منهج استخراج العلوم الإنسانية من القرآن ونموذجه المفهومي

الملخص

موضوع العلوم الإنسانية هو الأفعال والوجودات الإرادية للإنسان. وعلم الإنسانيات هو علم وصف وتغيير الأفعال الاختيارية للإنسان والمعرفة من الدرجة الثانية المتعلقة بها. تتناول المعرفة من الدرجة الأولى في العلوم الإنسانية الوجودات التي تُنشأ بإرادة الإنسان واختياره. أما المعرفة من الدرجة الثانية في العلوم الإنسانية، فتبحث في المباحث الخارجة عن نطاق العلوم الإنسانية كالمباني والأهداف والمنهج وتاريخ تطور العلوم الإنسانية وما شابه ذلك. والمنهج بمعناه العام هو استخدام مجموعة من العناصر التي توصل الإنسان إلى الهدف. وعناصر المنهج العلمي هي: المباني، والمصادر، وآليات استخلاص البيانات من المصادر، والأصول، والقواعد، والمكونات العملية، والمكونات التوزيعية، والمقاربات، والاتجاهات، والأساليب، والمهارات التي يؤدي استخدامها إلى تحقيق العلم. تركز هذه المقالة على العنصر المنهجي المتمثل في آليات استخلاص البيانات من القرآن الكريم. فرضيتنا هي إمكانية تحديد آلية دقيقة وشاملة لاستخلاص بيانات العلوم الإنسانية من القرآن. منهج المقالة في تحديد المكونات التعريفية لبيانات العلوم الإنسانية هو منهج منطقي وقياسي. أما استراتيجية المقالة في تحديد المكونات التعريفية لبيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية، فتتمثل في تحليل التعريف المختار للعلوم الإنسانية، ومراعاة ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول. وفي تحديد بيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية، يتم التأكيد على دلالة البيانات على الأسس النظرية، والدلالة الغائية، والمنهجية. جميع مراحل البحث مصحوبة بتقديم نماذج من البيانات الوحيانية وبصورة تطبيقية. وتُعرض نتيجة البحث من خلال تحديد المكونات التعريفية، ورسم النموذج المفهومي لعملية الوصول إلى بيانات العلوم الإنسانية في القرآن وتقديمه.

طرح المسألة

إن صياغة منهج تطبيقي للوصول إلى العلوم الإنسانية من القرآن الكريم هدف منبثق عن سلسلة من المسائل العلمية التي شغلت بال عدد من العلماء المسلمين لما يقرب من قرنين من الزمان. وقد انبرى عدد من المفسرين في القرنين ونصف القرن الأخيرين لتناول مسألة استنباط العلوم التجريبية من القرآن – بغالب الوعي – والعلوم الإنسانية من القرآن – بغالب غياب الوعي –. واليوم، تبرز ضرورة منهجية العلوم، وخاصة المنهجية التطبيقية لاستنباط العلوم الإنسانية من المصادر الدينية، وبالأخص القرآن الكريم، أكثر من أي وقت مضى؛ إذ بدون صياغة منهجية، لا سبيل لنا إلى العلم – أي النظريات والنظم – على نحو معروف ومعتبر وقابل للتعميم. فبدون نظرية، لا يقوم أي علم. وعليه، فإن غياب منهج استخراج العلوم الإنسانية من القرآن يمثل نقصًا ومسألة أساسية. وتقع مهمة إعادة إحياء هذا المنهج على عاتق المجتمع العلمي، ولا سيما خريجي الحوزة العلمية.

الأهمية والضرورة

إن التكوين الواعي والمنظم للعلوم الإنسانية ذات الأساس القرآني، رهين بصياغة مناهج معتبرة وفعالة. والخطوة الأولى في هذا المسار هي الوصول إلى بيانات العلوم الإنسانية في القرآن. كيف يمكننا الوصول إلى علوم إنسانية ذات أساس قرآني إذا لم نتوصل إلى مجموعة هذه البيانات أو على الأقل إلى حشد كبير من بيانات العلوم الإنسانية من القرآن؟ لذا، فإن تنظيم آلية للوصول إلى بيانات العلوم الإنسانية يعد مقدمة ضرورية للوصول إلى علوم إنسانية ذات أساس قرآني.

دراسة مفاهيم

المنهج هو مجموعة العناصر النظرية والتطبيقية التي توصل الإنسان إلى الهدف. ومن بين العناصر المنهجية المشاركة في الدراسات العلمية: المباني، والمصادر، وآليات استخلاص البيانات، وآلية تحليل البيانات، والأصول، والقواعد، والعوامل العملية، والعوامل التوزيعية، والمقاربات، والاتجاهات، والأساليب، والمهارات. وعادة ما يُستخدم مصطلح المنهج للإشارة إلى عنصر واحد أو عدة عناصر من المذكورة آنفًا. في هذه المقالة، من بين العناصر المذكورة، نركز على «آليات استخلاص البيانات» للعلوم الإنسانية من القرآن، والتي تمثل الخطوة الأولى في أي نوع من التفسير الموضوعي، بما في ذلك الوصول إلى علوم إنسانية ذات أساس قرآني.

آليات استخلاص البيانات: هي التقنيات التي يتيح استخدامها الوصول إلى أكبر قدر من البيانات المطلوبة من المصادر.

علم الإنسانيات: هو علم وصف وتغيير الأفعال الاختيارية للإنسان والمعرفة من الدرجة الثانية المتعلقة بها.

المعرفة من الدرجة الأولى: علم وصف وتغيير الحقائق. وموضوع المعرفة من الدرجة الأولى هو الحقائق الموضوعية.

المعرفة من الدرجة الثانية: علم العلم بالحقائق. وموضوع المعرفة من الدرجة الثانية هو العلم بالحقائق.

المباني

مرجعية القرآن الكريم الشأنية لجميع العلوم

للقرآن الكريم مرجعية شأنية لجميع العلوم. نفترض أننا نعلم أنه قد نزل للبشر كتاب من عند الله، ولكننا لم نفتحه بعد ولا علم لنا بمحتواه. مع ذلك، لو وجدت في القرآن بيان علمي واحد فقط في أي مستوى من مستويات العلم وحول أي علم كان، لكان مقدمًا على أي بيان علمي آخر؛ لأن البيان المذكور صادر عن خالق العلم والعالم والعالِم. هذه المرجعية نسميها المرجعية الشأنية. بعبارة أخرى، شأن القرآن أن يكون بيانه العلمي، إن وجد فيه، أصدق من أي بيان علمي آخر ومقدمًا على أي بيان علمي آخر.

وجود بيانات العلوم الإنسانية في القرآن

العلوم الإنسانية هي علوم وصف وتغيير الأفعال الاختيارية للإنسان وفلسفة هذا العلم. موضوع العلوم الإنسانية هو الأفعال الاختيارية أو الوجودات التي تُنشأ بإرادة الإنسان. لقد نزل القرآن الكريم لإحداث التغيير المطلوب في الإنسان وهدايته. ومن ثم، فهو يتضمن بيانات وفيرة حول وصف وتغيير الأفعال الإنسانية. هذه البيانات، من حيث ماهيتها، هي علم إنساني؛ لأن موضوعها هو موضوع العلوم الإنسانية.

وبهذا، فإن وجود بيانات العلوم الإنسانية في القرآن الكريم أمر قطعي لا يمكن إنكاره. علاوة على ذلك، يحتوي القرآن الكريم على بيانات تدل على المباني والأهداف والمناهج في موضوع العلوم الإنسانية. ومن ثم، فهو يتضمن أيضًا معرفة من الدرجة الثانية أو فلسفة العلوم الإنسانية.

فهم القرآن وإمكانية الوصول إلى العلوم الموجهة من خلاله

خلافًا لبعض الأخباريين الذين يرون استحالة فهم القرآن (راجع: الاسترآبادي، ١٤١٦: ١/٣٢، ٢٥٤ و٥٩٣)، نرى أن فهم وتحصيل العلم الموجه من خلال القرآن الكريم أمر ممكن وضروري لهداية البشر. ومن مستنداتنا القرآنية لهذا المبدأ أن تعبير «اعلموا» قد استُخدم ما لا يقل عن ٢٠ مرة في القرآن، سواء للبيانات الوصفية أو للبيانات الأمرية. (للمثال، راجع: الحديد: ٢٠، الحجرات: ٧، التوبة: ٢، ٢٦ و١٢٣، الأنفال: ٢٨ والبقرة: ١٩٤، ٢٠٣، ٢٢٣ و٢٣٣). فلو كان تحصيل العلم عن طريق القرآن مستحيلًا، لكان تعبير «اعلموا» في هذه الآيات لغوًا.

الإطار النظري

الجمل التامة كوحدات معنوية للبحث في القرآن

نحن بصدد تحديد البيانات العلمية من خلال الدليل اللفظي. تتكون ألفاظ القرآن الكريم من مفردات وجمل ناقصة وجمل تامة. والبيانات المذكورة لا يمكن تحديدها واستخراجها إلا من بين الجمل التامة – سواء كانت خبرية أم إنشائية –. وبالتالي، فإن المقاطع اللغوية التي تهمنا في القرآن هي الجمل التامة. ويقف هذا الإطار في مقابل إطار آخر يتبناه الكاتب في نظرية المفاهيم الأساسية للقرآن. في تلك النظرية، ينصب التركيز على المفاهيم التي تُعرض في قالب المفردات في القرآن. وفي هذه النظرية، تُستخدم الجمل لبيان الموقع الوجودي والأنطولوجي للمفاهيم. وعليه، تكتسب الجمل أهميتها من حيث أنها توضح المفاهيم الأساسية. ولكن هنا، نقطة الانطلاق هي الجمل التامة، وكل ما يُبحث في القرآن لتحديد العلوم الإنسانية، سيكون من الجمل التامة.

الاستناد إلى القضايا الحقيقية أو على نحو القضايا الحقيقية

لا يمكن لكل جملة تامة أن تحمل بيانًا علميًا؛ فالجمل التامة قسمان: شخصية وحقيقية. الجمل التامة الشخصية لا يمكنها أن تفيد حكمًا كليًا وقابلًا للتعميم؛ ومن ثم لا يمكن اعتبار مدلولها قضية علمية. وفي المقابل، إذا كانت الجمل التامة الخبرية قضايا حقيقية، فإنها تكون قابلة للتعميم وتدل على المصاديق الموجودة والمفترضة؛ وعليه، فإنها ستكون قضايا علمية. وكذلك الحال في الجمل التامة الإنشائية. فالجمل الإنشائية ستكون حاملة لبيان علمي إذا كانت «على نحو القضية الحقيقية». والجمل الإنشائية التي هي على نحو القضية الحقيقية هي جمل يكون موضوعها قابلًا للتعميم؛ أي أن الحكم فيها موضوع لمصاديقه الموجودة والمفترضة.

الخلفية

إن موضوع علم الإنسانيات، أي الفعل الاختياري للإنسان أو الوجودات التي تُنشأ بإرادة الإنسان، له خلفية تمتد بتاريخ خلق البشرية. وكذا بيانات الوحي في العلوم الإنسانية، لها الخلفية ذاتها. يخبرنا القرآن عن الخطاب الإلهي لآدم عليه السلام وزوجه: «وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمين» (البقرة: ٣٥). هنا، من خلال بيان العلاقة العلية بين الفعل الإنساني المتمثل في «الاقتراب من الشجرة المذكورة» و«كونهما من الظالمين»، أُلقيت أول قضية في علم الإنسانيات على الإنسان. الآية المذكورة هي تقرير واضح عن أول تعليم لعلم الإنسانيات لآدم عليه السلام، حيث أُعلم بنتيجة فعله الاختياري هو وزوجه. والعلم الإنساني المجعول والزائف له أيضًا خلفية تعود إلى التاريخ نفسه، فكما يروي القرآن، قام إبليس في مقابل العلم الإلهي المذكور بجعل علاقة علية وعرضها على الإنسان. وكان علمه المجعول هو: «وَ قالَ مَا نَهَاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخالِدين». فبدلًا من العلم الإلهي والعلاقة العلية التي أُعلم بها آدم من قبل الله، ألقى إبليس على آدم علاقتين عليتين مجعولتين وكاذبتين وأقسم عليهما. وعليه، فإن العلم الإنساني الكاذب قد رافق الإنسان منذ البداية. ولكن ما ذكرناه هو مصداق للعلم الإنساني أو العلم الإنساني بالحمل الشائع، لا العلم الإنساني بالحمل الأولي. فالعلم الإنساني بالحمل الأولي قد عُرف في القرون الأخيرة في الأوساط العلمية كفرع من فروع العلوم البشرية. لم ينفصل الإنسان قط عن علم الإنسانيات. وعلماء جميع المذاهب، ومنهم العلماء المسلمون، قد تناولوا هذا العلم، ولكن هذا التناول الذي يزخر به تراثنا العلمي، لم يكن مصحوبًا بوعي ذاتي بعلم يسمى العلوم الإنسانية. ومن المفارقات أن كثيرًا من هذه العلوم نابع من القرآن الكريم دون وعي ذاتي. ومع ذلك، يبدو أن نظرة البعض مثل الفارابي (٢٥٩-٣٣٩هـ) إلى علم الإنسانيات كانت واعية. فتعريفه للعلم المدني في «إحصاء العلوم» دليل على هذا الوعي؛ إذ إنه يعرف العلم المدني بأنه علم بما هو نابع من إرادة الإنسان. (الفارابي، ١٣٨٩: ١٠٦)

١. منهج الكشف عن بيانات العلوم الإنسانية القرآنية

١-١. تحديد المكونات التعريفية لبيانات العلوم الإنسانية في القرآن

في الخطوة الأولى، نتناول صياغة منهج تحديد بيانات العلوم الإنسانية في القرآن. الشرط اللازم لاعتبار بيان ما من علم الإنسانيات هو وجود العناصر المكونة لهذا العلم فيه. عادةً، يتضمن تعريف كل علم العناصر الأساسية المكونة له. هذه العناصر نسميها المكونات التعريفية. وعلم الإنسانيات ليس استثناءً من هذه القاعدة. وعليه، للوصول إلى هذه المكونات، ندرس ونحلل عناصر تعريف علم الإنسانيات. تعريفنا المختار لعلم الإنسانيات هو كالتالي: «علم وصف وتغيير الأفعال الاختيارية للإنسان وعلمه من الدرجة الثانية».1

يمكن للعناصر المفهومية: العلم، الوصف، التغيير، الفعل، الاختياري، والإنسان، في التعريف أن تكون مكونات تعريفية للعلوم الإنسانية من الدرجة الأولى؛ لأنها استُخدمت مباشرة في تعريف علم الإنسانيات من الدرجة الأولى. في هذا البحث، نبحث عن بيانات في القرآن يكون ظرف وجودها هو الدنيا، لذا من الضروري أن نعتبر «كون ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول دنيويًا» كعنصر مفهومي أيضًا.

وفي علم الدرجة الثانية، ندرس بشكل خاص ثلاثة مواضيع هي: المباني، والأهداف، والمناهج. هذه المواضيع هي أهم مباحث علم الدرجة الثانية.

وعليه، لا بد من دراسة ١٠ عناصر مفهومية لتحديد المكونات التعريفية لبيانات القرآن في مجال العلوم الإنسانية، وهي: ١. العلم؛ ٢. الوصف؛ ٣. الإنساني؛ ٤. الفعلي؛ ٥. الاختياري؛ ٦. التغيير؛ ٧. ظرف تحقق البيانات؛ ٨. المباني؛ ٩. الأهداف؛ ١٠. المنهج.

١-٢-١. المكونات التعريفية لبيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية في القرآن

١-١-٢-١. دراسة المفاهيم الستة للتعريف

يمكن لكل من هذه المفاهيم الستة أن يكون أحد المكونات التعريفية لبيانات العلوم الإنسانية في أي مصدر، بما في ذلك القرآن، ولكن لا بد من دراسة كيفية وضرورة اعتبار كل منها كمكون تعريفي.

العلم

«العلم» له دور الجنس في التعريف المذكور. اعتبار «العلم» كمكون لتعريف بيانات القرآن في مجال العلوم الإنسانية لا يمكن أن يأتي بجديد؛ لأن ماهية العلم مفترضة في أي بيان قرآني. بعبارة أخرى، «كون بيانات القرآن علمًا» هو من مباني علم القرآن، ولا ضرورة لاعتباره مكونًا لتعريف بيانات العلوم الإnsانية أو أي علم آخر.

الوصف

«الوصف» هو مضاف إليه لـ«العلم»، وعليه يجب أن يُنظر إليه في حالة الإضافة «علم الوصف». هذا التركيب الإضافي، الذي يرافقه مضاف إليهات أخرى، يشير إلى جزء من علم الإنسانيات له ماهية «وصفية»، وفي مقابله يقع ذلك الجزء من العلوم الإنسانية الذي له ماهية «أمرية». البيانات الوصفية تخبر عن وجود الكيان الإنساني وعلاقته بالكيانات الأخرى. علم الإنسانيات أيضًا له فئتان من القضايا: القضايا الوصفية والقضايا الأمرية أو القيمية والإرشادية. بناءً على الإطار النظري الثاني والثالث، أي مراعاة «الجمل التامة كوحدات معنوية للبحث في القرآن» وكذلك «الاستناد إلى القضايا الحقيقية»، من المفترض أن تكون وحدات بحثنا هي الجمل التامة في القرآن التي يمكن أن تكون بطبيعتها وصفية أو أمرية؛ بمعنى أن الجمل الوصفية، والقضايا الحقيقية، والجمل الإنشائية على نحو القضية الحقيقية. بناءً على هذا، فإن «كونها وصفية» لا يمكن أن يقدم لنا جديدًا، وبالتالي لا ندرجها ضمن المكونات التعريفية لأقسام البيانات.

الإنساني

تنقسم بيانات القرآن من حيث الموضوع إلى قسمين: البيانات المتعلقة بالإنسان والبيانات المتعلقة بغير الإنسان. المراد بالبيانات المتعلقة بالإنسان هو كل بيان يوضح حقيقة موجودة أو واجبة أو غير واجبة عن الإنسان. والبيانات المتعلقة بغير الإنسان هي البيانات التي توضح حقائق موجودة أو واجبة أو غير واجبة عن غير الإنسان؛ سواء كانت عن الطبيعة الجامدة أو الكائنات الحية الأخرى غير الإنسان، سواء كانت ملكوتية كالملائكة أو مُلكية كالجن، أو الكائنات الحية الأخرى كالحيوانات والنباتات التي تكون الدنيا ظرف حياتها. على سبيل المثال، الحقائق التي تُذكر عن الملائكة أو أنواع الأشياء الطبيعية تندرج ضمن البيانات المتعلقة بغير الإنسان.

طبعًا، ليس كل بيان يوضح حقيقة عن الإنسان يُدرج بالضرورة في مجال العلوم الإنسانية؛ لأن ليس كل بيان إنساني يتعلق بالضرورة بالفعل الاختياري للإنسان. على سبيل المثال، آية «وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ» (الذاريات: ٤٧) تخبر بأن «السماوات في توسع مستمر بواسطة الله». هذا البيان يتعلق بالطبيعة لا الإنسان. وفي آية «وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ» (النحل: ٦٨)، يُذكر بيان موضوعه غير إنساني، أي النحل، ولا علاقة له بالإنسان مباشرة. أما آية «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتاباً يلقاه مَنْشُوراً» (الإسراء: ١٣) فتتضمن على الأقل ثلاثة بيانات عن الإنسان. وكذلك آيات «بَلِ الْانسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه» (القيامة: ١٤-١٥) تتضمن بيانين موضوعهما الإنسان أيضًا. على الرغم من كون الموضوع إنسانيًا في البيانات المذكورة، لا يمكن إدراجها كلها ضمن بيانات مجال العلوم الإنسانية. فلو كان كون الموضوع إنسانيًا شرطًا كافيًا لكون العلم إنسانيًا، لوجب اعتبار بيانات فيزيولوجيا وبيولوجيا الإنسان أيضًا من العلوم الإnsانية؛ بينما هذه العلوم لا تسمى علومًا إنسانية؛ لأن كون البيان إنسانيًا من حيث الموضوع هو شرط لازم فقط لكون العلم إنسانيًا، وليس شرطًا كافيًا. وبهذا، نصل إلى أول مكون تعريفي لبيانات القرآن في مجال العلوم الإنسانية، وهو مكون «كون موضوع البيانات إنسانيًا».

الفعلي (المرتبط بالفعل)

لا يمكن لأي بيان، لمجرد أن موضوعه الإنسان، أن يندرج في مجال العلوم الإنسانية؛ فكما ورد في عدد من الآيات، تُذكر بيانات موضوعها الإنسان توضح جانبًا من أبعاد الإنسان، ولكنها تُدرج ضمن بيانات العلوم الطبيعية، لا العلوم الإنسانية. البيانات التي موضوعها الإنسان يمكن اعتبارها علمًا إنسانيًا ومن الدرجة الأولى إذا دل محمولها على فعل إنساني؛ لأن الأمر غير الفعلي للإنسان لا يُدرج ضمن علوم الإنسانية من الدرجة الأولى. على سبيل المثال، آية «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بصيراً» (الإنسان: ٢) تخبر على الأقل بأربعة بيانات موضوعها الإنسان:

١. «خلق الإنسان من نطفة ممتزجة»؛ هذا البيان يدل على أمر طبيعي وبيولوجي (Biological).

٢. «ابتلاء الإنسان»؛ ابتلاء الإنسان سنة إلهية (divine tradition) وحقيقة مطلقة عن الإنسان ولا علاقة له بفعل الإنسان؛ لأنه على الرغم من أن فعل الإنسان يؤثر في تشكل نوع البلاء وفي عاقبة الابتلاء، فإن أصل الابتلاء وأثره، أي أن يصبح سميعًا وبصيرًا، يعتمد على الإرادة والمشيئة الإلهية الجارية في حق الإنسان، لا على اختيار وإرادة الإنسان.

٣. ابتلاء الإنسان عامل «يصيره سميعًا»؛

٤. ابتلاء الإنسان عامل «يصيره بصيرًا».

البيانان الأخيران، وهما سنتان إلهيتان، يخبران عن العلاقة العلية بين الابتلاء الإلهي وكون الإنسان «سميعًا» و«بصيرًا». إذا اعتبرنا أن يصبح سميعًا وبصيرًا بمعناه الفيزيولوجي، فهذا يعني أن سمع وبصر الإنسان في بداية خلقه لا يؤديان وظيفتهما المتوقعة – كما يؤكد الأطباء والمتخصصون في النمو على ذلك – ولكن بعد الممارسة والابتلاءات، يجد سمعه وبصره، أي أذنه وعينه، وظيفتهما المتوقعة، ويستطيع الإنسان أن يسمع ويرى المسموعات والمرئيات بالوضوح اللازم.

يمكن اعتبار «السميع» و«البصير» بمعنى أوسع من الأدوات الجسدية والفيزيولوجية للجسم. يُستخدم «البصير» في حالة يرى فيها الشخص، نتيجة الممارسة واكتساب المهارة، أشياء لا تُرى عادةً أو لا يستطيع الناس العاديون الذين لم يمروا بذلك المستوى من المهارة والممارسة رؤيتها وتشخيصها. على سبيل المثال، من حصل على أعلى مستويات علم الجيولوجيا أو علم التربة، يرى ويدرك في حفنة من التراب أشياء يراها ويدركها قلة من الناس. و«السميع» أيضًا يمكن أن يكون مشابهًا لمعنى «البصير»، أي سماع أشياء لا يستطيع الناس عادةً سماعها وإدراكها. على سبيل المثال، تعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»2 (الحر العاملي، ١٣٩١: ٢٧/٨٩)، يخبر عن إدراك سمعي قد لا يصل إليه المتكلم نفسه وحامل الفقه. يمكن لميكانيكي أن يدرك من صوت محرك سليم أو معطوب، وكذلك الجزء المعطوب، ولكن الناس العاديين لا يدركون ذلك عادةً. في هذه الحالة، بإلغاء خصوصية «نبتليه»، يمكن اعتباره بيانًا في فرع العلوم التربوية من العلوم الإنسانية؛ مع هذا التوضيح أنه لكي يصبح المتربي سميعًا وبصيرًا، يجب على المربي أن يعرضه للابتلاء والاختبار.

في هذا السياق، في الآيتين ١٤ و١٥ من سورة القيامة اللتين ذكرتا سابقًا، يوجد بيانان موضوعهما الإنسان. مع ذلك، لا يمكن اعتبار الأول ضمن المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية؛ لأن «كون الإنسان بصيرًا على نفسه» أمر وضعه الله في وجود الإنسان وليس فعلًا إنسانيًا، ولكن الثاني يمكن دراسته كبيان في مجال العلوم الإnsانية؛ لأن الاعتذار فعل إنساني. وآيات «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَ لِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ» (البلد: ٨-٩) تدل أيضًا على بيانات عن الإنسان، حيث إن نوع الإنسان محكوم بأن يكون له عينان ولسان وشفتان. هذا الامتلاك بجعل إلهي وليس فيه أي فعل من الإنسان. محتوى هذه البيانات فيزيولوجي، وليس من العلوم الإنسانية. في المقابل، تُذكر بيانات كثيرة في القرآن توضح العلاقات العلية بين الفعل الإنساني وأشياء أخرى.

أفعال الإنسان يمكن تصورها في ثلاثة مجالات: المجال المعرفي، أي الفعل والسلوك الذهني وهو أمر داخلي؛ والمجال السلوكي، وهو الفعل والعمل الإنساني بالأعضاء والجوارح؛ والمجال العاطفي، وهو الأفعال وردود الفعل الإحساسية والانفعالية للنفس الإنسانية. عادةً ما تكون هذه الانفعالات مصحوبة بعلامات وتغيرات في بشرة الوجه، وحركة العينين والشفتين وما شابه ذلك. وعليه، فإن المراد بـ«الفعل» ليس فقط السلوك الجارحي، بل يشمل جميع الأفعال والانفعالات الإنسانية – سواء كانت جارحية أم جوانحية.

الآن نتناول الآيات التي تخبر عن البيانات والقوانين الحاكمة على أفعال الإنسان في كل من المجالات المعرفية والسلوكية والإحساسية. آيات «وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (الجاثية: ٤-٥)3 توضح علاقات علية بين الأفعال المعرفية المذكورة. تدل الآية الأولى على علاقة علية بين «الإيقان» و«إدراك الآيات في خلق الإنسان»، وكذلك علاقة علية بين «الإيقان» و«إدراك الآيات في انتشار كل دابة». وتدل الآية الثانية على علاقة علية بين «التعقل» و«إدراك آيات كل رزق أنزله الله من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها» وكذلك «التعقل» و«إدراك الآيات في تصريف الرياح». من الواضح أن «الإيقان» و«التعقل» و«إدراك الآيات» ليست أفعالًا تُؤدى باليد والقدم والجوارح، بل هي أفعال معرفية تتعلق بذهن الإنسان.

وكذلك آية «مَنْ كانَ يُريدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصيب» (الشورى: ٢٠) تدل على علاقات علية بين فعلين عاطفيين ووقائع في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية. هاتان العلاقتان العليتان هما سنتان إلهيتان: ١. سنة تعليق «زيادة حرث الآخرة» على «إرادة الآخرة»؛ ٢. سنة «إيتاء بعض من حرث الدنيا» و«عدم وجود نصيب من حرث الآخرة» على «إرادة حرث الدنيا». «الإرادة» أو «الرغبة» هما فعلان عاطفيان في الإنسان. وآيات «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرِي سَيَذَّكَّرُ مَنْ يخشى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى» (الأعلى: ٩-١١) بوضوح أكبر تدل على علاقات علية بين الفعل العاطفي وبعض الأحداث.

الآيات السابقة تظهر علاقة علية بين الفعل العاطفي «الخشية»4 و«التذكر»، وكذلك بين «الشقاوة» و«الابتعاد عن الذكر»، والتي تدل على سنة إلهية وهي أن من يخشى يتذكر. لا يقدم اللغويون معنى واضحًا للشقاوة، فالبعض يفسرها بالصعوبة والشقاء (رضا مهيار، فرهنگ أبجدي، ٥٣١) أو «ضد السعادة» (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٤٦٠؛ ابن منظور، ١٤١٤: ٤٣٨/١٤). يمكن اعتبار «الشقاوة» في رأي اللغويين معنى مجردًا يُنتزع من مجموعة من الأفعال والخصال. إدراج «الشقاوة» – كما يفسرها اللغويون – في أحد المجالات الثلاثة المعرفية أو السلوكية أو الإحساسية أمر صعب. في رأي الكاتب، الشقاوة هي الإعراض وكراهية ما هو مفيد للشخص. وهذا الإعراض أمر عاطفي نابع من إحساس وعاطفة الشخص الشقي تجاه الأشياء.5

بهذا، فإن «كون المحمول فعليًا» هو ثاني مكون تعريفي لبيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية. على الرغم من أن هذا المكون أيضًا هو أحد الشروط اللازمة لإدراج بيانات القرآن في مجال العلوم الإnsانية، إلا أنه ليس شرطًا كافيًا.

الاختياري

لا يمكن إدراج أي بيان موضوعه الإنسان ومحموله فعل إنساني في عداد العلوم الإنسانية؛ لأن المكونات المذكورة شرط لازم للإدراج في العلوم الإنسانية، وليست شرطًا كافيًا. البيان القابل للإدراج في مجال العلوم الإنسانية يحتاج من حيث المحمول إلى قيد «كونه اختياريًا» أيضًا، وإلا فلا يمكن اعتباره علمًا إنسانيًا. على سبيل المثال، «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت» (آل عمران: ١٨٥) يدل على شمول الموت لكل نفس، بما في ذلك الإنسان؛ أي أن كل إنسان يموت. في البيان القرآني المذكور، ذوق الموت فعل يُنسب إلى النفس، ولكن «ذوق الموت» فعل قهري، وليس اختياريًا. على العكس من ذلك، آيات: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَ اتَّقَى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنِي فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرِى وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرى» (الليل: ٥-١٠) تتضمن بيانات تندرج ضمن العلوم الإnsانية؛ لأن الآيات الثلاث الأولى تخبر عن علاقة علية بين ثلاثة أفعال اختيارية هي «الإعطاء» و«التقوى» و«التصديق بالحسنى» مع «تيسير اليسر والرخاء من قبل الله». والآيات الثلاث التالية تخبر عن علاقة علية بين ثلاثة أفعال اختيارية هي «البخل» و«الاستغناء» و«تكذيب الحسنى» مع «تيسير العسر والفقر من قبل الله».

وبهذا، فإن المكون التعريفي الثالث لبيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية هو «كون الفعل الإنساني اختياريًا».

التغيير

«التغيير» في العبارة السابقة مستخدم في تركيب إضافي. التغيير يعني «التحويل من حال إلى حال والتبديل والتغيير» (دهخدا، ١٣٧٧: ٦٨٣٦/٥). «علم التغيير» يمكن تصوره في صورتين: وصفية وأمرية. النسبة بين «علم الوصف» و«علم التغيير» هي العموم والخصوص من وجه. مادة الاجتماع هي جزء من «علم الوصف» الذي يبين عوامل أو موانع التغيير. ومادة الافتراق تبين كل «علم أمري» يوصي بكيفية أو عملية التغيير. وفقًا لقاعدة «إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا»، فإن اجتماع وتلاقي «الوصف» و«التغيير» في التعريف يظهر أن هذين المفهومين لا يُنظر إليهما بمادة الاجتماع، وكل منهما يُنظر إليه في مجاله المتميز مقارنة بالآخر. لا بد أن «علم التغيير» في تعريف العلوم الإنسانية يدل على «العلم الأمري». مع الأخذ بهذا المعنى لـ«علم التغيير»، فإن تعريفنا المختار للعلوم الإنسانية يشمل العلم الأمري أيضًا. الكثير من الجمل الإنشائية في القرآن الكريم التي تُعرض في قالب الأمر أو النهي وتصوغ السلوك الاختياري للإنسان، تندرج ضمن «علم التغيير». ومع ذلك، لا يمكن اعتبار مفهوم التغيير مكونًا تعريفيًا؛ لأن هذا المعنى قد تم تداركه في الإطارين النظريين الأخيرين، أي «الجمل التامة كوحدات معنوية للبحث في القرآن» و«الاستناد إلى القضايا الحقيقية أو على نحو القضايا الحقيقية».

كونه دنيويًا

تنقسم بيانات القرآن من حيث ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول إلى ثلاث فئات: دنيوية، وأخروية، وشاملة للوجودين. العلوم الإنسانية المتعارف عليها تتناول فقط علم وصف وتغيير الأفعال الاختيارية للإنسان في ظرف الدنيا. وبهذا، فإن «ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول» هو المحدد لتعريف بيانات العلوم الإnsانية، ولا تندرج في مجال العلوم الإنسانية إلا البيانات التي يكون ظرف تحققها هو الدنيا. إذن، البيانات التي يكون ظرف تحققها شاملًا للوجودين – الدنيا والآخرة – تندرج أيضًا في نطاق هذا البحث، مع هذا التوضيح أن العلوم الإnsانية هي علم وصف وتغيير الأفعال الإنسانية في الدنيا. الآخرة هي ظرف العواقب والمصير النهائي لكثير من الأفعال الإنسانية، كما جاء في بعض الأحاديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: «فَإِنَّمَا الْيَوْمَ عَمَلُ وَ لَا حِسَابَ وَغَداً حِسَابٌ وَ لاَ عَمَلَ» (نهج البلاغة، الخطبة ٤٢). بالطبع، يتحقق جزء من انعكاسات ونتائج الأفعال الإنسانية في هذه الدنيا، ولكن حجمها ضئيل مقارنة بما سيتحقق في الآخرة. ومع ذلك، فإن العلوم الإنسانية المعروفة تقتصر على وصف هذه الأفعال وتغييرها في هذه الدنيا، على الرغم من أن تأثير هذه الأفعال الدنيوية والملكية له آثار عظيمة في الآخرة.

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن ظرف جريان البيانات أخروي، وتجربة ومشاهدة هذه البيانات غير ممكنة عادةً في هذه الدنيا، فإن بيان هذه البيانات في القرآن الكريم له وظائف دنيوية. بعض الوظائف الدنيوية لبيان بيانات الآخرة في القرآن الكريم هي كالتالي: الأثر المعرفي، الأثر على الهدف الغائي للأفعال الإنسانية -العلة الغائية-، إيجاد الشوق -التبشير-، والأثر التحفيزي في إنتاج وتثبيت وزيادة الإيمان والوجودات الإنسانية المرتبطة به، والردع والإنذار من الكفر والوجودات الإنسانية المرتبطة به.

على الرغم من اعتقادنا بأن وصف وقائع الآخرة في القرآن الكريم والوجودات الأخروية التي تتشكل نتيجة الأفعال الاختيارية للإنسان هو من حيث الموضوع علم إنساني ويجب تناوله في مكانه، فإن هذا الاعتقاد يقف في مقابل رأي أمثال ابن عاشور الذين ينكرون تأثير الأفعال ذات الأثر الأخروي على الأمور الدنيوية (راجع: ابن عاشور، دون تاريخ: ١٢٣/٦). رأي ابن عاشور قابل للنقد. توجد بيانات في القرآن تبين تأثير الأفعال الإنسانية في الدنيا والآخرة معًا. على سبيل المثال، آية «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعى فى خَرابِها أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْى وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (البقرة: ١١٤) تبين الآثار المزدوجة الدنيوية والأخروية لفعلين إنسانيين.

ومع ذلك، لتقليص نطاق العينة الإحصائية، نقتصر البحث على البيانات التي تتحقق في الدنيا. بعبارة أخرى، للعثور على معرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية في القرآن، نقتصر على البيانات التي تتضمن علم وصف وتغيير الوجودات المنشأة باختيار وإرادة الإنسان في هذه الدنيا.

هذا لا يعني أننا نضع جانبًا كل بيان يتضمن وجودات إنسانية أخروية؛ لأنه في عدد من البيانات القرآنية، تنشأ نوع من الصلة بين معرفة الوجودات الأخروية والأفعال الإنسانية، بحيث على الرغم من دلالتها على وجودات إنسانية أخروية، فإنها تتضمن دلالة على وجودات إنسانية دنيوية. بالطبع، في هذا البحث سنتناول الحالات التي ذُكرت بوضوح في القرآن. على سبيل المثال، الآيات التالية تتضمن عددًا من البيانات الأخروية التي تدل على أثرها المعرفي على الأفعال الدنيوية للإنسان: «وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ مَا نُؤَخِّرُه إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ» (هود: ١٠٢-١٠٤). تدل هذه الآية على علاقة علية بين «كون أخذ القرى من قبل الله آية» و«الخوف من عذاب الآخرة». معنى العلاقة العلية هو أن البيانات الأخروية مؤثرة على معرفة الإنسان، ولكن للإنسان الذي يرافقه الفعل العاطفي المتمثل في الخوف من عذاب الآخرة.

بالطبع، إن النفي المطلق للفعل والعمل الاختياري في ظرف الآخرة أمر صعب. فالكثير من قضايا القرآن والسنة تخبر عن نوع من الفعل الإنساني في الآخرة. ومن ثم، فإن وجود نوع من الفعل الاختياري للإنسان في الآخرة أمر لا يمكن إنكاره. الحديث هنا هو أن الأفعال الأخروية تابعة لأفعال كل شخص في الدنيا؛ لأن الأفعال الأخروية هي جزاء الأفعال الدنيوية. «وَ تَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيهِ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (الجاثية: ٢٨). تتحدث الآية عن «اليوم تجزون ما كنتم تعملون»، لا «تجزون بما كنتم تعملون». يمكن أن يعني هذا أن الأفعال الأخروية هي جزاء الأفعال الدنيوية وتابعة قهرية لها. الأفعال التابعة لأفعال الدنيا في الآخرة تختلف عن أفعال الدنيا التي ليست تابعة لأي فعل في العوالم السابقة.

بناءً على هذا، فإن البيانات التي تصف أو تغير أفعال الإنسان في الآخرة لا تُدرج في علوم الإنسانية من الدرجة الأولى، إلا إذا أُخذ في الاعتبار تأثيرها على الأفعال الاختيارية للإنسان في الدنيا.

يخبر القرآن الكريم عن أفعال معرفية وعاطفية وسلوكية في ظرف الآخرة. تُعرض هذه الأفعال في قالب قضايا حقيقية. على سبيل المثال، آية «قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ» (الملك: ٩) تخبر عن كلام الكافرين في الآخرة حيث يعترفون بمجيء النذير إليهم في الدنيا، ويخبرون عن رد فعلهم تجاهه وما قالوه ردًا عليه. هذا الكلام فعل، وهو فعل تابع لفعلهم في الدنيا ولا يختص بفئة معينة، بل سنة الله الجارية هي أن كل من فعل كذلك في الدنيا، سيقول مثل هذا الكلام في الآخرة. في الآية التالية، جاء: «وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السعير» (الملك: ١٠)؛ هذا الكلام من الكافرين يخبر عن حدث معرفي فيهم. يعترفون بأنهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون باستمرار في الدنيا، لما كانوا في الآخرة من أصحاب النار المستعرة؛ أي لو أنهم استخدموا هاتين الأداتين للمعرفة في الدنيا، لما واجهوا تلك المصيبة في الآخرة. بعبارة أخرى، حتى الأفعال المعرفية للإنسان في الآخرة لها عواقب وخيمة، كما تخبر بعض الآيات عن نوع من الفعل العاطفي في الآخرة.

يقول تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (آل عمران: ١٦٩-١٧٠). في هذه الآية، يخبر الله عن فرح وسرور الشهداء في سبيل الله، مما يدل بوضوح على فعل عاطفي فيهم. هؤلاء الشهداء يبشرون أيضًا الذين لم يلحقوا بهم بأنهم لا «خوف» عليهم ولا «حزن». «الخوف» هو رد فعل عاطفي تجاه المستقبل، و«الحزن» هو رد فعل عاطفي تجاه الماضي. توجد تقارير كثيرة من هذا النوع في القرآن تتناول أفعال الإنسان في المجالات الثلاثة: المعرفية والعاطفية والسلوكية في الآخرة. ومع ذلك، فإن الأفعال الأخروية للإنسان والسنن الحاكمة عليها، نظرًا لكونها تابعة قهرية لأفعال الدنيا وخارجة إلى حد ما عن نطاق الاختيار، لا تُدرج في مجال العلوم الإنسانية؛ على الرغم من أن المعرفة المتعلقة بأفعال الإنسان في الآخرة هي معرفة قيمة، ونظرًا لتأثيرها على أفعال الدنيا في مجال العلوم الإنسانية، فهي قابلة للإدراج. وعليه، لا بد من أن نتناول هذا الجزء من معرفة القرآن ومقدار تأثيره على العلوم الإنسانية في مكانه وبشكل كافٍ. بالطبع، في هذا البحث، للوصول إلى بيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية، نقتصر فقط على البيانات التي يكون ظرف تحقق النسبة بين موضوعها ومحمولها هو الدنيا.

١-٢-٢. المكونات التعريفية لبيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية

للمعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية، وضعنا ثلاثة عناصر أساسية في أولوية البحث: «الدلالة على الأسس النظرية – المباني»، «الدلالة على الأهداف»، و«الدلالة على المنهج». وجود أي من العناصر المذكورة في بيانات القرآن الكريم يجعلها في عداد المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية، وبالتالي يعتبر كل منها مكونًا تعريفيًا.

الدلالة على المباني

تعتمد العلوم الإنسانية وفروعها على عدد من المباني. تُبحث هذه المباني في فلسفة العلوم الإnsانية. آية «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» (الروم: ٣٠) تتحدث عن خلق الإنسان ووجود الفطرة فيه، وهو أمر إلهي لا دخل لاختيار الإنسان وعمله في وجوده. ومع ذلك، فإن الآية المذكورة هي أحد مباني علم الإنسان في رأي بعض المفسرين المعاصرين (راجع: جوادي آملي، ١٣٨٩: ٤١)، ويمكن أن تكون أساسًا في جميع العلوم الإنسانية، خاصة في علوم التربية والأخلاق. وبهذا، تندرج في فئة فلسفة العلوم الإنسانية والمعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية. كما أن «الكرامة الذاتية للإنسان» (الإسراء: ٧٠) و«اختيار الإنسان» (الإنسان: ٣) في القرآن، تتضمنان مبدأين من مبادئ علم الإنسان في مختلف فروع العلوم الإنسانية كالأخلاق والتربية والعلوم السياسية والحقوق. وعليه، فإن الدلالة على الأسس النظرية للعلوم الإنسانية – المباني – هي إحدى المكونات التعريفية للمعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية في القرآن.

الدلالة على الغايات

أهداف الأفعال الإنسانية، وخاصة الأهداف النهائية، تندرج ضمن مباني الغايات في العلوم الإنسانية. وقد قام عدد من الباحثين بتبيين بيانات القرآن كمباني غائية لفروع من العلوم الإنسانية. على سبيل المثال، «الفلاح» هو أحد المفاهيم الوجودية6 في القرآن الكريم التي تنشئها بعض الأفعال الاختيارية للإنسان. أربع آيات في بداية سورة البقرة تدل على علاقة علية بين استمرارية أفعال «الإيمان بالغيب»، «إقامة الصلاة»، «الإنفاق مما رزق الله»، «استمرارية الإيمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، «الإيمان بما أنزل قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، و«اليقين بالآخرة» مع «الوصول إلى الفلاح». يعتقد البعض أن «الفلاح» هو أحد الأهداف الهامة في فرعي التربية والأخلاق من العلوم الإنسانية الإسلامية. (راجع: محمدهادي معرفت، ١٣٧٩؛ مصباح يزدي، ١٣٧٢: ٣٦). تلك الفئة من بيانات القرآن التي تبين العلاقات العلية بين عدد من الأفعال الإnsانية والفلاح، تندرج ضمن مباني الغايات في علم الأخلاق.

بشكل عام، كل بيان قرآني يتناول أهداف الفعل الإنساني، يمكن اعتباره مبنى غائيًا ويوصلنا إلى معرفة من الدرجة الثانية من العلوم الإنسانية.

الدلالة على المنهج

عدد من بيانات القرآن التي موضوعها الإنسان ومحمولها فعل اختياري للإنسان في هذه الدنيا، لها دلالات منهجية. على سبيل المثال، حتى السنن التي يسميها الشهيد الصدر قوانين حاكمة على تاريخ وحضارة البشرية (صدر، دون تاريخ: ٥٠) يمكن أن تتضمن دلالات منهجية. بالطبع، ليس كل سنة تاريخية كذلك. على سبيل المثال، السنن التاريخية المذكورة في آيات «لكُلِّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» (المائدة: ٤٨) و«وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُون» (الأعراف: ٣٤؛ يونس: ٤٩) و«كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ» (الأنعام: ١٠٨) تفتقر إلى دلالات منهجية. على الرغم من أن هذه البيانات تندرج ضمن مباني علم الإنسان في فروع العلوم الاجتماعية، والتاريخ، والأخلاق، والتربية وما شابه ذلك في العلوم الإnsانية، ومن هذا المنطلق تندرج ضمن عناصر المنهج وتشارك في تنظيمه، إلا أنها لا تعتبر تطبيقية بشكل مباشر.

إضافة إلى البيانات السابقة، توجد دلالات منهجية تطبيقية كثيرة في بيانات القرآن. على سبيل المثال، آية «أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (العنكبوت: ٤٥) في قسمها الأول «أَقِمِ الصَّلاةَ»، قد قُررت وشُرعت إقامة الصلاة كفعل اختياري من قبل الله. والقسم الثاني «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ» يخبر عن علاقة علية بين الالتزام بالفعل المذكور والفحشاء والمنكر، وهي نتيجة تكوينية لذلك الفعل. وعلى هذا الأساس، آيات الجهاد (العنكبوت: ٦٩)، والإنفاق (فاطر: ٢٩ والتغابن: ١٦)، والإحسان (البقرة: ١٩٥ والنحل: ٩٠)، والقرض (الحديد: ١١ والبقرة: ٢٤٥)، ووضع العلاقات المالية المناسبة من قبل الله (البقرة: ٢٨٢) مصحوبة ببيان علاقات علية تخبر عن عملية الوصول إلى النتائج التكوينية لهذه الأفعال.

هذه البيانات، على الرغم من تضمنها دلالة على علاقات علية هي علم من الدرجة الأولى، فإنها تحمل دلالات منهجية؛ لأنها تبين طريق الوصول إلى النتائج. بالنسبة لمن يعتبرون المناهج علمًا من الدرجة الثانية، فإن هذه الدلالات المنهجية توفر جزءًا من هذا العلم، ولكن بالنسبة لأمثال الكاتب الذين يعتبرون معالجة المنهج علمًا من الدرجة الأولى وقراءة المناهج المعروضة علمًا من الدرجة الثانية، فلا بد للعثور على بيانات علم الدرجة الثانية من الرجوع إلى آيات من القرآن تتناول قراءة مناهج الآخرين.

الدلالات المنهجية في بيانات القرآن الكريم صنفان: ١. بيانات تتضمن دلالات منهجية حول الوصول إلى أهداف ونتائج الأفعال الإنسانية. ٢. بيانات تتضمن دلالات منهجية للوصول إلى العلم بشكل مطلق أو علم الإنسانيات أو نقد المناهج. كلا الصنفين يندرجان ضمن بيانات المنهج في العلوم الإنسانية، ولكن الصنف الثاني يندرج ضمن بيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية. على سبيل المثال، يعيد القرآن الكريم قراءة منهج آل فرعون في التعامل مع الآيات الإلهية ويبين عواقبه: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (الأنفال: ٥٢-٥٣). حسب رواية القرآن، اتخذ آل فرعون «الكفر بآيات الله» منهجًا معتادًا لهم. وكانت نتيجة وضع هذا المنهج والالتزام به إمكانية الأخذ والعقوبة من قبل الله في هذه الدنيا. المنهج المذكور يندرج ضمن عادات آل فرعون في التعامل مع آيات الله. بإلغاء خصوصية آل فرعون، كلما تحقق هذا المبدأ من قبل أي مجتمع، فإنه سيتعرض للأخذ والعقاب الإلهي. على هذا النحو، فإن منهج سلوك الرهبان المسيحيين أدى إلى آثار تكوينية فيهم: «وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصارى ذلكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون» (المائدة: ٨٢). يصرح القرآن الكريم بأن الرهبانية لم تفرض عليهم من قبل الله كمنهج إلزامي، بل هم ابتدعوها: «وَ رَهْبانِيةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» (الحديد: ٢٧). العلاقة العلية بين ثلاثة عناصر فعلية واختيارية هي «كونهم قسيسين»، «كونهم رهبانًا»، و«المداومة على عدم الاستكبار» مع النتيجة التكوينية «قربهم من حيث المودة للمؤمنين»، لها دلالة منهجية؛ لأنها تبين طريق قربهم من حيث المودة للمؤمنين. يسمي العلامة الطباطبائي العناصر الثلاثة المذكورة «مفتاح استعدادهم للسعادة» (الطباطبائي، ١٤١٧: ٨٠/٦). يمكن اعتبار التقرير المذكور نظرة من الدرجة الثانية إلى أحد أبعاد منهج وأسلوب حياة الرهبان المسيحيين الذي يبين القرآن عواقبه أيضًا.

وبهذا، فإن تضمن الدلالات المنهجية هو أحد المكونات التعريفية الأخرى للمعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية؛ لأن المناهج هي جزء من الأفعال الاختيارية للإنسان للوصول إلى الأهداف.

١-٢-٣. النماذج المفهومية لعملية تحديد بيانات العلوم الإنسانية في القرآن

النموذج المفهومي هو تمثيل مبسط للنظام المستهدف. نظامنا المستهدف هو عملية تحديد بيانات العلوم الإنسانية القرآنية – سواء كانت معرفة من الدرجة الأولى أو الثانية – بمساعدة المكونات التعريفية. لقد توصلنا سابقًا إلى مكونات لتعريف كل من بيانات المعرفة من الدرجة الأولى والثانية في القرآن. بالنظر إلى المكونات المذكورة، نبدأ أولًا برسم النموذج المفهومي لنظام تحديد بيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإnsانية في القرآن، ثم النموذج المفهومي لنظام تحديد بيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإnsانية في القرآن، وفي النهاية، نرسم النموذج المفهومي الشامل.

١-٣-٢-١. النموذج المفهومي لعملية تحديد بيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية

بناءً على ما قيل، توصلنا إلى أربعة مكونات تعريفية لتحديد بيانات الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية في القرآن؛ ثلاثة مكونات استخلصناها من تعريف العلوم الإنسانية ومكونًا واحدًا حددناه بمراعاة ظرف التحقق العيني للنسبة الحكمية بين الموضوع والمحمول. المكونات المذكورة بالترتيب المنطقي هي: ١. إنساني؛ ٢. فعلي؛ ٣. اختياري؛ و٤. دنيوي. نرسم هذا المكون ونتيجة دراستها في جدول لنتمكن من مشاهدة المكونات ومراعاة تحديدها بنظرة سريعة. كما نرسم مسار عملية الدراسة في مخطط.

جدول ١: المكونات التعريفية لبيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية في القرآن

المكونات من حيث
١. الإنساني الموضوع
٢. الفعلي المحمول
٣. الاختياري المحمول
٤. الدنيوي ظرف التحقق

الشكل ١: النموذج المفهومي لتحديد واستخراج بيانات المعرفة من الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية من القرآن. [تم حذف المخطط البياني]

١-٣-٢-٢. النموذج المفهومي لعملية كشف بيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية في القرآن

جدول ٢: جدول المكونات التعريفية والنتائج

المكون النتيجة
١. الدلالة على الأسس النظرية الوصول إلى مباني العلوم الإنسانية
٢. الدلالة على الغايات أهداف العلوم الإنسانية
٣. الدلالة على المنهج منهج العلوم الإنسانية

الشكل ٢: النموذج المفهومي لتحديد واستخراج بيانات المعرفة من الدرجة الثانية للعلوم الإنسانية من القرآن. [تم حذف المخطط البياني]

١-٣-٢-٣. النموذج المفهومي الشامل لعملية تحديد بيانات العلوم الإنسانية في القرآن

إن تحديد بيانات العلوم الإنسانية – سواء كانت معرفة من الدرجة الأولى أو الثانية – ممكن إجمالًا بسبعة مكونات تعريفية. أربعة مكونات تعريفية للمعرفة من الدرجة الأولى على أساس الموضوع، والمحمول، وظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول، وهي بالترتيب: ١. كون الموضوع إنسانيًا؛ ٢. كون المحمول فعليًا؛ ٣. كون الفعل اختياريًا؛ ٤. كون ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول دنيويًا. وكذلك المكونات التعريفية للمعرفة من الدرجة الثانية على أساس الدلالة على المباني النظرية، والدلالة على الغايات، والدلالة على المنهج، وهي: ٥. الدلالة على المباني؛ ٦. الدلالة على الأهداف؛ ٧. الدلالة على المناهج. تبدأ المكونات من أعم مستوى وتنتهي بأخصها. الجدول التجميعي للمكونات كالتالي:

جدول تجميع المكونات التعريفية

أقسام المعرفة المكون النتيجة
الدرجة الأولى ١. كون الموضوع إنسانيًا الوصول إلى بيانات الدرجة الأولى للعلوم الإنسانية
٢. كون المحمول فعليًا
٣. كون الفعل اختياريًا
٤. كون ظرف تحقق النسبة بين الموضوع والمحمول دنيويًا
الدرجة الثانية ٥. الدلالة على الأسس النظرية الوصول إلى مباني العلوم الإنسانية
٦. الدلالة على الغايات أهداف العلوم الإنسانية
٧. الدلالة على المنهج منهج العلوم الإنسانية

بامتلاك ثلاثة عشر مكونًا تعريفيًا أعلاه، يمكن تصور عملية مرحلية للوصول إلى بيانات العلوم الإنسانية. يظهر النموذج المفهومي لهذه العملية بالمخططات التالية.

المخطط التالي هو النموذج المفهومي الشامل لعملية تحديد واستخراج بيانات المعرفة من الدرجة الأولى والثانية للعلوم الإنسانية من القرآن:

الشكل ٣: النموذج المفهومي الشامل لتحديد واستخراج بيانات العلوم الإنسانية من القرآن. [تم حذف المخطط البياني]

الهوامش

1. انظر: الشريفي، ١٣٩٣: ١١٥. أعيدت صياغة التعريف المذكور بإلهام من تعريف الأستاذ الشريفي. مع الفارق أنه في تعريفه لم يرد قيد «الاختياري»، وكذلك لم يلحق «علم الدرجة الثانية» بالعلوم الإنسانية. علم الدرجة الثانية ليس بالضرورة له موضوع مشترك مع ما يسمى بالعلوم الإنسانية؛ لكن هذا العلم عمليًا في الأوساط العلمية والأكاديمية لا ينفصل عن العلوم الإنسانية ويُبحث ويدرس معها. ولهذا نلحقه بتعريف العلوم الإnsانية.

2. يبدأ الحديث المذكور بعبارة «سمع مقالتي» مما يدل على أن المقصود هو سماع خاص. نص الحديث كالتالي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خَطَبَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَقَالَ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ حَفِظَهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».

3. يترجم بعض المترجمين «يوقنون» و«يعقلون» بـ«أهل اليقين» و«العاقلين». (انظر: أرفع، ١٣٨١: ٤٩٩) هذه الترجمة قابلة للنقد؛ لأن بنية الفعل المضارع قد أُغفلت فيها. لم يقل الله «أهل اليقين» أو «العقلاء»؛ بل استخدم الله تعالى لبيان مقصوده بنية الفعل المضارع التي تدل على الديناميكية. لا يمكن إغفال الديناميكية في هذه البنية الإلهية. ولهذا، للحفاظ على نفس البنية الإلهية، لا بد من ترجمتها في صيغة الفعل المضارع، أي «يوقنون» و«يعقلون». يوضح قائمي نيا أهمية الحفاظ على مثل هذه البنى بوضوح وتفصيل مناسب تحت عنوان «بنية القوة – الديناميكية للآيات». (قائمي نيا، ١٣٩٠: ٥٦٩-٦٠٨).

4. عادةً ما نعتبر «الخشية» في اللغة الفارسية بمعنى «الخوف». على الرغم من أن الخشية نوع من الخوف، إلا أنها لا يمكن أن تكون مرادفًا دقيقًا للخشية، بل هي مرادف أعم من الخشية؛ لأن الخشية هي خوف نابع من الوعي بعظمة الشيء المخوف منه. الاستخدامات القرآنية للخشية تظهر هذا المعنى؛ «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماء» (فاطر: ٢٨)، «إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماء بناها» (النازعات: ٢٦-٢٧).

5. إذا كان هناك نقاش في معنى الشقاوة، نكتفي بالآية الأولى التي تبين العلاقة العلية بين «الخشية» و«التذكر».

6. نؤكد أن المفاهيم الوجودية هي فئة من المفاهيم القيمية أو المضادة للقيمة في القرآن، والتي، سواء كانت مطلوبة أو غير مطلوبة، لا تقع أبدًا متعلقًا للأمر والنهي، بل مقدماتها وعواملها. ولهذا سميناها وجودية، ووضعناها في مقابل المفاهيم الفعلية. على سبيل المثال، «الفلاح» لم يقع أبدًا متعلقًا للأمر والنهي، ولكن كل عامل من عوامله العلية قد وقع مرارًا في الآيات والروايات متعلقًا للأمر والنهي.

قائمة المصادر

١. القرآن الكريم.

٢. نهج البلاغة.

٣. ابن منظور، محمد (١٤١٤ق)، لسان العرب، بيروت: دار صادر.

٤. ابن عاشور، محمد (بلا تا)، التحرير والتنوير، بلا جا: بلا نا.

٥. أرفع، سيد كاظم (١٣٨١)، ترجمه قرآن (أرفع)، طهران: مؤسسه تحقيقاتي وانتشاراتي فيض كاشاني.

٦. استرآبادي، محمد أمين (١٤٢٦ق)، الفوائد المدنية وبذيله الشواهد المكية (المسائل الظهرية، جوابات المسائل الظهرية)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

٧. جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٩)، تفسير انسان به انسان، قم: مؤسسة علوم وحياني إسراء.

٨. دهخدا، علي أكبر (١٣٧٧)، لغت نامه دهخدا، طهران: مؤسسة انتشارات وچاپ دانشگاه تهران.

٩. راغب اصفهاني، حسين (١٤١٢ق)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان داودي، بيروت: دار العلم.

١٠. شريفي، أحمد حسين (١٣٩٣)، مباني علوم إنساني إسلامي، بيجا: آفتاب توسعه.

١١. صدر، سيد محمد باقر (بلا تا)، المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف.

١٢. طباطبايي، سيد محمد حسين (١٤١٧ق)، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

١٣. فارابي، أبو نصر محمد (١٣٨٩)، إحصاء العلوم، ترجمه حسين خديو جم، طهران: شركت انتشارات علمي وفرهنگي.

١٤. قائمي نيا، عليرضا (١٣٩٠)، معناشناسي شناختي قرآن، طهران: سازمان نشر پژوهشگاه فرهنگ وانديشه إسلامي.

١٥. مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٧٢)، أخلاق در قرآن، طهران: انتشارات أمير كبير.

١٦. معرفت، محمد هادي (١٣٧٩)، «مباني أخلاق در قرآن»، انديشه حوزه، شماره ٢٢، ص ٥-٢٢.

١٧. مهيار، رضا (بلا تا)، فرهنگ ابجدي، بيجا: بينا.

Scroll to Top