يجري في حالة الشك في التكليف، وإن لم تكن مسانخة له. ومع ذلك، فإن تحديد أن مورداً ما هو مجرى لقاعدة الطهارة هو من نوع الاستنباط الفقهي ليس كذلك. إذن، وإن كانت قاعدة الطهارة نفسها من النوع الفقهي، إلا أن تحديد مورد كمجرى لقاعدة الطهارة هو من نوع الاجتهاد الأصولي أو المبدئي. أما تطبيق هذا الاجتهاد على مورد قاعدة الطهارة في المرحلة الأولى، فينتج عنه استنباط فقهي سلبي، وهو أنه لم يُستنبط حكم فقهي في المورد المذكور. وفي المرحلة الثانية، يتحقق استنباط فقهي إجمالي، وهو أن المورد المذكور، كشبهة حكمية، له حكم فقهي. في مورد الأصول العملية الأربعة، تحكم هذه الخطة بوضوح أكبر، واستنباط مجاريها يحتاج إلى أصول الفقه وعلم الأسانيد وسائر المباني. ولكن كون استنباط محتواها أصولياً أو فقهياً يعتمد على ما إذا كانت هذه الأصول تنتمي إلى أصول الفقه أم إلى الفقه. ولإيضاح أكثر نقول: القواعد الفقهية في موارد الشكوك، حتى لو كانت الشكوك من نوع الشبهات الحكمية، مستندة إلى الاجتهاد الفقهي لا الأصولي؛ لأن مضامينها من سنخ المضامين الفقهية وتفتقر إلى خاصية الطريقية الاستنباطية التي هي سمة المسائل الأصولية. لهذا، على سبيل المثال، قاعدة الطهارة وقاعدة الحلية، في حال جريانهما في الشبهات الحكمية أيضاً، تقعان في تصنيف القواعد الفقهية؛ لأنهما على الرغم من كل كليتهما، فإن مضامينهما فقهية ولا تملكان بنية استنباطية. مثال آخر للقواعد الفقهية هو قاعدة الإطلاق التي، بعموميتها الكامنة وبوصف العمومية، لا تنتمي إلى أصول الفقه؛ بل هي من ضمن القواعد الفقهية. هذه القاعدة (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) حسب بيانها تختص بالشبهات الحكمية، ومن حيث المضمون هي أخص من أصل البراءة. ومع ذلك، فإن إمكان جريانها في جميع الشكوك الحكمية، التحريمية أو المنعية، في جميع أبواب الفقه، موجود، وفي حال تحقق الظروف والشروط، كغيرها من الأصول العملية والقواعد الفقهية، تصبح فعلية، إلا إذا رُفعت بالتعارض أو حُددت بأصل حاكم أو وارد. ولكن هذه الأصول، بما أنها مشتملة على مضامين فقهية وتفتقر إلى خاصية الاستنباط الأصولي، فهي من القواعد الفقهية لا من المسائل الأصولية.
نظرية الكاتب حول أصولية الأصول العملية
الآن، ولإتمام الحديث عن الأصول العملية الأربعة، بعد أن اتضح أن هذه الأصول، على أي حال، تحتاج من حيث فعلية مجاريها إلى اجتهاد مبدئي، نقول: إن تحديد مجاري الأصول المذكورة وتحديد حدودها وتعيين شروط جريانها منوط بالاجتهاد الأصولي أو المبدئي الآخر. وهذه الأصول المذكورة نفسها ليست من سنخ القواعد الفقهية، بل تنتمي إلى أصول الفقه. ورغم أنه يبدو أنها، لكونها تحمل مضامين فقهية، من فئة القواعد الفقهية، إلا أن هذه الأصول، وفقاً للسمة التي حصلنا عليها من الفقه وأصول الفقه، هي من مسائل علم أصول الفقه. وإن كان يمكن، بسبب عموميتها في الفقه، وضع مباحثها من الناحية البحثية في صدر القواعد الفقهية. ما هو بارز في الأصول العملية ويقوي أصوليتها، هو على الأقل سمتان: أولاً، أن الأصول العملية الأربعة هي من وظائف المجتهدين، وهي نتائج تنتقل إلى سائر المكلفين، ولكن تطبيقها، مثل استخراجها، هو من مسؤولية المجتهدين. على سبيل المثال، عندما يصل المجتهد إلى مرحلة عدم الوصول إلى الأحكام الأولية والثانوية، وتوجد شروط كافية لجريان الأصل العملي، ولا يوجد تعارض، والأصل الحاكم أو الوارد غير متحقق، فإنه في هذه الحالة، بناءً على مبناه في الشبهات الحكمية، إما أن يقول بأصل البراءة، أو بأصل الاحتياط، أو في حال تحقق شروط أحد الأصلين الآخرين (التخيير والاستصحاب)، يقول بأحدهما حسب الشروط المتحققة. وثانياً، أن الأصول العملية الأربعة تُطرح كأدلة فقاهتية، وهذا العنوان يبين أنها أدلة تحدد وظائف المكلفين في مرحلة عدم الوصول إلى القرارات الشرعية. الأدلة الفقاهتية تقع في طول الأدلة الاجتهادية؛ لأنه ما دام يوجد دليل اجتهادي، فلا تصل النوبة إلى الدليل الفقاهتي. الأدلة الاجتهادية هي أدلة تثبت القرارات والأحكام الفقهية، سواء كانت أولية أو ثانوية، على وجه شرعي، سواء كان الإثبات على وجه تأسيسي أو إمضائي. والآن، في حال وجود دليل اجتهادي للقرار والحكم الشرعي، فإن المكلفين لديهم وصول إلى القرار والحكم الشرعي، وشكهم يُلغى إما عن طريق حكومة الأدلة أو ورودها أو منجزيتها أو عن طريق تقرير الأحكام الظاهرية أو بأي طريقة أخرى. ولهذا، لا يبقى مورد لجريان الأدلة الفقاهتية؛ ولكن إذا لم يتمكن المكلفون من الوصول إلى الحكم الشرعي عن طريق الدليل الاجتهادي، ولم يُرفع جهلهم بالأحكام، ولم يتبدل العلم بطريقة ما عن طريق الأدلة، ففي هذه الحالة تصل النوبة إلى الأدلة الفقاهتية التي هي نفسها الأصول العملية الأربعة. من هنا، قال محققو أصول الفقه: «الأصل دليل حيث لا دليل»، ومضمونه أن الأصل العملي يكون دليلاً في حال عدم وجود دليل اجتهادي للحكم الشرعي. الآن، إذا كانت الأدلة الفقاهتية بالنسبة لوظائف المتشرعة لها نفس النسبة التي للأدلة الاجتهادية بالنسبة للأحكام – وهي نسبة استنباطية – فإنه يمكن إدراجها في نطاق علم الأصول. ولكن لتثبيت أصوليتها، يجب إظهار أن الأصول العملية الأربعة، سواء كانت عقلية أو شرعية، خالية من الموضوعات والمحمولات الفقهية. بعد إظهار هذا الجانب، يمكننا، من خلال خاصية الآلية والاستنباطية، إثبات أن هذه الأصول، كغيرها من المؤسسات الاجتهادية، تقع في حوزة علم الأصول.