الملخص
إن الفهم الصحيح لمفاد العام والخاص في القرآن من ضروريات الاجتهاد. ولهذا، عند مواجهة إجمال الخاص الذي له أبعاد مختلفة كالإجمال اللفظي أو اللُّبّي، والمنفصل أو المتصل، والدوران بين الأقل والأكثر أو المتباينين، فإن وضع العام من وجهة نظر الأصوليين سيكون مختلفًا. وهذا الاختلاف في وجهات النظر يمكن ملاحظته في مسارهم الاستدلالي بالآيات القرآنية. بناءً على ذلك، السؤال الأساسي في هذا البحث هو: كيف يكون مسار استدلال الفقهاء في موضوع سراية الإجمال المفهومي للخاص إلى العام استنادًا إلى آيات القرآن؟
للأصوليين آراء مختلفة في هذا الموضوع بالنظر إلى أحواله المتنوعة. في اللفظ المجمل الدائر بين المتباينين والمخصص المتصل، يتفق جميع الأصوليين على عدم التمسك بالعام؛ بينما في المجمل الدائر بين الأقل والأكثر والمخصص المتصل، هناك رأيان مختلفان. وفي اللفظ المجمل الدائر بين المتباينين والمخصص المنفصل، توجد ثلاثة آراء: السراية، وعدم السراية، والسراية الحكمية. وفي اللفظ المجمل الدائر بين الأقل والأكثر، يصل نطاق هذه الآراء إلى ستة آراء. ولكن النقطة المهمة في هذا الصدد هي أن هذا الاختلاف في الرأي في مرحلة الاستدلال بالقرآن واستخراج الحكم الشرعي للموضوعات منه، قابل للفهم تمامًا.
مقدمة
تحظى المباحث الأصولية بأهمية وافرة نظرًا لدورها الآلي والأداتي في استخراج الحكم الشرعي. ومن المباحث المهمة في علم الأصول في قسم الألفاظ، موضوع العام والخاص. هذا الموضوع لا يقتصر على الفقه، بل يجري أيضًا في المباحث الأخلاقية والمعرفية والقضايا والعبارات الوصفية والإخبارية، ومن هنا تكمن القيمة العالية لهذا البحث. وفي هذا السياق، كانت مسألة سراية إجمال الخاص إلى العام أو عدمها، محط بحث ونزاع بين كثير من الأصوليين. حصيلة هذا البحث، التي تُطرح في قالب الشبهة المفهومية والمصداقية، يمكن أن يكون لها مكانة خاصة في القرآن الكريم؛ لأن القرآن بصفته المصدر الأول والأهم لاستخراج الأحكام، كان له دائمًا ارتباط عميق بأصول الفقه كمنهج للاستدلال الفقهي، وألفاظ القرآن بصفتها دليلًا اجتهاديًا ولفهم مفاهيمه، هي أساس الاجتهاد الشيعي. بناءً على ذلك، من بين الشبهات اللفظية واللُّبّية، يمكن الحديث قطعًا وحصرًا عن الشبهات اللفظية. وتنقسم الشبهات اللفظية إلى قسمين: مفهومية ومصداقية، وفي هذا البحث، يُبحث فقط في الشبهة المفهومية، وتُبذل الجهود لدراسة مكانتها في آيات القرآن. يهدف هذا البحث إلى وصف آراء الأصوليين وتحليل أدلتهم، سعيًا للإجابة على هذا السؤال: كيف يكون مسار استدلال الفقهاء في موضوع سراية الإجمال المفهومي للخاص إلى العام استنادًا إلى آيات القرآن؟ يتألف هذا البحث من ثلاثة أقسام أساسية: تعريف الشبهة المفهومية أو المخصص اللفظي المجمل المفهومي وأنواعه، وأنواع سراية إجمال الخاص إلى العام، والآراء حول سراية إجمال الخاص إلى العام. في القسم الثاني، بعد طرح الآراء، تُبذل الجهود لبيان تأثير كل من الآراء التي تبناها الأصوليون على كيفية استدلالهم بالقرآن.
1. تعريف الشبهة المفهومية وأنواعها
الشبهة المفهومية أو المخصص اللفظي المجمل المفهومي هي إبهام وعدم وضوح معنى ومفهوم لفظ ما (الحيدري، 1382، ص 154؛ صالحي المازندراني، 1424، ج 4، ص 221)؛ بعبارة أخرى، هي الحالة التي يكون فيها المخصص من حيث المفهوم ذا إجمال وترديد (فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 217). في مثل هذه الصورة، وبسبب أن مفهوم المخصص غير واضح لنا بدقة، ينشأ الترديد أيضًا بشأن بعض مصاديقه وأفراده. المجمل المفهومي أحيانًا يكون مجملًا من جميع الجهات، وأحيانًا يكون مجملًا من بعض الجهات (الحيدري، 1382، ص 154). المقصود بالمجمل من جميع الجهات هو الدليل الخاص الذي يكون مجملًا من جميع الجهات وليس فيه أي وضوح وتبيين، والمقصود بالمجمل من جهة واحدة هو أن معنى الدليل الخاص يكون واضحًا من جهة أو عدة جهات ومجملًا من جهات أخرى، وله قسمان: الدائر بين المتباينين والدائر بين الأقل والأكثر (محمدي، بلا تا، ج 1، ص 241).
2. أنواع سراية إجمال الخاص إلى العام
يمكن ملاحظة سراية إجمال الخاص إلى العام ومجمل شدن العام على أساس رأي الآخوند الخراساني، بصورتين:
أ) الإجمال الحقيقي: إجمال يزيل ظهور العام بالنسبة لأولئك الأفراد؛ أي يخرجون موضوعًا ويبقى ظهور العام في خصوص ما تبقى.
ب) الإجمال الحكمي: إجمال لا يزيل ظهور العام بالنسبة لأولئك الأفراد؛ بل العام له ظهور في الفاسق كما له ظهور في العادل؛ ولكن حجية هذا الظهور بالنسبة للعلماء الفاسقين تزول. بعبارة أخرى، العلماء الفاسقون، موضوعًا داخلون في العام؛ ولكنهم حكمًا خارجون؛ أي أن حكم العام الذي هو «وجوب الإكرام» لا يشمل هؤلاء الأفراد (سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 288).
3. الآراء حول سراية الإجمال المفهومي للخاص إلى العام
اللفظ المجمل، تارة يكون مجملاً من جميع الجهات، وتارة من بعض الجهات:
أ) الإجمال من جميع الجهات
عندما يكون الإجمال من جميع الجهات، في هذه الصورة قطعًا لا يمكن العمل بعموم العام؛ لأنه مجمل. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الآية 1 من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ…﴾. في هذه الآية، المستثنى مجمل، وكل فرد من أفراد العام يُطبق عليه، يُحتمل أن يكون هو نفسه الفرد المخصص ومصداق الخاص؛ فلا يمكن العمل بعموم العام (الحيدري، 1382، ص 154). علاوة على ذلك، الإجمال من جميع الجهات، يقينًا يوجب سقوط حجية العام؛ فليس هنا محل الكلام. بعبارة أخرى، لم يعد هناك مجال للتمسك بأصالة العموم، ومن الناحية الفقهية أيضًا لا يُتصور له فائدة تُذكر.
ب) الإجمال من بعض الجهات
اللفظ المجمل المتعدد الجوانب له قسمان أيضًا: دائر بين المتباينين ودائر بين الأقل والأكثر. دوران الأمر بين الأقل والأكثر يكون حيث يكون للمخصص قدر متيقن، وما زاد على ذلك القدر المتيقن يكون محل شك وترديد. دوران الأمر بين المتباينين يكون حيث لا يوجد قدر متيقن؛ بل يُطرح طرفان محتملان ولا توجد قرينة على أي من الطرفين، وكل من الصورتين، إما أن يكون المخصص متصلًا أو منفصلًا (فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 217).
أولًا: دوران الأمر بين المتباينين
في هذا المجال، يمكن التمييز بين المخصص المنفصل والمتصل، وبيان حكم كل منهما على حدة.
1. دوران الحكم بين المتباينين والمخصص المنفصل
في هذه الصورة، تُطرح ثلاثة أقوال:
الرأي الأول: يرى المشهور أن إجمال الخاص يسري إلى العام (المكي العاملي، 1391، ص 282؛ النائيني، 1352، ج 1، ص 455؛ آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 104؛ السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 207؛ البروجردي، 1415، ص 327؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317؛ المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 234؛ العراقي، 1420، ج 1، ص 440؛ صالحي المازندراني، 1424، ج 2، ص 235؛ الحائري القمي، بلا تا، ج 1، ص 70؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 409؛ الحائري، 1424، ج 1، ص 570؛ الحسيني الشيرازي، 1426، ج 3، ص 130). لتحديد تكليف الأفراد المشكوك فيهم، لا يمكن التمسك بعمومات العام؛ لأن أحد المتباينين، يقينًا قد خرج من شمول العام وليس أحد المتباينين بعينه؛ لأن الترجيح بلا مرجح لازم، وفي هذا الحكم لا فرق بين المخصص المتصل أو المنفصل (الحيدري، 1382، ص 155؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317) ويجب البحث عن حل آخر. علاوة على ذلك، التخصيص علامة على تضييق دائرة حجية العام ومحدوديتها بالنسبة لزيد مثلًا؛ فالعام حجة في غير زيد، وبناءً على ذلك، يوجد شك في أن أياً من المتباينين ينطبق على العام أم لا (الروحاني، 1413، ج 3، ص 317)؛ أي لا ينعقد للعام ظهور؛ إلا بعد تمام كلام المتكلم والقدر المسلم في انعقاد الظهور في غير مورد التخصيص (حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 409). بعبارة أخرى، العلم الإجمالي لا يسمح بجريان الأصل. كذلك، يوضح البعض دليل سقوط حجية العام بالنسبة لأحد المتباينين تفصيليًا بأنه إذا كان حكم العام حكمًا طلبيًا ومحل ابتلاء، فظاهره أنه لا يمكن إجراء أصالة الظهور بالنسبة لكل من الطرفين المرددين والزائد على مقدار المخصص، ونتيجة لذلك، ينتهي هذا الأصل إلى علم إجمالي ويجب الاحتياط بحكم العقل؛ أما إذا لم يكن الحكم طلبيًا، ففي هذه الصورة، لا ينتهي حكم العقل إلى الاحتياط (المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 236)؛ أي أن هذه المجموعة، خلافًا لبعض أتباع هذا الرأي الذين يرون أن العام دائمًا فاقد للحجية بالنسبة للفردين المرددين، يعتبرونه في بعض الحالات حجة.
الرأي الثاني: إجمال الخاص لا يسري إلى العام (البروجردي، 1417، ص 171؛ فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 223؛ العراقي، 1417، ج 3، ص 344؛ الموسوي الخميني، 1415، ج 2، ص 223). بالتالي، الحكم الوارد في العام أو الحكم الوارد في الخاص له حالتان: إذا كان كلاهما إلزاميًا ومتقابلين، ففي هذه الصورة يكون دوران الأمر بين محذورين، والنتيجة هي التخيير؛ أما إذا كان أحد الطرفين إلزاميًا والآخر غير إلزامي، فالحكم هو الاحتياط. بالطبع، هناك إشكال على إجراء أصالة الاحتياط هنا، وهو أنه في حال إجراء الاحتياط، لن يُتصور فائدة أخرى للتخصيص.
الرأي الثالث: إجمال الخاص يسري إلى العام حكمًا لا حقيقةً (سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 289؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 350؛ السبحاني، 1414، ج 2، ص 476؛ الموسوي الخوئي، 1417، ج 5، ص 183؛ البادكوبئي، 1418، ج 2، ص 399؛ الإيرواني، 1429، ج 3، ص 318). دليل المرحوم الآخوند هو: «إجمال الخاص لا يسري إلى العام حقيقةً؛ لأن ظهور العام في عمومه ثابت ويشمل جميع الأفراد حتى هذين المتباينين، والدليل الخاص يمنع فقط حجية ظهور العام بالنسبة لأحد هذين المتباينين الذي نعلم أنه قد خُصص بالخاص. بعبارة أخرى، الخاص يوجب عدم اتباع ظهور العام بالنسبة لأحد المتباينين الآن وبعد مجيء الخاص، بينما كان له ظهور فيه قبل مجيء الخاص» (نفسه، ص 290). بعبارة أخرى، العام له خطاب منفصل وظهوره منعقد؛ ولكن ينشأ إجمال حكمي؛ أي أنه بمنزلة المجمل وتُجرى عليه أحكام المجمل. بالتالي، يجب هنا الرجوع إلى الأصول العملية (الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 350). في هذه المرحلة، إذا كان خطاب العام دالًا على وجوب الإكرام، وخطاب الخاص دالًا على التحريم، فإن النتيجة هي أنه بالنسبة لكل منهما، يُحتمل وجوب وحرمة الإكرام، وهو دوران بين المحذورين، ونتيجته التخيير. وإذا كان خطاب العام دالًا على وجوب الإكرام، وخطاب الخاص عدم وجوب إكرام أحدهما، فالاحتياط يقتضي إكرام كلا الفردين لنتيقن أن الفرد الذي كان واجب الإكرام قد أُكرم. وإذا كان خطاب العام تحريم جميع الأفراد، والخاص عدم حرمة إكرام أحد الأفراد، فالاحتياط يقتضي ترك إكرام كلا الفردين لتتحقق الموافقة مع الواقع (محمدي، 1385، ج 3، ص 246). بالتالي، نتيجة كلا الرأيين الثاني والثالث واحدة.
بعد بيان آراء الفقهاء، يتم بحث مسار استدلالهم في القرآن. لهذا الأمر، يُشار إلى موضوع حكم قتل الابن على يد الأب. حكم قتل الابن على يد الأب، في فرض كونه محاربًا، يمكن أن يكون أحد موارد دوران الحكم بين المتباينين والمخصص المنفصل بناءً على الاستدلال التالي. الآية التالية تبين حكم عقوبة المحارب، وهي القتل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ (المائدة، آية 33). في الوقت نفسه، وردت رواية عن الإمام الصادق (ع) في تخصيص الآية تقول: «لَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِوَالِدِهِ …» (الكليني، 1369، ج 14، ص 347). في هذه الرواية، حكم قتل الابن على يد الأب ليس فيه قصاص. إذن، في حكم الأب، يوجد إجمال وإبهام؛ لأنه من باب المحاربة وطبقًا للآية، حكمه القتل، ومن باب القصاص، حكمه ليس القتل؛ فهنا دوران بين المتباينين. الآن الشك هو: هل حكم عدم قتل الأب يختص بباب القصاص أم يشمل باب المحاربة أيضًا؟ في هذا المثال، حكم عدم قتل الأب من باب القصاص ثابت؛ ولكن حكمه بالنسبة للمحاربة والإفساد غير معلوم. في هذه الحالة، بالنظر إلى الأقوال المذكورة، يجب الرجوع إلى الأصول العملية. بالطبع، الرجوع إلى الأصول العملية في القولين الأول والثالث يختلف عن الرجوع إليها في القول الثاني. في القول الثاني، بسبب عدم السراية، هناك تعارض واقعي بين دليلين، ومع الأخذ في الاعتبار وضع كلا الدليلين، أحيانًا يجب التخيير وأحيانًا الاحتياط أو البراءة. في القولين الأول والثالث، الوضع هو إجمال الدليل، وفي هذه الصورة أيضًا يجب اختيار البراءة وفقًا للوضع المذكور.
ثانيًا: دوران الحكم بين المتباينين والمخصص المتصل
إذا كان دوران الحكم بين المتباينين والمخصص متصلًا أيضًا، فبنظر جميع الأصوليين، العام يصبح مجملًا حقيقةً ولا يمكن التمسك بأصالة العموم لإدخال الفرد المشكوك فيه في حكم العام (المكي العاملي، 1391، ص 282؛ المظفر، 1387، ج 1، ص 380؛ فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 219؛ سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 289؛ آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 104؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 348؛ السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 204؛ العراقي، 1417، ج 3، ص 344؛ البروجردي، 1415، ص 327؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317؛ المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 234؛ العراقي، 1420، ج 1، ص 439؛ صالحي المازندراني، 1424، ج 2، ص 234؛ الموسوي الخميني، 1420، ج 2، ص 126؛ الأنصاري، 1404، ج 2، ص 154؛ الحائري القمي، بلا تا، ج 1، ص 70؛ السبحاني، 1414، ج 2، ص 477؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 409؛ الموسوي الخوئي، 1417، ج 5، ص 181؛ الحائري، 1424، ج 1، ص 570؛ البادكوبئي، 1418، ج 2، ص 397؛ الحسيني الشيرازي، 1426، ج 3، ص 130؛ الموسوي الخميني، 1415، ج 2، ص 223؛ الإيرواني، 1429، ج 3، ص 318)، ونتيجة لذلك، يجب الرجوع إلى الأصول العملية (الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 348). يعتقد البعض في تبرير هذا الرأي أن المخصص المتصل هو من نوع القرينة المتصلة بالكلام التي تسبب ظهور العام فقط في غير الخاص. بالتالي، إذا كان المخصص مجملًا، فإن إجماله يسري إلى العام؛ لأن غير الخاص ليس معلومًا وواضحًا؛ بل مشكوك فيه. نتيجة لذلك، في كل أمر لا يكون خروجه من عنوان الخاص معلومًا، لا ينعقد للعام ظهور، ولن يتمكن حكم العام من إدخال ذلك المورد غير المعلوم (المشكوك) في حكمه؛ بل يجب الحصول على حكمه من دليل آخر غير العام. بالطبع، حجية العام بالنسبة لغير الفرد المشكوك، في سائر الأفراد تحت العام، باقية (المظفر، 1387، ج 1، ص 380-381؛ سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 290). يوضح آخرون أيضًا في هذا الصدد أنه طالما لم يفرغ المتكلم من كلامه وهو مشغول بالتكلم، لا ينعقد ظهور لكلامه ولا يمكن الاستناد إلى كلامه (فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 219). بناءً على ذلك، لا ينبغي بأي وجه تسمية المخصص المتصل مخصصًا. عناوين «العام» و «الخاص» في مورد المخصص المتصل هي تعبير غير حقيقي. بالتالي، في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في المخصص المتصل، لا يوجد أمر يسمى «أصالة العموم» حتى يمكن شمول المورد المشكوك بذلك العموم. فالمرجع في مثل هذه الحالة سيكون أصالة البراءة (نفسه، ص 221).
لدراسة مسار استدلال الفقهاء بالآيات القرآنية، تتم الإشارة إلى الشبهة المفهومية الموجودة في حكم دفع نصف المهر في هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (البقرة، آية 237). إذا كان الشارع قد وضع مثل هذا الحكم، ووقع الشك في أن مفهوم الشخص الذي بيده عقدة النكاح، هل هو الزوجة أم أبوها (السبحاني التبريزي، 1424، ج 2، ص 733)، يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الآية: «إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن، وقد كنتم قد فرضتم لهن مهرًا، فالواجب أن تدفعوا لهن نصف ذلك المهر المعين؛ إلا أن يعفون هن أو يعفو وليهن عن نصف المهر، ففي هذه الحالة يسقط المهر كله، وإذا كانت المرأة قد قبضته سابقًا، فيجب أن ترده، أو أن يعفو الزوج الذي قد دفع المهر كاملًا سابقًا، عن نصف المهر الذي يطلبه من تلك المرأة، فيعفو عنه لها. نقول هذه المسألة لهذا السبب؛ لأن الآية الشريفة تقول: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وفي مسألة النكاح، هناك ثلاثة أشخاص بأيديهم العقدة: أحدهم المرأة، والثاني ولي المرأة، والثالث الزوج. وكل من هذه الطوائف الثلاث، يمكنه أن يعفو عن نصف المهر» (الطباطبائي، 1374، ج 2، ص 368).
في هذه الآية، حكم دفع المهر عام؛ ولكنه خُصص بالمخصص المتصل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الذي فيه إجمال. بالتالي، في هذه الآية توجد شبهة مفهومية؛ لأن ثلاثة أشخاص قد يكون بأيديهم عقدة النكاح: المرأة نفسها، والزوج، وولي البنت. بناءً على حكم إجمال المخصص المتصل في الشبهة المفهومية لدوران المتباينين، فإن إجمال المخصص يسري إلى العام ويسقطه من عموميته. بالتالي، إذا لم يوجد دليل آخر للوصول إلى الحكم، فيجب طبقًا لهذا القول الرجوع إلى الأصول العملية وإجراء البراءة؛ ولكن في دراسة المتون الفقهية، الرأي المشهور هو أنه عندما تعفو الزوجة عن المهر كاملًا، يجب عليها أن ترد ما يعادل نصفه إلى الزوج، ومستند ذلك أيضًا رواية يقول آية الله مكارم الشيرازي في ذيلها: «هل العفو مقيد بأن يعيشا معًا؟ عندما لم يعيشا معًا، كيف يشمل العفو هذا المورد؟ إذن العفو كان مقيدًا، ولا يمكن قبول ذيل الرواية؛ لأن المرأة لم تستلم شيئًا، فليس بيدها شيء لتعفو عنه، في حين أن طلاق الخلع ليس كذلك. في العفو إذا لم يكن من ذوي الرحم وكان عينًا خارجية، فإن العدول جائز؛ ولكن إذا كان دينًا وإبراءً، فلا يمكن الرجوع عنه» (مكارم الشيرازي، 1424، ج 6، ص 54).
ثالثًا: دوران الأمر بين الأقل والأكثر
في الحالة التي يكون فيها للمخصص قدر متيقن وما زاد على ذلك القدر المتيقن محل شك وترديد، يمكن أن يكون المخصص منفصلًا أو متصلًا.
1. دوران بين الأقل والأكثر والمخصص المنفصل
في الدوران بين الأقل والأكثر والمخصص المنفصل، يمكن التوصل إلى عدة نظريات:
المجموعة الأولى: تعتقد بعدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام؛ فالتمسك بالعام صحيح (الحيدري، 1382، ص 156؛ آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 104؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 349؛ السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 205؛ العراقي، 1417، ج 3، ص 344؛ البروجردي، 1415، ص 327؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317؛ العراقي، 1420، ج 1، ص 440؛ الأنصاري، 1404، ج 2، ص 155؛ الموسوي الخوئي، 1422، ج 2، ص 369؛ الحائري القمي، بلا تا، ج 1، ص 71؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 410؛ الموسوي الخوئي، 1417، ج 5، ص 182؛ الحائري، 1424، ج 1، ص 572؛ الموسوي الخميني، 1415، ج 2، ص 223). الدليل الخاص يُجرى فقط في الأقل؛ أما في الأكثر، فهو داخل في لفظ العام ابتداءً وليس خارجًا عنه؛ لأننا لا نتيقن أنه داخل تحت الخاص حتى يخرج من تحت العام. إذن، يبدو أنه لا يوجد معارض ومزاحم لظهور العام فيه (الحيدري، 1382، ص 156)؛ أي أن الخاص غير محرز؛ بينما دلالة العام محرزة، ولا يمكن التخلي عن العام إلا إذا وجد دليل أقوى ظهورًا (آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 105). دليل هذا الأمر هو أنه قبل مجيء المخصص المنفصل للعام، ينعقد الظهور في جميع الأفراد، والمخصص المنفصل في مثال «أكرم العلماء ولا تكرم الفساق من العلماء»، يخرج فقط مرتكب الكبيرة من تحت العام، وما زاد عليه وهو «مرتكب الصغيرة»، لا يمكنه إخراجه، وبالنسبة للزائد لا حجية له. بالتالي، حجية الخاص منحصرة في الفرد المتيقن (مرتكب الكبيرة)، ومرتكب الصغيرة يبقى تحت العام، ولإثبات وجوب إكرام مرتكب الصغيرة، يمكن التمسك بظهور العام، وظهور العام في الزائد عن القدر المتيقن ليس له مزاحم، وحجيته في مورد مرتكب الصغيرة محرزة (المظفر، 1387، ج 1، ص 265؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 349؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 410). يوضح البعض أيضًا أنه خلافًا للمخصص المتصل الذي يوجب عدم انعقاد ظهور العام من بداية الأمر، إلا في العنوان المركب (العام غير الفاسق) حيث لا يوجد هنا دليل واحد له ظهور واحد؛ فإن ظهور العام ينعقد ثم يلحق به المخصص المنفصل الذي لا يزاحم ظهور العام (السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 204-205). ويوجه آخرون رأيهم بطريقة مختلفة. يعتقدون أنه يوجد هنا مقتضٍ والمانع مفقود، ونتيجة لذلك، يشمل العام الفرد المشكوك فيه (آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 105). يعتقد البعض أيضًا في هذا الصدد أنه في الدوران بين الأقل والأكثر، ينحل العلم بخروج أحدهما بواسطة العلم التفصيلي، والشك البدوي ينتفي بواسطة الأصل؛ فالعام في الآخر حجة (الحائري القمي، بلا تا، ج 1، ص 71).
المجموعة الثانية: تعتقد أن إجمال هذا المخصص لا يسري إلى العام بأي نوع، لا حقيقةً ولا حكمًا (المكي العاملي، 1391، ص 282؛ سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 288؛ السبحاني التبريزي، 1424، ج 2، ص 508؛ صالحي المازندراني، 1424، ج 2، ص 236؛ السبحاني، 1414، ج 2، ص 476؛ البادكوبئي، 1418، ج 2، ص 397؛ الحسيني الشيرازي، 1426، ج 3، ص 129؛ الإيرواني، 1429، ج 3، ص 317)؛ أي أن دليل العام لا يصبح مجملًا واقعًا ولا محكومًا بحكم المجمل؛ بل يبقى على ظهوره كما كان (محمدي، 1385، ج 3، ص 245). المقصود بالحقيقي هو ظهور العام الذي انعقد، والمقصود بالحكمي هو أن العام له حجية (البادكوبئي، 1418، ج 2، ص 398)؛ لأن الفرض هو أن العام جاء أولًا وظهر في العموم، وعلى القاعدة يكتسب الحجية في العموم أيضًا. بعد أن يأتي الدليل الخاص، لا يتصادم مع أصل ظهور دليل العام ليسبب إجمالًا؛ بل يزاحم حجية دليل العام، وبما أن دليل الخاص أقوى حجة (لأنه نص أو أظهر، وأيهما كان فهو أقوى من الظاهر)، يُقدم على دليل العام، وبما أن دليل الخاص والحجة الأقوى مجمل، فإن الخطاب المجمل يكون حجة في القدر المتيقن، وهو مرتكب الكبيرة، وفي الزائد والأكثر، دليل الخاص في ظل إجماله لا يكون حجة، ودليل العام، الذي ظهوره محفوظ، يصبح حجة بلا مزاحم، وبتعبير آخر، المقتضي موجود والمانع مفقود. إذن، يُعمل بعموم العام (محمدي، 1385، ج 3، ص 245-246). ويوضح البعض أيضًا أن ظهور العام بواسطة الخاص المنفصل لا يزول؛ بل ينعقد ظهوره؛ فيشمل جميع الأفراد المتعلقين به، وقضية أصالة التطابق بين الإرادتين الاستعمالية والجدية تكون حجة بالنسبة لجميع الأفراد؛ إلا أن يُقام دليل أقوى حجة ليُتخلى عن العام، وفي الدوران بين الأقل والأكثر، الدليل والحجة يُقامان فقط على الأقل، فغير الخاص يبقى تحت العام ويُجرى عليه حكم العام (صالحي المازندراني، 1424، ج 2، ص 236).
المجموعة الثالثة: هناك من ينقد رأي أغلب الأصوليين (الرأي الأول) ويقولون إن هذا الرأي قابل للنقاش، وفي إثبات رأيهم يستدلون كالتالي: إذا قلنا إن الخاص حجة، والدليل على ذلك أنه حجة في المدلول التصديقي، ففي هذه الصورة، يكون قول المشهور هو الحق والصواب؛ لأن الخاص حجة في الأقل فقط؛ لأن القدر المتيقن من المدلول التصديقي هو؛ فالعام يختص بمقدار الأقل فقط. وإذا قلنا إن الخاص حجة على ثبوت الحكم كعنوان واقعي للواقع؛ وإن كان لا يظهر حاليًا في هذا الأمر؛ ففي هذه الصورة، الحق هو أن العام في مورد المشكوك يصبح مجملًا؛ لأن الخاص يستلزم تضييق دائرة حجية العام إلى غير العنوان الواقعي. إذن، يوجد ترديد في شمول المراد الواقعي للعام بالنسبة للمشكوك (الروحاني، 1413، ج 3، ص 318).
المجموعة الرابعة: هي القائلة بسراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام؛ لأن عموم العام قد تحقق تمامًا وظهوره في جميع الأفراد إما بالقطع بعدم وجود مخصص متصل أو بواسطة أصل استقرار الظهور، بحيث لو شُك في أصل وجوده، فهو حجة في نفسه ولا يُرفع اليد عنه؛ إلا بحجة أخرى أقوى. المخصص المجمل المردد بين الأقل والأكثر، بحسب مفهومه ليس حجة؛ إلا في المقدار المتيقن، وفي هذا المقدار، قطعًا يُرفع اليد عن ظهور العام، وأما في الإضافة للمخصص، فليس بحجة. إذن، يُرفع اليد عن العموم في ذلك جانبًا؛ لأن الحجة مستقرة بلا معارض (الحائري اليزدي، 1418، ص 215؛ الحسيني الميلاني، 1428، ج 4، ص 264؛ المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 228). دليل ذلك هو أنه بمجرد أن يفرغ المتكلم من كلامه ولم يُقم قرينة على خلاف ظاهر كلامه، يظهر الكلام في معناه الحقيقي، وهذا يكشف أن انعقاد الظهور للكلام متوقف على عدم القرينة المتصلة، لا أنه متوقف على عدم مطلق القرينة (متصلة أو منفصلة) (فاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 223). هذا يختلف عن صورة دوران الحكم بين المتباينين والمخصص المتصل حيث لم ينعقد ظهور للكلام أصلًا. هنا الظهور قد انعقد؛ ولكن الدليل الظاهر الأقوى لم يتمكن من شمول هذا المورد المشكوك؛ لذا أصالة العموم هي الحاكمة (نفسه)؛ أي في دوران الحكم بين المتباينين والمخصص المتصل، أساسًا تعبير السراية ليس تعبيرًا صحيحًا.
المجموعة الرابعة: تعتقد أنه يجب التأمل في سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام هنا؛ لأنه بعد أن جرت عادة المتكلم على ذكر التخصيص المنفصل عن كلامه، فإن حال المخصص المنفصل في كلامه هو حال المخصص المتصل في كلام غيره. فكما أنه في كلام سائر المتكلمين، التمسك بالعموم يحتاج إلى إحراز عدم المخصص المتصل إما بالقطع أو بواسطة الأصل، هنا أيضًا في التمسك بعموم كلام المتكلم مورد النظر، نحتاج إلى إحراز عدم المخصص المنفصل. فعندما يكون العمل بالعام بحاجة إلى إحراز عدم التخصيص المنفصل، فإن لازم ذلك هو إجمال ما نحن فيه، بسبب عدم إحراز فقدان المخصص، لا بواسطة القطع ولا بواسطة الأصل؛ أما المورد الأول (إحراز عدم المخصص بصورة قطعية) فهو واضح، وأما المورد الثاني، فهو مرتبط بالزمان الذي لا يُعثر فيه على ما له صلاحية أن يكون مخصصًا، وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل (الحائري اليزدي، 1418، ص 215).
وهناك من أمثال آية الله الحائري من اختار قول التفصيل، وفي كتاب درر الفوائد حول أصالة العموم، يقول: «من الصحيح الرجوع إلى أصالة العموم في ما نحن فيه مطابقًا للقاعدة، يجب إخراج صورة واحدة من هنا، وهي في المكان الذي نعلم أن عادة هذا المولى المتكلم هي أن يبين مخصصات عموماته بصورة منفصلة. هذا النوع من المخصص المنفصل، في حكم المخصص المتصل ومانع من التمسك بأصالة العموم». ثم يقول: «اتفاقًا في الشرع المقدس الإسلامي، المسألة على هذا النحو؛ لأن نوع المخصصات، بلسان الأئمة (ع) المبارك، قد بُيّنت على مدى أزمنة بعيدة؛ مثلًا، العام في لسان رسول الله (ص) والمخصص له في رواية الإمام الصادق (ع). نتيجة لذلك، لا في آيات القرآن ولا في الروايات يمكن العمل بأصالة العموم» (الحائري اليزدي، 1418، ص 215). في الرد، يجب الإذعان بأن لازم كلامه هو أنه لا ينبغي لأصحاب الأئمة (ع) أن يعملوا بعموم العام؛ لأنه من الممكن أن يكون مخصص لهذا العام قد بُيّن في أزمنة لاحقة؛ في حين أن هذا الأمر خلاف سيرة الأصحاب. كذلك، إبقاء المكلف معطلًا عن أداء التكليف هو قبيح من الشارع. علاوة على ذلك، الصورة التي يصفها هي صورة قابلة للرؤية لمسلمي العصر الحاضر، لا لأصحاب عاشوا في زمن إمام واحد ولم يكن لديهم اطلاع كبير على زمن إمام آخر.
المجموعة السادسة: تعتقد أن العام هنا في حكم المجمل؛ وإن لم يكن مجملًا حقيقةً (الموسوي الخوئي، 1422، ج 2، ص 373).
دليل الاختلاف حول المخصص المنفصل هو الاختلاف في المسالك؛ لأنه أحيانًا يُقال إن العام معنون بعنوان ضد الخاص، وكذلك المخصص، أحيانًا يُعتبر مهدمًا للظهور وأحيانًا مهدمًا للحجية فقط. بناءً على مسلك التحقيق، العام معنون بعنوان الخاص وهو مهدم لحجية اللفظ، وبناءً على ذلك، إجمال المخصص لا يسري إلى العام (المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 231). في النهاية، يجب القول إنه على الرغم من أن معظم الأصوليين هنا قائلون بجريان أصالة العموم ويعملون بذلك في الفقه، فإن تلك الفئة من الأصوليين القائلين بعدم جريان أصالة العموم والتمسك بالعام، يرجعون إلى الأصول العملية ويعتقدون أنه في الشبهة المفهومية لدوران الأمر بين الأقل والأكثر، يجب الأخذ بالقدر المتيقن؛ أي اتباع المجملات غير جائز، وبالنسبة للمقدار الزائد والمشكوك؛ أي اتباع الظواهر، فإن أصل البراءة من حرمة الاتباع جارٍ والأخذ بها لا مانع منه (محمدي، 1385، ج 4، ص 108). بالطبع، البعض الأكثر دقة فرق بين تزاحم حكمين إلزاميين وحكم إلزامي وآخر غير إلزامي، وفي الأولى أي دوران بين محذورين، قالوا بالتخيير، وفي الثانية قالوا بالبراءة (الموسوي الخوئي، 1417، ج 5: 179-180).
من الموضوعات التي يمكن ملاحظة مسار استدلال الفقهاء فيها في هذا الموضوع، حكم الصابئة. في سورة التوبة، تم بيان حكم المشركين صراحةً، حيث قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. (التوبة، آية 36). في السورة نفسها، يقول في آية أخرى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. (التوبة، آية 29). كما يظهر من الآية، في هذه السورة، حُكم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة، آية 5) خُصص بالآية الشريفة ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (الكرجي، 1385، ص 173). آية 29 من سورة التوبة، اعتبرت أهل الكتاب مصداقًا لمن تتعلق بهم الجزية؛ ولكن بالنظر إلى ظاهر أهل الكتاب، وهو مجمل، فإن مفهومه مبهم بين أتباع الديانات الثلاث وأتباع كتب الشرائع وغيرهم. وكذلك في آيات أخرى مثل آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة، آية 62) وآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج، آية 17)، وُضع الصابئة أيضًا بجانب النصارى والمجوس. يُطرح هذا السؤال: هل الصابئة هم أيضًا من مصاديق الأفراد المشمولين بالجزية أم يجب قتالهم؟ علاوة على ذلك، في تفسير بيان السعادة في تعريف الصابئة جاء: «أولئك الذين خرجوا عن الدين وعبدوا النجوم» (الكنابادي، بلا تا، ص 59)؛ أما العلامة الطباطبائي فيعتقد: «المراد بالصابئة ليس عبدة الكواكب؛ لأن الآية أقامت مقابلة بين الصابئة والمشركين؛ بل الصابئة هم معتقدون بدين يقع في منزلة وسط بين اليهودية والمجوسية، ولهم كتاب ينسبونه إلى حضرة يحيى بن زكريا، واليوم يسميهم عامة الناس ‘صابئي’» (الطباطبائي، 1374، ج 9، ص 505). يقول الطبري أيضًا في جامع البيان: «صابئي في اللغة العربية بمعنى الخارج من دين إلى دين آخر، وهو في الإسلام مصداق المرتدين» (الطبري، 1412، ج 1، ص 253). بالنظر إلى مفهوم الصابئة، فإن كونهم من أهل الكتاب محل تردد، مما يجعل تحديد حكمهم يواجه صعوبة. يقول صاحب الجواهر في هذا الصدد: «من شُك في كونه من أهل الكتاب، فعدم قبول الجزية منه موجه؛ لأن عمومات الآيات تأمر بقتال المشركين، و’أهل الكتاب’ فقط هم من خرجوا من العمومات، وشرط قبول الجزية هو أن يكونوا من أهل الكتاب» (النجفي، 1369، ج 21، ص 231). بالنظر إلى القواعد الأصولية، هذا مثال على الشبهة المفهومية لدوران الأقل والأكثر. مفهوم الدليل المخصص (آية الجزية) مجمل؛ أي يُحتمل أن يكون المراد فقط أتباع الديانات الثلاث أو أتباع كتب الشرائع أو هم وغيرهم. في هذه الصورة، دلالة الدليل المخصص المجمل على كيفية حكم غير أتباع الديانات الثلاث غير معلومة؛ ولكن دلالة العام على مصداق الأقل ثابتة وهي تتعلق بالكفار، ونتيجة لذلك، فإن التعارض بين شمول هذين الدليلين للفرد المشكوك هو من باب تعارض الحجة واللا حجة. نتيجة لذلك، يجب الحكم بمقتضى دليل العام بشأنهم. إذن يجب قتال الصابئة أيضًا ولا يُطبق عليهم حكم الجزية (الحسيني الخامنئي، 1376، ص 3-33). هذا الحكم مبني على نظرية أن إجمال المخصص لا يسري إلى العام ويجب العمل بعموم العام؛ ولكن من وجهة نظر المجموعة القائلة بسراية إجمال المخصص إلى العام وإسقاطه من عموميته، لا يمكن العمل بعموم العام في الفرد المشكوك؛ بالتالي، يخرج الصابئة من حكم القتال، وبشأنهم يجب الرجوع إلى الأصول العملية والتصرف بحذر.
موضوع آخر هو حكم المرتدين. في بعض آيات القرآن الكريم، أُشير إلى عدم قبول توبة المرتدين والحكم عليهم بالدخول إلى جهنم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. (البقرة، آية 217). والآية التالية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ (آل عمران، 90)، وآية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (النساء، آية 137). في مقابل الآيات المذكورة، تدل الآية التالية على الارتداد وقبول توبة المرتدين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. (التوبة، آية 74). رواية محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع): «مَنْ جَحَدَ نَبِيّاً مُرْسَلاً نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبَهُ فَدَمُهُ مُبَاحٌ» (ابن بابويه، 1413، ج 4، ص 104) ورواية عمار الساباطي عن الإمام الصادق (ع): «كُلُّ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَجَحَدَ رَسُولَ اللَّهِ نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبَهُ فَإِنَّ دَمَهُ مُبَاحٌ» (الكليني، 1369، ج 6، ص 174) قد بينت حكم المرتد. يقول الجرجاني في آيات الأحكام: «بعض الفقهاء استدلوا بهذه الآية على أن من استحل ترك الصلاة فهو مرتد فطري وواجب القتل؛ لأن الله تعالى علّق ترك قتل الكافرين على التوبة وأداء الصلاة والزكاة، ولا شك أن المراد من أداء الصلاة والزكاة للكافرين هو الاعتقاد بوجوب الصلاة والزكاة. فيلزم حسب مفهوم الشرط أنه إذا لم يوجد أحد الأمور المذكورة، فإن ترك قتلهم غير جائز، فيثبت أن عدم الاعتقاد بوجوب الصلاة واستحلال تركها يوجب القتل» (الحسيني الجرجاني، 1404، ص 212). في ‘أطيب البيان في تفسير القرآن’ ورد أن «المرتد هو من يكفر بعد الإسلام، وهو على قسمين: مرتد فطري ومرتد ملي. أما الفطري، فهو من انعقدت نطفته في الإسلام، وحكمه القتل؛ وأما الملي، فهو من كان كافرًا، ثم آمن ثم كفر. يشتركان في الأحكام إلا في القتل، حيث يُحبس حتى يموت في الحبس أو يتوب وينجو» (الطيب، 1378، ج 8، ص 192). السؤال الآن هو: إذا ارتد شخص بدون قصد عناد وبسبب عروض شبهة على نحو القصور، فهل حكمه القتل؟ في مورد المرتد الملي، لا يوجد بحث؛ ولكن في جهة المرتد الفطري، تدخل الشبهة؛ لأن الأمر دائر في مفهوم المرتد الفطري، بين المرتد الجاحد أو الأعم من المرتد الجاحد والمرتد غير الجاحد. على الرغم من أن التمسك بالعام هنا جائز، إلا أنه بالنظر إلى أهمية العرض والكرامة وحياة الأفراد في الإسلام، فإن هذا المثال هو أحد الموارد التي يجب فيها الرجوع إلى الأصول العملية والتمسك بالعام غير جائز. دليل هذا الموضوع في هذا البحث، بالنظر إلى الآيات التي تدل على قبول توبة العباد حتى المرتدين، هو أنه يبدو إذا أقدم على الارتداد عمدًا، فحكمه هو أن توبته غير مقبولة بناءً على آيات القرآن ويجب إعدامه؛ ولكن في الموارد المشكوكة التي لا نعلم هل كانت عمدًا أم لا، طبقًا للروايات، فالحق هو الاحتياط (أديبي مهر، 1382، ص 81-102). دليل ذلك رواية عن الإمام الصادق (ع): «الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَةِ» (الكليني، 1369، ج 4، ص 104). وكذلك قال النبي الأكرم (ص): «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (پاینده، 1382، ص 176). بالتالي، في مسألة المرتد الفطري غير الجاحد، فإن رأي الأفراد القائلين بسراية إجمال المخصص إلى العام هو الأقرب إلى الواقع ونظر المعصومين (ع) في الاحتياط. بالطبع، لا ينبغي إغفال هذه النقطة، وهي أنه يمكن هنا من خلال الأدلة الخارجية وغير طريقة التمسك بالعام أو عدم التمسك به، فهم حكم المسألة؛ أي إذا لم يكن هناك دليل خارجي، فلا يمكن الاطمئنان إلى صحة أي من الآراء في هذا الموضوع.
2. دوران بين الأقل والأكثر والمخصص المتصل
في هذا الصدد، طُرحت عدة آراء من قبل الأصوليين:
بناءً على الرأي الأول: يجب التفريق بين أنواع المخصص المتصل. إذا كان المخصص من نوع غير الاستثناء، كالوصف أو المضاف إليه، فالحكم هو أنه في الحالة التي يوجد فيها إجمال، في هذه الصورة، لا يمكن العمل بعموم العام؛ لأن دليل العام، بعد مجيء القيد، يجد ظهورًا في معنى آخر. مثل هذا المورد في الحقيقة بمنزلة تقييد دائرة العام؛ فليس معلومًا أن العام يشمل الفرد المجمل أم لا. في هذه الصورة، يُستفاد من أصل العدم ويُحكم بأن العام لا يشمل الفرد المجمل ويُكتفى بالقدر المسلّم واليقيني. أما إذا كان المخصص المتصل استثناءً، فيُعمل بعموم العام؛ لأن لفظ العام استُخدم في جميع أفراده، وبعض أفراد العام الذين خرجوا بواسطة الاستثناء من حكم العام، لا من معنى العموم، لذا الظاهر هو أنه في الحالة التي يوجد فيها إجمال، يُعمل بعموم العام. فلفظ العام في البداية شمل المورد المجمل مع بقية أفراده، ثم المورد الذي كان خروجه يقينيًا، خرج من عنوان العام، والمورد المشكوك فيه بقي داخل عنوان العام ولم يخرج (الحيدري، 1382، ص 156-158).
بناءً على الرأي الثاني ونظر المشهور: لا يمكن التمسك بأصالة العموم لإدخال الفرد المشكوك في حكم العام (المكي العاملي، 1391، ص 282؛ المظفر، 1387، ج 1، ص 380-381؛ سيد أشرفي، 1385، ج 3، ص 289؛ آل فقيه العاملي، 1421، ج 6، ص 104؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج 1، ص 348؛ السبحاني التبريزي، 1424، ج 2، ص 506؛ السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 203؛ العراقي، 1417، ج 3، ص 344؛ البروجردي، 1415، ص 327؛ الروحاني، 1413، ج 3، ص 317؛ المدرسي اليزدي، 1383، ج 4، ص 228؛ العراقي، 1420، ج 1، ص 439؛ صالحي المازندراني، 1424، ج 2، ص 234؛ الموسوي الخميني، 1420، ج 2، ص 126؛ الأنصاري، 1404، ج 2، ص 155؛ الموسوي الخوئي، 1422، ج 2، ص 371؛ الحائري القمي، بلا تا، ج 1، ص 70؛ السبحاني، 1414، ج 2، ص 477؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 409؛ الموسوي الخوئي، 1417، ج 5، ص 181؛ الحائري، 1424، ج 1، ص 570؛ البادكوبئي، 1418، ج 2، ص 397؛ الحسيني الشيرازي، 1426، ج 3، ص 130؛ الموسوي الخميني، 1415، ج 2، ص 223؛ الإيرواني، 1429، ج 3، ص 318)؛ لأن المخصص المتصل هو من نوع القرينة المتصلة بالكلام التي تسبب ظهور العام فقط في غير الخاص. بالتالي، إذا كان المخصص مجملًا، فإن إجماله يسري إلى العام؛ لأن غير الخاص ليس معلومًا وواضحًا؛ بل مشكوك فيه. نتيجة لذلك، في كل أمر لا يكون خروجه من عنوان الخاص معلومًا، لا ينعقد للعام ظهور، ولن يتمكن حكم العام من إدخال ذلك المورد غير المعلوم (المشكوك) في حكمه؛ بل يجب الحصول على حكمه من دليل آخر غير العام. بالطبع، حجية العام بالنسبة لغير الفرد المشكوك، في سائر الأفراد تحت العام، باقية (المظفر، 1387، ج 1، ص 380-381؛ الموسوي الخوئي، 1422، ج 2، ص 369؛ حجة كوه كمري التبريزي، 1421، ج 1، ص 409). البعض في تبرير رأيهم، يستدلون بأن التخصيص المتصل شبيه بالشيء المقيد؛ بحيث يتشكل الموضوع من العام وعنوان غير الفاسق؛ فلا بد لامتثال حكم وجوب الإكرام (حكم العام) من إحراز كل من هذين الجزأين؛ أي يجب إحراز أنه أولًا عالم وثانيًا غير فاسق، والمورد الأول يُحرز بالوجدان؛ أما الثاني (غير الفاسق) فغير محرز؛ لأنه إذا كان الفاسق موضوعًا لمرتكب الكبيرة، فالموضوع محرز؛ لأن مرتكب الصغيرة غير فاسق، وإذا كان الموضوع للأعم، فهو فاسق، وعنوان العام المخصص (العالم غير الفاسق) ينطبق عليه، ونتيجة لذلك، الجزء الأخير عندنا غير محرز (غير الفاسق)؛ فالتمسك بالعام غير جائز (السبحاني التبريزي، 1388، ج 1، ص 203). من وجهة نظر الأصول العملية، الاستصحاب في الشبهات المفهومية لن يجري؛ لعدم وجود متيقن سابق (النجفي دولت آبادي، بلا تا، ج 5، ص 368؛ مؤمن القمي، 1419، ج 2، ص 371). في هذه الحالة، يتكفل أحد العام والخاص بالحكم الإلزامي، والآخر بالحكم الترخيصي. فالمرجع هنا هو أصالة الاحتياط؛ لوجود علم إجمالي بوجوب أحد العام والخاص وحرمة الآخر، ومقتضى هذا العلم الإجمالي هو الاحتياط؛ أما إذا كان أحدهما متكفلًا بالحكم الإلزامي، بحيث نعلم إجمالًا أن أحدهما واجب والآخر حرام، فلا يمكن الرجوع إلى الاحتياط والبراءة؛ لأن الأول غير ممكن والثاني يستلزم مخالفة قطعية؛ فالمرجع هو أصل التخيير. إذن، هما مشتركان في الأصل اللفظي؛ ولكنهما يختلفان في إجراء الأصل العملي (الموسوي الخوئي، 1422، ج 2، ص 372). موضوع الغنيمة يمكن أن يظهر مسار استدلال الفقهاء هنا. في الآية التالية جاء: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (الأنفال، آية 41). هذه الآية نزلت في علاقة بغنائم حرب بدر؛ ولكن لها حكم كلي. بالتالي، الخمس لا يختص بغنائم الحرب فقط؛ لأن كلمة ‘غنيمة’ بمعنى كل فائدة، أعم من غنائم الحرب أو غيرها. ومن آية 94 من سورة النساء يمكن استنتاج أن الغنائم بمعنى الفوائد. في مفردات الراغب، فسرها بكل ما يُكتسب، وفي أقرب الموارد، المقصود بها غنائم الحرب، وكل شيء يُحصل عليه يُسمى غنيمة. يقول الطبرسي: «في عرف أهل اللغة، كل فائدة تُسمى غنمًا وغنيمة». في الكافي، منقول عن سماعة أنه سأل أبا الحسن (ع) عن الخمس. فقال: «هو في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (الكليني، 1369، ج 1، ص 545). من روايات أهل البيت (ع) يُستفاد أن الخمس واجب في سبعة أشياء: غنائم الحرب، أرباح المكاسب، الأرض التي يشتريها الذمي من مسلم، المعدن، الكنز، المال المختلط بالحرام، وما يُحصل عليه بالغوص، وكلها مصاديق للفائدة (القرشي، 1377، ج 4، ص 134). أهل السنة خصصوها بغنائم الحرب (ابن عربي، بلا تا، ج 2، ص 855)؛ أما من وجهة نظر الشيعة، فهذا الرأي غير مقبول. إذن، إجمال المخصص بالعام لا يسري، ويجب التمسك بعمومات العام.
الخاتمة
الوصول إلى الحكم الشرعي هو وظيفة الفقيه، وهو لأداء هذه الوظيفة يستعين بأدواته الأصولية في مصادره الفقهية التي أهمها القرآن الكريم. من المباحث المهمة في هذا المجال، التمسك بالعام في الشبهة المفهومية. الشبهة المفهومية هي إبهام وعدم وضوح معنى ومفهوم لفظ يظهر في مجال العام والخاص، وهذا يطرح أمام المجتهد سؤال: هل يسري إجمال الخاص إلى العام أم لا؟ هذا الإجمال يمكن أن يكون من جميع الجهات أو من بعض الجهات. اللفظ المجمل المتعدد الجوانب له حالتان: دائر بين المتباينين ودائر بين الأقل والأكثر. بشأن اللفظ المجمل الدائر بين المتباينين، بينما يكون المخصص منفصلًا، تُطرح ثلاثة آراء: عدم سراية إجمال الخاص إلى العام؛ سراية الإجمال إلى العام؛ وسراية حكمية لا حقيقية لإجمال الخاص إلى العام. عمده دليل الأصوليين يدور حول محور انعقاد ظهور العام في عمومه أو عدمه. بشأن اللفظ المجمل الدائر بين المتباينين، بينما يكون متصلًا، جميع الأصوليين قائلون بسراية إجمال الخاص إلى العام، ونتيجة لذلك، عدم التمسك بالعام، وفي النهاية، للخروج من التردد، يقترحون التمسك بالأصول العملية. سبب ذلك هو اتفاق الأصوليين على عدم انعقاد ظهور العام في عمومه. الأصوليون بشأن اللفظ المجمل الدائر بين الأقل والأكثر، بينما يكون المخصص منفصلًا، لهم نطاق مختلف من الآراء: عدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام؛ سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام؛ التأمل في المسألة، التفصيل، عدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام (أعم من الحقيقي والحكمي) وسراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام (حكمي). محور الاستدلال في هذه الآراء هو أيضًا ظهور أو عدم ظهور العام. معظم الأصوليين بشأن اللفظ المجمل الدائر بين الأقل والأكثر، بينما يكون المخصص متصلًا، يعتقدون أن إجمال الخاص يسري إلى العام؛ بينما يفرق البعض بين المخصص من نوع الاستثناء وغيره، وفي الحالة الأولى، يعتقدون أنه يمكن التمسك بعموم العام؛ أما في الحالة الثانية، فإن مثل هذا الحكم لا يجري. بالنظر إلى الاختلافات النظرية بين الأصوليين، سيكون مسار استدلالهم مختلفًا أيضًا، وهو ما يتجلى بوضوح في النماذج القرآنية في الوصول إلى الأحكام الشرعية.
المصادر
1. آل الفقيه العاملي، ناجي طالب (1421)، دروس في علم الأصول، بيروت، مجمع الفكر الإسلامي.
2. ابن بابويه، محمد بن علي (1413)، من لا يحضره الفقيه، قم، مكتب النشر الإسلامي.
3. ابن عربي، محمد بن عبد الله (1408)، أحكام القرآن، بيروت، دار الجيل.
4. أديبي مهر، محمد (1382)، دراسة فلسفة حكم الارتداد ومجاله في حقوق الجزاء الإسلامي، فصلية أفكار حقوقية، السنة الأولى، العدد الرابع، ص 81-102.
5. الأنصاري، الشيخ مرتضى (1428)، فرائد الأصول، بيروت، مجمع الفكر الإسلامي.
6. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1404)، مطارح الأنظار، قم، مؤسسة آل البيت (ع).
7. بادكوبئي، صدرا (1418)، هداية الأصول في محمدى، قم، المطبعة العلمية.
8. بروجردي، حسين (1417)، تقريرات في أصول الفقه اشتهاردى، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
9. __________ (1415)، نهاية الأصول، طهران، تفكر.
10. پاینده، أبو القاسم (1382)، نهج الفصاحة (مجموعة كلمات قصار حضرة رسول صلى الله عليه وآله)، طهران، دنياي دانش.
11. الحائري، مرتضى (1424)، مبانى الأحكام في أصول شرائع الإسلام، قم، مكتب النشر الإسلامي.
12. الحائري القمي، محمد علي (بلا تا)، المختارات في الأصول، طهران، المطبعة العلمية.
13. الحائري اليزدي، عبد الكريم (1418)، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
14. حجة كوه كمري التبريزي، سيد محمد (1421)، المحجة في تقريرات الحجة، قم، مؤسسة السيدة المعصومة.
15. الحسيني الجرجاني، أبو الفتوح (1404)، آيات الأحكام، تحقيق ميرزا ولي الله إشراقي سرابي، طهران، منشورات نويد.
16. الحسيني الخامنئي، سيد علي (1376)، «بحث في الحكم الفقهي للصابئة»، فصلية فقه أهل البيت (ع)، العدد 9، من 3 إلى 33.
17. الحسيني الميلاني، علي (1428)، تحقيق الأصول، قم، الحقائق.
18. الحيدري، علي نقي (1382)، أصول الاستنباط، قم، الحقوق الإسلامية.
19. الخراساني، محمد كاظم (1409)، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع).
20. الروحاني، محمد (1413)، منتقى الأصول، قم، مكتب آية الله سيد محمد حسيني الروحاني.
21. السبحاني التبريزي، جعفر (1388)، الوسيط في أصول الفقه، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).
22. __________ (1414)، المحصول في علم الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).
23. __________ (1424)، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).
24. شاكري، بلال (1395)، مقالة إعادة قراءة دور إجمال الخاص في التمسك بالعام، فصلية دراسات فقهية وأصولية، السنة الثانية، العدد 5، ص 33-44.
25. صالحي المازندراني (1424)، إسماعيل، مفتاح الأصول، قم، صالحان.
26. الطباطبائي القمي، تقي (1371)، آراؤنا في أصول الفقه، قم، محلاتي.
27. الطباطبائي، محمد حسين (1374)، تفسير الميزان، ترجمة موسوي همداني، قم، مكتب منشورات جماعة المدرسين بقم.
28. الطيب، سيد عبد الحسين (1378)، أطيب البيان في تفسير القرآن، طهران، منشورات إسلام.
29. الطبري، محمد بن جرير (1412)، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة.
30. العراقي، ضياء الدين (1420)، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
31. __________ (1417)، نهاية الأفكار، قم، مكتب النشر الإسلامي.
32. فاضل الموحدي اللنكراني، محمد (1381)، أصول فقه الشيعة، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
33. القرشي، سيد علي أكبر (1377)، أحسن الحديث، طهران، بنياد بعثت.
34. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق (1369)، الكافي، طهران، مكتبة علمية إسلامية.
35. الكرجي، أبو القاسم (1385)، أدوار أصول الفقه، طهران، ميزان.
36. الكنابادي، سلطان محمد (بلا تا)، بيان السعادة في مقامات العبادة، ترجمة حشمت الله رياضي خاني رضا، طهران، منشورات جامعة پيام نور.
37. المحمدي، علي (1385)، شرح كفاية الأصول، قم، الإمام الحسن ابن علي (ع).
38. المدرسي اليزدي، عباس (1383)، نماذج الأصول في شرح عراقي، قم، داوري.
39. المظفر، محمد رضا (1387)، أصول الفقه، قم، بوستان كتاب.
40. مكارم الشيرازي، ناصر (1424)، كتاب النكاح، قم، الإمام علي بن أبي طالب (ع).
41. المكي العاملي، حسين يوسف (1391)، قواعد استنباط الأحكام، قم، مؤلف.
42. الموسوي الخميني، روح الله (1415)، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
43. __________ (1420)، معتمد الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
44. الموسوي الخوئي، سيد أبو القاسم (1417)، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الهادي.
45. مؤمن القمي، محمد (1419)، تسديد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
46. النائيني، محمد حسين (1352)، أجود التقريرات، قم، مطبعة العرفان.
47. النجفي، محمد حسن (1369)، جواهر الكلام، طهران، الإسلامية.
48. النجفي دولت آبادي، محمد حسين (بلا تا)، شرح فارسي كفاية الأصول، قم، علمية.