معايير تقييم فهم الأدلة اللفظية في فقه المعاملات (دراسة حالة: تعلق الزكاة بالنقود الاعتبارية)

الملخص

يصح استنباط الأحكام الفقهية ويكون قابلاً للاستناد إلى الدين إذا كان منسجماً مع سائر النصوص والأدلة الشرعية. في المنهجية الفقهية السائدة، يُعتبر الانسجام في مدلولات الألفاظ فقط، وبشكل منهجي، معياراً لتقييم واعتبارسنجي الاستنباطات الفقهية من النصوص. انطلاقاً من عدم كفاية هذا المعيار في مجال فقه المعاملات، توسّع هذا البحث في معيار «الانسجام» ضمن ثلاث طبقات: الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ، والانسجام المنطقي بين أجزاء منظومة القضايا، والانسجام الوظيفي بين وظيفة مجموعة الأجزاء والأهداف الكلية للمنظومة. منهج البحث في هذا المقال هو المنهج الوصفي التحليلي، وأداة جمع المعلومات هي المكتبية. يمكن أن يؤدي استخدام المعايير المذكورة أعلاه إلى استنباطات فقهية أكثر دقة، ويمنع دخول التصورات الخاطئة إلى منظومة القضايا الفقهية. وفي الختام، في دراسة حالة، تم تطبيق هذه المعايير في دراسة أدلة الزكاة، وخاصة زكاة النقدين، ومع الأخذ بعين الاعتبار معيار الانسجام في الطبقات الثلاث المذكورة، تبين أن فرض الزكاة على النقود الاعتبارية الحالية بهدف خلق المزيد من الحركية للنقود، وخلق حافز للتمويل القائم على الدين وإعادة توزيع الثروة، هو أمر ضروري.

المقدمة

باستثناء بعض الفرق الكلامية، كالأشاعرة، يعتقد معظم المفكرين المسلمين أن أحكام الشريعة في مقام الثبوت قائمة على المصالح والمفاسد الواقعية. ووجود المصلحة في متعلق الأحكام الإلهية يستلزم كون أحكام الشريعة منظومة متكاملة؛ لأن الشارع الحكيم، بمراعاة أهداف (ملاكات الأحكام)، قد أصدر مجموعة متناسقة من الأحكام التي يمكنها، مجتمعة، تحقيق أهدافه المرجوة. من هنا، فإن أحكام الشريعة في مقام الثبوت هي منظومة متكاملة، متناسقة، ومنسجمة مع بعضها البعض. ولكن في مقام الإثبات، لا يوجد طريق ممهد لقبول إمكانية فهم المصالح والمفاسد التي صدرت على أساسها الأحكام الإسلامية من الشارع، ومن ثم فهم المنظومة الحاكمة على أحكام الشريعة. في هذا البحث، يُفترض إمكان فهم ملاكات الأحكام في مجال الأحكام الإمضائية المتعلقة بالمعاملات. وبناءً على هذه الفرضية، ومع قبول حقيقة أن المصدر الرئيسي لفهم الدين هو النصوص والأدلة اللفظية، يلزم تقديم معايير لتقييم فهمنا للنصوص حتى نطمئن إلى أننا حصلنا على فهم مطابق للواقع من هذه النصوص. وعليه، يسعى هذا البحث للإجابة على هذا السؤال: «على أي أساس يجب تقييم فهمنا واستنباطنا من النصوص الشرعية المتعلقة بأحكام المعاملات حتى نطمئن إلى أننا اقتربنا من فهم واقعي لهذه النصوص؟». في هذا البحث، بُذلت محاولة لتقديم معايير قائمة على «الانسجام» لتقييم صحة الفهم من النصوص، وذلك بعد دراسة المقاربات المختلفة لفقهاء الإسلام حول مكانة العقل في عملية الاجتهاد. بالتزامن مع نمو وتوسع العلوم الإسلامية منذ القرون الأولى، تطورت أيضاً القواعد الحاكمة لتفسير النصوص، ولذلك فإن «منهجية تفسير الأدلة اللفظية» لها تاريخ يمتد بتاريخ الفقه والتفسير. الأبحاث والمؤلفات العلمية المتعلقة بمعايير تفسير النص، وإن لم تتحدث صراحة عن نطاق «رفع عدم الانسجام» كمعيار وحيد لتفسير الأدلة اللفظية، إلا أنه يمكن استخلاص معيارين من جوهر المباحث المطروحة كمعايير للانسجام: 1. معيار الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ؛ 2. معيار الانسجام مع مقاصد الشريعة. المعيار الأول هو ما كان محط اهتمام الفقهاء والمفسرين منذ القدم وموضع اتفاق جميع المدارس التفسيرية حتى المدارس النصية؛ ولكن قبول المعيار الثاني كان محل خلاف. هذا المعيار قد تم بحثه بشكل منسجم تحت عنوان «فقه المقاصد» في آثار بعض فقهاء أهل السنة، وبشكل غير منضبط في آثار بعض فقهاء الشيعة.[1] في أوساط فقهاء أهل السنة، تناول فقهاء مثل أبو بكر الأبهري (ت 375هـ)، وإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ)، والغزالي (ت 505هـ)، والآمدي (ت 631هـ)، وابن قيم الجوزية (ت 751هـ) في آثارهم موضوع المقاصد وعلل الأحكام؛ لكن نقطة التحول في المباحث المتعلقة بملاكات الأحكام كانت على يد الشاطبي (ت 790هـ) حتى لقب بـ«إمام المقاصد». (أيازي، 1389، ص 52 – 55). في العصر الحديث، حظي الأدب المتعلق بفقه المقاصد بمكانة خاصة بين باحثي أهل السنة، وكُتبت أعمال متنوعة في هذا المجال، منها كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية» لابن عاشور وكتاب «مقاصد المقاصد» لأحمد الريسوني. أما في أدب فقه الشيعة، فرغم وجود روايات كثيرة حول علل تشريع الأحكام، لدرجة أن المحدثين الشيعة جمعوا كتباً متنوعة بعنوان «العلل» أو «علل الشرائع»؛ لكن بما أن فترة الوصول إلى المعصومين (ع) كانت طويلة بين الإمامية، ولم يُظهر الأئمة (ع) قبولاً للقياس والاستحسان، لم يجد فقه المقاصد مكانة بارزة بين فقهاء الإمامية. (أيازي، 1389، ص 107). ومع ذلك، فقد بدأ التنظير في هذا المجال، ويمكن الإشارة إلى ما يلي: قسّم عليدوست في مقالة بعنوان «الفقه ومقاصد الشريعة» النصوص إلى فئتين: «نصوص مبينة للشريعة» و«نصوص مبينة للمقاصد»، وصنّف طرق التعامل المختلفة مع مقاصد الشريعة في خمسة أشكال، واعتبر فقط فكر «النص المعتبر مع مراعاة المقاصد» صحيحاً.[2] في كتاب «أخلاق علم الدين»، ميّز فنائي بين محتوى الدين فجعله «ديناً تاريخياً» (الظرف) و«ديناً فوق تاريخي» (المظروف)، وفي معرض إجابته على سؤال حول المعايير التي يمكن بها التمييز بين الظرف والمظروف، قدم المعايير التالية: 1. عدم الانسجام مع العقل والعقلانية الحديثة؛ 2. عدم الانسجام مع الفطرة؛ 3. عدم الانسجام مع ألوهية الله؛ 4. عدم الانسجام مع إنسانية الإنسان؛ 5. عدم الانسجام مع القيم والالتزامات الأخلاقية؛ 6. عدم الانسجام مع ضروريات ومقومات العالم الجديد؛ 7. عدم الانسجام مع الجوانب الجيدة والإيجابية والمفيدة للعالم الجديد؛ 8. عدم الانسجام مع الحقائق التجريبية؛ 9. عدم الانسجام مع أصول الدين؛ 10. عدم الانسجام مع أهداف ومقاصد الشريعة؛ 11. عدم الانسجام مع توقعات البشر من الدين و 12. عدم الانسجام مع العرف الجديد. (فنائي، 1389، ص 477). في كتاب «ملاكات الأحكام وطرق استكشافها»، تناول أيازي المسار التاريخي للبحث بين أهل السنة والشيعة، وبحث في أسس ملاكات الأحكام، وفي النهاية حصر طرق كشف الملاك في إحدى طرق القياس، والعلة، والاستقراء. (أيازي، 1389). يعتقد نقيبي في مقالة بعنوان «مقاصد الشريعة ومكانتها في استنباط الحكم الشرعي» أن طرق كشف مقاصد الشريعة لا تقتصر على النصوص القرآنية والروائية النبوية، ويمكن التوصل إلى كشف مقاصد الشريعة بالاعتماد على بناء العقلاء في الأحكام الإمضائية والدليل العقلي القطعي. وبعد أن عدّد «حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال للعباد» كمصالح ضرورية، اعتبر أن مخالفة مقاصد الشريعة تؤدي إلى منع انعقاد الظهور أو إطلاق الدليل أو إسقاط الرواية عن الاعتبار. (نقيبي، 1396، ص 230 و 231). على الرغم من الجهود الفقهية التي بذلها الفقهاء على مر تاريخ الفقه، وخاصة الباحثين المعاصرين، يبدو أن المعايير التي قدموها لتقييم فهم النصوص غير كافية، ولا تزال هناك أشكال من عدم الانسجام في تفسير النصوص الشرعية، خاصة في مجال فقه المعاملات. ورغم أن دخول الفقهاء المقاصديين إلى هذا المجال قد سد جزءاً من هذه الفجوة المنهجية، إلا أنه لا يزال يمكن تصور جوانب من عدم الانسجام في الاستنباطات الفقهية. يهدف هذا البحث إلى تعويض النقص المذكور، وتوسيع عنصر «الانسجام» كمعيار لتقييم فهم النصوص الشرعية في ثلاث طبقات: الانسجام في المدلولات اللفظية، والتناسق في وظيفة الأجزاء، والتوافق مع مقاصد الشريعة. ويبدو أنه بتوسيع معيار الانسجام في هذه الطبقات الثلاث، سيتم اتخاذ خطوة إلى الأمام في تقييم فهم النصوص الشرعية.

1. أدبيات الموضوع

مع توسع المعرفة الفقهية منذ القرون الأولى للإسلام، تطورت أيضاً الواجبات والمحظورات وأساليب تفسير النصوص الدينية، والتي خصصت جزءاً كبيراً من علوم التفسير والأصول لنفسها. وبناءً على ذلك، قُدمت معايير لتقييم صحة أو عدم صحة الاستنباط من المصادر الفقهية، حتى لا يتم قبول أي استنباط من المصادر الفقهية باسم الدين، وتخضع هذه الاستنباطات لأمر وقاعدة. نظراً لأن الجزء الأكبر من مصادر الفقه هو النصوص والأدلة النقلية، فإن الاستنباط من هذه الأدلة يعتبر نوعاً من «التفسير»؛ وبالتالي فإن المنهج الحاكم عليه هو أيضاً من مناهج التفسير. في تفسير النصوص، يفترض المفسر أن المؤلف لا يتناقض، ويسعى للوصول إلى فهم منسجم من النص. المقصود بالانسجام هنا هو عدم وجود تعارض بين القضايا المستنبطة من النص. وبناءً على ذلك، يمكن القول بأن جميع القواعد التفسيرية تدور حول محور الانسجام، وكل مدرسة تفسيرية تسعى إلى تنظيم قواعد رفع عدم الانسجام، حتى لو لم تصرح بمثل هذا المعيار. ومع ذلك، فإن أحد المواضيع التي تسببت في ظهور مدارس فقهية مختلفة هو الاختلاف حول نطاق الانسجام؛ بمعنى، في أي نطاق يكون إحراز الانسجام كافياً لنسبة الحكم المستنبط إلى الدين؟ بناءً على ذلك، يمكن تحديد رؤيتين عامتين حول نطاق الانسجام في المدارس الفقهية، والتي يُعبّر عنها هنا بـ«مدارس الاجتهاد النصي» و«مدارس الاجتهاد العقلي».

1-1. الاجتهاد النصّي

يُختزل نطاق «الانسجام» في هذا المنهج الاجتهادي في الانسجام على مستوى مفاهيم الألفاظ. الاستدلالات القائمة على الدقة المفرطة في معاني الألفاظ، وتصور تعارض الأدلة فقط في حالات عدم الانسجام في مفاهيم الألفاظ، والاهتمام المفرط بالمعاني اللغوية للكلمات[3] والرجوع إلى القواعد اللفظية، مثل أصالة الظهور حتى في حالات التمسك بالدليل العقلي[4] ورفض أي شكل من أشكال العقلانية في الفقه، يمكن اعتبارها من سمات هذا المنهج الاجتهادي. لا يعتقد الفقهاء النصيون أن للعقل شأناً في كشف ملاكات الأحكام، وأن السبيل الوحيد لفهم علل وملاكات الأحكام هو تصريح النصوص الشرعية بملاك حكم ما.[5]

2-1. الاجتهاد العقلي

لا يقتصر نطاق «الانسجام» في هذا المنهج الاجتهادي على الانسجام في مفاهيم الألفاظ؛ بل يكون الانسجام نتيجة عملية لحكم ما مع مقاصد وأهداف الشريعة أيضاً أحد جوانب الانسجام التي تحظى باهتمام هذا المنهج الفقهي. في هذا المنهج الاجتهادي، تُعطى قيمة للإدراكات العقلية المستقلة، وتُعتبر ملاكات وعلل الشرائع مؤثرة في تقييم الاستنباطات الفقهية، وكذلك في توسيع وتضييق دائرة الحكم والموضوع؛ لأن الأحكام الشرعية صدرت في فترة تاريخية معينة وفي سياق اجتماعي وثقافي خاص، ولها مصالح ومفاسد حقيقية، والشارع يتبع أهدافاً ومقاصد من تشريع هذه الأحكام. إذا تسبب مرور الزمن وتغير ظروف المجتمعات في أن حكماً من أحكام الشريعة لا يستطيع تحقيق هدف وغرض الشارع من تشريعه، فلا ينبغي الإصرار على ذلك الحكم؛ لأنه بدون الانتباه إلى المقاصد، سيتم الحصول على فهم قشري وظاهري للدين. (العلامة الطباطبائي، 1374، ج2، ص 353). يمكن ملاحظة الشكل المتطرف للعقلانية في فقه أهل السنة في المنهج الفقهي لأبي حنيفة. ولكن منهج معظم فقهاء الشيعة كان التعامل بحذر في مواجهة الأدلة العقلية، وهذا المنهج يعود إلى الروايات الكثيرة التي وصلتنا عن المعصومين (ع) حول النهي عن القياس والرأي.

2. معايير تقييم فهم الأدلة في فقه المعاملات

تتم صياغة معايير تقييم الفهم من النصوص (دراسة أشكال مختلفة من عدم الانسجام) في ثلاث طبقات على النحو التالي:

1-2. تقييم فهم الأدلة من حيث رفع عدم الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ

المقصود بعدم الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ هو ما يُطلق عليه في الأدب الفقهي والأصولي «تعارض الأدلة»؛ بمعنى أنه بما أنه لا يمكن أن يكون مدلول دليلين متعارضين حجة في نفس الوقت، فيجب رفع هذا النوع من عدم الانسجام بطريقة ما. على الرغم من أن الفقهاء قد طرحوا أشكالاً مختلفة من تعارض الأدلة، حيث تتعارض في بعض الأشكال «الأدلة غير اللفظية» مع سائر الأدلة؛ ولكن مع ذلك، يتم التعبير عن كل هذه الأدلة في قالب ألفاظ (قضايا)، وعدم الانسجام الموجود فيها يعود في الواقع إلى عدم انسجام مدلول هذه الألفاظ (القضايا). لذلك، فإن جميع أنواع التعارض التي تُبحث في علم الأصول تندرج ضمن هذه الطبقة من التقييم. هذا الشكل من التعارض في «الحكم الشرعي» المستفاد من أدلة مختلفة، يُطرح حول «موضوع واحد». وعليه، إذا كان موضوع الحكمين مختلفين، فلا يمكن تصور مثل هذا التعارض من الأساس. حول الأشكال المتنوعة للتعارض وطرق حلها، طُرحت مباحث كثيرة في كتب أصول الفقه، والتي نمتنع عن الخوض فيها.[6] نتيجة رفع هذا الشكل من عدم الانسجام هي الوصول إلى منظومة من القضايا لا يوجد في مدلولاتها اللفظية أي عدم انسجام. هذا القدر من رفع عدم الانسجام هو موضع اتفاق جميع المدارس التفسيرية والفقهية. وعليه، نكتفي فقط بطرح هذا السؤال: هل هذا القدر من رفع عدم الانسجام كافٍ للوصول إلى نظام فكري يمكن الاستناد إليه في الدين؟ بالنظر إلى أن هذا النوع من عدم الانسجام يُفترض فقط في موضوع واحد، ولا علاقة له بالارتباط بين القضايا المتعلقة بموضوعات مختلفة، لا يوجد أي ضمان بأن تكون هذه المنظومة بأكملها منسجمة في مقام العمل. الانسجام بمعنى أن مجموعة أحكام فقه المعاملات تكون منظومية، ولها توجه واحد، وكل حكم فقهي يكمل جزءاً من هذه المنظومة؛ لا أن العمل بحكم فقهي يبطل أثر حكم آخر أو يتعارض معه. بناءً على ذلك، يتضح أن الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ يقدم معياراً محدوداً ومقيداً جداً لتقييم فهم الأدلة النقلية، وللتأكد من صحة استنباطنا من النصوص – على الأقل في مجال فقه المعاملات – من الضروري أن نقيم فهمنا للنصوص بمعايير أخرى أيضاً.

2-2. تقييم فهم الأدلة من حيث رفع عدم الانسجام المنطقي

المقصود بعدم الانسجام المنطقي هو عدم الانسجام بين وظيفة أجزاء منظومة من القضايا؛ بمعنى أن عواقب قضيتين تكون في تقابل مع بعضها البعض وتُبطل أثر بعضها؛ بحيث لا يوجد مبرر منطقي لقبول كلتا القضيتين. هذا الشكل من عدم الانسجام لا يحدث حول موضوع واحد؛ بل إن تحليل عواقب حكم الموضوعات المختلفة هو الذي يسبب مثل هذا النوع من عدم الانسجام. التخلي عن ظاهر النصوص بسبب وجود هذا الشكل من عدم الانسجام نادر جداً في فتاوى فقهاء الإمامية. على سبيل المثال، رفع اليد عن أدلة جواز حيل الربا، مثل بيع المحاباة، والبيع بالضميمة، إلخ، بسبب عدم الانسجام المنطقي الموجود بين جواز هذه العقود وتحريم الربا، هو من هذه الحالات. (الخميني، 1421هـ، ج2، ص 544). وقد تم التعبير عن هذا الشكل من عدم الانسجام بعبارة «التناقض في الجعل» أو «اللغوية في التشريع». ومع ذلك، فإن حالات من هذا النوع لم تُعرف أبداً في أصول الفقه كحالات من «التعارض» ولم تُدقّق؛ لأنها ليست في طبقة مدلولات الألفاظ. قبول معيار الانسجام المنطقي كأحد معايير تقييم فهم الأدلة مبني على فرضيتين: 1. كون أحكام فقه المعاملات منظومة؛ 2. إمكانية فهم الارتباط المنطقي بين هذه الأحكام باستخدام التحليلات الوظيفية. فيما يتعلق بالفرضية الأولى، أي كون أحكام فقه المعاملات منظومة بالمعنى الأعم، يمكن إقامة أدلة، منها:

1-2-2. الدليل العقلي

تهدف أحكام المعاملات إلى تنظيم العلاقات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، وتهدف إلى إنشاء أنظمة اجتماعية فرعية؛ لا أن تكون مجرد مجموعة من الأحكام التعبدية. من المشرّع الحكيم يُتوقع أن ينظم مجموعة القوانين بطريقة تحقق تنفيذ جميع هذه القوانين معاً الهدف المنشود للمشرّع؛ لا أن يبطل جزء من القوانين أثر سائر القوانين.

2-2-2. القرآن

يقول الله تعالى عن اليهود الذين كانوا يفرقون بين أحكام الله؛ يقبلون بعضها ويرفضون بعضها: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ» (البقرة: 85). القرآن في هذه الآية يصف بوضوح نتيجة التفرقة بين أحكام الله بالخزي في الدنيا. وهذا يعني أن العمل بمجموعة أحكام الدين معاً يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مرجوة؛ لأن هذه الأحكام لها انسجام وظيفي مع بعضها البعض.

3-2-2. الأدلة الروائية

من مجموعة من الروايات يمكن أيضاً اكتشاف كون أحكام فقه المعاملات منظومية وانسجامها الوظيفي. على سبيل المثال، من هذه الأدلة النقلية يمكن الإشارة إلى الروايات التي اعتبرت سبب كون ميراث المرأة نصف ميراث الرجل هو مسؤولية الرجل عن نفقة عياله. (الكليني، 1407هـ، ج7، ص 84). وهذا يعني أن أحكام الإرث يجب أن تُلاحظ إلى جانب سائر الأحكام المتعلقة بالحقوق والواجبات المالية للرجل والمرأة، وإلا فقد يُتصور أن أحكام الإرث في الإسلام غير عادلة. الانسجام بين أحكام النفقة وأحكام الإرث في النظام القانوني للإسلام لا يتعلق بطبقة مدلولات الألفاظ. أما بالنسبة للفرضية الثانية، أي إمكانية فهم الارتباط بين مختلف أحكام المعاملات، فيبدو أيضاً أن هذه الإمكانية موجودة. من أدلة هذا الادعاء يمكن الإشارة إلى ما يلي:

4-2-2. ابتناء كثير من أحكام فقه المعاملات على السير العقلائية

بالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من الأحكام المتعلقة بالمعاملات هو إمضائي، وفي الواقع تأييد لسيرة عقلائية نشأت لتلبية إحدى احتياجات البشر الدنيوية وبالاعتماد على عقلانية البشر، فإن كشف تلك الأغراض العقلائية التي أدت إلى ظهور هذه السير ليس أمراً خارقاً للطبيعة وبعيداً عن متناول عقل البشر.

5-2-2. العلوم الاجتماعية، أداة متاحة لتبيين آثار حكم فقهي

تعتبر العلوم الاجتماعية، مثل الاقتصاد، أداة مفيدة لتقديم تحليلات وظيفية لآثار حكم فقهي. هذا الكلام لا يعني إعطاء حجية لنتائج العلوم الاجتماعية مقابل الأدلة الشرعية؛ بل يعني أن هذه العلوم يمكن أن تفتح نوافذ جديدة أمام الفقيه فيما يتعلق بظهور الأدلة النقلية. ربما يمكن حمل الرواية النبوية التي تقول: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (الكليني، 1407هـ، ج1، ص 403) على هذا المعنى.[7] الانتباه إلى وظائف وآثار حكم فقهي يستلزم معرفة كافية في مجالات العلوم المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغيرها، وهو ما يستلزم إعادة النظر في متطلبات علم الفقيه. مع أن رفع عدم الانسجام المنطقي يمكن أن يساعد في الوصول إلى فهم منظومي ومنسجم للقضايا، إلا أنه لا يوجد يقين بأن هذا الفهم – الذي هو منسجم في كليته – هل يمكن الاستناد إليه في الدين أم لا؟ لهذا الغرض، يجب أن يتجاوز فهمنا للنصوص الشرعية المعيار الثالث للتقييم بنجاح أيضاً.

3-2. تقييم فهم الأدلة من حيث رفع عدم الانسجام الوظيفي

أما الطبقة الثالثة من تقييم الاستنباط من النصوص الشرعية، فهي رفع عدم الانسجام الوظيفي. المقصود بعدم الانسجام الوظيفي هو عدم انسجام منظومة القضايا مع مقاصد وأهداف الشريعة. بمعنى أنه على الرغم من أن منظومة القضايا لا تعاني من عدم انسجام في طبقة مدلولات الألفاظ والتناسق بين الأجزاء، إلا أنه من الممكن أن تتحرك هذه المجموعة المنسجمة بأكملها في اتجاه مخالف لهدف المنظومة. ولهذا، يجب فهم النصوص الشرعية بطريقة لا يوجد فيها هذا الشكل من عدم الانسجام أيضاً. هذا هو الموضوع الذي تم تسليط الضوء عليه في أدبيات فقه المقاصد. على الرغم من أن فقه المقاصد لم يُقبل رسمياً في أدبيات فقه الشيعة؛[8] إلا أنه يمكن ملاحظة حالات من العقلانية، وكشف الملاك، وعدم الجمود على النصوص بمراعاة مقاصد الشريعة في المباحث الفقهية – وليس الأصولية – بعناوين مثل «الاستناد إلى مذاق الشارع»،[9] و«إلغاء الخصوصية»،[10] و«مناسبات الحكم والموضوع»،[11] و«نقض غرض الشارع»،[12] و«لغوية التشريع»،[13] و«قاعدة الاصطياد»، و«قياس الأولوية». يجب الانتباه إلى أن استخدام المقاصد والتوجهات العامة للشريعة لاستنباط الأحكام الجزئية معرض بشدة للوقوع في فخ التفسير بالرأي؛ ولكن مراعاة مقاصد الشريعة لتقييم الاستنباطات الفقهية يمكن أن يكون مفيداً في تدقيق الاستنباطات الفقهية من الأدلة. يتم فهم مقاصد الشريعة إما عن طريق النصوص الدالة على المقاصد، أو عن طريق الاستقراء من بين الأحكام الشرعية. طريقة الاستقراء تكون بأن يصل الفقيه من خلال التحليلات الوظيفية لمجموعة الأحكام المرتبطة ببعضها إلى يقين بأن هدف الشارع من وضع هذه الأوامر هو تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. من الطبيعي أن تتطلب مثل هذه التحليلات معرفة كافية في مجال العلوم الاجتماعية ذات الصلة. كما يجب الانتباه إلى أن فهم مقاصد الشريعة عن طريق الاستقراء يتم في عملية تأويلية (هرمنيوطيقية)؛ بمعنى أنه لا فهم المقاصد مقدم على تفسير النصوص، ولا تفسير النصوص مقدم على فهم المقاصد؛ بل يتم فهمهما في عملية ذهاب وإياب. في النهاية، الوصول إلى فهم منسجم من النصوص قد يتحقق أحياناً بالتخلي عن ظاهر بعض النصوص وتوسيع وتضييق مفهومها، وأحياناً باعتبار حكم ما تاريخياً ومتغيراً وحاكمياً. في ما يلي، سنطبق هذه المستويات من تحليل النص في دراسة أدلة زكاة النقدين.

3. دراسة حالة: توسيع حكم وجوب الزكاة ليشمل النقود الاعتبارية الحالية

فيما يتعلق بزكاة الأوراق النقدية في الفترة التي كانت فيها مدعومة بالذهب والفضة، لا يوجد أدب فقهي يذكر في فقه الإمامية؛ لكن فقهاء العامة يعتقدون أنه إذا كانت النقود الورقية سند دين ويمكن تحويلها بسهولة إلى عملات ذهبية وفضية، فإنها تخضع للزكاة. (الجزيري وآخرون، 1419هـ، ج1، ص 786). ولكن فيما يتعلق بالنقود الاعتبارية التي لا غطاء لها والتي لها مالية مستقلة ولا تدل على مسكوكات الذهب والفضة، يوجد اختلاف في وجهات النظر بين الفقهاء المعاصرين. بين معظم أهل السنة، تعتبر زكاة الأوراق النقدية أمراً مقبولاً. (هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، 1428هـ، ص 570؛ الزحيلي، 1405هـ، ج2، ص 772). لكن معظم فقهاء الشيعة المعاصرين لم يعتبروا موضوع حكم وجوب الزكاة «النقود»؛ بل الذهب والفضة المشروطة بكونها «مسكوكة بسكة المعاملة». ولهذا، فإنهم يستبعدون النقود الاعتبارية الحالية، التي ليست من جنس الذهب والفضة، من موضوع حكم وجوب الزكاة. (الخميني، 1424هـ، ج2، ص 130). لكن بعض الفقهاء الآخرين اعتبروا موضوع حكم وجوب الزكاة «النقود»، ولم يعتبروا جنس النقود داخلاً في موضوع النقدين، وطبقوا أحكام النقدين على النقود الاعتبارية الحالية أيضاً.[14] يمكن تلخيص أدلة هذه الفئة من الفقهاء على النحو التالي: 1. تعبير «النقدين» في كلام أهل البيت (ع) لم يُطرح كغاية؛ بل كعنوان مشير يمكن أن تتغير مصاديقه بتغير شكل وجنس النقود. (مغنية، 1421هـ، ج2، ص 70). 2. تعبير الذهب والفضة في الروايات المتعلقة بزكاة النقدين كان لأن النقود الرائجة في ذلك العصر كانت من الذهب والفضة؛ لا أن للذهب والفضة خصوصية. (معرفت، 1376، ص 20؛ منتظري، 1409هـ، 1: 280؛ جعفري، 1376، 139). الدليل على هذا الادعاء هو ثلاث فئات من الأدلة الروائية: أ. الروايات التي تدل على أن الزكاة تجب على الذهب والفضة المسكوكين، ولا تجب على الحلي والسبائك. (الحر العاملي، 1409هـ، 9: 154؛ الباب 8 و 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة). ب. الروايات التي تدل على أن زكاة النقدين تجب في حال ركودها لمدة سنة، وفي حال تداول الدرهم والدينار، لا تجب الزكاة. (نفس المصدر، ص 152؛ الباب 6 من أبواب زكاة الذهب والفضة). ج. الروايات التي تدل على أن الزكاة لا تجب على المال الغائب الذي لا يمكن تداوله. (نفس المصدر، ص 172؛ الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة). 3. العمومات والإطلاقات التي تدل على ثبوت الزكاة على جميع الأموال؛ مثل الآية الشريفة «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً» (التوبة: 103) تُظهر أن موارد التخصيص، مثل الأصناف التسعة ومسكوكات الذهب والفضة، هي أمور تاريخية ومن متغيرات الشريعة. (منتظري، 1409هـ، ج1، ص 280-282). 4. الأحاديث التي تدل على أن مقدار الزكاة على النقدين يتناسب مع فقراء المجتمع. (قائني، 1385، ص 97). في مقابل الأدلة التي تؤكد على كون الذهب والفضة موضوع الزكاة، يمكن تلخيصها في الحالات التالية: 1. الروايات التي في مقام بيان موارد الزكاة، صرحت بـ«الذهب والفضة»، لا «الدرهم والدينار» ولا «النقد». (الشيخ الحر العاملي، 1409هـ، ج9، ص 53؛ الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة). 2. بالطبع يجب الانتباه إلى أن تعبير «ذهب وفضة» إلى جانب شرط «المسكوك»، يُخرج الذهب والفضة من ظهورهما الأولي وينصرف إلى «الدرهم والدينار». 3. الرواية التي تدل على أنه لحساب نصاب الزكاة في السكك التي هي خليط من الفضة والنحاس والرصاص، يُعتبر فقط مقدار الفضة الخالصة فيها. (الكليني، 1407هـ، ج3، ص 517، ح9). كما يُلاحظ، فإن معظم استدلالات الطرفين تقع في طبقة المدلولات اللفظية، ودليل واحد فقط يتعلق بكفاية موارد زكاة النقدين لتأمين مالية الفقراء، يرتبط بالتحليلات الوظيفية. نظراً لأن التحليلات المتعلقة بالمدلولات اللفظية قد استوعبت حجماً كبيراً من المباحث المتعلقة بزكاة النقدين؛ سنواصل دون أن نقلل من قيمة المباحث المتعلقة بالمدلولات اللفظية، وسنستخدم المعايير الأخرى التي تم تقديمها لتقييم هذا الاستنباط الفقهي. لذلك، سنلقي نظرة على الوظائف الخاصة لزكاة النقدين في اقتصاد عصر التشريع لنوضح ما إذا كانت هذه الوظائف لا تزال سارية في الاقتصاد الحالي أم لا؟ كانت لزكاة النقدين في عصر التشريع الوظائف التالية:

1-3. تدوير النقود ومنع الاحتكار وكنز النقود

بالنظر إلى محدودية موارد الذهب والفضة، كان يمكن لكنز واحتكار النقود أن يترك آثاراً ركودية خطيرة على اقتصاد ذلك العصر. ولهذا، كان فرض الزكاة على النقدين وسيلة لمنع كنز النقود وخلق حافز لتدويرها، كما تشير الآية 34 من سورة التوبة (آية الكنز). في بعض الروايات الواردة في ذيل هذه الآية، صُرح بأن المال الذي أُديت زكاته ليس مصداقاً لـ«الكنز». (الطوسي، 1414هـ، 519). ومع ذلك، يعتقد بعض الباحثين أنه مع انتشار النقود الاعتبارية – التي لا يكلف إصدارها الناشر الكثير – فإن مشكلة نقص النقود الناجمة عن احتكارها قد زالت. (الحائري، 1378، ص 40). هذا الحل، على الرغم من أنه يبدو مفيداً للوهلة الأولى؛ لكن إذا لم يكن هناك آلية تحفيزية كافية لتدوير النقود في الاقتصاد، فإن النقود الجديدة الصادرة سيتم احتكارها أيضاً وتخرج من الدورة الاقتصادية، وتتراكم على شكل سيولة نقدية راكدة. هذه السيولة النقدية المتراكمة يمكن أن تتحرك نتيجة لصدمات الطلب وتسبب أزمات مالية وصدمات سعرية كبيرة في الاقتصاد. (جيزل، 1383، ص 202-207). في الأساس، النقود هي أداة لتسهيل المبادلات بين البشر، وكلما قلت الاحتكاكات والعوائق أمام تداول النقود، كان بإمكانها أداء وظيفتها الأصلية بشكل أفضل. احتكار النقود في الماضي حيث كانت النقود من المعادن الثمينة، كان يسبب انخفاض حجم النقود المتداولة ويؤدي إلى ركود اقتصادي، وفي الاقتصادات الحالية حيث توجد إمكانية خلق النقود بسهولة، يسبب عدم استقرار اقتصادي ويجعله متزعزعاً أمام الصدمات. ولهذا، يبدو أن الإسلام بفرض الزكاة على النقود، يسعى إلى إنشاء آلية تضمن عدم احتكار النقود. لذلك، بالنظر إلى الآثار السلبية لانحراف النقود عن وظيفتها الأصلية، يمكن على أساس المعيار الثالث للانسجام، اعتبار الزكاة على النقود متوافقة مع هذا الهدف.

2-3. خلق حافز للإقراض

يؤدي تحريم الربا إلى أن التمويل عن طريق القرض (سواء القرض الاستهلاكي أو الإنتاجي)، بغض النظر عن الدوافع الأخروية، لا يكون له أي مبرر عقلاني دنيوي. هذا في حين أن فرض الزكاة على النقدين يكمل النظام التحفيزي الخاص الحاكم على العلاقات النقدية في اقتصاد ذلك العصر؛ لأن زكاة المال المقرض تكون على عاتق المقترض وتخلق نوعاً من الإعفاء الضريبي للمقرض. هذه هي النقطة نفسها التي بنى عليها سيلفيو جيزل فكرته. هدف جيزل من إنشاء النقود المستهلكة هو الوصول إلى اقتصاد خالٍ من الفائدة. (جيزل، 1383، ص 199-209). يصرح أبو سعود أيضاً بأنه إذا أردنا إزالة الفائدة المصرفية المدفوعة على الودائع والقروض، فإن النماذج المصرفية الشائعة لا تعمل. الحل لمسألة الفائدة في الفقه الإسلامي هو مجرد «تقنية» مالية خاصة هي الزكاة. (Abu Sa’ud 2002, p. 24). كما هو واضح، فإن تحريم الفائدة إلى جانب الزكاة على النقود يمكن أن يكون له مبرر عقلاني. ولهذا، من خلال تحليل وظيفة أحكام النظام الاقتصادي الإسلامي المختلفة في الطبقة الثانية من المعايير المقدمة، يمكن الدفاع عن الزكاة على النقود حتى في النظام النقدي الحالي.

3-3. إعادة توزيع الثروة

أهم فلسفة لوجوب الزكاة في الروايات (ليس فقط زكاة النقدين، بل بشكل عام جميع موارد الزكاة)، هي مسألة إعادة توزيع الثروة وتقليل التفاوت ورفع الفقر. (الشيخ الحر العاملي، 1409هـ، ج9، ص 9؛ الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة). ومع ذلك، في فئة من الروايات خاصة حول النصاب في زكاة النقدين، أُشير إلى حد الكفاف لرفع فقر الفقراء. (نفس المصدر، ص 146؛ الباب 3 من أبواب زكاة الذهب والفضة). استبعاد «النقود الاعتبارية» من موارد وجوب الزكاة سيزيل أحد المصادر الهامة لتمويل الفقراء. أظهرت الدراسات أن الموارد المحتملة للزكاة في البلاد بناءً على فتوى مشهور الفقهاء، ليست كافية حتى لرفع الفقر الغذائي للفقراء. (كيا الحسيني، 1385). يعتقد بعض الباحثين أن عدم تعلق الزكاة بالنقود الحالية يمكن تعويضه من خلال خمس أرباح المكاسب، وهو أمر مقبول في فقه الشيعة. (مرتضوي لنگرودي، 1376، ص 4). يجب الانتباه إلى أن خمس أرباح المكاسب – وهو نوع من ضريبة الدخل – يختلف في طبيعته عن زكاة النقدين – وهي نوع من ضريبة الثروة. ضريبة الثروة تُؤخذ من تراكم إيرادات الفترات السابقة، وعلى عكس ضريبة الدخل، تتكرر في فترات زمنية معينة طالما أن مقدار الأصول أعلى من حد النصاب. أظهرت الدراسات أن ضريبة الدخل لا تستطيع حل مسألة تفاوت الثروة في الاقتصاد. رفع الفقر وتقليل التفاوت هو أحد مقاصد وأهداف الإسلام الاقتصادية. (الحشر: 7) والذي يشكل جزءاً هاماً من مصادره الموارد الناتجة عن الزكاة على النقود. مراعاة مقاصد الشريعة في الطبقة الثالثة من معايير الانسجام تؤيد أيضاً وجوب الزكاة على النقود في النقود الاعتبارية.

الخلاصة

إن غياب المعايير والمحكات الكافية في تقييم الاستنباطات الفقهية من النصوص الشرعية يمكن أن يؤدي إلى نشوء الإبهام والإجمال والاستنباطات غير الصحيحة من الأدلة النقلية. هذا الموضوع في المجتمع الإسلامي، حيث تجاوز علم الفقه دائرة التكاليف الفردية ولعب دورًا رئيسيًا في تصميم النظم الاجتماعية، يمكن أن يكون له آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة النطاق. ولهذا السبب، فإن تنقيح وضبط أساليب الاستنباط الفقهي (مع مراعاة وظائف وآثار الأحكام المستنبطة) للوصول إلى نموذج اقتصادي وسياسي واجتماعي مرغوب فيه هو أمر لا مفر منه. بناءً على ذلك، تم تقديم المعايير الثلاثة: 1. الانسجام في طبقة مدلولات الألفاظ، 2. الانسجام المنطقي بين أجزاء منظومة القضايا، و 3. الانسجام الوظيفي بين وظيفة مجموعة الأجزاء والأهداف الكلية للمنظومة، كثلاثة معايير لتقييم صحة الحكم المستنبط من النصوص، والتي تقع في تسلسل مع بعضها البعض. من الطبيعي أن قبول هذه المعايير وتطبيقها في عملية الاستنباط يتطلب إتقان الفقيه لعلوم أخرى ذات صلة حتى يتمكن من تقديم تحليل واقعي من الناحية الوظيفية لآثار ووظائف كل حكم مستنبط.

قائمة المصادر

1. ابن عاشور، محمد الطاهر (1427هـ)، مقاصد الشريعة الإسلامية، القاهرة – مصر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة.
2. إسلامي، رضا (1384)، مدخل علم الفقه، قم: بوستان كتاب.
3. الأنصاري (الشيخ الأنصاري)، مرتضى (1415هـ)، كتاب المكاسب، قم: المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري.
4. أيازي، سيد محمد علي (1389)، ملاكات الأحكام وشيوه هاي استكشاف آن، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
5. البجنوردي، سيد ميرزا حسن (1419هـ)، القواعد الفقهية، قم: نشر الهادي.
6. جعفري، محمد تقي (1376، خريف وشتاء)، «مسائل مستحدثة زكات»، مجلة فقه أهل البيت (ع)، ص 131-142.
7. حائري، سيد كاظم (1378، خريف وشتاء)، «بررسي فقهي اوراق نقدي»، مجلة فقه أهل البيت (ع)، ص 25-77.
8. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ)، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
9. الحكيم، سيد محسن (1410هـ)، منهاج الصالحين (محشى)، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
10. الخميني (الإمام الخميني)، سيد روح الله (1424هـ)، توضيح المسائل (محشى)، ج2، قم: منشورات إسلامي التابعة لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.
11. __________ (1421هـ)، كتاب البيع، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
12. الريسوني، أحمد (2014)، مقاصد المقاصد، بيروت – لبنان: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
13. الزحيلي، وهبة (1405هـ)، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق: دار الفكر.
14. السبحاني، جعفر (1424هـ)، الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
15. الشبيري الزنجاني، سيد موسى (1430هـ)، رسالة توضيح المسائل، قم: منشورات سلسبيل.
16. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1374)، ترجمة تفسير الميزان، قم: منشورات إسلامي التابعة لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.
17. الطوسي، محمد بن الحسن (1414هـ)، الأمالي، قم: دار الثقافة.
18. فنائي، أبو القاسم (1389)، أخلاق دين شناسي: پژوهشي در باب مباني أخلاقي و معرفت شناسانه فقه، طهران: نشر نگاه معاصر.
19. قائني، محمد (1385)، زكات پول هاي رايج و اشياي نوپيدا، قم: مركز فقهي ائمه اطهار (ع).
20. كاشف الغطاء، محمد حسين (د.ت)، سؤال وجواب، مؤسسة كاشف الغطاء.
21. الكليني (الشيخ الكليني)، محمد بن يعقوب (1407هـ)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
22. كيا الحسيني، سيد ضياء الدين (1385)، «نقش زكات و خمس در فقرزدايي و مقايسه آن با درآمدهاي مالياتي ايران، مطالعه موردي 79 – 1370»، پژوهش نامه ماليات، العدد 2.
23. جيزل، سيلفيو (1383)، اقتصاد طبيعي از راه زمين آزاد و پول آزاد، المترجم: سيد إبراهيم بيضائي، طهران: منشورات سمت.
24. اللاري، سيد عبد الحسين (1418هـ)، التعليقة على المكاسب، قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
25. المرتضوي اللنكرودي، سيد محمد حسن (1376، صيف)، «مسائل مستحدثه زكات»، مجلة فقه أهل البيت (ع)، ص 5-10.
26. المظفر، محمد رضا (1375)، أصول الفقه، قم: منشورات إسماعيليان.
27. معرفت، محمد هادي (1376، صيف)، «مسائل مستحدثه زكات»، مجلة فقه أهل البيت (ع)، ص 17-25.
28. مغنية، محمد جواد (1421هـ)، فقه الإمام الصادق (ع)، قم: مؤسسة أنصاريان.
29. المنتظري، حسين علي (1409هـ)، كتاب الزكاة، قم: المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
30. مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي (1387)، فرهنگ فقه مطابق مذهب أهل بيت (ع)، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
31. النائيني، محمد حسين (1413هـ)، المكاسب والبيع، قم: منشورات إسلامي التابعة لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.
32. نقيبي، سيد أبو القاسم (1396)، «مقاصد شريعت وجايگاه آن در استنباط حكم شرعي»، پژوهش هاي فقهي، الدورة 13، العدد 2، ص 223-242.
33. هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (1428هـ)، المعايير الشرعية، البحرين: هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
34. Abu Sa’ud, Mahmud. 2002. “Money, interest and qirad.” IIUM Journal of Economics and Management 10 (1): 67 – 98

الهوامش

1. سيأتي شرح تفصيلي لهذه المعايير في المستقبل.

2. أي أن النصوص الدالة على المقاصد لا يمكن أن تكون دليلاً على الحكم الشرعي الواقعي؛ لكن الانتباه إلى المقاصد ضروري في فهم أدلة الأحكام (النصوص المبينة للشريعة).

3. على سبيل المثال، التمسك بإطلاق روايات الاستصحاب لإثبات الاستصحاب الكلي.

4. مثل تعريف عقد البيع الذي بُني على تعريفه اللغوي.

5. على سبيل المثال، في هذه المقاربة الفقهية، تُقبل النصوص الدالة على علل الشرائع في توسيع وتضييق الأحكام من باب حجية الظهور – الذي هو من الأصول اللفظية. (المظفر، 1375، ج2، ص 200).

6. على سبيل المثال، انظر: الشيخ الأنصاري، 1416هـ، ج2، ص 749، خاتمة في التعادل والتراجيح.

7. على سبيل المثال، يقول الإمام الخميني حول جواز بيع المصحف للكافر: «والقول: بلزوم حفظ القرآن وسائر المقدسات عن الوصول إليهم، خلاف مذاق الشارع الأقدس؛ من لزوم تبليغ الإسلام، وبسط أحكامه…» (الخميني، 1421هـ، ج2، ص 726).

8. على سبيل المثال، البجنوردي بإلغاء الخصوصية من الروايات التي تسمح للدائن بأخذ عين أمواله إذا وجدها عند المدين المفلس، يعتقد أن المؤجر يمكنه فسخ عقد إجارة المستأجر المفلس؛ لأن بقية المنافع هي عين أموال المؤجر. (البجنوردي، 1419هـ، ج7، ص 98).

9. على سبيل المثال، الإمام الخميني، استنادًا إلى مناسبة الحكم والموضوع، يعتقد أنه يُفهم من عبارة «فإذا دخل السوق، وعلم أنه مغبون، فله الخيار» أن ثبوت الخيار كان بسبب الغبن؛ لا بسبب العلم بالغبن. (الخميني، 1421هـ، ج4، ص 456).

10. على سبيل المثال، استثنى السيد عبد الحسين اللاري، استنادًا إلى العقل، جواز التقية في الحالات التي تؤدي إلى نقض غرض الشارع الحكيم. (اللاري، 1418هـ، ج1، ص 275).

11. على سبيل المثال، اعتبر آية الله السبحاني جواز دفع الزكاة للغارم (الذي أصبح مديونًا بسبب معصية) من باب الفقر وليس من باب الغرم، ممنوعًا لأنه يسبب لغوية في تشريع الدفع للغارم. (السبحاني، 1424هـ، ج2، ص 143).

12. على سبيل المثال، استنبط النائيني من استثناء بعض الموارد، مثل الدم، والعذرة، والكلب، من عمومات أدلة التجارة، قاعدة بعنوان «عدم جواز المعاملة على ما لا مالية له». (النائيني، 1413هـ، ج1، ص 35).

13. على سبيل المثال، يعتبر الشيخ الأنصاري التصرفات غير المنافية لملك المشتري من قبل المالك في البيع الفضولي نوعًا من الفسخ الفعلي، ويستدل بأنه عندما يمكن للتصرفات الفعلية أن تفسخ عقدًا ثابتًا ومؤثرًا بالفعل؛ فمن باب أولى أنها تفسخ عقدًا متزلزلًا من حيث الثبوت. (الشيخ الأنصاري، 1415هـ، ج3، ص 480).

14. على سبيل المثال، يصرح محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1373هـ) في كتاب «سؤال وجواب» بأن جميع أحكام النقدين – بما في ذلك وجوب الزكاة – تسري على الأوراق النقدية الحالية أيضًا. (كاشف الغطاء، د.ت، ص 152). كما أن الشهيد الصدر في حاشيته على كتاب «منهاج الصالحين» حول تفسير النقدين بالعملات الذهبية والفضية – كموضوع للزكاة على النقدين – قد تردد وطرح احتمال أن تكون الأوراق النقدية الحالية أيضًا محلاً للزكاة. (الحكيم، 1410هـ، ج1، ص 420). كما أن الشبيري الزنجاني في المسألة 1908 من رسالة «توضيح المسائل»، اعتبر دفع زكاة الأوراق النقدية الحالية، على الاحتياط الواجب، لازمًا إذا توفرت فيها شروط النصاب ووجوب الزكاة. (الشبيري الزنجاني، 1430هـ، ص 393).

Scroll to Top