نقد مسألة حدوث القرآن من وجهة نظر القاضي سعيد القمي مع الأخذ في الاعتبار مبادئ الملا صدرا

الملخص: تعد مسألة حدوث القرآن أو قدمه من أقدم المباحث الكلامية واللاهوتية التي أدت إلى ظهور اختلافات عقدية وسياسية عديدة في العالم الإسلامي، حيث اعتقد الأشاعرة بقدمه والمعتزلة بحدوثه. ومن بين المفكرين الشيعة، يرى القاضي سعيد القمي، من خلال تفسيره وتحليله للأحاديث المنقولة عن الأئمة المعصومين، أن القول بقدم القرآن أو كونه خالقًا غير صحيح، ولذا فهو يقول بحدوثه كالمعتزلة، مع الفارق أنه لا يرى إطلاق لفظ “مخلوق” على القرآن صحيحًا، نظرًا لتبادر معنى “المكذوب” منه وعدم ورود إطلاق شرعي صحيح. وبناءً على مبادئ الملا صدرا، فإن قدم القرآن وصفة الكلام تستلزم تعدد القدماء ووجود شريك لله، واعتباره حادثًا يستلزم إمكان الموصوف وحاجته إلى صفته الحادثة. ومن هذا المنطلق، فإن الكلام صفة إلهية لها، كباقي الصفات، عينية مصداقية وتفاوت مفهومي مع الذات.

مقدمة

لا شك أن القرآن كلام الله، وقد نزل به جبريل على قلب النبي محمد ﷺ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [٢٦: ١٩٣]. ومن هنا، فإن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله متكلم وأن الكلام صفة له، فاللّٰه تعالى قد تكلم مع الأنبياء في مواضع كثيرة، وأصدر أوامر ونواهي، وأخبر عن أمور. ومع ذلك، فإن السؤال الرئيسي يدور حول حدوث أو قدم الكلام الإلهي والقرآن.

كان أول نقاش كلامي نشأ بين المفكرين الإسلاميين هو مسألة حدوث القرآن أو قدمه وصفة الكلام الإلهي، والذي أدى إلى نشأة مباحث لاهوتية أخرى وظهور فرق كلامية متعددة. في هذا السياق، اعتبر الأشاعرة صفات الله زائدة عن ذاته وقديمة، بينما اعتبر المعتزلة القدم محصورًا بذات الله، إذ يرى هؤلاء أن إثبات الصفات القديمة يستلزم الشرك ويتنافى مع التوحيد. ولهذا، مال الأشاعرة إلى القول بقدم القرآن، والمعتزلة بحدوثه. ونظرًا للأهمية البالغة لهذه المسألة ووجود نزاعات كلامية وتفسيرية كثيرة من جهة، وصراعات سياسية واجتماعية حول حدوث القرآن أو قدمه من جهة أخرى، فقد أصاب الأمة الإسلامية حيرة عظيمة في هذا الشأن. ولذلك، طرحت أسئلة متعددة على أهل البيت عليهم السلام في هذا الصدد، حتى خُصص باب في كتب الأحاديث الشيعية لماهية القرآن.

القاضي سعيد القمي هو أحد المفكرين والمتكلمين الشيعة القلائل الذين قدموا نظرية حول حدوث القرآن أو قدمه، وذلك بتفسير فلسفي كلامي لهذه الأحاديث. ومن وجهة نظره، فإن القرآن حادث ولكنه ليس مخلوقًا. في المقابل، من أهداف الملا صدرا تطبيق القواعد الفلسفية للحكمة المتعالية على الآيات والروايات. في هذا البحث، سيتم دراسة ونقد نظرية القاضي سعيد القمي بالنظر إلى مبادئ الملا صدرا في الحكمة المتعالية.

طرح المسألة

١. نقد القاضي سعيد لنظرية الأشاعرة في قدم القرآن

يرى الأشاعرة أن صفة كلام الله، وبالتالي القرآن الكريم، قديمة وليست حادثة. والمستند الأساسي لهذه الفرقة الكلامية في إثبات قدم القرآن هو “الكلام النفسي”. فمن وجهة نظرهم، إن من يخبر عن واقعة أو يأمر وينهى شخصًا ما، فإنه يقوم مسبقًا بحديث نفس يتضمن معانٍ معينة، ويجعل الألفاظ الخبرية أو الإنشائية دالة عليها، وهو ما يُسمى بالكلام النفسي. بعبارة أخرى، فإن العبارات التي يستخدمها الإنسان تدل على معانٍ في نفس الإنسان، وإذا لم توجد هذه المعاني، فلن يتحقق كلام أو ألفاظ. وهذا المعنى النفسي هو الكلام حقيقةً، والألفاظ والعبارات تابعة له. وبناءً على قدم هذه المعاني النفسية، فإن كلام الله ليس حادثًا بل قديم.

نظرًا لأن الأشاعرة يعتبرون الكلام، إلى جانب الصفات الست الأخرى (العلم، الحياة، القدرة، الإرادة، السمع، البصر)، قديمًا وعلة لصدور الأفعال، فقد أشارت بعض الروايات الشيعية إلى هذا الأمر بـ”خالقية القرآن”، وتم نقده وإبطاله بشكل عام. على سبيل المثال، سأل شخص الإمام الرضا عليه السلام عن كون القرآن خالقًا أو مخلوقًا، فأجاب الإمام: “لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللّٰهِ عَزَّ وَجَلَّ”.

يقيم القاضي سعيد براهين في إبطال نظرية قدم القرآن وخالقيته:

  • الملاك الذي يقدمه القاضي سعيد للتفريق بين الصفات الذاتية والفعلية هو كالتالي: الله يتصف دائمًا بالصفات الذاتية كالعلم والحياة، في حين أنه يتصف بالصفات الفعلية بحدوث مرتبة الفعل. وبالنظر إلى الأقوال الموجودة في مسألة الكلام، سواء كان حروفًا وأصواتًا (نظرية المعتزلة) أو معانٍ نفسانية (نظرية الأشاعرة)، فإن القاسم المشترك بينها هو قدرة المتكلم على إيجادها بحيث يتعلق قصده بفعلها. وبناءً على هذا المعنى، فإن الكلام ليس صفة ذاتية لله، بل هو صفة فعلية، لأنه بحدوث الكلام في مرتبة الفعل يتصف الله بصفة التكلم، ولا يكون متصفًا بها دائمًا. ومن هذا المنطلق، فإن مشتقات الكلام صفات لله، كصفات الخالق، الرازق، إلخ، وليس معنى الخلق، الرزق، والكلام بذاتهم. وبالتالي، فإن كون الكلام صفة لله كما يثبت الأشاعرة باطل.
  • إذا كان الكلام صفة ذاتية لله كالعلم والقدرة، لأمكن القول بأن الله كلام، كما يصح القول بأنه كله علم وكله قدرة. بينما لا يمكن استخدام مثل هذا التعبير في حق الله، لأن ذات الله ليست محصورة أو محدودة بالكلام، ولم يرد في الشريعة إطلاق بهذا الشأن.
  • تنقسم صفات الله إلى قسمين: صفات تعني سلب ضدها ونقيضها، كالعلم الذي يعني عدم الجهل، والقدرة التي تعني عدم العجز. وبعض الصفات الأخرى هي التي يكون الله واجدًا لمبدئها ومشتقاتها، مثل الخالق والرازق والمريد. ولهذا، ورد في الروايات الشيعية: “لَهُ الْخَلْقَ وَلَهُ الْأَمْرُ وَلَهُ الْخِيَرَةُ وَالْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْمُلْكُ”. والكلام، نظرًا لعدم وجود مقابل أو ضد له، ليس من صفات الفئة الأولى، بل من الفئة الثانية. وبالنظر إلى هذه النقطة، فإن الكلام النفسي ليس أمرًا معقولًا: “فالقول بالكلام النفسي لا يليق بمن له أدنى بصيرة فضلًا عمن ادعى المعرفة”.
  • نظرية الكلام النفسي تؤدي إلى كون القرآن صفة لله، وهذا غير صحيح، لأن القرآن حادث، وحلول الصفة الحادثة في الذات القديمة والمجردة محال، ويؤدي إلى حدوث وتغير ذات الله.

٢. نقد استدلالات القاضي سعيد في إثبات فعلية صفة الكلام بالنظر إلى وجهة نظر الملا صدرا

القاضي سعيد، بتقديم الاستدلالات المذكورة، لا يبطل نظرية الأشاعرة حول المعاني النفسية للكلام فحسب، بل يثبت أيضًا فعلية صفة الكلام. ومن وجهة نظره، فإن كلام الله ليس صفة ذاتية له بل فعلية. بينما إبطال الكلام النفسي لا يعني فعلية صفة الكلام، ولا توجد ملازمة بين الأمرين. إذا كانت صفات الله زائدة عن ذاته وفعلية، فإن الله في مقام ذاته لا يكون مصداقًا للصفات الكمالية، ويكون فاقدًا لهذه الكمالات كالكلام، إلخ. ونتيجة لذلك، سيحتاج إلى علة أخرى، وستكون له نسبة إمكانية تجاهها. علاوة على ذلك، فإن العلة واجدة لجميع كمالات المعلول، وليست فاقدة لها.

الصفات الكمالية كالعلم، القدرة، الحياة، الكلام، إلخ. تتحقق في مرتبة المعلول والممكنات. وبالتالي، فإن الله، الذي هو علة جميع هذه الصفات، ليس فاقدًا لأي من الصفات الكمالية، ومنها الكلام.

وبناءً على ذلك، فإن افتراض فعلية صفة الكلام يؤدي إلى كون الله ممكنًا ومعلولًا. في حين أن الله واجب الوجود ولا يفقد أي كمال، وبالتالي فإن فعلية الصفات الإلهية، ومنها الكلام، غير صحيحة، وصفاته وكلامه ذاتية. ونتيجة لذلك، فإن نظرية القاضي سعيد في هذا المجال غير صحيحة وتواجه انتقادات جدية. ومع ذلك، سيتم مناقشة ونقد استدلالات القاضي سعيد بالتسلسل، مع الأخذ في الاعتبار مبادئ صدر المتألهين.

١. بناءً على التعريف والملاك الذي يقدمه القاضي سعيد للصفات الفعلية، فإن الله يتصف بصفة الكلام، وبالتالي القرآن، بحدوث مرتبة الفعل. ومن هذا المنطلق، فإن الله في مقام ذاته فاقد لصفة الكلام، ويحتاج إلى حدوث مرتبة الفعل ليتصف بهذه الصفة. ولهذا السبب، فإن الله له حالة إمكانية بالنسبة لهذه الصفة، ولهذا السبب أيضًا تصبح ذاته ممكنة لا واجبة الوجود. العلة واجدة لجميع كمالات المعلول بنحو الوحدة والبساطة، وبالتالي فإن وجود الكلام الفعلي لا يعني عدم الاتصاف بالكلام الذاتي، لأن المعطي للشيء لا يكون فاقدًا له. خلال استدلاله، ذكر القاضي سعيد أن القاسم المشترك للكلام هو قدرة المتكلم عليه. ومن هذا المنطلق، بتجريد صفة الكلام وحذف لوازمها المادية والإمكانية، فإن الله في مقام ذاته يمتلك صفة الكلام. ولهذا، فإن صفة كلام الله والقرآن في الحكمة المتعالية لها حقيقة تشكيكية، كالوجو، أعلى مراتبها ذات الله والكلام الذاتي، والمراتب اللاحقة هي الكلام الفعلي لله، الذي ينطبق على المراتب التشكيكية المختلفة لنظام الوجود. وأدنى مرتبة للكلام هي مرتبة الألفاظ القرآنية، وتكلم الله مع الأنبياء، كتكلمه مع موسى من خلال الشجرة، في قالب الألفاظ. ولكن القاضي سعيد غفل عن هذه النقطة، وحصر الكلام في مقامه الفعلي.

٢. من وجهة نظر الملا صدرا، لله وجود واحد بسيط، وفي مقام ذاته، يمتلك جميع الأسماء والصفات بنحو الوحدة والبساطة. ومن هذا المنطلق، فإن الأسماء والصفات تتحد مصداقًا مع الذات الإلهية، ولكن مفهوم كل منها يختلف عن الآخر وعن الذات. ونظرًا لكون الله بسيطًا حقيقيًا وعدم وجود تعدد في حيثياته وجوانبه، فإن ذاته تتصف بجميع الصفات الكمالية، ومنها الكلام، بحيث لا يستلزم ذلك التركيب. وبالتالي، فإن بطلان الكلام النفسي للأشاعرة وقدمه لا يعني أن هذه الصفة لله ليست فعلية أو ذاتية.

  • في حال كون بعض صفات الله تعني سلب ضدها ونقيضها، فبسبب إيجابية السلب، يتصف الله بصفات كمالية، كسلب الجهل، حيث الجهل أمر عدمي، وبسبب السلب يكتسب معنى إيجابيًا، ويتصف الله بنقيضه أي العلم. ونتيجة لذلك، فإن الله يمتلك صفات كمالية في مقام الذات. واتصاف الله بمبدأ اشتقاق الصفات يعني أيضًا امتلاك الصفات الكمالية، لأن المعطي للشيء لا يكون فاقدًا له، وبالتالي فإن إطلاق صفات كالـ”قادر” أو “المريد” على الله يستلزم تحقق ذاتي لهذين الأمرين. تجدر الإشارة إلى أن صفة الكلام في بعض الآيات القرآنية تُنسب إلى الله دون مبدأ اشتقاقي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهَ﴾ [٢: ٢٥٣] و ﴿وَكَلَّمَ اللّٰهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [٤: ١٦٤]. وهذه الحالات تدل على أن صفة الكلام ذاتية وليست محصورة في مقام الفعل، وبالتالي فإن نظرية القاضي سعيد تتعارض مع آيات من القرآن.
  • نقطة أخرى هي أن المعنى المقابل للكلام وضده هو الصمت أو الخرس، تمامًا كما أن نقيض القدرة والعلم هو العجز والجهل. ولهذا، يستدل الأشاعرة من عدم صمت الله أو خرسه على قدم الكلام وأزليته. ونتيجة لذلك، فإن رأي القاضي سعيد في هذا المجال معيب.
  • نظرية الكلام النفسي تؤدي إلى تعدد القدماء، وبالتالي إلى مشاركة الله، لأن المعاني النفسية المتعددة ليست حادثة بل قديمة، في حين أن الله واحد وغير متعدد. ولهذا السبب، فإن نظرية الأشاعرة حول قدم القرآن مرفوضة في الروايات الشيعية. ويذكر القاضي سعيد أن الكلام النفسي يؤدي إلى كون القرآن صفة لله، وهو لا يشرح سبب بطلان هذه الملازمة، وإذا كان يقصد حدوث القرآن وعدم امتلاك الموجود القديم صفة حادثة، فمن وجهة نظر القاضي سعيد أيضًا، وبتفصيل سيأتي لاحقًا، فإن القرآن حادث، وبسبب كونه صفة الكلام، فإن الذات القديمة تتصف بصفة حادثة، وهذا يعني أن الله ليس حادثًا ولا قديمًا.

الحاصل أن نتيجة استدلالات القاضي سعيد لا تتوافق مع مقدماتها، والنتيجة التي يهدف إليها أعم من المقدمات، لأن براهين القاضي سعيد تبطل قدم الكلام ولا تقتضي شيئًا بشأن ذاتية الكلام. ونتيجة لذلك، فإن نظرية الأشاعرة حول قدم صفة الكلام والقرآن غير صحيحة، وفي الوقت نفسه، فإن الكلام الإلهي ليس حادثًا فعليًا وزائدًا على الذات.

نقد القاضي سعيد لنظرية المعتزلة في حدوث القرآن

من وجهة نظر المعتزلة، الكلام نظام خاص يتكون من حروف معقولة في قالب حرفين أو أكثر. والقرآن في آياته ينسب صفة الكلام إلى الله: ﴿وَكَلَّمَ اللّٰهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [٤: ١٦٤]. وكذلك الآية: ﴿وَنُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللّٰهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [٢٨: ٩٠]. إذا كان كلام الله والقرآن قديمًا وليس حادثًا، لكان الله دائمًا يقول الجملة المذكورة لموسى، وهذا أمر غير معقول.

في الروايات الشيعية، يُشار إلى نظرية حدوث القرآن، التي قدمها المتكلمون المعتزلة، بكونه مخلوقًا، لأن كل حادث، بسبب حاجته إلى علة، هو مخلوق. ومن وجهة نظر القاضي سعيد القمي، فإن نظرية خالقية القرآن أو قدمه باطلة بشكل عام، ولكن نظرية حدوث القرآن أو كونه مخلوقًا ليست باطلة بشكل عام، بل بعض معانيها غير صحيحة. ومن هذا المنطلق، فإن المعاني الأخرى للحدوث لا تستلزم المخلوقية. وهذا سيأتي في القسم التالي.

يقيم القاضي سعيد عدة أدلة في إبطال مخلوقية القرآن: ١. من معاني “المخلوق” هو “المكذوب” و”المفترى”. ويذكر الراغب الأصفهاني أيضًا أحد معاني كلمة “خلق” بأنه “كذب”، ويستشهد بالآية القرآنية: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [٢٩: ١٧]. ولهذا، فإن إطلاق لفظ “مخلوق” على القرآن غير صحيح، لأن الكفار كانوا يصفون القرآن بذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [٣٨: ٧]. بينما الله في آيات كثيرة يصف القرآن بالصدق وعدم الكذب والافتراء، ومنها: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّٰهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [١٠: ٣٧]. ٢. نسبة الكلام إلى الله كنسبة اليد والعين إليه، كما في آيات مثل: ﴿يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [٤٨: ١٠] وفي أحاديث مثل: “نَحْنُ عَيْنُ اللّٰهِ فِي خَلْقِهِ”. وذلك لأن الكلام، كاليد والعين، من صفات الله الفعلية. لا يمكن القول بأن يد الله وعينه خالق أو مخلوق، لأن فرض خالقيتهما يؤدي إلى الشرك وتعدد الخالق، وفرض مخلوقيتهما يستلزم مخلوقية الله. ومن هذا المنطلق، فإن كلام الله ليس خالقًا ولا مخلوقًا، ونسبة هاتين الصفتين إلى القرآن في مقارنة بالله غير صحيحة، على الرغم من أن القرآن نفسه، بالنظر إلى نزوله التدريجي وكتابته، هو حادث ومخلوق. وبالنظر إلى هذه النقطة، فإن خالقية القرآن أو مخلوقيته منتفية في الروايات الشيعية، ولكنه مع ذلك يُعرف بأنه كلام الله. وقد قال الإمام الرضا عليه السلام في رده على سؤال حول كون القرآن خالقًا أو مخلوقًا: “لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللّٰهِ عَزَّ وَجَلَّ”. ٣. للفظ “الخلق” معانٍ متعددة: * الإحداث بمعنى إيجاد الشيء في مادة وزمان، وهذا المعنى مقابل “الإبداع”. * معنى عام يشمل الإبداع والإيجاد المادي والزماني، وهذا المعنى يشمل خلق المجردات والماديات. * الإيجاد في مادة وزمان، وهو معنى إيجاد الماديات. من وجهة نظر القاضي سعيد، فإن أكثر استعمال “الخلق” هو بالمعنى الثالث. ولهذا، نُهِيَ في الروايات الشيعية عن إطلاق لفظ “مخلوق” على القرآن، لأن القرآن نزل من عالم الأمر والمجردات واللوح المحفوظ على النبي: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [٨٥: ٢٢] وعالم الخلق مقابل عالم الأمر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [٧: ٥٤]. وعالم الأمر مجرد وذو اشتداد كبير، بينما عالم الخلق مادي زمني وضعيف. وبالنظر إلى هذه النقطة، فإن الخالق والمخلوق ليسا نقيضين ليلزم من سلب أحدهما إثبات الآخر، لأن معنى “الخلق” الأخص، أي إيجاد الماديات، لا يشمل مرتبة المجردات. وفي حال كان “الخلق” بمعنى أعم من الماديات والمجردات، فإن أمورًا كثيرة كـ”الاعتباريات” وبعض صفات الله كـ”الصفات الذاتية” لا تتعلق بها الجعل، ونتيجة لذلك، فإن خالقيتها ومخلوقيتها منتفية عنها. ٤. الاعتقاد بالأمور التي تُنسب إلى الله في الشريعة، على الرغم من جهل البشر بكيفية هذا الانتساب وعدم علمهم به، ضروري. فالعلم البشري محدود ولا يستطيع الإحاطة بعلم الله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [٢: ٢٥٥] وذلك لأن وجود الله يباين وجود البشر. ولهذا، فإن كلام الله ليس ككلام البشر، تمامًا كما أن أفعال الله تختلف عن أفعال البشر. ونتيجة لذلك، لا يمكن اعتبار كلام الله مخلوقًا ككلام البشر، ويمكن فقط القول عنه إنه كلام الله، كما ورد في الروايات: “كَلَامُ اللّٰهِ لَا تَتَجَاوَزُوهُ”. ومن جهة أخرى، فإن الله يصف القرآن بألقاب مثل “كتاب” و”منزل”، إلخ، ولكن صفة “مخلوق” لم تُستخدم في حقه. وبالتالي، فإن إطلاق “مخلوق” على القرآن هو طلب للهداية من غير القرآن، وهذا الأمر منهي عنه، خاصة في روايات ماهية القرآن: “وَلَا تَطْلُبُوا الْهُدَى فِي غَيْرِهِ فَتَضِلُّوا”. ولهذا، نظرًا لسكوت القرآن نفسه عن هذه المسألة، لا ينبغي استخدام لفظ “مخلوق” في حقه: “اسْكُتُوا عَمَّا سَكَتَ اللّٰهُ عَنْهُ”.

نقد استدلالات القاضي في إبطال نظرية المعتزلة بالنظر إلى مبادئ الملا صدرا

في الجزء السابق، تم ذكر أن القاضي سعيد يقدم عدة براهين لإبطال نظرية المعتزلة حول كون القرآن مخلوقًا، وفي هذا القسم، سيتم دراسة ونقد هذه البراهين بالتسلسل.

١. يبدو أن الاستدلال بالآية السابعة عشرة من سورة العنكبوت في إثبات معنى “المكذوب” للفظ “مخلوق” غير صحيح، لأن معنى “الكذب” في الآية يأتي من كلمة “إفك”، وليس من كلمة “خلق”. ولهذا، فإن معنى الآية هو الافتراء وارتكاب فعل الكذب بسبب عبادة الأصنام. كما أن في الروايات، جاء الخالق والمخلوق متقابلين: “ليس بخالق ولا مخلوق”. فإذا كان معنى “مخلوق” هو “مكذوب”، فسيكون معنى “خالق” أيضًا “كاذب”. في حين أن القاضي سعيد لا يقبل هذا الأمر، ويستخدم “الخالق” بمعناه الأصلي. ولهذا، ينتقد نظرية الأشاعرة حول قدم القرآن. ٢. المقصود من “يد الله” في الآية ﴿يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [٤٨: ١٠]، بالنظر إلى سياق الآيات، هو يد النبي ﷺ التي بايع بها المسلمون. وكذلك، فإن رواية “نَحْنُ عَيْنُ اللّٰهِ فِي خَلْقِهِ” تشير إلى أن أهل البيت عليهم السلام هم “عين الله” في خلقه. وبالتالي، فإن الآية والرواية تعبران عن اتحاد الحقيقة والرقيقة في الوجود الرابط والمستقل، حيث تشاهد النفوس الكاملة إحاطة الأسماء الإلهية في جميع مراتب نظام الوجود. ولهذا، فإنهما يعبران عن التوحيد الفعلي والربوبي لله في مقام ظهور الأسماء. في المقابل، فإن الكلام صفة ذات الله، ولا ينحصر في مقام المخلوق والمعلول. ولهذا، فإن مقارنة هذه الأمور ببعضها لا وجه شبه لها، ولا يوجد دليل أساسًا على هذه المقارنة والتطبيق. في المقابل، يمكن القول بأن صفة الكلام، كباقي الصفات الذاتية، لها عينية مصداقية مع الذات، ولكن تفاوتها مفهومي. ولهذا، فإن صفات الله، ومنها الكلام، ليست خالقًا ولا مخلوقًا، لأن الخالقية تستلزم وجودًا مستقلاً ومشاركة لله، والمخلوقية تعني حدوث وإمكانية صفة واجب الوجود.

٣. أحيانًا يُطلق فعل “الخلق” في الآيات القرآنية على إيجاد وخلْق جميع الموجودات، بحيث يدل على إرادة الله تجاه جميعها: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [١٦: ٤٠]. وفي الروايات الشيعية أيضًا، يُطلق “الخلق” أحيانًا على إيجاد الموجودات المجردة: “لَمَّا خَلَقَ اللّٰهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ”. وهذا العقل هو العقل الأول والصادر الأول. وتوجد أمثلة كثيرة من هذا القبيل في الآيات والروايات. وبالتالي، فإن إطلاق لفظ “الخلق” في آية على مرتبة الماديات لا يعني غلبة استعماله. ونقطة أخرى هي أن عالم الأمر والمجردات، بسبب إمكانيته الفقرية والذاتية، معلول لله وبالتالي مخلوق له، ولا يوجد فرق في المخلوقية بين الماديات والمجردات. وبالتالي، فإن نزول القرآن من عالم الأمر والمجردات لا يعني عدم مخلوقيته، لأن عالم الأمر نفسه مخلوق ومعلول لله. وبالنظر إلى أن الجعل يتعلق بالموجودات المستقلة، فإن الاعتباريات كـ”الماهية” مجعولة بالعرض، وأسماء الله وصفاته ليست مجعولة تبعًا لذاته، والجعل لا يتعلق بها. وبالتالي، فإن هذا الجزء من استدلال القاضي سعيد ناتج عن خلط ومغالطة بين المجعول بالعرض والمجعول بالذات. ٤. بسبب السنخية بين العلة والمعلول، فإن وجود الله لا يباين وجود مخلوقاته، بل بالنظر إلى الاشتراك المعنوي في الوجود، فهو أمر مشكك، وأشد مراتبه هو الوجود الواجبي الذي يظهر بترتيب من الشدة إلى الضعف. ومن هذا المنطلق، فإن الصفات المختلفة كالكلام لها حقيقة تشكيكية كالوجود، أعلى مراتبها ذات الله والكلام الذاتي، والمراتب اللاحقة هي الكلام الفعلي لله.

نقطة أخرى هي أنه على الرغم من أن القرآن لم يستخدم صفة “مخلوق” في حقه، إلا أن الألفاظ المترادفة لها، كـ”حادث”، تُطلق على القرآن، وهي أساس استدلالات المتكلمين المعتزلة في تبيان نظرية عدم قدم القرآن: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [٢١: ٢] و ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [٢٦: ٥]. وبالنظر إلى أن كل حادث مخلوق، فإن استدلال القاضي سعيد في هذا المجال مرفوض من الأساس.

لازمة تأكيد القاضي سعيد على السكوت عن إطلاق ألفاظ كـ”مخلوق” على القرآن في كيفية نسبة الأمور إلى الله هو تعطيل العقل عن المعرفة والإدراك، في حين أن حجية العقل والدعوة إلى المعرفة قد تم التأكيد عليها في آيات كثيرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [٢: ١٦٤].

٥. نظرية القاضي سعيد القمي في ماهية القرآن

بناءً على الأدلة التي قُدّمت في الجزء الأول، يرى القاضي سعيد أن نظرية الأشاعرة حول قدم القرآن باطلة بشكل عام. ومن وجهة نظره، فإن القرآن حادث، ولكن لا يمكن استخدام لفظ “مخلوق” في حقه، لأن أوصافًا كـ”الكلام”، “الوحي”، “القول”، و”الكتاب” قد وردت في حق القرآن: “هُوَ كَلَامُ اللّٰهِ وَقَوْلُ اللّٰهِ وَكِتَابُ اللّٰهِ وَوَحْيُ اللّٰهِ وَتَنْزِيلُهُ”. ولكن لم يُنقل شيء عن كونه مخلوقًا، ولهذا، فإن إطلاق هذه الصفة على القرآن غير صحيح. ومن معاني “المخلوق” أيضًا “المكذوب”: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [٢٩: ١٧]. ومن هذا المنطلق، فإن عدم مخلوقية القرآن تعني صدق حدوثه ونزوله التدريجي في زمان ومكان محدد.

كما يذكر القاضي سعيد أن كلام الله، وبالتالي القرآن، من صفاته الفعلية، وليس من صفاته الذاتية. وبناءً على هذا المعنى، ينقسم القرآن إلى مرتبتين: الأمر والخلق. ويُطلق على تحقق الكلام الإلهي في عالم الأمر والمجردات اسم “القرآن”، ومن حيث تحققه في مرتبة الخلق يُسمى “الكتاب”. ونزول القرآن من عالم الأمر إلى عالم الخلق هو “الفرقان”. وبالنظر إلى بطلان نظرية الأشاعرة حول قدم القرآن وخالقيته، وعدم صحة نظرية المعتزلة حول حدوثه، فإنه يمكن القول عن القرآن فقط إنه كلام الله: “كَلَامُ اللّٰهِ لَا تَتَجَاوَزُوهُ وَلَا تَطْلُبُوا الْهُدَى فِي غَيْرِهِ فَتَضِلُّوا”.

يقيم القاضي سعيد استدلالات في إثبات حدوث القرآن على النحو التالي: ١. نزول الآيات القرآنية لم يكن في زمان واحد، بل بعض الآيات سبقت أو تأخرت عن بعضها الآخر، كآيات الناسخ التي نزلت بعد الآيات المنسوخة. وبالنظر إلى وجود هذا التقديم والتأخير الزماني، وبالتالي سبقه بعدم زماني، فإن القرآن حادث وليس قديمًا، لأن الحادث مسبوق بعدم زماني، بينما القديم ليس كذلك. ٢. بعض الأخبار القرآنية تتعلق بزمان معين ومحدد، مثل ادعاء فرعون الربوبية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [٧٩: ٢٤]، أو طلب نوح من ابنه الإيمان وركوب السفينة: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [١١: ٤٢]. وبسبب خصوصية الزمان لهذه المحادثات والأخبار القرآنية من الله، فإن كلام الله والقرآن حادث وليس قديمًا. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن أخبار الله في القرآن لن تكون مطابقة للواقع، وهذا يعني عدم صدق وكذب القضايا القرآنية. ٣. الله في بعض آيات القرآن يقول: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [١٧: ٨٦]. ويقول أيضًا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [٢: ١٠٦]. ووفقًا لهذه الآيات، فإن للقرآن مثيل، وإمكانية زواله بعد وجوده موجودة، في حين أن الشيء القديم لا مثيل له، وإمكانية التغيير أو التبديل في حقه منتفية. ونتيجة لذلك، فإن القرآن حادث وليس قديمًا.

يستنتج القاضي سعيد من هذه الاستدلالات حدوث القرآن، لكنه لا يجيز إطلاق لفظ “مخلوق” عليه بسبب عدم وروده في الشريعة، تمامًا كما تُنسب صفتان “السميع” و”البصير” إلى الله في الشريعة، ولكن “الذائق” و”اللامس” لا يُطلقان عليه.

٦. نظرية القاضي سعيد القمي في ماهية القرآن بالنظر إلى مبادئ الملا صدرا

في الجزء السابق، تم تبيان نظرية القاضي سعيد حول حدوث القرآن أو قدمه. ومن وجهة نظره، فإنه كالمتكلمين المعتزلة، يرى أن القرآن حادث، ولكن لا يمكن اعتباره مخلوقًا بسبب عدم وروده الشرعي، ولكون أحد معاني “المخلوق” هو “المكذوب”. وقد بيّنا في الأجزاء السابقة أن استنباط معنى “المكذوب” من الآية ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [٢٩: ١٧] هو بسبب “الإفك” وليس معنى فعل “خلق”. ومن وجهة نظر الملا صدرا، إذا لم يستلزم إطلاق اسم أو صفة على الله محالًا أو نقصًا، جاز إطلاقه عليه، حتى لو لم يرد في الشريعة: “أن كل صفة أو فعل لا يوجب نقصًا عليه ولا نقصًا لواجبيته… يجوز إطلاقه عليه تعالى… لاشتراك مفهوم الوجود والشيئية وغيرهما بين الواجب والممكنات”. ولهذا، يمكن القول إن القرآن (مرتبة الألفاظ والحروف) هو مخلوق، وورود لفظ “حادث” في سورة الأنبياء [٢١: ٢] يؤيد هذا الأمر، على الرغم من أن الكلام الذاتي عين ذات الله، وله تفاوت مفهومي معها.

١. هذا الاستدلال للقاضي سعيد يثبت أن القرآن نزل على النبي ﷺ تدريجيًا، وبالتالي فهو حادث، ولكنه لا يبطل كلام الله الذاتي. بعبارة أخرى، يهدف القاضي سعيد من خلال تقديم هذه الاستدلالات، بالإضافة إلى إثبات الحدوث، إلى نفي أي وجود آخر للقرآن، بما في ذلك قدم الكلام، في حين أن بطلان نظرية الكلام النفسي لا يتنافى مع تعدد مراتب القرآن.

﴿الْقُرْآنُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ وَأَسَامِي مُخْتَلِفَةٌ يُسَمَّى فِي كُلِّ عَالَمٍ بِاسْمٍ خَاصٍّ مُنَاسِبٍ لِمَقَامِهِ الْخَاصِّ فِي النُّزُولِ﴾ . وتدل آيات من القرآن الكريم أيضًا على هذا الأمر، مثل: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [٥٦: ٧٧-٧٨] و ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [٤٣: ٣-٤]. هذه الأوصاف المتعددة تعود إلى المراتب المختلفة للقرآن وصفة كلام الله، حيث أعلى مراتبها ذات الله، وأدنى مراتبها الألفاظ والأصوات. كما أن هذه الآيات تدل على عدم حدوثه الزماني وعدم حصره في الألفاظ والأصوات، لأن وصف القرآن بـ”كريم” يعود إلى صفاته المتعالية، وكونه “مكنونًا” يعود إلى وجوده في اللوح المحفوظ. وآية أخرى تدل على وجود القرآن في أم الكتاب وعند الله: ﴿لَدَيْنَا﴾. ٢. استدلال القاضي سعيد القمي هذا يتعارض مع الكثير من الآيات القرآنية التي تخدش عموم استدلاله، وذلك بأن بعض الأخبار القرآنية ليست زمانية، مثل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [١٦: ٤٠]. فأمر الله وقوله، لكونه مجردًا، ليس زمانيًا. وكذلك الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [٢: ٣٤]. والملائكة، لكونهم مجردين عن المادة، وبالتالي غير حادثين زمانيًا، هم نقض آخر لاستدلال القاضي سعيد. وبعض خطابات القرآن موجهة إلى الله و إلى شيء قديم، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [٢٣: ٩٩] و ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [٢٣: ١٠٦-١٠٧]. وبالتالي، فإن القول بأن جميع أخبار القرآن حادثة ووقعت في زمان أو مكان معين غير صحيح. ٣. الكلام، كـ”القدرة”، صفة لله، ولا فرق بينهما في هذا المجال. وقد تعلقت قدرة الله منذ الأزل بإيجاد العالم. ولهذا، لا يتحقق النسخ في الأمور التكوينية، لأن احتمال التغيير والتبديل والنسخ فيها محال، نظرًا لتعلق قدرة الله الدائم بها. ونتيجة لذلك، فإن هذه الأمور موجودة في ألفاظ الأوامر والنواهي الشرعية، واحتمال وجود النسخ يثبت حدوث ألفاظ الأحكام الشرعية زمانيًا.

ومع ذلك، لا يدل هذا على حدوث الأمر الحقيقي المدلول بالألفاظ. وبشكل عام، فإن التغيير والتبديل في المجردات التامة لا معنى له، لكونها غير مادية.

وبغض النظر عن الإشكالات المذكورة أعلاه، ففي حال كان القرآن حادثًا، وبالتالي كانت صفة الكلام كذلك، فإنه يستلزم عروض وحلول الصفة الحادثة في الشيء القديم، وفقدانه بالنسبة للصفات الكمالية، في حين أن الله، لكونه بسيطًا حقيقيًا، واجد لجميع الصفات الكمالية، وليس فاقدًا لأي منها: “أن الواجب لما كان ينتهي إليه سلسلة الحاجات والتعلقات فليس وجوده متوقفًا على شيء. فيكون بسيط الحقيقة من جميع الوجوه وذاته واجب الوجود من جميع الجهات كما أنه واجب الوجود بالذات فليس فيه جهة إمكانية أو امتناعية و إلا لزم التركيب المستدعي للإمكان و ذلك مستحيل…”.

٧. وجهة نظر الملا صدرا في القرآن وصفة الكلام الإلهي

قد بيّنا أن من وجهة نظر الملا صدرا، صفات الله لها عينية مصداقية مع الذات، ولكن تفاوتها مفهومي. ولهذا، فبما أن صفات الله ليست موجودات مستقلة، بل جميعها موجودة بوجود واحد بسيط، فإن خالقيتها منتفية عنها، لأن الخالق له وجود مستقل. ولهذا السبب، فإن نظرية الأشاعرة حول قدم الصفات، ومنها الكلام والقرآن، تؤدي إلى خالقيتها وتعدد القدماء والشرك. ولهذا السبب أيضًا، فإن خالقية القرآن منتفية في الأحاديث. وبالنظر إلى أن الوجود الواحد البسيط يمتلك جميع الصفات الكمالية بنحو الوحدة والبساطة، فإن اعتبار أي صفة من صفاته حادثة زمانيًا يستلزم حدوث وإمكانية موصوفها، في حين أن الله واجب الوجود لا ممكن. ولهذا السبب، فإن مخلوقية القرآن، وبالتالي صفة الكلام، تُعتبر باطلة في الأحاديث.

وبناءً على النقاط المذكورة، من وجهة نظر الملا صدرا، القرآن صفة كلام إلهي، وخالقيته أو مخلوقيته منتفية وتواجه محاذير كثيرة. ونتيجة لذلك، لا يمكن القول عن القرآن إلا إنه كلام إلهي، لا خالق ولا مخلوق. سأل شخص الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “يَا ابْنَ رَسُولِ اللّٰهِ، مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ مَنْ قَبْلَنَا، فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ (يعني المعتزلة)، وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ (يعني الأشاعرة)، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ وَلَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهُ كَلَامُ اللّٰهِ”. وقد رُويت أحاديث متعددة بهذا المعنى في كتاب “توحيد الصدوق” للمرحوم الصدوق، وكلها تؤيد وجهة نظر الملا صدرا في هذا المجال. بعبارة أخرى، قام صدر المتألهين بتبيان وجهة نظره في هذا المجال بالنظر إلى الاستنباط الفلسفي من الروايات.

الخاتمة

تعد مسألة حدوث القرآن أو قدمه من أقدم وأكثر المسائل الكلامية واللاهوتية إثارة للجدل في العالم الإسلامي، حيث اختار الأشاعرة قدمه واختار المعتزلة حدوثه. ويؤكد القاضي سعيد القمي، وهو من مفكري ومتكلمي الشيعة، بناءً على الأحاديث، أن نظرية قدم القرآن باطلة بسبب كون صفة الكلام فعلية لا ذاتية. ومن هذا المنطلق، فإنه يرى، كالمتكلمين المعتزلة، أن القرآن والكلام الإلهي حادثان. مع الفارق أن إطلاق لفظ “مخلوق” على القرآن غير صحيح بسبب تبادر معنى “المكذوب” وعدم وروده الشرعي. وبناءً على مبادئ الملا صدرا، فإن فعلية صفة الكلام تستلزم حالة إمكانية وفقدان واجب الوجود للصفات الكمالية، وحاجته إلى علة أخرى. كما أن حدوث الصفة يعني حدوث الموصوف وعدم وجوبه. ومن وجهة نظر الملا صدرا، إذا لم يستلزم إطلاق اسم أو صفة على الله نقصًا أو إمكانًا، جاز إسناده إليه، حتى لو لم يرد إطلاق شرعي في هذا الشأن. ولهذا، فإن القرآن صفة كلام إلهي، وخالقيته أو مخلوقيته منتفية وتواجه محاذير كثيرة. ونتيجة لذلك، لا يمكن القول عن القرآن إلا إنه كلام إلهي، لا خالق ولا مخلوق، كما تشير الروايات.

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٩٨ق). “توحيد الصدوق”. قم: جامعة المدرسين.
  • الأشعري، أبو الحسن (بي تا). “اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع”. تصحيح: حموده غرابة. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث.
  • التفتازاني، سعد الدين (١٤٠٩ق). “شرح المقاصد”. تحقيق: عبد الرحمن عميرة. بيروت: عالم الكتب.
  • الجرجاني، مير سيد شريف (١٣٢٥). “شرح المواقف”. تصحيح: بدر الدين النعاني. قم: الشريف الرضي.
  • الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢). “المفردات في غريب القرآن”. تحقيق: صفوان عدنان. بيروت: دار العلم، الدار الشامية.
  • الرازي، فخر الدين (١٩٨٦). “الأربعين في أصول الدين”. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية.
  • السبزواري، هادي (١٣٧٩). “شرح المنظومة”. تصحيح: حسن زاده آملي. طهران: نشر تاب.
  • الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٤١٧ق). “الميزان في تفسير القرآن”. قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة المدرسين.
  • عبد الجبار، أبو الحسن (١٤٦٢). “تنزيه القرآن عن المطاعن”. بيروت: دار النهضة الحديثة.
  • (١٩٦٢م). “المغني في أبواب التوحيد والعدل”. تحقيق: جورج قنواتي. القاهرة: الدار المصرية.
  • (بي تا). “متشابه القرآن”. القاهرة: مكتبة دار التراث.
  • الفيض الكاشاني، محمد (١٤٠٦). “الوافي”. أصفهان: كتابخانة إمام أمير المؤمنين علي.
  • القمي، القاضي سعيد (١٤١٥). “شرح توحيد الصدوق”. تصحيح: نجف قلي حبيبي. طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
  • (١٤٢٠). “شرح الأربعين”. تصحيح: نجف قلي حبيبي. طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
  • (١٣٦٣). “كليد بهشت”. تصحيح: سيد محمد مشكوة. طهران: الزهراء.
  • الملا صدرا، محمد (١٩٨١م). “الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة”. مصحح: أميني وأميد. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • (١٣٦٦). “شرح أصول الكافي”. طهران: مؤسسة مطالعات و تحقيقات فرهنگي.
  • (١٤١٧ق). “الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية”. بيروت: مؤسسة التاريخ العربي.
  • (بي تا). “إيقاظ النائمين”. تصحيح: محسن مؤيدي. طهران: انجمن إسلامي حكمت و فلسفة إيران.
  • الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق (١٤٠٧ق). “الكافي”. طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • اللاهيجي، محمد جعفر (١٣٨٦). “شرح رسالة المشاعر ملا صدرا”. قم: بوستان كتاب.
  • المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣). “بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار”. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
Scroll to Top