قاعدة الواحد وإثبات وحدة موضوع علم الأصول

ملخص

إن تحديد مسائل العلوم مبنيٌّ على تمايزها بعضها عن بعض. ويُعد التمايز بحسب الموضوع أحد معايير تمايز العلوم. وفي علم الأصول، جرى التمسك بقاعدة الواحد، وهي قاعدة فلسفية، لإثبات وحدة الموضوع وضرورتها. في هذا المقال، قمنا بدراسة هذا الاستناد بمنهج تحليلي، وأوضحنا أولاً أن هذه القاعدة في موطنها الأصلي، أي الفلسفة، في مقام التصور المفهومي وتعيين المصداق، هي محل تأمل وترديد وإشكال. وثانياً، على فرض القبول بها، فإنها مبنية على العلية ومرتبطة بالوحدة العينية والخارجية، والتمسك بها في إثبات وحدة موضوع علم الأصول -باعتباره مجموعة اعتبارية تفتقر إلى العينية والخارجية- ليس صحيحاً. وثالثاً، إن ما ورد في بعض التوجيهات لحل الإشكال عن طريق ارتباط الاعتباريات بعالم التكوين ارتباطاً حقيقياً، هو قياس مع الفارق وخروج عن محل النزاع، ولا يرفع الإشكال.

مقدمة

تشترك العلوم الإسلامية، بالإضافة إلى وحدتها في المنشأ والمصدر، في هذه النقطة أيضاً، وهي أنها تدّعي معرفة المعارف الدينية الحقة وكشفها واستنباطها وتبيينها وإثباتها والدفاع عنها. ومن جهة أخرى، فإن استخدام العلوم المختلفة واستمدادها من بعضها البعض في المبادئ التصورية والتصديقية والأصول الموضوعة أمر شائع ومقبول؛ كما أن نقل البرهان والاستدلال القوي من علم إلى علم آخر أمر مطلوب ومستحسن. إن حوار العلوم وتضارب الآراء في هذا المجال يوفر أرضية للنمو والازدهار وتحصيل ثمرات جديدة ومباركة. ويحتضن علم الأصول، بما يتناسب مع رسالته الواسعة، محاور متنوعة من قواعد معرفة النص وقوانين الاستنباط إلى العوارض الذاتية للحكم والأدلة والحكم في صحتها وسقمها.1 لقد جمعها في ذاته، وهذا التنوع في المحتوى قد دفع هذا العلم نحو استخدام أساليب متنوعة، بحيث استُخدمت البراهين العقلية والأدلة النقلية والشواهد العرفية والقرائن الأدبية جميعها في إثبات المطلوب الأصولي.

إن هذا السعي والشوق لإحكام المسائل والمدعيات قد أغرى بعض الأصوليين باستقدام القواعد العقلية والفلسفية. إن استعمال هذه القواعد في موضعها المناسب وفي سياق متسانخ يساعد على انسجام واستحكام المباني والأدلة، ولكن الوجه المفرط في هذا الاشتياق، دون الالتفات إلى مسقط رأس المسائل ومحط الأدلة وموطن القواعد، يؤدي إلى «التفلسف» وخلط مسائل الأصول والفلسفة في مقام الفهم والتطبيق، ويُعد مصداقاً للاستعمال في غير ما وُضع له والإسناد إلى غير ما هو له.

قاعدة الواحد هي قاعدة فلسفية استُخدمت بعد دخولها إلى أصول الفقه في مسائل متعددة. ولا شك أن نقد هذه الموارد وبحثها وتحليل مصاديقها سيساعد على تمحيص المسائل الأصولية وتنقيتها من المطالب الاستطرادية والانتقائية. في هذا البحث، وضعنا استخدام قاعدة الواحد في إثبات وحدة موضوع الأصول على محك التقييم والتمحيص، وبيّنا عدم تناسب هذه القاعدة وكفاءتها في هذا الموطن.

خلفية البحث

كما أُشير إليه، فإن المنهج الاستدلالي والعقلي في الأصول، وتشابه بعض المسائل وتقاربها، والمشابهة في المنهج، والولع باليقين والبرهان، وإعمال أذواق بعض المؤلفين، وعوامل أخرى من هذا القبيل، قد فتحت الباب أمام بعض القواعد الفلسفية لدخول علم الأصول، والتي يجب اعتبارها كمالاً لكلا العلمين في وجهها المعتدل والمشروط بحفظ وحدة الموطن. ومن هذه القواعد قاعدة الواحد؛ وهي من القواعد الفلسفية القديمة التي يعود تاريخ محتواها المكتوب إلى أولى عصور الفكر البشري. يُنقل عن ديمقريطس أنه لا ينبغي أن يصدر اثنان عن واحد، كما لا يتكون اثنان من واحد. وقد أورد الفلاسفة الإيليون مثل زينون كلاماً بهذا المضمون، وبحث أفلوطين في «أثولوجيا» في هذا المجال. وقد تطورت هذه القاعدة كغيرها من المباحث الفكرية، وفي مسارها التاريخي عبرت إلى رحاب الفكر الإسلامي. دافع عنها الكندي في رسالة له، ونسبها الفارابي إلى أرسطو استناداً إلى قول زينون، ونسبها ابن رشد إلى عامة القدماء: «هذه القاعدة قضية اتفق عليها جميع القدماء في تحرّيهم عن المبدأ الأول للعالم» (ابن رشد، 1993، ص 244).

لقد ساعد التقليد العقلي الإسلامي على برهنة أبعادها المختلفة وتبيينها، والاستفادة من نتائجها ولوازمها وتطبيقها في موارد متعددة (ميري، 1389ش، ص 34). وقد استُند إلى هذه القاعدة وتمسك بها في موارد كثيرة من أبواب الفلسفة والرياضيات والطبيعيات وحتى العلوم الاعتبارية (ميري، 1389ش، ص 36). ومن جملة هذه الموارد دخولها إلى علم الأصول، حيث استُعملت في مسائل متعددة كالوجوب التخييري، ووضع المركبات، والصحيح والأعم، وتعدد الشرط والجزاء، ومفهوم الجملة الشرطية، ووجود الطبيعة، وتداخل الأسباب والمسببات، ومفهوم الوصف، وتحليل الملاقي وأطرافه وغيرها. ومن مواضع تطبيقها، الاستفادة منها في إثبات وحدة موضوع العلم، وهو موضوع بحثنا هذا. وقد بُحث دور هذه القاعدة بشكل عام وخاص ضمن القواعد العقلية والفلسفية في بعض الكتب والمقالات (لاريجاني، 1393ش؛ سيدان، 1390ش؛ الصدر، 1417هـ؛ معصومي، 1424هـ؛ مكارم، 1428هـ؛ قانصوه، 1418هـ؛ ميري، 1389ش).

تقرير إجمالي

قُرِّرت قاعدة الواحد في مسارها التاريخي المذكور بأنحاء متعددة. وفي بيان بسيط مصحوب بتوضيح لبعض المفاهيم والمبادئ التصورية كالبساطة والوحدة والصدور، يمكن تقريرها كما يلي:

1. مبدأ الصدور، طبقاً للفرض في القاعدة، هو حقيقة عينية خارجية وواحد محض، أي بسيط من جميع الجهات. إن تصور نوع هذه الوحدة في فهم المقدمات ومجموعة الاستدلال أمر بالغ الأهمية. مرادهم من هذه الوحدة هو الوحدة المحضة والبسيطة التي لا يمكن فيها فرض أي كثرة. فالمبدأ المفروض في القاعدة هو أمر عيني ذو وحدة مطلقة وبساطة محضة.

2. علاقة العلية هي علاقة عينية حقيقية وجودية وخاصة، تنحصر بشكل فريد بين كل علة ومعلولها؛ أي أن بين كل علة ومعلول توجد علاقة عينية خاصة ومنحصرة، لا تتحقق بين أي علة ومعلول آخر في عالم الواقع. وقد نبّه الحكماء، من خلال التمييز بين الروابط والإضافات المفهومية والاعتبارية، إلى أن هذه العلاقة العينية تخلق في العلة والمعلول جهة لا تقبل الانطباق على أي علاقة أخرى؛ بحيث لو كان للعلة معلول ثانٍ، لكانت الجهة الحاصلة مع ذلك المعلول الثاني مغايرة للجهة الحاصلة مع المعلول الأول.

3. الآن، وبناءً على المقدمات السابقة، إذا صدر معلولان عن ذلك الواحد المحض المفروض، فسيُتصوَّر في البسيط المحض جهتان حقيقيتان وعينيتان، وهذا لا ينسجم مع بساطته. فلا محالة يجب أن يكون المعلول واحداً، لا كثير. والنتيجة هي أن «الواحد لا يصدر منه إلا الواحد» (الطباطبائي، 1386ش، ص 182؛ السبزواري، 1379ش، ج2، ص 447؛ صدر المتألهين الشيرازي، 1981م، ج7، ص 263؛ الفيض الكاشاني، 1375ش، ص 11؛ الرازي، 1404هـ، ج2، ص 75 وج2، ص 69؛ السهروردي، 1375ش، ج4، ص 64؛ ابن سينا، 1404هـ، ص 182). وبناءً على التفسير الأدنى لهذه القاعدة، يجب أن يصدر عن واجب الوجود، الذي هو واحد من جميع الجهات، موجود واحد فقط (ابن سينا، 1403هـ، ج3، ص 122؛ ملا صدرا، 1981م، ج2، ص 204-205؛ اللاهيجي، 1383ش، ص 17؛ الآشتياني، 1377ش، ص 42).

ورغم أن القاعدة تُقرَّر عموماً بناءً على هذه الوحدة الحقيقية وفيما يتعلق بواجب الوجود، إلا أنها بالإضافة إلى جريانها في الوحدة الحقيقية، تجري أيضاً في العلل الوجودية ذات الوحدة السنخية والنوعية: «هذه القاعدة بالإضافة إلى الوحدة الشخصية تشمل الواحد النوعي أيضاً، فلو افترضنا أن نوعاً من العلل الوجودية له أفراد متعددة، وجميعها تمتلك سنخاً واحداً من الكمالات الوجودية، فبطبيعة الحال ستكون معلولاتها أيضاً من نوع واحد» (مصباح يزدي، 1386ش، ج2، ص 72).

هذه المقدمات نفسها تجري في عكس القاعدة، أي «الواحد لا يصدر إلا من الواحد». فإذا كان لدينا معلول وأثر عيني وحقيقي وواحد، فلا بد أن يكون مبدأ الأثر وعلته ذا وحدة من سنخ معلوله أيضاً (السبزواري، 1379ش، ج2، ص 53؛ 1373ش، ص 150؛ و1360ش، ص 545). لقد استُخدم أصل هذه القاعدة وعكسها في علم أصول الفقه في موارد متعددة، وهو ما سنتناوله لاحقاً.

الاستناد في علم الأصول

استخدم علم الأصول قاعدة الواحد في موارد مختلفة. ففي مسألة الوجوب التخييري، يُتصور غرض واحد للمولى، وبناءً على قاعدة الواحد، يُصوَّر جامع بين الفعلين كعلة واحدة (السبحاني، 1424هـ، ج2، ص 114). وفي وضع المركبات، يُعتبر مفاد ومعنى الواحد معلولاً للوضع، وبما أن صدور معاليل متعددة من علة واحدة غير ممكن، فقد نُفي تحقق وضع مستقل لأجزاء المركب. وفي مسألة الصحيح والأعم، ولأن العبادات لها أثر، والأثر الواحد طبقاً لقاعدة الواحد يستند إلى علة واحدة، حُكم بصحة ادعاء الجامع للصحيحي؛ كما في تعدد الشرط والجزاء، حيث عُدّ كلا الشرطين علتين ناقصتين ليصبحا معاً، بحكم القاعدة، علة واحدة لمعلول واحد (الصدر، 1417هـ، ج6، ص 250؛ قانصوه، 1418هـ، ج1، ص 503؛ الطباطبائي القمي، 1371ش، ج1، ص 220؛ الحيدري، 1412هـ، ص 48). كما استُخدمت القاعدة في استخلاص المفهوم من الجمل الشرطية، ونحو وجود الطبيعة، وتداخل الأسباب والمسببات، ومفهوم الوصف، وتحليل الملاقي والأطراف.

ومن جملة موارد الاستناد والاستفادة من هذه القاعدة إثبات ضرورة ووحدة الموضوع للعلم. ففي نظر المشهور، لا يمكن بناء الهيكل العام ومسائل علم ما من دون إثبات موضوع واحد. لذا، لا بد في كل علم من جامع ليكون محور انسجام مسائله.

وقد اختلف أهل العلوم في ماهية ذلك الجامع: ففريق اعتبر الجامع المفهومي والانتزاعي كافياً، وفريق آخر دافع عن ضرورة الجامع الماهوي؛ والبعض استفاد من تعدد حيثيات الموضوع الواحد لعلوم مختلفة أو من التشابه بين المسائل، وفريق آخر اعتبر وحدة المحمول، أو الغاية، أو المنهج، أو الأداة… هي ما يؤمن انسجام المسائل (الخوئي، 1417هـ، ج1، ص 31).

وفي غضون ذلك، فإن القول بوحدة الموضوع كمعيار لتمايز العلوم هو الأكثر شهرة. فأساس تدوين العلم ومحوره هو موضوع كل علم. لكل علم موضوع معين يُعتبر جامعاً بين موضوعات مسائل ذلك العلم. مسائل العلم، ونسبتها، وغاياتها، وحتى محمولاتها، تستند إلى محور الموضوع، وبشرط «اللا بشرطية» عن الموضوع، لا يمكنها تأمين وحدة المسائل. المحمول عارض على الموضوع، والموضوع متقدم رتبةً على العارض. فلا يمكن اعتبار الجامع بين المحمولات معياراً. وكذلك النسبة متأخرة عن الموضوع والمحمول كليهما. فالموضوع متقدم على النسبة أيضاً؛ بالإضافة إلى أن النسب معانٍ حرفية وليس لها تصور خارج الموضوع والمحمول. لذا، لا بد من جعل الموضوع محور اتحاد المسائل؛ كما أنه من الأفضل أن يكون الموضوع جامعاً ماهوياً، لأن الجامع الانتزاعي متوقف على معرفة المسائل، وجمع المسائل متوقف على معرفة الجامع، وهذا يستلزم الدور (الحيدري، 1412هـ، ص 48).

من أشهر الأدلة على إثبات ضرورة ووحدة الموضوع في العلوم، ومنها علم الأصول، قاعدة الواحد التي تثبت كلاً من أصل حاجة العلم إلى موضوع واعتبار وحدة الموضوع. وقد استُند في الأصول إلى تلك القاعدة لتحقيق هذا الغرض. وتقرير خلاصة هذا التمسك هو كالتالي: لكل علم غرض واحد، وغرض علم الأصول هو التمكن من استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية التفصيلية. ومجموعة مسائل علم الأصول هي علة تحقق وإيجاد هذا الغرض. وهذا الغرض أمر واحد وبسيط يصدر عن تلك المسائل ويُعتبر أثراً لها. ويُقال: «لإثبات وجود موضوع واحد عن طريق وحدة الغرض، استُدل به، من حيث إنه بناءً على قاعدة الواحد، تكون وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثر» (الموسوي الجزائري، 1430هـ، ص 38).

إذن، بناءً على قاعدة الواحد «الواحد لا يصدر إلا من الواحد»، ندّعي أن الشيء الواحد والأثر الواحد لا بد أن يصدر من أمر واحد وعلة واحدة. والأشياء المختلفة التي لا تشترك في جهة، لا يمكن أن يكون لها أثر واحد، كما أن الآثار المتباينة والمختلفة لا يمكن أن ترتبط بعلة واحدة. فبين كل علة ومعلول علاقة خاصة قائمة، ترتبط بحقيقة العلة وحقيقة المعلول وتتحد معها. إن تحقق علاقتين وجوديتين مع أمر واحد يزيل وحدته، خلافاً للفرض، ويستلزم اجتماع الكثرة في الوحدة وتحقق التناقض. وقد سعى الأصوليون في هذا الموضع ومن هذا الطريق لإثبات ضرورة وحدة علم الأصول: «بناءً على هذا، يجب أن يكون موضوع العلم واحداً ووحيداً» (المعصومي الشاهرودي، 1424هـ، ص 37).

علم الأصول عبارة عن مجموعة مسائل هذا العلم. ومسائل العلم بمنزلة علل ينشأ عنها غرض العلم. وبما أن الغرض، أي المعلول، واحد، فطبقاً لقاعدة الواحد، يجب أن توجد في هذه المسائل أيضاً جهة وحدوية تكون مصححة لحصول ذلك الغرض الواحد وصدور المعلول الواحد من العلة الواحدة (الخميني، 1376ش، ج1، ص 34؛ ج1، ص 35). ومن البديهي أن مجرد الوحدة الاعتبارية والمفهومية الموجودة في عنوان مجموعة المسائل لا تكفي لتأمين هذا المقصد، لأن مثل هذا الاعتبار الواحد يمكن ملاحظته أيضاً في مسائل عدة علوم متشابهة: «علم الأصول عبارة عن مجموعة مركبة اعتبارية تكونت من قضايا متعددة» (السبحاني، 1424هـ، ج1، ص 24).

التشكيك الفلسفي

على الرغم من أن التعبير الظاهري لهذه القاعدة يُعتبر مقبولاً لدى المفكرين المسلمين في أجواء المباحث الشائعة، إلا أنه لا يوجد اتفاق أو إجماع نظري يمكن الاعتماد عليه في الاستناد إليها. فهذه القاعدة محل تأمل وشك، سواء في أصل تقريرها والفرض الذي تطرحه، أو في ارتباطها المصداقي بالواقع الخارجي (صدر المتألهين الشيرازي، 1981م، ج7، ص 211).

كانت هذه القاعدة، من حيث المحتوى والمدعى، على مر تاريخ الفلسفة ومنذ نشأتها حتى اليوم، محلاً للنقاش والحوار والجدل، ولا تتمتع بذلك القدر من القطعية والجزم الذي يمكن التمسك به باطمئنان. فقد وُجد نقاش ونزاع حول هذه القاعدة، ومبانيها، ومقدماتها، وقوة تصورها، ومداها الإثباتي، ونطاق تطبيقها، وشمولها المصداقي، وأبعادها الأخرى، سواء بين الفلاسفة أنفسهم أو بين مخالفي الحكمة، في العصور القديمة والحديثة. ويُلاحظ الدفاع والتأييد والرد والإنكار بشكل واسع في هذا الشأن. ففي كلمات الكثيرين، تُصوَّر على أنها مسلّمة، ويسعى البعض لشرحها والدفاع عنها والاستدلال عليها، ويدّعون بداهتها، ومن جهة أخرى، شهدت أشد المواجهات. لذا، فإن نطاق وجهات النظر حول هذه القاعدة يمتد من ادعاء البداهة والفطرية (ميرداماد، 1367ش، ص 351) ونقل الإجماع (الرازي، 1404هـ، ج2، ص 75) إلى الدلالة على جنون قائلها وسوء مزاجه (الغزالي، 1382ش، ص 132).

شكك الخواجة نصير الدين الطوسي في تحقق الاعتبارات والحيثيات المأخوذة في العقل حقيقةً ومنشئيتها للكثرة (إبراهيمي ديناني، 1380ش، ج2، ص 626). وأورد الكاتبي القزويني إشكالات على القاعدة كانت محط بحث ونقاش في الأوساط العلمية الفلسفية (الكاتبي، 1353ش، ص 694). ولم يقبل مشاهير العرفاء المعنى الفلسفي للقاعدة، وقدموا تقريراً جديداً لها بإجراء تحول جذري في مفهومي الصدور والعلية (ابن عربي، ج2، ص 434؛ ج3، ص 355). وقد نقدها السيد حيدر الآملي وعدّها موجبة للتعطيل (الآملي، 1422هـ، ج5، ص 214). ومن بين المتكلمين الأشاعرة، خالف الإمام محمد الغزالي والإمام فخر الرازي هذه القاعدة بشدة وأكثر من غيرهم، وسعيا في إبطالها وجعلا منها وسيلة للهجوم والاعتراض على الفلاسفة (الرازي، 1404هـ، ج2، ص 70). وقد اعترض فخر الرازي على كلام الشيخ الرئيس واعتبره أوهن من نسيج العنكبوت (الرازي، 1404هـ، ج2، ص 79). وهاجم ابن سينا بشدة، لأنه كان يدعي فهم المنطق ووزن الأفكار، ووقع في هذا الباب في أخطاء تضحك الأطفال، وسخر منه (الرازي، 1411هـ، ج1، ص 466). ومن بين غير الحكماء أيضاً، خالف القاعدة ونقدها أناس من مشارب مختلفة وبدوافع وهموم متفاوتة؛ ومنهم العلامة المجلسي، والملا صالح المازندراني، والقاضي عضد الدين الإيجي، والأخباريون، وأهل الحديث، وأنصار مدرسة التفكيك (سيدان، 1390ش، ص 13). وفي العصر الحاضر أيضاً، كان أصل القاعدة ولوازمها ونتائجها محط تأمل، وتُطرح انتقادات مختلفة من قبل منكري هذه القاعدة (يثربي، 1391ش، ص 109؛ سيدان، 1390ش، ص 30). كما أن العارفين بالمعقول من بين علماء الأصول قد نبّهوا إلى بطلان أصل القاعدة وضعف الاستناد إليها في إثبات وحدة موضوع علم الأصول: «ولكن الحق والإنصاف أن هذا البرهان في أصله ليس خالياً من البطلان، وحتى مع غض الطرف عن هذا الإشكال المتعلق بالعلل الطبيعية. كما أن غرض علم الأصول يختلف من حيث الوحدة، فتارة يكون ذا وحدة شخصية، وتارة نوعية، بل حتى عنوانية، ومن الواضح أن أقسام الوحدة هذه لا تقع في سياق واحد بالنسبة للبرهان» (المعصومي، 1424هـ، ص 38).

إن الخوض في البحث التفصيلي حول أدلة الموافقين والمخالفين والحكم والبت في جزئيات هذا النزاع خارج عن موضوع بحثنا. وما يطرح كإشكال على الاستناد بهذه القاعدة في الأصول هو: كيف تمكن علماء الأصول، مع وجود هذا التزلزل الذي واجهته القاعدة في مسقط رأسها، أي الفلسفة، من أخذها من هذا العلم وتوظيفها في موطن آخر، دون الالتفات إلى عدم استقرارها، وبتعابير مثل: «بناءً على ما تقرر في المعقول من أن الواحد لا يصدر إلا من الواحد» (الأراكي، 1375ش، ج1، ص 47).

الخروج عن الموطن

بغض النظر عن التردد والتأمل في محتوى القاعدة، وعلى فرض تمامية مقدماتها وصحة القاعدة في فرضها الفلسفي، فإن لمجرى صدق هذه القاعدة في الفلسفة خصائص لا تتصف بها المسائل الأصولية، مثل إثبات وحدة الموضوع عن طريق ارتباط مسائل العلم بالغرض؛ لذا لا يمكن استخدام هذه القاعدة في المسائل الأصولية.

الاختصاص بالمبدأ

طُرحت قاعدة الواحد أولاً وبالذات في مسألة الخلق وصدور الموجودات عن الحق تعالى. فالموجودات، كما هو مشاهد، كثيرة ومختلفة ومتباينة. ومن جهة أخرى، فإن المبدأ في الإلهيات واحد. لذا طُرح هذا السؤال الجدي: كيف اتصلت هذه الكثرة اللامتناهية بذلك الواحد المحض وصدرت عنه؟ وكانت هناك إجابات متعددة لهذا السؤال، مثل التولد، والخلق، والصدور، والعلية، والفيضان، والظهور، والتجلي، والإشراق و… اعتقد الحكماء بناءً على قاعدة الواحد أنه من غير الممكن أن تصدر المخلوقات المتعددة مباشرة من الحق تعالى، بل المخلوق الأول هو موجود واحد جامع، والموجودات الأخرى صدرت عن المبدأ بواسطة المخلوق الأول الذي له وحدة مسانخة للمبدأ. ويعتقدون أن كثرة الموجودات قد حصلت تدريجياً وفي المراتب الدنيا، وليست متصلة بالمبدأ اتصالاً مباشراً.

وكما مر في تقرير القاعدة، فإن الوحدة المفروضة في هذه القاعدة تتعلق بالمبدأ الواجب الوجود والبسيط من جميع الجهات؛ وهي نوع من الوحدة المحضة التي لا يمكن تصور أو فرض أي كثرة فيها. ومن هذه الجهة، هي غريبة تماماً عن الوحدة الاعتبارية بين مسائل علم الأصول التي تؤدي إلى تحقق غرض واحد، بل هي في تضاد معها. إن التمسك بها في هذا الموضع نابع من الجهل والغفلة والخلط بين الوحدة العقلية والعرفية: «قول الحكماء إن الواحد لا يصدر إلا من الواحد لا علاقة له بهذه المسائل، بل المراد به البسيط من جميع الجهات» (الخميني، 1418هـ، ج1، ص 18). «إن التمسك بقاعدة الواحد في هذا المقام غفلة عن محتوى القاعدة، لأنه لو تمت القاعدة، فإن مجراها هو الواحد المحض البسيط من جميع الجهات الذي لا تركيب فيه ولا شائبة تركيب، لا الموضع الذي يسوده التركيب والاثنينية» (الخميني، 1423هـ، ج1، ص 504). «أما أن الواحد لا يصدر إلا من الواحد، فهو غريب عن هذا المقام، لأن مجرى تلك القاعدة هو الواحد البسيط من جميع الجهات، وما ثبت بالبرهان هو أن الواحد البسيط من جميع الجهات لا يصدر عنه إلا واحد. وكما أن مثل هذا الواحد البسيط لا يصدر إلا عن واحد. لذا، فهذه المسألة ناشئة عن الخلط بين المسائل العقلية والمسائل العرفية، بينما القاعدة تتعلق بالبسيط من جميع الجهات» (الخميني، 1418هـ، ج1، ص 35).

مع ذلك، كيف يمكن الاستفادة من هذه القاعدة في مسائل الأصول؟ بل كيف يمكن، مع الحفاظ على المعنى المعهود للوحدة، إيجاد مجرى للقاعدة في ما سوى الله؟ إن شبيهاً بهذا المعنى للوحدة يُفرض فقط في المخلوق الأول، ولو كان لهذه القاعدة أن تجري في موجود واحد، لكانت تجري في ناحية الصادر الأول؛ أي أن من المخلوق الأول أيضاً يصدر معلول واحد آخر، ونتيجة لذلك لن تتحقق الكثرة المشهودة في عالم الواقع أبداً. إن مسائل الأصول هي عالم الاعتبار وتعدد الحيثيات واختلاف الجهات، ونادراً ما يمكن تصور وحدة خالصة من شائبة الجهة والكثرة فيها. والوحدة الحاكمة على المجموعات الفرضية والاعتبارية، كالجامع الموضوعي أو المحمولي في مسائل العلم، هي وحدة ضعيفة وقريبة من الانعدام، تعتمد في انسجامها على اعتبار المعتبر، وتتفرق وتتغير بتغير جهات الاعتبار.

فالوحدة، مثل الوجود الحقيقي، مقولة بالتشكيك، وهذه الوحدة الاعتبارية يجب أن تُعتبر من أضعف مراتب الوحدة التشكيكية. وكما أن جعل عوارض الحكم أو عوارض الأدلة معياراً سيغير مسائل هذه المجموعة الاعتبارية.

إذن، لا يمكن قبول ادعاء تحقق مثل هذه الوحدة، لا في ناحية العلة أي جامع المسائل، ولا في ناحية المعلول أي غرض علم الأصول. كيف يمكن الادعاء بأن الغرض الحاصل في علم الأصول هو أمر واحد يسمى الاستطاعة على الاستنباط؟ ثم، عن طريق وحدة المحصول وبمساعدة قاعدة الواحد، يُستدل على وحدة العلة، أي وحدة موضوع العلم. إن المهارة في علم الأصول، كملكة علمية، تخلق خصائص متعددة في ذات العالم الأصولي وصفاته وأفعاله، كل منها يمكن أن يُعد غرضاً للعلم مرتبطاً بمسائله ومحصوله؛ وبالطبع، فإن أحدها هو الاستطاعة على الاستنباط. ولكن ترجيح هذا الأثر على سائر الآثار سيكون بلا مرجح وتحت تأثير نفس الاعتبار.

الانحصار في التكوين

إن ورود قاعدة الواحد إلى الأصول وتوظيفها في إثبات وحدة موضوع علم الأصول هو محل تأمل وشك من جهة أخرى أيضاً. فكما مر في تقرير القاعدة، فإن قاعدة الواحد، على فرض تماميتها، مرتبطة بالأمور العينية والتكوينية والخارجية. وهذه القاعدة تقرير خاص للعلية. والعلية والتأثير أمر عيني وخارجي. العلية علاقة عينية وحقيقية ووجودية، تقوم، على فرض ثبوتها، بين العلة والمعلول في العالم الخارجي. وهذا الارتباط والتأثير العيني يُحكى عنه بالمعاني والمفاهيم الذهنية، ولكن الارتباط العلي بين المعاني والمفاهيم والماهيات الذهنية التي هي حاكية عن الخارج لا يقوم.

من هذه الجهة، فإن حقيقة العلة والمعلول والعلاقة الوجودية بينهما هي من سنخ الوجود. نحن بمفهوم العلة والمعلول والعلية نحكي عن تلك الحقيقة، وموطن هذه المفاهيم، كسائر المفاهيم والمعاني، هو عالم الذهن الذي يقابل عالم العين والخارج. الأمور الذهنية، والماهيات الحقيقية والاعتبارية، والمجعولات العقدية، على الرغم من الروابط المعنوية والمفهومية كالاشتراك والترادف والتداعي والتشابه وغيرها مما يُتصور بينها، فهي خالية من الارتباط أو الاتحاد العيني كالعلية والتأثير والتأثر الذي هو خاص بالوجود. لا توجد علاقة تكوينية بين الماهيات الأولية والمجموعات الاعتبارية، ومن هذه الجهة، فإن جعل المسائل علة للغرض لا يبدو صحيحاً: «الصدور والإصدار والمصدرية في الماهيات والعناوين الكلية والاعتبارية لا معنى لها أساساً. العلية والصدور باب آخر، والماهية لا تصدر عن شيء» (الخميني، 1376ش، ج1، ص 34). «لا وجود لعلاقة حقيقية وعينية وتأثيرية وتوليدية في الاعتباريات» (العلامة الطباطبائي، 1380ش، ص 289).

بالطبع، في التصور الأولي، قد يُسري الذهن باستباقه تلك العلاقة الحقيقية والوجودية، أي التأثير والتأثر، من العالم العيني والخارجي إلى المفاهيم الحاكية الذهنية، وتجري العلية في موطن المفاهيم الذهنية. ولكن يجب أن نعلم أنه بدون ذلك الاتحاد الحقيقي والارتباط الوجودي بين العلة والمعلول في العالم الخارجي، فإن المفاهيم في حد ذاتها تعيش في تباين تام وغربة تامة. في ظرف الذهن وعالم المفهوم والحكاية، حتى أشد المفاهيم ارتباطاً، لا علاقة علّية بينها. فبغض النظر عن الخارج، لا توجد علاقة حقيقية بين مفهوم النار والحرارة أو الماء والطراوة. الحمل والإسناد أو الوصف والإضافة في المفاهيم يتم بفضل ذلك الاتحاد الحقيقي الخارجي، ففي القضايا، يقوم الارتباط بين الموضوع والمحمول في الخارج، وهذه النسبة الوجودية هي التي تصحح الحمل والإسناد الذهني.

مع ذلك، نرى أنه في إثبات وحدة موضوع العلم، يُتمسك بتحقق علاقة العلية بين مجموعة المسائل وغرض العلم؛ بهذا البيان أن الغرض الحاصل من العلم واحد، وبناءً على قاعدة الواحد، فإن هذا الغرض الواحد له بالضرورة علة واحدة. إذن، وجود جامع واحد بين مسائل العلم، يكون علة لهذا الغرض، لازم وضروري. وبهذا البيان، ثبتت في الأصول ضرورة الموضوع ووحدته أيضاً.

إن معنى العلم في محل النزاع هو نفس المجموعة الاعتبارية لمسائل العلم، وظرف تحققها هو عالم الذهن والفكر. وإثبات الموضوع للعلم يجب أن يتم تبعاً لذلك في هذه المجموعة من المسائل. ولو لم يُلحظ هذا الظرف الاعتباري الذهني، لما تحقق العلم بهذا المعنى. فلا ينبغي الخلط بين هذا الاصطلاح للعلم وملكة العلم التي هي صفة عينية ووجودية. فالعلم بمعنى ملكة العلم يتحد مع وجود العالم العيني في نفس العالم. وهو أمر بسيط وإجمالي ومتقدم على مرتبة التفصيل الذهني. ومن الطبيعي أنه في ذلك الموطن لا مجال للحديث عن المسائل والموضوع والمحمول والعلاقة والنسبة وغيرها.

من جهة أخرى، فإن غرض العلم، على فرض وحدته، يجب أن يكون معلولاً لنفس هذه المجموعة من المسائل المسماة بالعلم. فسواء كان الغرض واحداً أم متعدداً، وسواء كان من الأمور الاعتبارية والذهنية أم من الأمور العينية والحقيقية، فإن أحد طرفي هذه العلاقة هو العلم بمعنى مجموعة المسائل، وهو أمر اعتباري وذهني. ومحل الإشكال هو تحقق علاقة العلية بين الأمور الاعتبارية أو بين أمر اعتباري وحقيقة عينية خارجية، وهو ما يتنافى، كما قلنا، مع حقيقة العلية والتأثير وروح قاعدة الواحد. لذا، فإن هذه الجملة، التي هي من أركان نظرية الاعتباريات للعلامة، تبدو صحيحة تماماً: «لا وجود لعلاقة حقيقية وعينية وتأثيرية وتوليدية في الاعتباريات» (العلامة الطباطبائي، 1380ش، ص 289). و «من هنا يتضح أن عدم التمييز والتفريق بين الاعتباريات والحقائق هو أمر خطير وضار للغاية من الناحية المنطقية» (مطهري، 1360ش، ج6، ص 401).

قد يدّعي البعض، بخلط بين ارتباط الاعتبار بالتكوين، وهو ما يعتقده ويدافع عنه العلامة، وإنكار العلية بين الاعتباريات الذي بيّناه هنا، وجود ارتباط علّي وتوليدي بين الاعتبارات والحقائق الخارجية، وينكرون ويؤولون هذا الركن من رؤية العلامة: «توجد علاقة توليدية بين المفاهيم الشرعية (الفقه) التي يقال إنها من الاعتباريات، وبين الأمور التكوينية والحقيقية. لا شك أن المفاهيم الشرعية كالوجوب والحرمة هي من زمرة الاعتباريات الشرعية، لأن الوجوب مفهوم اعتباري يُحمل على الصلاة، وعلامته أن وجوب الصلاة هو نتاج إنشاءات الشارع. والآن، السؤال هو: إذا كانت هذه العناوين اعتبارية وخالية من الحقيقة، فكيف تترتب عليها آثار تكوينية وحقيقية في الآيات والروايات الصادرة عن الأئمة الكبار، مثل التقرب إلى الحق تعالى، وارتفاع الحجاب بين الحق والخلق، وغيرها؟» (سميعي، 1395ش، ص 95).

ولكن هذا الزعم لا يبدو صحيحاً؛ فكما أن التعبير نفسه في الفقرة الثانية يبطل ادعاء الفقرات الأولى. كان الادعاء أن علاقة توليدية تقوم بين الوجوب والحرمة كأمور اعتبارية، وبين الحقائق التكوينية. وفي ذيل العبارة، عُدل عن هذا الادعاء، وبالاستشهاد بكلام الأئمة، فإن العلاقة بين حقيقة العمل وآثاره، وكلاهما أمران عينيان وخارجيان، استُخدمت كمؤيد للاستدلال. بينما كان الادعاء هو ارتباط الاعتباريات بالأمور العينية والتكوينية. ومحل الإشكال هو وجود علاقة علية وتوليدية بين مجموعة مسائل العلم وغرض العلم، وهو ما استُخدم من قبل بعض الأصوليين. فالأعمال والأفعال، كما ورد في الروايات، حقائق عينية خارجية ومنشأ آثار خارجية، وبين الآثار والأعمال أيضاً تقوم علاقة علية. ولا خلاف في تحقق علاقة العلية بين أمرين تكوينيين؛ لذا فإن الأعمال نفسها تخرج تخصصاً عن محل النزاع. ويبدو أنه في هذا التحليل، خُلط بين اعتبار الوجوب والضرورة واعتبار الحرمة والمنع القائم على اعتبار المعتبر الشرعي أو العرفي، وهو من سنخ الاعتباريات محل النزاع، وبين حقيقة العمل في الخارج، وهو أمر عيني ومنشأ أثر ومن سنخ الأمور التكوينية.

وكما أن قبول العلاقة بين الاعتبار والتكوين في رؤية العلامة يتعلق بموطن آخر وبمعنى آخر، فإن المراد به ليس تحقق علاقة علية وتوليدية بين التكوين والاعتبار، ولا يتعارض مع البحث الحالي. فالعلاقة بين الاعتبار والتكوين هناك تعني علاقة الاعتبار بمنشأ انتزاعه؛ أي أن هذه الاعتبارات لها جذور في الاقتضاءات الذاتية والاحتياجات التكوينية التي أودعها جهاز الخلق في فطرة الكائنات الحية وأهل الاعتبار. فلا ينبغي خلط ذلك بمسألة محل النزاع، وهي ارتباط مجموعة مسائل العلم بغرض العلم. فما وُضع في الأخلاق أو الشريعة ليس عقداً محضاً أو اعتبارات تشغيلية، بل هو تبيين للقوانين المتعلقة بالاقتضاءات الفطرية والذاتية للموجودات، التي بيّنها الشرع أو العقل، ومن هذه الجهة ترتبط اعتبارات التشريع بالحقائق التكوينية. ولكن محل النزاع هو في إثبات ونفي علاقة العلية، لا مطلق الارتباط.

استنتاج

بناءً على ما سبق، يبدو أن الإشكال الرئيسي في ورود وتطبيق هذه القاعدة في مباحث الأصول بالمعنى العام، وفي مسألة إثبات وحدة الموضوع بالمعنى الخاص، لا يزال قائماً. ومع الأخذ في الاعتبار هذه الإشكالات، يُقال: «من الأفضل للمحققين في علم الأصول والفقه أن يتجنبوا تطبيق هذه القاعدة في إثبات المقاصد الأصولية والفقهية. ومن المؤسف أن بعض الأكابر قد استخدموا هذه القاعدة في إثبات بعض المسائل الأصولية، وقام آخرون، ممن لا اطلاع لهم على فن المعقول، بالتقليد والتبعية في هذا الباب» (الخميني، 1376ش، ج1، ص 34).

وكما فطن بعض العارفين بالمعقول في الأصول إلى هذا الخلط والاضطراب: «من خلط مسائل الفلسفة ومسائل أصول الفقه، نشأت مشكلات وتعقيدات كثيرة؛ ومن جملة هذه المسائل الفلسفية التي دخلت الأصول، قاعدة الواحد، بينما تقرر في محلها أن هذه القاعدة مختصة بالواحد البسيط الحقيقي» (مكارم الشيرازي، 1428هـ، ج3، ص 560). «منشأ الاستدلال بالقاعدة هو الخلط بين المسائل الأصولية التي هي من سنخ الاعتباريات، والمسائل الفلسفية التي تدور حول الحقائق التكوينية. فالفلسفة تبحث عن الحقائق الواقعية العينية، بينما الأصول تبحث عن الأمور الاعتبارية القانونية، والفرق بينهما واضح» (مكارم الشيرازي، 1428هـ، ج1، ص 36).

الخاتمة

1. احتوى علم الأصول، بما يتناسب مع رسالته وسعته، على محاور متنوعة في المحتوى والمنهج، ومنها استخدام القواعد العقلية.

2. قاعدة الواحد هي قاعدة فلسفية استُخدمت بعد دخولها إلى أصول الفقه في مسائل متعددة، مثل الوجوب التخييري، ووضع المركبات، والصحيح والأعم، وتعدد الشرط والجزاء، ومفهوم الجملة الشرطية، ووجود الطبيعة، وتداخل الأسباب والمسببات، ومفهوم الوصف، وتحليل الملاقي وغيرها.

3. من مواضع تطبيق قاعدة الواحد، استخدامها في إثبات وحدة موضوع العلم. إن التمكن من استنباط معلول واحد يصدر عن مسائل علم الأصول، يقتضي، بناءً على قاعدة العلية، أن يكون الأمر واحداً وجامعاً.

4. هذه القاعدة في مسقط رأسها، أي الفلسفة، لا تتمتع بثبوت وإثبات يبعث على الاطمئنان، وانتقالها إلى الأصول من هذه الجهة لا يبدو صحيحاً.

5. الوحدة المفروضة في هذه القاعدة تتعلق بالمبدأ الواجب الوجود والبسيط من جميع الجهات، ولا سنخية لها مع الوحدة الاعتبارية الممتزجة بالكثرة في مجموعة مسائل العلم.

6. قاعدة الواحد، على فرض تمامية تقريرها الخاص للعلية، تتعلق بالأمور العينية والتكوينية والخارجية. وتطبيقها في الأمور الاعتبارية والذهنية يُعد استعمالاً في غير ما وُضع له.

المصادر والمراجع

1. إبراهيمي ديناني، غلام حسين، (1380ش)، قواعد كلي فلسفي، طهران، منشورات پژوهشگاه علوم انساني.

2. ابن رشد، (1993م)، تهافت التهافت، مقدمة محمد العريبي، بيروت، منشورات دار الفكر.

3. ابن سينا، (1403هـ)، الإشارات والتنبيهات، شرح خواجه نصير الدين الطوسي، طهران، دفتر نشر الكتاب.

4. ابن سينا، (1404هـ)، التعليقات، تحقيق عبد الرحمن بدوي، بيروت، منشورات مكتبة الإعلام الإسلامي.

5. ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكية، بيروت، منشورات دار صادر، [د.ت.].

6. الأراكي، محمد علي، (1375ش)، أصول الفقه، قم، منشورات مؤسسة در راه حق.

7. إسماعيلي، محمد علي، (1394ش)، «كاربرد قاعده الواحد در علم اصول در انديشه شهيد صدر»، مطالعات اصول فقه اماميه، العدد 3، ربيع وصيف.

8. الآخوندي، محمد حسين، (1381ش)، كاربرد قواعد فلسفي در علم اصول فقه، قم، منشورات مؤسسة آموزشي پژوهشي إمام خميني.

9. الآشتياني، ميرزا مهدي، (1377ش)، أساس التوحيد، تصحيح جلال الدين الآشتياني، طهران، منشورات أمير كبير.

10. الآملي اللاريجاني، (1393ش)، فلسفه علم اصول، قم، منشورات مدرسة علميه ولي عصر(عج).

11. الآملي، سيد حيدر، (1422هـ)، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم، طهران، منشورات سازمان چاپ وانتشارات وزارت ارشاد إسلامي.

12. البغدادي، أبو البركات، (1373ش)، المعتبر في الحكمة، أصفهان، منشورات دانشگاه أصفهان.

13. الحيدري، علي نقي، (1412هـ)، أصول الاستنباط، قم، منشورات لجنة إدارة الحوزة العلمية.

14. الخميني، روح الله، (1418هـ)، تنقيح الأصول، تقريرات حسين تقوي اشتهاردي، طهران، منشورات مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني(ره).

15. الخميني، روح الله، (1376ش)، جواهر الأصول، طهران، منشورات مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني.

16. الخميني، روح الله، (1423هـ)، تهذيب الأصول، طهران، منشورات مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(ق).

17. الخوئي، أبو القاسم، (1417هـ)، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات محمد إسحاق فياض، قم، منشورات دار الهادي للمطبوعات.

18. الرازي، فخر الدين، (1407هـ)، المطالب العالية، بيروت، دار الكتاب العربي.

19. الرازي، فخر الدين، (1411هـ)، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، قم، منشورات بيدار.

20. الرازي، فخر الدين، (1404هـ)، شرح الإشارات، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي.

21. رمضاني، مرضيه، (1392ش)، صادر نخستين از منظر امام خميني وعرفا، طهران، منشورات عروج.

22. السبحاني التبريزي، جعفر، (1424هـ)، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، قم، منشورات مؤسسه إمام صادق(ع).

23. السبزواري، ملا هادي، (1360ش)، التعليقات على الشواهد الربوبية، تصحيح سيد جلال الدين الآشتياني، مشهد، منشورات المركز الجامعي للنشر.

24. السبزواري، ملا هادي، (1379ش)، شرح المنظومة، تصحيح حسن زاده الآملي، طهران، منشورات نشر ناب.

25. سميعي، جمشيد، (1395ش)، «بررسي كاربرد قاعده الواحد در مكتب اصولي آخوند خراساني و پيامدهاي اعتقادي آن»، پژوهشنامه كلام، المقالة 5، الدورة 3، العدد 1، ربيع، الصفحات 83-102.

26. السهروردي، شهاب الدين، (1375ش)، مجموعة مصنفات، مقدمة هنري كربن، طهران، منشورات مؤسسه مطالعات وتحقيقات فرهنگي.

27. سيدان، سيد جعفر، (1390ش)، نقد وبررسي قواعد فلسفي، مشهد، منشورات پارس إيران.

28. صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، (1981م)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، منشورات دار إحياء التراث العربي.

29. الصدر، محمد باقر، (1417هـ)، بحوث في علم الأصول، تقريرات عبد الساتر حسن، بيروت، الدار الإسلامية.

30. الطباطبائي، محمد حسين، (1386ش)، نهاية الحكمة، تصحيح غلام رضا فياضي، قم، منشورات مؤسسة إمام خميني.

31. الطباطبائي القمي، تقي، (1371ش)، آراؤنا في أصول الفقه، قم، محلاتي.

32. الغزالي، أبو حامد، (1382ش)، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، طهران، منشورات شمس تبريزي.

33. الفناري، محمد بن حمزة، (1374ش)، مصباح الأنس، تصحيح محمد خواجوي، طهران، منشورات مولى.

34. الفياض اللاهيجي، عبد الرزاق، (1383ش)، گوهر مراد، مقدمة زين العابدين قرباني، طهران، منشورات سايه.

35. الفيض الكاشاني، محسن، (1375ش)، أصول المعارف، قم، منشورات دفتر تبليغات إسلامي.

36. قانصوه، محمود، (1418هـ)، المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه، بيروت، دار المؤرخ العربي.

37. الكاتبي، نجم الدين علي، (1353ش)، حكمة العين وشرحه، مقدمة جعفر زاهدي، مشهد، منشورات دانشگاه فردوسي.

38. مصباح يزدي، محمد تقي، (1386ش)، آموزش فلسفه، طهران، منشورات چاپ ونشر بين الملل.

39. المعصومي الشاهرودي، علي أصغر، (1424هـ)، دراسات الأصول في أصول الفقه، قم، علي أصغر شاهرودي معصومي.

40. مكارم الشيرازي، ناصر، (1428هـ)، أنوار الأصول، تقريرات أحمد قدسي، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب(ع).

41. ميرداماد، محمد باقر، (1367ش)، القبسات، باهتمام مهدي محقق، طهران، منشورات دانشگاه طهران.

42. الموسوي الجزائري، محمد علي، (1430هـ)، تحرير الأصول، قم، منشورات مؤسسه نشر إسلامي.

43. ميري، سيد محسن، (1389ش)، «كاربردهاي قاعده الواحد در علوم إسلامي»، فصلنامه إسراء، السنة الثانية، العدد الأول، ربيع، الصفحات 34-56.

44. يثربي، يحيى، (1391ش)، مصاحبه با فصلنامه سمات، السنة الثالثة، العدد السابع، ربيع وصيف.

45. المعصومي الشاهرودي، علي أصغر، (1424هـ)، دراسات الأصول في أصول الفقه، قم، علي أصغر شاهرودي معصومي.

الهوامش

1. أستاذ مساعد في جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، gh1359@gmail.com.

Scroll to Top