الملخص
قضية حقيقة الحكم الشرعي من المسائل التي أولاها المفكرون الأصوليون المعاصرون اهتماماً بالغاً، وقدموا حولها وجهات نظر متنوعة؛ إلا أن المراد من حقيقة الحكم الشرعي لم يُصَرَّح به في كلماتهم. في الواقع، لم يُلتَفَت إلى هذه النقطة، وهي أن وجهات النظر المطروحة ربما تناول كل منها تحليل حقيقة الحكم الشرعي من زاوية معينة، وبناءً على ذلك، قد تكون كل التحليلات المقدمة أو معظمها صحيحة من جهة ما. في هذا البحث، ولأول مرة، ومن خلال تحليل كلمات الأصوليين حول حقيقة الحكم الشرعي، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أنه يمكن تحليل حقيقة الحكم الشرعي من حيثيات وجهات مختلفة، وبناءً على ذلك يمكن تصور حقائق مختلفة له.
1. المقدمة
إن الحديث عن ماهية وحقيقة الحكم الشرعي هو من المسائل التحليلية العقلية في علم الأصول التي تبوأت مكانة جادة بين مفكري علم الأصول المعاصرين؛ حيث طُرحت حولها وجهات نظر مختلفة (أكثر من عشر وجهات نظر). إن أهمية هذه المسألة وتأثيرها في حل مختلف المسائل الفقهية والأصولية قد دفعت الباحثين في حقل أصول الفقه في العصر الحاضر إلى إيلائها اهتماماً مضاعفاً وتأليف آثار متنوعة في هذا الصدد. في هذه الآثار، تم التركيز في الغالب على تحليل كل أو بعض وجهات النظر المطروحة حول حقيقة الحكم الشرعي؛ ولكن لم يتم إيلاء اهتمام كبير لمعنى «حقيقة الحكم الشرعي».
وبعبارة أخرى، عندما يقولون: «حقيقة الحكم الشرعي»، فأي نقطة يقصدها محللو ماهية الحكم الشرعي، ومن أي منظور يتناولون تحليل هذا الواقع الخارجي؟ يبدو أن عدم الاهتمام بماهية حقيقة الحكم الشرعي وعدم تحديد زاوية نظر كل من العلماء الأصوليين قد أدى أحياناً إلى حدوث خلط، وظُنَّ أن وجهات النظر المطروحة حول حقيقة الحكم الشرعي متعارضة ومتباينة. لذلك، قبل الخوض في دراسة وجهات النظر حول حقيقة الحكم الشرعي، يجب أولاً تحليل ماهية حقيقة الحكم الشرعي ليتضح المراد من هذا المصطلح، وبأي اعتبار ومن أي زاوية طُرحت وجهات النظر المختلفة في هذا الشأن.
إن توضيح ماهية حقيقة الحكم الشرعي يمكن أن يكون له دور متزايد في تحليل كلمات الأصوليين في هذا الصدد، وأن يخلق تآزراً بين التحليلات المقدمة حول حقيقة الحكم الشرعي من قبل العلماء الأصوليين؛ إذ يبدو أن هناك خلافات أساسية بين العلماء الأصوليين في هذه المسألة؛ ولكن بتحديد المقصود من حقيقة الحكم الشرعي أو بعبارة أخرى، ماهية الحكم الشرعي، قد نصل إلى نتيجة مفادها أن كل واحد منهم قد درس حقيقة الحكم الشرعي من زاوية نظر خاصة وباعتبار معين، وقد تكون جميع الزوايا المطروحة صحيحة، ولا يوجد أي تعارض بين وجهات النظر هذه، أو أن الخلافات قد تتقلص إلى أدنى حد. بناءً على ذلك، فإن هذا المقال ولأول مرة يدرس الزوايا المختلفة التي يمكن أن تكون محط نظر الأصوليين في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، لكي يتضح مرادهم من وجهات النظر المطروحة، وكذلك وجود أو عدم وجود تنافٍ بينها.
2. الاحتمالات المطروحة
مع الأخذ بعين الاعتبار الدراسات التي أُجريت، يمكن طرح احتمالات وأقوال مختلفة حول تحليل ماهية حقيقة الحكم الشرعي. ويمكن تصنيف الاحتمالات المحددة في قسمين:
1. هل حقيقة الحكم الشرعي ملحوظة بلحاظ المكلف أم بلحاظ المشرّع (الشارع)؟
2. بناءً على كل من المنظورين أعلاه، هل المراد هو الحقيقة العرفية والعقلائية أم الحقيقة العقلية؟
بناءً على ذلك، يمكن دراسة مجموع التحليلات حول حقيقة الحكم الشرعي في أربعة اتجاهات:
1. ما هي الحقيقة العرفية والعقلائية للحكم الشرعي بلحاظ المكلف؟
2. ما هي الحقيقة العقلية للحكم الشرعي بلحاظ المكلف؟
3. ما هي الحقيقة العرفية والعقلائية للحكم الشرعي بلحاظ المشرّع (الشارع)؟
4. ما هي الحقيقة العقلية للحكم الشرعي بلحاظ المشرّع (الشارع)؟
فيما يلي، سيتم أولاً دراسة حقيقة الحكم الشرعي من حيثيتي المكلف أو المشرّع (الشارع)؛ ثم سيتم التطرق إلى تحليلها من منظور العقلاء والعقل.
2-1. حقيقة الحكم الشرعي بلحاظ المكلف أو المشرّع (الشارع)
بمراجعة كلمات الأكابر والعلماء الأصوليين، يُلاحظ وجود رؤيتين في تحليل حقيقة الحكم الشرعي:
2-1-1. حقيقة الحكم بلحاظ المكلف
تناول بعض الأصوليين تحليل هذا الواقع من زاوية نظر المكلف؛ أي من منظور المكلف، في أي زمان وأي مرحلة من مراحل وجود الحكم، تنشأ حقيقة الحكم الشرعي، ويجد المكلف نفسه ملزماً تجاهه (سواء من حيث القيام بالمقدمات وتحصيلها إلى طاعة الحكم نفسه وامتثاله).
2-1-2. حقيقة الحكم بلحاظ المشرّع (الشارع)
ظاهر كلمات البعض هو دراسة المسألة من زاوية نظر المشرّع (الشارع)؛ أي بالمقارنة مع فعل المشرّع (الشارع)، متى يمكن اعتبار حقيقة الحكم الشرعي متحققة، وبعد ذلك لا تعود في اختيار المشرّع (الشارع)؟ قبل توضيح هذين النوعين من النظر، من الضروري الإشارة إلى الفرضية المسبقة والأساس الذي تقوم عليه هاتان النظرتان. يبدو أن الفرضية المسبقة لهذين النوعين من النظر تتعلق بمسألة الحسن والقبح العقليين.
يشير كلام للسيد مجاهد حول اختلاف نظر علماء أهل السنة في تحليل حقيقة الحكم الشرعي إلى المطلب المذكور أعلاه. يقول في كتابه مفاتيح الأصول: «إن حقيقة الحكم الشرعي ما هي، محل خلاف بين المعتزلة والأشاعرة؛ لأن المعتزلة قائلون بأن الحكم صفة للفعل موجودة في نفس الأفعال. في المقابل، لا يقبل الأشاعرة هذا الرأي القائل بأن الحكم صفة حقيقية للفعل ويعتبرونه أمراً شرعياً» (مجاهد، د.ت، ص 292).
سبب هذا الاختلاف هو تفاوت مبانيهم في بحث الحسن والقبح العقليين. بما أن الأشاعرة لا يقبلون بالحسن والقبح العقليين، فإنهم يعتقدون أنه لا يوجد شيء في نفس الفعل يمكن أن يطلق عليه حكم؛ بل الحكم أمر شرعي محض وخارج عن الأفعال. هذا الاختلاف أدى إلى أن تقدم كل طائفة تعريفات وتحليلات مختلفة للحكم. بناءً على رؤية المعتزلة، يمكن أن يكون الحكم أثر الخطاب أو نفس الخطاب، بينما وفقًا لرأي الأشاعرة، الحكم ليس سوى خطاب الشارع. يمكن طرح هذه المسألة بشكل أعم. إذا تم قبول الحسن والقبح العقليين كما هو رأي العدلية، فإن تحليل الحكم الشرعي يُطرح بناءً على زاويتي نظر، أي بلحاظ المشرّع (الشارع) والمكلف، وله قابلية للطرح؛ ولكن قد يُقال بناءً على رأي الأشاعرة وكل من لا يقبل بالحسن والقبح العقليين، إن الحكم الشرعي لا يمكن تحليله ودراسته إلا من جهة المشرّع (الشارع). وإن كان من المقرر تحليله ودراسته بدقة، فيجب القول إنه حتى من وجهة نظر المجموعة الثانية، يمكن طرح هاتين الزاويتين في النظر إلى الحكم الشرعي، وذلك بأنه عندما جعل المشرّع (الشارع) حكماً واتصف ذلك الفعل بالحسن والقبح، ففي أي مرحلة من وجهة نظر المكلف تتحقق حقيقة الحكم الشرعي من منظور العرف والعقلاء أو العقل؟ من هذا المنطلق، الحق هو أن اختلاف مبنى الأشاعرة والعدلية في زاويتي النظر المطروحتين لتحديد وتحليل ماهية حقيقة الحكم الشرعي ليس مؤثراً، وبناءً على كلا المبنيين يمكن دراسة الحيثيات المطروحة.
حقيقة الحكم بلحاظ المشرّع (الشارع)
إذا كان الحكم ملحوظاً من حيث فعل المشرّع (الشارع)، فيجب القول إن من بين المراحل الأربع المشهورة في مراحل وجود الحكم، يكون إطلاق الحكم في مرحلة الإنشاء حقيقياً؛ لأنه في هذه الرؤية، ينصب كل الاهتمام على هذا المطلب: ما هو الشيء المرتبط بالمشرّع (الشارع)؟ بما أن الحكم الشرعي هو فعل اختياري للمشرّع (الشارع)، فيجب أن نرى ما هو فعله وفي أي مرحلة يتحقق. مع قليل من الدقة، يتضح أن المصلحة والمفسدة (مرحلة الاقتضاء)، لا علاقة لها بفعل المشرّع (الشارع)؛ بل هي من الأمور التكوينية. مرحلة الفعلية والتنجز أيضاً مرتبطة بحكم العقل ولا علاقة لها به. إذن، المرحلة الوحيدة المتبقية هي الإنشاء والجعل، وهي الفعل الاختياري للمشرّع (الشارع)؛ لذا فإن إطلاق الحكم في مرحلة الإنشاء هو حقيقي. وقد صرح بعض الأصوليين أيضاً بهذا المطلب (راجع: الغروي الأصفهاني، 1374، ج2، ص426؛ واعظ الحسيني البهسودي، 1386، ج3، ص77).
حقيقة الحكم بلحاظ المكلف
بالنظر إلى أن الأحكام تصدر للمكلف ليعمل بها ويصل من خلالها إلى الهدف والغاية الأصلية من جعل الأحكام، وهي الوصول إلى الكمال، يجب القول إن إطلاق الحكم في مرحلة الفعلية يمكن أن يكون صحيحاً على نحو حقيقي؛ لأنه ما لم يصل الحكم إلى المكلف، فمن وجهة نظره لا وجود للحكم، وفقط بعد أن يبلغ الحكم مرحلة الفعلية يقول المكلف إن الحكم قد صدر. تحليل الحكم الشرعي بالبعث والتحريك، الذي طرحه بعض المفكرين الأصوليين الشيعة (راجع: الغروي الأصفهاني، 1374، ج2، ص123 و279 و292؛ منتظري، 1415، ص396؛ الموسوي الخميني، 1415، ج1، ص353؛ سبحاني، 1382، ج1، ص176؛ دادستان، 1378، ج5، ص102-107) مبني على الرؤية الثانية. ويؤيد هذا المطلب ما استنبطه الأصوليون من كلمات المحقق الأصفهاني. كما أن تعريف الفقهاء بين علماء أهل السنة ناظر إلى هذا التوجه.
2-1-3. التآزر والجمع بين التحليلات المطروحة في حقيقة الحكم الشرعي
بالنظر إلى زاويتي النظر في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، يمكن الجمع بين كلمات الأصوليين على هذا النحو: أولئك الذين اعتبروا حقيقة الحكم الشرعي متحققة في مرحلة الفعلية وربطوا الإطلاق الحقيقي للحكم بهذه المرحلة، قد تناولوا تحليل حقيقة الحكم من جهة المكلف؛ وأولئك الذين اعتبروا ماهية الحكم متحققة في مرحلة الإنشاء، قد تناولوا تحليل المسألة بلحاظ المشرّع (الشارع)؛ وأولئك الذين بينوا مرحلتي الإنشاء والفعلية واعتبروا حقيقة الحكم متحققة في هاتين المرحلتين، قد درسوا المسألة وأبدوا رأيهم بناءً على زاويتي النظر. بالنظر إلى نوع نظرة المحللين لحقيقة الحكم الشرعي، يمكن عملياً إزالة وجود التنافي وعلاقة التباين بين وجهات النظر المطروحة، وبطريقة ما اعتبار جميع التحليلات المقدمة صحيحة. إن وجود إشكالات مختلفة من قبل المفكرين الأصوليين على التحليلات المقدمة يمكن اعتباره أيضاً نتيجة لعدم الانتباه إلى نوع نظرة القائل المخالف في تحليل هذه المسألة.
2-1-4. قرائن وشواهد على التحليل المذكور
فيما يتعلق بزاويتي النظر إلى حقيقة الحكم الشرعي، يمكن ذكر شواهد من كلمات الأصوليين:
1. قدم الشهيد آية الله الصدر بيانين حول مراتب الحكم الشرعي. وقد قال في أحد تقريراته حول مراتب الحكم الشرعي: «للحكم الشرعي ثبوتان: 1. ثبوت الحكم في الشريعة، وهو ما يعبر عنه بالجعل؛ 2. ثبوت الحكم للفرد الخارجي (المكلف)، وهو ما يعبر عنه بالمجعول» (الصدر، 1405هـ، ج1، ص106-107).
2. يمكن أيضاً الاستفادة من بعض كلمات آية الله البروجردي للإشارة إلى هاتين الرؤيتين. يقول في قسم من كلماته حول مراتب الحكم: «الحكم عبارة عن إنشاء صادر من المولى لغرض تحريك العباد؛ ولكن بما أن تحريك العبد متوقف على علمه بالحكم الشرعي (وهذا بالطبع لا يعني تقييد الحكم بالعلم؛ بل الحكم في ذاته مطلق؛ ولكن تأثيره في العبد متوقف على العلم)، فإن الحكم قبل علم المكلف شأني، وبعد العلم يصل إلى الفعلية ويصبح منجزاً. وبالطبع هذا ليس بسبب قصور في ناحية الحكم والمولى، بل الحكم من هذه الجهة تام؛ وإنما القصور من ناحية العبد، الذي بسبب جهله لا يكون الحكم مؤثراً» (منتظري، 1415هـ، ص 420). في هذه التعابير، كما يلاحظ، الحكم بالمقارنة مع فعل المشرّع (الشارع)، تام في مرحلة الجعل والإنشاء، وحقيقة الحكم الشرعي متحققة؛ ولكن بالمقارنة مع المكلف، ما لم يصل الحكم إلى مرحلة الفعلية والتنجز (أي أن لا يعلم به المكلف)، فلا وجود للحكم. إذن، من وجهة نظر المكلف، تتحقق حقيقة الحكم في مرحلة الفعلية.
3. يمكن استخلاص هاتين الرؤيتين من كلمات الإمام الخميني وآية الله السيد مصطفى الخميني أيضاً؛ لأنهما، على خلاف المشهور بين العلماء، لا يطرحان مراتب للحكم الشرعي؛ بل يعتبران الحكم الشرعي نوعين: 1. الأحكام الإنشائية المحفوظة عند إمام الزمان (عج)؛ 2. الأحكام الفعلية (الموسوي الخميني، 1415هـ، ج2، ص24؛ السبحاني، 1382هـ.ش، ج1، ص240-241؛ الخميني، 1418هـ، ج3، ص436). هذا التقسيم يوضح جيداً أنه إذا أُخذ الحكم الشرعي بلحاظ الشارع، فإن الحكم الشرعي يتحقق في مرحلة الإنشاء؛ أما إذا كان ملحوظاً بلحاظ المكلف، فإنه ينشأ في مرحلة الفعلية.
4. من المطالب التي يمكن أن تؤيد هذه المسألة، الاختلاف في فعلية الحكم الشرعي. قال البعض: بما أن جعل الأحكام يتم على نحو القضايا الحقيقية، فإن الأحكام دائماً فعلية؛ لأن موضوعها مقدر الوجود؛ فالموضوع إذن متحقق عند الشارع. وفي المقابل، قال البعض: فعلية الحكم تكون بفعلية الموضوع وتحققه في الخارج (الفياضي، 1417هـ.ش، ج2، ص312؛ واعظ الحسيني البهسودي، 1386هـ.ش، ج2، ص46؛ الهاشمي الشاهرودي، د.ت، ج3، ص64). هذا الاختلاف يظهر أن الفئة الأولى قد أولت اهتماماً للرؤية الأولى؛ أي أنها نظرت إلى الحكم من جانب المشرّع (الشارع)؛ أما الفئة الثانية فقد اهتمت بالرؤية الثانية ومن منظور المكلف بالحكم الشرعي.
5. يوجد هذا النوع من النظر في تحليل حقيقة الحكم الشرعي في كلمات الأصوليين من أهل السنة أيضاً. قال بعضهم عن سبب الاختلاف في تعريف الحكم (تعريف الأصوليين بـ«خطاب الله» وتعريف الفقهاء بـ«أثر الخطاب»): سبب هذا الاختلاف هو أن الأصوليين في تعريف الحكم ناظرون إلى مصدر الحكم (المشرّع) أي الله تعالى؛ أما الفقهاء، فبالنظر إلى فعل المكلف، أي متعلق الحكم، قد عرفوه (ابن النجار (النجار الفتوحي)، 1997م، ج1، ص333؛ بشير محمد، 1424هـ، ص202).
6. من الشواهد الأخرى على هذا المطلب، تقسيم الفعلية إلى «فعلي من قبل المولى» و«فعلي من قبل العبد». «فعلي من قبل المولى» هو تعبير آخر عن نفس مرحلة الإنشاء (راجع: الغروي الأصفهاني، 1374هـ.ش، ج1، ص341 وج2، ص39 و578). هذا التقسيم يظهر جيداً أنه إذا كان المراد من حقيقة الحكم هو فعل المشرّع (الشارع) وما يتعلق به، فإن حقيقة الحكم تتحقق في مرحلة الإنشاء أو بالتعبير «فعلي من قبل المولى»، وإذا كان ملحوظاً بلحاظ المكلف، فإن حقيقة الحكم الشرعي تنشأ في مرحلة الفعلية والتنجز أو ما يسمى بـ«فعلي من قبل العبد».
7. مؤيد آخر يمكن ذكره هو كلام السيد الصدر. حيث قال: «لكي تتحقق حقيقة الحكم، وصوله إلى المكلف لازم» (نوري تهراني، د.ت، ص 232-233). هذا الكلام يوضح بجلاء أنه كان يضع في اعتباره الرؤية الثانية (الحكم الشرعي من منظور المكلف).
8. الشاهد الآخر هو تعريف «الاعتبار» كأحد وجهات النظر المطروحة في تحليل ماهية الحكم الشرعي. القائلون بهذه الرؤية في تبيين مرادهم من «الاعتبار»، طرحوا ثلاث رؤى: أ) الاعتبار العقلائي في الحكم المترتب على الإنشاء الصادر من المولى؛ أي أن موضوعه هو أمر وتكليف المولى، وبعد أمر المولى يعتبر العقلاء أن هذا التكليف من المولى حكم. بناءً على هذا الرأي، إذا كان هناك أمر من المولى ولكن لا يوجد اعتبار عقلائي، فلا يطلق عليه «حكم». ب) اعتبار المولى في ظرف خاص بحيث يكون الاعتبار منوطاً بتحقق الموضوع. ج) اعتبار المولى في ظرف الإنشاء. وبالطبع هذا الإنشاء تقديري؛ أي أن الإنشاء موجود الآن، ولكن بناءً على تحقق الموضوع، أي أن تحقق الموضوع مؤثر في ترتب الأثر العقلائي على هذا الاعتبار، وهو ما يعبر عنه بـ«فاعلية الاعتبار»؛ ولكن تحقق الموضوع ليس مؤثراً في نفس الاعتبار؛ كما هو الحال في الصورة السابقة (الحكيم، 1413، 138/6). هذه الرؤى الثلاث، على الرغم من وجود اختلافات بينها، فإنها من حيث أن جميعها تنظر إلى المسألة بلحاظ فعل المشرّع (الشارع)، تعتبر مؤيدة للتحليل المقدم.
2-2. حقيقة الحكم من منظور العرف والعقلاء أو العقل
السؤال الثاني حول ماهية حقيقة الحكم الشرعي هو: هل المراد من حقيقة الحكم الشرعي – سواء كان ملحوظاً من منظور المشرّع (الشارع) أو من منظور المكلف – هو الحقيقة العرفية والعقلائية أم الحقيقة العقلية؟ في هذا الشأن، قد لا يمكن العثور على مطلب صريح في كلمات المفكرين الأصوليين؛ ولكن بمراجعة كلماتهم ونوع استدلالاتهم لإثبات وجهة نظرهم في حقيقة الحكم الشرعي، يمكن تحديد أحد الاحتمالين المذكورين أعلاه ونسبته إلى قائله. على سبيل المثال، يمكن نسبة القول بأن حقيقة المسألة عقلية إلى من استدل بالأدلة العقلية في إثبات حقيقة الحكم الشرعي. كما يمكن نسبة القول بأن الحقيقة العرفية والعقلائية هي مرادهم إلى أولئك الذين تمسكوا بتشبيه المشرّع الشرعي بالمشرّع العرفي أو العقلائي.
2-2-1. حقيقة الحكم الشرعي من منظور العرف والعقلاء
من وجهة نظر بعض العلماء الأصوليين، ما يهم في تحليل حقيقة الحكم الشرعي هو تحقق حقيقة الحكم من منظور العرف والعقلاء. هذا التعبير يوضح جيداً هذه النقطة، وهي أنه من وجهة نظرهم، يجب تحليل ماهية الحكم الشرعي من زاوية نظر العرف والعقلاء. بعض كلمات العلماء الأصوليين المؤثرة في إثبات الادعاء المذكور أعلاه هي:
1. في مقام الإشكال على بعض وجهات النظر المطروحة في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، صرح البعض بأن المهم هو تحقق حقيقة الحكم من منظور العرف والعقلاء. يقول الإمام الخميني في هذا الصدد: «بشهادة العرف والعقلاء، إرادة الشارع ليست حقيقة الحكم الشرعي؛ لأن العرف والعقلاء بمجرد صدور الأمر من ناحية المولى يتوجهون إلى وجوب الإتيان، دون أن يلتفتوا إلى أن هذا الأمر ناشئ عن إرادة المولى أو أنه إرادة قد أُبرزت. في الواقع، البعث والتحريك بأي نحو كان، من وجهة نظر العقلاء، هو تمام الموضوع للحكم بوجوب الامتثال» (الموسوي الخميني، 1415هـ، ج1، ص353؛ السبحاني، 1382هـ.ش، ج1، ص176).
2. من الحالات الأخرى التي يمكن اعتبارها تحليلاً عرفياً عقلائياً لحقيقة الحكم الشرعي، رؤية اعتبار الأحكام الشرعية. بناءً على رؤية المشهور من الأصوليين الذين يعتبرون حقيقة الحكم الشرعي اعتباراً، يطرح هذا السؤال: ما هو نوع «الاعتبار» المقصود؟ في توضيح هذه المسألة، كما مر، طُرحت ثلاث رؤى. وعلى الرغم من أنه يمكن اعتبار هذه الرؤية بشكل عام تحليلاً لماهية الحكم الشرعي من منظور العقلاء، إلا أنه من بين الرؤى الثلاث المطروحة، هناك رؤية واحدة تحلل صراحة حقيقة الحكم الشرعي من منظور العقلاء. لقد قالوا في تعريف الاعتبار كحقيقة للحكم الشرعي: «حقيقة الحكم التكليفي، اعتبار عقلائي لحكم يترتب على الإنشاء الصادر من المولى؛ أي أن موضوعه هو أمر وتكليف المولى، والعقلاء بعد أمر المولى يعتبرون أن هذا التكليف من المولى حكم. بناءً على هذا الرأي، إذا أمر المولى ولكن لم يكن هناك اعتبار عقلائي، فلا يطلق عليه حكم» (الحكيم، 1413، 138/6). هذه الرؤية طرحها صراحة المحقق الأصفهاني، وقد أكد مراراً على أن حقيقة الحكم الشرعي عبارة عن اعتبار عقلائي (راجع: الغروي الأصفهاني، 1374هـ.ش، ج1، ص524 وج2، ص123 و279). كما يلاحظ، بناءً على هذه الرؤية، ما لم يوجد اعتبار عقلائي، فلن تنشأ حقيقة الحكم الشرعي. إذن، ما هو مقوم في هذا التحليل هو نظرة العقلاء، هل يقومون باعتبار أم لا.
3. من الأشخاص الآخرين الذين يمكن إدراجهم ضمن القائلين بالتحليل العقلائي لحقيقة الحكم الشرعي، الشيخ الأنصاري. على الرغم من أنه يستند في مقام الاستدلال لإثبات رؤيته إلى الوجدان، والوجدان غالباً ما ينطبق على الحكم العقلي البديهي، إلا أنه في تتمة كلامه يقارن حقيقة الحكم الشرعي بحال العقلاء ويقول: «الدليل على هذا المطلب هو الوجدان؛ كما هو الحال بالنسبة للعقلاء» (نوري تهراني، د.ت، ص232-233). يمكن أن يكون هذا التعبير مؤيداً لهذا الاستنباط من كلام الشيخ الأنصاري بأنه كان في مقام تحليل حقيقة الحكم من منظور العقلاء.
4. الاستدلال بارتكاز الناس في تحليل حقيقة الحكم الشرعي هو أيضاً مؤشر على أن تحليل حقيقة الحكم يعتمد على العرف والعقلاء لدى المستدل. حيث يقول: «كون الحكم أمراً اعتبارياً مجعولاً، هو مرتكز بين علماء الأصول بل بين الناس. بالإضافة إلى هذا الارتكاز، فإن الأدلة التي تدل على ارتفاع الأحكام عند عروض العناوين الثانوية مثل الحرج والضرر، تؤيد هذا المطلب؛ خاصة أن هذه الأدلة امتنانية، وهذه الموارد تظهر أن وضع الأحكام ورفعها بيد الشارع، وأن رفع هذه الموارد امتناني» (الحكيم، 1413هـ، ج2، ص149-150).
2-2-2. حقيقة الحكم الشرعي من منظور العقل
يتبين من بعض التعابير والاستدلالات أن ما كان في ذهن القائلين برؤية معينة في تحليل ماهية الحكم الشرعي هو تبيين حقيقة الحكم من منظور العقل.
1. يستدل الشهيد الصدر في مقام إثبات أن حقيقة الحكم الشرعي عبارة عن الملاك والإرادة، قائلاً: «الحاكم في باب الطاعة والعصيان هو العقل، وما هو موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو الملاك والإرادة؛ أي بمجرد وجود الملاك والإرادة وعلمنا بوجودهما، يكفي ذلك لنسعى للامتثال وفقاً لحكم العقل ونلبي طلب المولى؛ ولكن لو فرضنا محالاً أن الحكم الشرعي بالمعنى الاعتباري خالٍ من الملاك والإرادة، فإن العقل لا يحكم بوجوب الامتثال» (الصدر، 1405هـ، ج2، ص13-15؛ الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص223 وج5، ص28).
2. تمسك البعض في تبيين رؤيتهم حول حقيقة الحكم الشرعي بالوجدان. يمكن اعتبار مرادهم من الوجدان هو البداهة والوضوح العقلي، وفي هذه الحالة، من وجهة نظر هذه المجموعة أيضاً، ما هو محط النظر هو منظور العقل في تحليل ماهية الحكم الشرعي. يقول الشيخ الأنصاري لإثبات أن حقيقة الحكم الشرعي هي إرادة المشرّع (الشارع): «الدليل على هذا المطلب هو الوجدان؛ كما هو الحال بالنسبة للعقلاء» (نوري تهراني، د.ت، ص232-233). في توضيح كون هذه الرؤية وجدانية، قيل: لإثبات أن روح الحكم هي الإرادة، يوجد دليل وجداني. أحياناً يكون للمولى حب شديد في شيء ما، ولكنه لا يريد إنجازه من العبد؛ في هذه الحالة، امتثاله ليس واجباً على العبد، على الرغم من علمه بأن العمل محبوب للمولى، وحتى لو تم إبراز هذا الحب ولكن المولى لم يكن في صدد طلبه من العبد، فإن الامتثال ليس واجباً. (الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص284) وبما أن الإرادة من مقولة الأفعال، فيجب أن تتعلق بالفعل والترك لكي يتحقق الحكم ويحكم العقل بأنه داخل في عهدة المكلف (الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص318).
3. في المجموع، يمكن القول إن الذين يعتبرون ماهية الحكم الشرعي أمراً واقعياً وتكوينياً، قد نظروا إلى حقيقته من زاوية النظر العقلي وقاموا بدراسته؛ كما يمكن القول إن الذين يعتبرون الحكم الشرعي أمراً اعتبارياً، قد نظروا إلى حقيقة الحكم العرفية والعقلائية. بالنظر إلى التوضيحات المذكورة، يمكن القول إن هذين النوعين من النظر (اعتبار الحكم الشرعي واقعياً واعتباره اعتبارياً) ليسا متعارضين، وكل مجموعة من الأصوليين قد تناولت تحليل ماهية الحكم الشرعي من جهة وحيثية معينة. لذلك، يمكن قبول كلا التحليلين، واعتبار الإشكالات المطروحة نتيجة لعدم الدقة في نوع نظرة القائلين بحقيقة الحكم الشرعي.
3. النتيجة
بناءً على التحليلات التي أُجريت في ماهية حقيقة الحكم الشرعي، تظهر النتائج التالية: في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، توجد أربع حيثيات أو بعبارة أخرى أربعة أنواع من النظر:
أ) تحليل حقيقة الحكم الشرعي على أساس التحليل العرفي العقلائي من منظور المشرّع (الشارع)؛
ب) تحليل حقيقة الحكم الشرعي على أساس التحليل العرفي العقلائي من منظور المكلف؛
ج) تحليل حقيقة الحكم الشرعي على أساس التحليل العقلي من منظور المشرّع (الشارع)؛
د) تحليل حقيقة الحكم الشرعي على أساس التحليل العقلي من منظور المكلف.
بالنظر إلى اختلاف نوع نظرة العلماء الأصوليين، ينشأ نوع من التآزر والتوافق بين وجهات النظر المطروحة، وتُرتفع العديد من الإشكالات التي طُرحت في نقد ودراسة وجهات النظر المختلفة في حقيقة الحكم الشرعي.
في الحكم بين وجهات النظر المطروحة حول حقيقة الحكم الشرعي، يجب أولاً الاتفاق على أربع زوايا للنظر في الحكم، هل الزوايا المطروحة كلها صحيحة أم أن بعضها يواجه مشكلة؛ ثم تحت كل زاوية نظر، إذا طُرحت أقوال، يتم الحكم بين تلك وجهات النظر واختيار القول الحق.
من وجهة نظر الكاتب، كل الزوايا الأربع المطروحة قابلة للطرح لدراسة وتحليل حقيقة الحكم الشرعي، ولا يوجد إشكال ثبوتي فيها؛ ولكن من الناحية الإثباتية، قد لا يمكن إثبات بعض التحليلات أو قد تواجه إشكالات.
الحواشي
1. المباحث التحليلية العقلية لعلم أصول الفقه، هي مسائل واجه فيها الأصوليون واقعاً خارجياً، وهم في صدد كشفه ومعرفته وتفسيره ضمن مباحث عقلية دقيقة (راجع: الصدر، 1405، ج1، ص 314).
2. هذه الآراء هي: الملاك (المصلحة والمفسدة)، حب وبغض الشارع، حب وبغض مبرز، إرادة الشارع، إرادة مبرزة، خطاب الشارع، الخطابات القانونية، أثر الخطاب، الجعل والاعتبار، الاعتبار المبرز، الاعتبار القانوني (للاطلاع ودراسة أوسع حول الآراء المطروحة، راجع: شاكري، حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه، 1396، 126-218).
3. مسائل مثل: كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، التضاد بين الأحكام، اشتراك العالم والجاهل، تعدد المجعول، الأجزاء، عقاب المكلف. مثال على تأثيرات الآراء المطروحة حول حقيقة الحكم الشرعي، تم تطبيقه في مسألة الضد (للمزيد من الدراسة، راجع: شاكري، حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه، 1396، 219-229؛ شاكري، دور إعادة تعريف حقيقة الحكم الشرعي في مسألة الضد، 1396، ص 131-150).
4. بعض الآثار في هذا المجال هي: شاكري، بلال، حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه؛ نورمفيدي، سيدمجتبى، الحكم: الحقيقة، الأقسام، النطاق؛ إسلامي، رضا، دراسة مقارنة لماهية الحكم الظاهري بالاعتماد على آراء الشهيد الصدر؛ إلهي الخراساني، علي، نظرية الاعتبار القانوني في سياق الشخصانية.
5. مراحل وجود الحكم الشرعي، أو بعبارة أخرى مراتب الحكم الشرعي التي طرحت في كلمات المحقق الخراساني (راجع: الخراساني، 1410، ص 70) وبعده، أولاها سائر الأصوليين اهتمامهم.
6. الاقتضاء، الإنشاء، الفعلية، التنجز.
7. بالطبع، يعتبر البعض إبلاغ الشارع دخيلاً في حقيقة الحكم الشرعي؛ لذا طرحوا آراءً مثل الإرادة المظهرة، والاعتبار المبرز، وخطاب الشارع كحقيقة للحكم الشرعي. ولكن على أي حال، هذه الآراء أيضاً تنظر إلى حقيقة الحكم الشرعي من زاوية المشرّع (الشارع)، وتعتبر الإبلاغ فعل الشارع. (راجع: شاكري، حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه، 1396).
8. تحليلات مثل: الحب والبغض، الحب والبغض المبرز، الإرادة، الإرادة المظهرة، خطاب الشارع، الخطابات القانونية، الاعتبار، الاعتبار المبرز، الاعتبار القانوني. (راجع: شاكري، حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه، 1396).
9. في هذه النظرة أيضاً، يجب إيلاء اهتمام خاص للفرضية المطروحة حول حق التشريع، وهل كل هذه التحليلات لها معنى على أساس حصر حق التشريع لله تعالى أم لا؟ لأنه إذا اعتبرنا الشارع هو الله وآمنا ببعض الصفات مثل الإرادة، فإن تحليلاً مثل نظرية الإرادة لن يكون له معنى. ولكن إذا اعتبرنا الشارع هو النبي صلى الله عليه وآله، فإن جميع التحليلات المقدمة ستكون ذات معنى.
10. مقرر كتاب بحوث في علم الأصول لديه كلام يمكن القول بأنه تصريح بهذا المطلب، وهو أن حكم الشرعي من وجهة نظر المحقق الأصفهاني ملحوظ من حيث الأثر والمتعلق. يقول: المحقق الأصفهاني يعتبر حقيقة الحكم الشرعي بعثاً وزجراً بالحمل الشائع (راجع: الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص 318).
11. «أثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في فعل كالوجوب والحرمة والإباحة» (خلاف، 1992م، ص 100؛ فضلي، 1420هـ، ص 394). «أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً». (نملة، 1420هـ، ص 13؛ صاعدي، 1425هـ، ص18؛ بينانوني، 1409هـ، ص 31).
12. وجه الشبه بين رأي الشيعة وأهل السنة هو أن هذين التحليلين مطروحان من حيث النظر إلى المكلف وفعله، وأن اهتمام القائلين بهما كان على تأثير وأثر خطاب المشرّع (الشارع). في الواقع، أثر خطاب الشارع هو أن المكلف يُحفَّز نحو الأحكام الشرعية ويقدم على طاعتها.
13. آية الله ميرزا هاشم الآملي أشار إلى هذا المطلب قائلاً: فعلية الحكم لا تتوقف على فعلية الموضوع (تحقق الموضوع)؛ بل بما أن الحكم قد جُعل للموضوع المقدر الوجود، فالحكم فعلي منذ البداية (راجع: إسماعيل بور الأصفهاني الشهرضائي، 1404هـ، ج5، ص25).
14. نفس كلام المحقق الأصفهاني الذي يعتبر حقيقة الحكم «بعثاً وزجراً» ويقول إنهما أمران اعتباريان عقلائيان (راجع: الغروي الأصفهاني، 1374هـ.ش، ج1، ص524 وج2، ص123 و279).
15. نفس رأي المحقق النائيني، وآية الله الخوئي، وآية الله الروحاني الذين يربطون وصول الحكم إلى الفعلية بتحقق موضوعه بجميع قيوده وشروطه (راجع: واعظ الحسيني البهسودي، 1386هـ.ش، ج2، ص46؛ الفياضي، 1417هـ، ج2، ص312؛ الهاشمي الشاهرودي، د.ت، ج3، ص64).
16. نفس نظرية المحقق العراقي والشهيد الصدر (راجع: البروجردي، 1417هـ، ج2، ص278 و298 و302؛ الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص190 و194).
17. على سبيل المثال، الإشكال الذي طرحه مذهب فقهاء أهل السنة على مذهب الأصوليين لديهم في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، مبني على عدم الانتباه إلى نوع نظرة الطرف المقابل. لقد أشكل الفقهاء على الأصوليين بأن الخطابات الواردة في الكتاب والسنة كاشفة ومبينة للحكم الشرعي وليست هي الحكم نفسه؛ لأن الحكم الشرعي هو مدلول (أثر) الخطاب (راجع: خلاف، 1992هـ، ص100؛ نملة، 1420هـ، ص13؛ بينانوني، 1409هـ، ص31؛ صاعدي، 1425هـ، ص18؛ غرباني، 1989م، ص18). ولكن كما بُيّن، فإن هذا الإشكال مبني على اختلاف في جهة البحث بين المجموعتين. في الواقع، المستشكل قد عرّف وحلل الحكم الشرعي بالنظر إلى المكلف وفعله؛ على عكس القائل بنظرية الخطاب الذي عرّف وحلل الحكم بالنظر إلى الشارع والمشرّع.
18. من الواضح أن العرف والعقلاء قد يحللون حقيقة الحكم الشرعي من منظور المولى بهذا البيان: لو تصوروا أنفسهم في مكان الشارع والمشرّع، في أي مرحلة يعتبرون حقيقة الحكم متحققة؛ وقد يحللونها من زاوية نظر المكلف. ولهذا السبب قيل إنه بناءً على كل من نوعي التحليل من منظور المكلف أو المشرّع (الشارع)، يمكن وجود تحليل عرفي عقلائي لحقيقة الحكم الشرعي.
19. بالطبع، بالنظر إلى المقارنة مع حال العقلاء التي طرحها الشيخ، قد يُقال إنه كان ينظر إلى تحليل حقيقة الحكم الشرعي من منظور العقلاء، وبالنظر إلى التوضيح الذي قدمه هو نفسه، فإن المراد من الوجدان هو الوجدان العقلائي؛ لذا، فإنه كان في مقام التحليل العقلائي لحقيقة الحكم الشرعي.
20. يمكن تقسيم وجهات النظر المطروحة حول حقيقة الحكم الشرعي في تصنيف واحد إلى قسمين: 1- الحكم الشرعي أمر واقعي؛ 2- الحكم الشرعي أمر اعتباري. وقد صرح بعض الباحثين الأصوليين المعاصرين بهذا التقسيم (راجع: نورمفيدي، 1394هـ.ش، ج1، ص205-207؛ توكلي، 1398هـ.ش، ص40)، ويمكن استنتاج ذلك من عبارات بعض المفكرين الأصوليين؛ إذ إنهم في الإشكال على احتمال أن تكون حقيقة الحكم الشرعي عبارة عن الحب والبغض (المبرزين)، يذكرون هذه النقطة وهي أن الحب والبغض من الأمور التكوينية، وإذا اعتبرنا حقيقة الحكم الشرعي هي الحب والبغض (المبرزين)، فيجب أن نعتبر الحكم أمراً تكوينياً، بينما الحكم من الأمور الاعتبارية. (الهاشمي الحسيني، 1417هـ، ج2، ص284). من بين وجهات النظر المطروحة في حقيقة الحكم الشرعي التي تندرج تحت تحليل الحكم كأمر واقعي وتكويني، يمكن الإشارة إلى هذه الأقوال: 1. الملاك (المصلحة والمفسدة)؛ 2. الإرادة (المبرزة)؛ 3. الحب والبغض (المبرزين). من بين وجهات النظر المطروحة في حقيقة الحكم الشرعي التي تندرج تحت تحليل الحكم كأمر اعتباري، يمكن الإشارة إلى هذه الأقوال: 1. الاعتبار (الاعتبار المبرز)؛ 2. الاعتبار القانوني.
قائمة المصادر
1. ابن النجار (الفتوحي)، محمد (1997م). شرح الكوكب المنير. بدون مكان: مكتبة العبيكان.
2. إسلامي، رضا (1382هـ.ش). دراسة مقارنة لماهية الحكم الظاهري بالاعتماد على آراء الشهيد الصدر. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة بوستان كتاب.
3. إسماعيل بور الأصفهاني الشهرضائي، محمد علي (1404هـ). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار (تقريرات درس آية الله ميرزا هاشم الآملي). بدون مكان: نشر علمية إسلامية.
4. إلهي الخراساني، علي (1395هـ.ش). نظرية الاعتبار القانوني في سياق الشخصانية. قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
5. البروجردي، محمد تقي (1417هـ). نهاية الأفكار (تقريرات درس أصول المحقق العراقي). الطبعة الثالثة. قم: دفتر النشر الإسلامي.
6. بشير محمد، عبد الله (1424هـ). المصطلحات الأصولية في مباحث الأحكام وعلاقتها بالفكر الأصولي. الطبعة الأولى. الإمارات: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.
7. بينانوني، محمد أبو الفتح (1409هـ). الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية. الطبعة الأولى. دمشق: دار القلم.
8. توكلي، أحمد رضا. ماهية الحكم الشرعي من منظر حضرة الإمام الخميني. مجلة فقه وحقوق إسلامية. السنة الثالثة، العدد السادس (خريف وشتاء) 1398هـ.ش. ص 27-44.
9. الحكيم، سيد عبد الصاحب (1413هـ). منتقى الأصول (تقريرات درس خارج آية الله محمد حسين الروحاني). بدون مكان: مطبعة أمير.
10. الخراساني، محمد كاظم (1410هـ). درر الفوائد. بدون مكان: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
11. خلاف، عبد الوهاب (1992م). علم أصول الفقه. دمشق: دار المتحدة للطباعة والنشر.
12. الخميني، سيد مصطفى (1418هـ). تحريرات في الأصول. طهران: مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني.
13. دادستان، محمد (1378هـ.ش). جولة كاملة في أصول الفقه (تقريرات درس خارج آية الله فاضل اللنكراني). الطبعة الأولى. قم: انتشارات فيضيه.
14. السبحاني، جعفر (1382هـ.ش). تهذيب الأصول (تقريرات درس خارج الإمام الخميني). قم: إسماعيليان.
15. شاكري، بلال (1396هـ.ش). حقيقة الحكم الشرعي في أصول الفقه. قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
16. شاكري، بلال (1396هـ.ش). دور إعادة تعريف حقيقة الحكم الشرعي في مسألة الضد. فصلية الفقه، العدد 91. ص 131-150.
17. الصاعدي، محمد بن حمدي (1425هـ). الحكم الوضعي ومدى انطباقه على علم أصول الفقه. سوريا: مكتبة العلوم والحكم، مدينة: دار العلوم والحكم.
18. الصدر، سيد محمد باقر (1405هـ). دروس في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: دار المنتظر.
19. الغرباني، صادق عبد الرحمن (1989م). الحكم الشرعي بين النقل والعقل. بيروت: دار الغرب الإسلامي.
20. الغروي الأصفهاني، محمد حسين (1374هـ.ش). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الأولى. قم: انتشارات سيد الشهداء.
21. الفضلي، عبد الهادي (1420هـ). دروس في أصول الفقه الإمامية. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر.
22. الفياضي، محمد إسحاق (1417هـ). محاضرات في أصول الفقه (تقريرات درس خارج آية الله الخوئي). قم: انتشارات أنصاريان.
23. مجاهد، سيد محمد (د.ت). مفاتيح الأصول. قم: مؤسسة آل البيت.
24. المنتظري، حسين علي (1415هـ). نهاية الأصول (تقريرات درس آية الله البروجردي). طهران: نشر تفكر.
25. الموسوي الخميني، روح الله (1415هـ). مناهج الوصول إلى علم الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
26. نملة، عبد الكريم بن علي (1420هـ). المهذب في علم أصول الفقه المقارن. الطبعة الأولى. الرياض: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع.
27. نور مفيدي، سيد مجتبى (1394هـ.ش). الحكم: الحقيقة، الأقسام، النطاق. قم: مركز فقهي أئمة أطهار.
28. نوري تهراني، أبو القاسم (الكلانتري) (د.ت). مطارح الأنظار (تقريرات درس الشيخ الأنصاري). قم: مؤسسة آل البيت.
29. الهاشمي الحسيني، سيد محمود (1417هـ). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس خارج آية الله الشهيد الصدر). الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
30. الهاشمي الشاهرودي، علي (د.ت). دراسات في علم الأصول (تقريرات درس خارج آية الله الخوئي). قم: دائرة المعارف فقه إسلامي.
31. واعظ الحسيني البهسودي، محمد سرور (1386هـ.ق). مصباح الأصول (تقريرات درس خارج آية الله الخوئي). النجف الأشرف: مطبعة النجف.