الملخص
على الرغم من أن القرآن الكريم نزل بقراءة واحدة على النبي الأكرم (ص) من لدن إله واحد، وتم إبلاغه للأمة الإسلامية بالصورة نفسها، إلا أنه لأسباب عدة، بعد رحيل النبي (ص) شهدت ساحة القراءة تعددًا وتنوعًا؛ تعددٌ له جذور في خلافات أساسية أعمق. فالخلافات السياسية والكلامية والفقهية وحتى الأدبية تعد من بين الخلفيات التي أدت إلى تعدد القراءات، والتي تم استعراضها في هذا البحث. كما وردت في هذا الباب روايات عن أئمة أهل البيت (ع) وصحابة النبي (ص) تشير إلى نوع آخر من القراءة؛ وهي قراءة تُنقل أحيانًا مع زيادات في نص الآيات أو تبديل لفظ بلفظ آخر. وقد أوضح هذا البحث أن هذا النوع من القراءة قد أُلقي بهدف تفسير الآيات لا كقراءة لفظية للآية. ورغم أن البعض، دون الالتفات إلى المستندات والقرائن، قد حمل هذا النوع من القراءات على تعدد القراءة، أو حتى اعتبرها دليلاً على تحريف القرآن، إلا أن نتيجة هذا البحث تظهر أن هذه القراءات هي من باب تفسير الآيات.
المقدمة
القراءة في اللغة تعني التلاوة، وفي الاصطلاح هي كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم (راجع: قابَة، 1999: 24؛ دمياطي، 1419: 1، 3 وما بعدها). من حيث علم الأنساب المعرفي، يحتل علم القراءات مكانة في منظومة علوم القرآن، وقد خُصّصت له آثار قيمة من قبل العلماء والباحثين في القرآن قديمًا وحديثًا. موضوع «تعدد القراءات» هو أيضًا من الموضوعات متعددة الجوانب التي يتناولها علماء من مختلف حقول التفسير، والحديث، وعلوم القرآن، والقراءات، كل من منظوره الخاص؛ ذلك لأن المنشأ التاريخي لهذا الموضوع يعود إلى فترتين متميزتين: الأولى: بعد رحيل النبي الأكرم (ص) حتى فترة من خلافة الخليفة الثالث، حيث كاد اختلاف القراءات في تلك الفترة أن يتحول إلى فتنة كبرى بين المسلمين، ولكن بتشكيل لجنة توحيد المصاحف، تم احتواء تلك الفتنة. إن دراسة هذه الفترة الحساسة مثيرة للاهتمام، حيث انعكست قراءات متنوعة من تلك الحقبة في الروايات التفسيرية؛ وهي روايات أصبحت منشأً لكثير من المباحث التفسيرية وعلوم القرآن. هذه الفترة هي محط اهتمام المفسرين وعلماء علوم القرآن بشكل أكبر، وهذا البحث يسعى أيضًا إلى تبيينها وتوضيحها. ومن الجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى تلك الروايات، نُقلت روايات مشابهة عن أئمة أهل البيت (ع) تحكي عن قراءة أخرى، حتى أصبحت أحيانًا ذريعة لبعض المستشرقين والقائلين بالتحريف. الثانية: فترة حدثت تاريخيًا في أواخر القرن الثاني فصاعدًا وأدت إلى ظهور القراءات السبع أو العشر. في العصر الحاضر، يحظى هذا النوع من القراءات باهتمام أكبر في فنون القراءة، وليس له تطبيق يذكر في مجال التفسير، ومع ذلك، ترك علماء هذا الفن أيضًا آثارًا كثيرة في هذا المجال. في بعض هذه الآثار، مثل: معجم القراءات القرآنية، من تأليف أحمد مختار عمر وعبد العال سالم مكرم، تم جمع كل حالات تعدد قراءة آيات القرآن من القراء المشهورين. في عدد من هذه الكتب، مثل الحجة في علل القراءات السبع، من تأليف أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، تم تناول أسباب تعدد القراءات. وبعبارة أخرى، في نظر بعض علماء أهل السنة، يُعتبر تعدد القراءات بناءً على رواية «نزل القرآن على سبعة أحرف» أمرًا تنزيليًا؛ لذا، من وجهة نظرهم، نزل القرآن بعدة صور وقت نزوله (راجع: معرفت، 1386: 2، 45 وما بعدها). ولكن علماء الشيعة، استلهامًا من تعاليم أهل البيت (ع)، يعتقدون أن القرآن نزل بصورة واحدة فقط (الكليني، 1365: 2، 63)، وأن تعدد القراءة نشأ من قبل قراء القرآن (الخوئي، 1395: 151-161؛ معرفت، 1386: 2، 57؛ النجفي، 1365: 9، 294؛ العسكري، 1417: 2، 121-183). في عدد من هذه القراءات، تُقرأ الآية بصور مختلفة دون زيادة أو نقصان في الحروف، مثل قراءة بتخفيف الهمزة أو النبر، أو قراءة الكلمة بالرَّوْم، أو الإشمام، أو الإمالة، أو بالتشديد والتخفيف. كما في كلمة {يَطْهُرْنَ} (البقرة: 222) التي قُرئت أيضًا بصورة «يَطَّهَّرْنَ» (الطوسي، 1409: 2، 219؛ الزمخشري، 1385: 1، 361). أو آية {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} (الروم: 54) التي قُرئت أيضًا بضم الضاد في «ضُعف» (الطوسي، 1409: 8، 263؛ القرطبي، 1405: 14، 46). وأحيانًا، بناءً على الروايات، يكون تعدد القراءة مصحوبًا بزيادة أو نقصان في حروف الكلمة؛ مثل قراءة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} في سورة الحمد التي قُرئت أيضًا «مَلِكِ» (الطوسي، 1409: 1، 33؛ الزمخشري، 1385: 1، 56). ما يتم تناوله في هذا المجال هو البحث في قراءات عصر الصحابة، وما معنى تعددها، وبأي دوافع حدثت؟ وأخيرًا، ما هي مكانة القراءة التفسيرية إلى جانب القراءة التنزيلية في الروايات؟ تجدر الإشارة إلى أنه قد أُنجزت أبحاث قيمة حول دوافع وعوامل تعدد القراءات. المجلد الثاني من «التمهيد» للمرحوم آية الله معرفت (خاصة الصفحات 13-39)، وكذلك المجلد الثاني من كتاب «القرآن الكريم وروايات المدرستين» للعلامة العسكري (خاصة الصفحات 189-258) هي من أفضل الأبحاث التي أُجريت في هذا المجال.
خلفيات ظهور تعدد القراءات
كان ظهور الاختلاف في القراءة ناتجًا عن عوامل متنوعة. بدائية الخط الكتابي، خلو الحروف العربية من النقط والإعراب، إسقاط الألف في كثير من الكلمات، اختلاف اللهجات والنطق، وأخيرًا الاجتهادات الشخصية والذوقية، كانت من بين العوامل المؤثرة في ظاهرة تعدد القراءات (راجع: معرفت، 1386: 2، 13-39؛ العسكري، 1417: 2، 189-258). بالإضافة إلى ذلك، تُظهر دراسة تاريخ القراء وقراءاتهم في تلك الفترة أن جزءًا من الاختلافات في مجال القراءة كان ناتجًا عن عوامل دافعة أخرى، يمكن ذكرها كأمثلة من قبيل عدم انسجام القراءة المشهورة مع المعتقدات المذهبية، الفقهية، الكلامية، وحتى الأدبية للقراء. في الواقع، اتسع نطاق الاختلافات من المجالات الفكرية والمبدئية إلى مجال نطق الألفاظ وأداء الكلمات. فيما يلي، ضمن استعراض العوامل التي مهدت لظهور الاختلاف في مجال القراءة في تلك الفترة، نشير إلى نماذج من القراءات التفسيرية:
1. الاختلافات السياسية
من خلال دراسة الروايات المختلفة حول تعدد القراءات، يمكن استنتاج أن بعض هذه الاختلافات لها جذور في المسائل السياسية والحكومية. كان بعض الأفراد، بدافع من الحب والبغض السياسي المنحاز، مضطرين لتهيئة الأرضية الثقافية لفرض رغباتهم على الناس. ولكي يُجبروا الناس على قبول أفكارهم ونواياهم بسهولة أكبر، لجأوا إلى التلاعب بالمفاهيم الشرعية لتحقيق مقاصدهم. بالطبع، لم يكن بإمكانهم التلاعب بنص الآيات أو التصريح بمقاصدهم علانية؛ لذلك، كانت أبسط الطرق وأقلها تكلفة هي تقديمها تحت غطاء تعدد القراءات؛ وهو أمر لم يكن قبوله، بل وترجيحه على القراءة المشهورة، في اعتقادهم، يسبب أي مشكلة. من وجهة نظرهم، كان يمكن بالاعتماد على حديث «سبعة أحرف» (أحمد، بلا تاريخ: 1، 24؛ البخاري، 1401: 3، 90) فرض القراءات الاجتهادية والذوقية على آيات القرآن دون إثارة مشاعر المعارضين، ودون إثارة أي معارضة أو مقاومة.
على هذا الأساس، عندما نقرأ في التاريخ أن آية {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} (التوبة: 100) قُرئت برفع «الأنصار» وحذف الواو من «والذين اتبعوهم بإحسان» (السيوطي، بلا تاريخ: 3، 269)، لا نندهش كثيرًا؛ لأن فهم الدافع وراء هذه القراءة ليس بالأمر الصعب؛ فمن الواضح أن بهذه القراءة، كانت ميزة السبق في الدين تُخصَّص للمهاجرين، وبهذه الطريقة، كانت إمامتهم وقيادتهم السياسية على الأنصار تُستند إلى قراءة قرآنية. هذه الحيلة، على الرغم من أنها باءت بالفشل بسبب معارضة أُبي بن كعب، أظهرت بوضوح كيف كانت الدوافع السياسية والحكومية تلعب دورًا في تعدد القراءات.
قضية قراءة آية الكنز بحذف الواو من جملة {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} (التوبة: 34) هي مثال آخر على هذا النوع من الروايات (راجع: السيوطي، بلا تاريخ: 3، 232). وفقًا لهذه القراءة، كانت صفة كنز الأموال تُخصَّص للأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى – الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة – ويتم استبعاد الجهاز الأموي العريض والطويل الذي كان يدعي خلافة النبي (ص) من شمول آية الكنز. بالطبع، فشلت هذه السياسة أيضًا بهمة ووعي المسلمين، ولكن أصل القضية يكشف عن أن الدافع السياسي كان مؤثرًا في ظهور هذا النوع من القراءات.
ربما يمكن اعتبار رواية الطبري عن القراءة الشاذة {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} من أغرب القراءات من هذا النوع. ففي تفسيره لآية {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد: 43)، بذل جهدًا كبيرًا للعثور على مصداق للفرد الذي يمتلك علم الكتاب بين جميع أفراد الأمة الإسلامية. وبحشد الروايات، حاول أن يثبت أن عبد الله بن سلام – وهو عالم يهودي ادعى إسلامه – هو مصداق هذه الآية (الطبري، 1415: 13، 230-231). ولكن رواية سعيد بن جبير الاعتراضية، التي تفيد بأن عبد الله بن سلام أسلم في المدينة بعد سنوات من نزول هذه الآية، وبالتالي لا يمكن أن يكون مصداقًا لهذه الآية المكية (المصدر نفسه، 232)، صعّبت الأمر. ومن ناحية أخرى، فإن المصداق البارز مثل أمير المؤمنين (ع)، الذي كان باب علم النبي (ص) وفقًا للروايات المتفق عليها بين الفريقين (الصدوق، 1404: 2، 211؛ الحاكم النيسابوري، بلا تاريخ: 3، 126)، لم يكن يروق للبعض، فكان لا بد من البحث عن حل آخر؛ حل أسهل وأقل إزعاجًا يمكن من خلاله شطب المسألة من أساسها وإزالة تحديد مصداق هذه الآية من الأذهان. كانت تلك القراءة غير المترابطة والمضللة والمخالفة للذوق الأدبي والفصاحة «وَمَنْ عِنْدَهُ عُلِّمَ الْكِتَابُ» هي الحل في نظر البعض. وعلى الرغم من أن الطبري بعد نقل هذه القراءة اعتبرها مخالفة للمشهور (المصدر نفسه)، إلا أنه يمكن بوضوح الشعور بظل الحب والبغض السياسي في هذا النوع من القراءات.
2. الاختلافات الكلامية
لم تكن الاختلافات المذهبية، خاصة في مجال علم الكلام، عديمة التأثير في ظاهرة تعدد القراءات. في الفترات اللاحقة، كان بعض أتباع المذاهب يقرؤون الآيات بأساليبهم الشخصية واستنباطاتهم الخاصة لتحقيق التوافق بين معتقداتهم وقناعاتهم والقرآن الكريم. على سبيل المثال، كان المعتزلة يعتقدون أن الله لا يتكلم؛ لذلك، كانوا يقرؤون آيات مثل {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} (النساء: 164) بنصب لفظ الجلالة «اللهَ» ليكون المراد بالمتكلم في الآية موسى وليس الله (الزمخشري، 1385: 1/582). ومن ناحية أخرى، كان البعض ممن يقولون بجواز رؤية الله يقرؤون كلمة «مُلْكًا» في آية {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} (الإنسان: 20)، بكسر اللام (مِلْكًا) لتكون دليلاً على جواز رؤية الله. وقد كتب ابن كثير وآخرون، بناءً على رواية ابن الجزري في وجه هذه القراءة: «هي من أعظم دليل على رؤية الله في الآخرة؛ هذه القراءة من أكبر الأدلة على جواز رؤية الله في الآخرة» (ابن الجزري، 1418: 1، 30).
3. الاختلافات الفقهية
كانت الاختلافات الفقهية أيضًا من بين الخلفيات المناسبة لظهور تعدد القراءات بين الصحابة. وبالطبع، قد يكون العكس صحيحًا أيضًا؛ أي أن اختلاف المتقدمين في القراءة قد أدى إلى اختلاف فقهي في القرون المتأخرة. وكما هو الحال في كتابات المتقدمين، توجد حالات استُند فيها في فتاوى خاصة إلى قراءات شاذة. من خلال ملاحظة هذه الحالات، يتضح وجود علاقة متبادلة بين الاختلاف في مجال القراءة والمذاهب الفقهية الخاصة. على سبيل المثال، هناك خلاف بين الفقهاء حول ما إذا كان مجرد الملامسة الجسدية للمرأة يبطل الوضوء أم أن المقصود هو الجماع. فقهاء الإمامية لا يعتبرون مجرد الملامسة (اللمس) من نواقض الوضوء، بل يعتبرون الجماع من موجباته، بينما يعتبر بعض فقهاء أهل السنة، مثل الشافعي، مجرد اللمس من نواقض الوضوء (الشافعي، 1403: 1، 35). ترتبط هذه الاختلافات الفقهية بطريقة ما باختلاف القراءة في الآية 43 من سورة النساء والآية 6 من سورة المائدة؛ أي أنه على الرغم من أن جملة {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} جاءت على وزن «مفاعلة» بالألف وفقًا للقراءة المشهورة، وهي كناية عن الجماع، إلا أنه بناءً على قراءة أخرى، قُرئت كلمة «لامستم» بدون ألف بصيغة «لَمَسْتُمْ»، وهي تعني مجرد اللمس والملامسة (القرطبي، 1405: 5، 223). ويبدو أن هذه القراءة أصبحت أساسًا لفتوى شاذة لبعض الفقهاء.
مثال آخر هو القراءة المشهورة لآية {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (النساء: 24)، حيث ظن البعض أن الآية، وفقًا لهذه القراءة، تتعلق بالزواج الدائم، فاعتبروا قراءة أُبي بن كعب «فما استمتعتم به منهن – إلى أجل مسمى – فآتوهن أجورهن» (الطبري، 1415: 5، 19) مخالفة للمشهور ومردودة؛ لأنهم تصوروا أن هذه القراءة شاذة وأن علماء الشيعة استندوا إليها في فتوى جواز نكاح المتعة، بينما حمل المفسرون الشيعة الكبار الآية، بناءً على القراءة المشهورة نفسها، على نكاح المتعة؛ أولاً، لأن تعبير «أجورهن» يدل على أن هذا الحكم لا يتعلق بالزواج الدائم، لأنه في تلك الحالة كان يجب استخدام تعبير «مهورهن». ثانيًا، في الزواج الدائم، ليس الاستمتاع شرطًا لاستحقاق المهر، بل مجرد إجراء العقد كافٍ لذلك، بينما في هذه الآية، عُلّق وجوب دفع الأجور على الاستمتاع. وهذا الأمر نفسه يدل على أن هذه الآية تتعلق بالزواج المؤقت وليس الدائم.
4. الاختلافات العلمية والأدبية
يمكن أيضًا اعتبار الاستنباطات الشخصية – الأدبية مؤثرة في ظهور تعدد القراءات، بل يمكن القول إن عددًا من القراءات نشأ مباشرة من استنباطات أدبية. يمكن ملاحظة هذه النقطة بوضوح من خلال الاستدلالات الذوقية والأسلوبية للعلماء في تبيين علل القراءات. على سبيل المثال، يقول الشوكاني بخصوص {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} (النساء: 128): «جمهور العلماء قرأوا «أن يصلحا» من باب التفاعل، فقرأوها بصيغة «أن يصّالحا»، خلافًا للكوفيين الذين قرأوها «أن يُصلِحا»». ثم يرجح قراءة الجمهور بصيغة «أن يصّالحا» قائلاً: «لأن القاعدة الأدبية تقتضي أنه كلما قام بالفعل شخصان أو أكثر، فإنه يأتي على وزن تفاعل؛ لذا يقال هنا (تصالح الرجلان)، وليس (أصلح)» (الشوكاني، بلا تاريخ: 1، 521). من الواضح أن هذا استنباط أدبي ولا علاقة له بالقرآن؛ لأن الأدب يجب أن يطابق نفسه على القرآن.
مثال آخر هو آية {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (مريم: 19)، حيث كتب ابن كثير عنها: «أبو عمرو قرأها «ليهب لك غلامًا»، ولكن بقية القراء قرأوها «لأهب لك غلامًا»». ثم في تبرير هاتين القراءتين يكتب: «وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح وكل تستلزم الأخرى؛ فلكل من هاتين القراءتين تبرير حسن ومعنى صحيح، وكل منهما تستلزم الأخرى» (ابن كثير، 1412: 3، 121). من الواضح أن هذا تبرير أدبي؛ لأن صحة المعنى في القراءات لا يمكن أن تكون مبررًا للتغيير في ألفاظ القرآن.
5. البيانات التفسيرية
أهم حالة اعتبرها كثير من المحدثين من خلفيات اختلاف القراءات هي القراءات التي رُويت بدافع البيان التفسيري (وليس التنزيل). في هذا النوع من القراءات، كان خلط التفسير بالنص وامتزاج الشرح بالمتن من بين أسباب ظهور شبهة اختلاف القراءة. آية الله معرفت (رحمه الله) اعتبر معظم القراءات المنسوبة إلى ابن مسعود وأُبي بن كعب من هذا القبيل (معرفت، 1386: 2، 40). ويكتب: «هذه المجموعة من القراء كانوا يقرؤون الآيات أحيانًا بقصد التفسير بإضافة كلمات أثناء القراءة أو تغيير لفظ بلفظ آخر، ولكن قراء الأجيال اللاحقة اعتبروها قراءة نصية، بينما كان قصدهم هو البيان التفسيري» (راجع: المصدر نفسه).
ينقل الزركشي أيضًا عن كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد: «إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها؛ أي أن المقصود أساسًا من القراءة الشاذة هو تفسير القراءة المشهورة وبيان معانيها (وليس عرض قراءة جديدة)» (الزركشي، 1376: 1، 336؛ السيوطي، 1416: 1، 219). من هذا المنطلق، فإن القراءات التي نُقلت مع إضافات في نص الآيات أو أحيانًا بتبديل لفظ بآخر، تُعتبر من وجهة نظرهم قراءة تفسيرية (راجع: السيوطي، 1416: 1، 219). كما أن ابن كثير، بعد نقل قراءة غير مشهورة عن ابن عباس بخصوص الآية 24 من سورة يونس، والتي كانت مصحوبة بإضافات في نص الآية، يكتب: «هذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير؛ أي أن هذه قراءة غريبة، ولكن يبدو أنها أُضيفت إلى النص على سبيل التفسير» (ابن كثير، 1412: 2، 428).
على أي حال، توجد في مصادر الشيعة وأهل السنة أمثلة كثيرة على هذا النوع من القراءات؛ مثل قراءة آية {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً – فاختلفوا – فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} (البقرة: 213؛ الزمخشري، 1385: 1، 355)، أو قراءة آية {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ – في مواسم الحج – أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة: 198) التي نُسبت إلى ابن عباس (المصدر نفسه، 348). أولئك الذين يألفون الروايات التفسيرية، خاصة في مجال القراءات الخاصة بأهل البيت (ع)، يدركون جيدًا أن كلمات مثل «قرأ بكذا» أو «نزلت هكذا» في لسان الروايات كانت تُستخدم بمعنى أوسع بكثير من المعنى الحالي، بحيث تشمل التفسير بالإضافة إلى التنزيل، ولكن مع التحول الدلالي الذي طرأ على هذه الألفاظ، أصبحت هذه الكلمات تُستخدم اليوم في معانٍ جديدة. يقول القرطبي: «ما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرأوا بكذا وكذا، إنما ذلك على جهة البيان والتفسير؛ أي أن ما يُروى عن الصحابة والتابعين أنهم قرأوا كذا وكذا، إنما هو من باب بيان الآية وتفسيرها (وليس قراءة نصها)» (القرطبي، بلا تاريخ: 1، 86). نفس القصة حدثت فيما يتعلق بكلمتي «نسخ» و«تأويل»؛ فهذه الألفاظ أيضًا شهدت تحولًا دلاليًا، ومن معناها العام والواسع السابق، تحولت إلى معنى خاص ومضيق اليوم؛ لذلك، من الضروري دراسة مواضع استخدام هذه الكلمات بدقة؛ لأن كلمة «قرأ» و«نزل» أحيانًا تكون ناظرة حقًا إلى اللفظ والنص، وأحيانًا تكون ناظرة إلى المحتوى والتفسير. ومن المفارقات أن الخلط بين هذين المعنيين هو الذي دفع أشخاصًا مثل المحدث النوري إلى اعتبار جزء من هذه الروايات والمنقولات قرينة على تحريف القرآن (راجع: معرفت، 1386: 8، 181-182)، بينما هذه الروايات في الأساس ليست ناظرة إلى القراءة اللفظية والتنزيلية، بل المراد منها هو بيان تفسير الآيات فقط (المصدر نفسه، 206-242). ومن المثير للاهتمام أن تقسيم القراءة إلى قراءة تنزيلية وتفسيرية قد أُشير إليه، بل صُرّح به في لسان الروايات. على سبيل المثال، يروي الكليني (رحمه الله) بإسناده عن الإمام موسى بن جعفر (ع) في حديث أن ابن الفضيل سأله عن آية {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} (الدهر: 23)، فأجاب الإمام: «بولاية علي تنزيلاً». فسأل ابن الفضيل: «هذا تنزيل؟»، أي هل نزلت هكذا؟ فقال الإمام (ع): «نعم، ذا تأويل؛ نعم، هذا تأويل (تفسير)» (الكليني، 1363: 1، 435). كما يلاحظ، توضح هذه الرواية أن المراد بالتنزيل هو التفسير نفسه؛ وهو التفسير الذي هو تأويل الآية (راجع: معرفت، 1386: 8، 52). لذلك، يؤكد الإمام أن هذا المعنى تنزيلي، وفي الوقت نفسه يعتبره تأويلاً (تفسيرًا) للآية. من هنا يتضح أن روايات أهل البيت (ع) في باب القراءات الخاصة قد تكون من باب التفسير. ويبدو أن الشيخ الطوسي كان أول من التفت إلى هذه النقطة بين المتقدمين. فقد أدرك جيدًا أن القراءات الخاصة بالأئمة (ع) هي من باب تفسير الآيات وليست من باب تعدد القراءات؛ لأنه على عكس الشيخ الطبرسي الذي ينقل هذه الروايات غالبًا في قسم اختلاف القراءة، فإنه يوردها في قسم التفسير وبيان معاني الآيات. هذه النقطة دليل واضح على أن الشيخ الطوسي كان يعتبر هذه الروايات من باب التفسير. عبارة الشيخ تدل على أنه بتعبيره «وفي قراءة أهل البيت (ع)» في مواضع كثيرة، اعتبر هذه القراءات من باب تفسير الآيات؛ من ذلك في الآية 33 من سورة آل عمران (2، 441)، والآية 118 من سورة التوبة (5، 316)، والآية 11 من سورة الرعد (6، 228)، والآية 60 من سورة النور (7، 461)، والآية 74 من سورة الفرقان (7، 512)، والآية 14 من سورة سبأ (8، 384) … إلخ، بينما أورد الطبرسي في مجمع البيان هذه الحالات (باستثناء الحالة الأولى) في قسم «القراءة». بعد الشيخ الطوسي، لم تحظ مسألة القراءة التفسيرية باهتمام كبير حتى برز في الآونة الأخيرة عظماء مثل المرحوم آية الله الخوئي (1395: 230)، والعلامة الطباطبائي (بلا مكان: 5، 146)، والعلامة العسكري (1378: 221-224)، وآية الله معرفت (1386: 8، 206-242)، وكشفوا بوضوح عن هذه الحقيقة واعتبروا هذا النوع من القراءات من باب التفسير. آية الله الخوئي اعتبر حديث الإمام الباقر (ع) الذي يقول: «نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا»: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا – في علي – فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» (البقرة: 23؛ الكليني، 1363: 1، 417) من باب التفسير، وكتب: «إنه كان من قبيل التفسير للقرآن، وليس من القرآن نفسه» (الخوئي، 1395: 230). كما التفت العلامة الطباطبائي في الميزان إلى هذه الحقيقة في مواضع؛ منها في ذيل الآية 24 من سورة النساء، حيث يتحدث عن قراءة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ – إلى أجل مسمى – فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»، يشير إلى أن هذا قد يكون من باب التفسير وليس القراءة المصطلحة (الطباطبائي، بلا تاريخ: 4، 300). كذلك في الآية 166 من سورة النساء التي ينقل فيها قراءة: «لكن الله يشهد بما أنزل إليك – في علي – أنزله بعلمه»، يكتب: «هو من قبيل الجري والتطبيق» ويضيف: «وليس المراد به تحريف القرآن ولا هو قراءة منه؛ فالمراد من هذه القراءة ليس التحريف ولا هي من باب قراءة أخرى» (المصدر نفسه، 5، 146). وكذلك في ذيل الآية 46 من سورة هود، بعد نقل رواية عن الإمام الرضا (ع)، يكتب: «كأن المراد من قراءة الآية تفسيرها، والراوي يشير بإيراد القراءتين إلى تفسير…؛ أي كأن المقصود من القراءة في هذه الرواية هو تفسير الآية، والراوي يشير إلى التفسيرين» (المصدر نفسه، 10، 245). وفي تفسير الآية 214 من سورة الشعراء، بعد نقل رواية عن الحارث بن نوفل، يكتب: «إن ما نُسب إلى قراءة أهل البيت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ – رهطك منهم المخلصين} كان من قبيل التفسير» (المصدر نفسه، 15، 336). إذا تجاوزنا تفسير الميزان، فقد تحدث المرحوم آية الله معرفت في التمهيد (المجلدان 2 و 8) والمرحوم العلامة العسكري في القرآن الكريم وروايات المدرستين (3: 221-224) بالتفصيل في هذا الشأن، واعتبروا هذا النوع من القراءات من باب التفسير.
فيما يلي، سيتم دراسة بعض النماذج من هذا النوع من القراءات التفسيرية:
النموذج الأول:
ينقل علي بن إبراهيم القمي عن الإمام الصادق (ع) أنه قرأ آية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110) بلفظ «كنتم خير أئمة» (القمي، 1404: 1، 9). وفي تفسير العياشي، رُويت هذه القراءة أيضًا بشكل مرسل عن الإمام الصادق (ع) (العياشي، بلا تاريخ: 1، 195). وفقًا لرواية القمي، قال عبد الله بن سنان: قُرئت هذه الآية عند الإمام الصادق (ع) على أساس القراءة المشهورة «كنتم خير أمة». فقال الإمام: «خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين (ع)؟ فهل أفضل أمة تقتل أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين؟». سأل عبد الله: فكيف نزلت هذه الآية؟ فقال: «نزلت: خير أئمة أخرجت للناس» (القمي، 1404: 1، 10). من الواضح أن الإمام في هذه الرواية بصدد تفسير الآية، وبيانه (ع) ليس ناظرًا إلى لفظ الآية؛ لأنه أولاً، جاء في آية سابقة: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: 104)، والتي بقرينة «من» التبعيضية في «منكم» تعني بعضًا من الأمة؛ لذا، فإن المقصود بـ«كنتم خير أمة أخرجت للناس» هنا هو ذلك البعض من الأمة الذي وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناءً على الروايات، فإن المقصود بذلك البعض هم أئمة أهل البيت (ع) في الأصل. بالإضافة إلى ذلك، ورد في روايات أخرى نص هذه الآية بناءً على القراءة المشهورة (كنتم خير أمة)؛ منها عن الإمام الصادق (ع) في تفسير هذه الآية أنه قال: «كنتم خير أمة يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم فهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها وإليها وهم الأمة الوسطى وهم خير أمة أخرجت للناس» (العياشي، بلا تاريخ، 1، 195). ودليل آخر على هذا المطلب هو رواية عن الإمام الصادق (ع) سُئل فيها: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على جميع الأمة؟ فأجاب الإمام (ع): «لا! إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً». ثم استدل الإمام على قوله بقول الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير…} (الكليني، 1367: 5، 59). ووفقًا لهذه الرواية أيضًا، يوجب الإمام (ع) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جزء من الأمة فقط؛ لذا، يجب أن يكون المقصود بـ«كنتم خير أمة» أفرادًا خاصين من الأمة وليس جميعهم. يقول المرحوم آية الله معرفت بعد ترجيح هذا القول والاستدلال بالآية والرواية: «فالمقصود من النزول بيان مورد النزول وشأنه وهو عبارة أخرى عن تفسير الآية بذلك؛ فإن التنزيل قد يقابل مع التأويل ويكون المراد منه هو التفسير؛ فالمقصود بالنزول هنا هو بيان شأن النزول، وهو تعبير آخر عن التفسير؛ لأن «التنزيل» قد يقابل التأويل، ويكون المراد به التفسير (وليس نزول اللفظ والنص)» (معرفت، 1386: 8، 177).
النموذج الثاني:
من النماذج الأخرى للقراءة التفسيرية، كيفية قراءة آية الإبلاغ. وفقًا للروايات، قال ابن مسعود: «هكذا كنا نقرأ الآية على عهد رسول الله (ص): {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ – إن عليًّا مولى المؤمنين – وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}» (المائدة: 67؛ السيوطي، بلا تاريخ: 2، 298). من البديهي أن جملة «إن عليًا مولى المؤمنين» هي في سياق القراءة التفسيرية وليست التنزيلية. يكتب المرحوم آية الله معرفت في هذا الصدد: «إن الظاهر أنه أراد تفسير الآية بذلك وأنه كانت الآية تفسَّر على عهده (ص) كذلك؛ فالظاهر أن مقصود ابن مسعود من هذه القراءة هو تفسير الآية بجملة «إن عليًا مولى المؤمنين»، وأنها كانت تُفسَّر بهذه الطريقة في زمن النبي الأكرم (ص)» وليس أن المراد بنزولها هو نزول هذه الجملة لفظًا (معرفت، 1386: 8، 180). وشبيه بهذه الرواية، رواية أخرى ينقلها ابن مردويه عن ابن عباس، يقول: «كنا نقرأ على عهد رسول الله (ص): {كفى الله المؤمنين القتال – بعلي}» (ابن مردويه، 1424: 300، 474؛ الحسكاني، 1411: 2، 7؛ الطوسي، 1409: 8، 331). من الواضح هنا أيضًا أن المراد هو تفسير الآية وليس تنزيلها.
النموذج الثالث:
يروي ثقة الإسلام الكليني عن عبد الرحمن بن كثير عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «… وهو قول الله عز وجل الذي نزل به جبرائيل على محمد (ص): {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ – في علي – سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}» (محمد: 26؛ الكليني، 1363: 1، 420-421). هنا أيضًا، كلمة «في علي» هي من باب بيان مورد النزول، كما أشار إليه المجلسي في مرآة العقول (المجلسي، بلا تاريخ: 5، 48-50).
النموذج الرابع:
في رواية عن الإمام الرضا (ع)، قرأ فقرة {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} (التوبة: 40) بهذه الصورة: «فأنزل الله سكينته – على رسوله – وأيده بجنود لم تروها»، حيث استعمل الإمام (ع) الاسم الظاهر «رسوله» بدلًا من الضمير. وفقًا لهذه الرواية، سأل ابن فضال بعد سماع هذه القراءة من الإمام (ع): هل الآية هكذا؟ فأجاب الإمام (ع): «هكذا نقرؤها وهكذا تنزيلها، ما هذه هي قراءتنا وهكذا تنزيلها» (الكليني، 1362: 8، 378، ح 571). من الواضح أن هذه العبارة من الإمام (ع) هي أيضًا من باب تفسير الآية. أراد الإمام (ع) بهذا البيان أن يوضح مرجع الضمير في «عليه»، لا أن ينسبه إلى النص الوحياني.
النموذج الخامس:
من النماذج الأخرى، رواية أخرى تقول إن شخصًا قرأ عند الإمام الصادق (ع) آية {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: 105). فقال الإمام (ع): «ليس هكذا هي، إنما هي: «والمأمونون»، فنحن المأمونون؛ (قراءة الآية) ليست هكذا (أي «والمؤمنون»)، بل هي «والمأمونون»، ونحن أهل البيت هم المأمونون» (الكليني، 1363: 1، 424). هذه الرواية – على فرض صحتها – تعني أن المراد بـ«المؤمنون» في الآية ليس مطلق المؤمنين، بل المراد بهم المؤمنون الكاملون، أي أئمة أهل البيت (ع). ويقول العلامة المجلسي في شرح هذه الرواية: «أي ليس المراد بالمؤمنين هنا ما يقابل الكافرين ليشمل كل مؤمن، بل المراد بهم الكُمَّل من المؤمنين وهم المأمونون عن الخطأ، المعصومون عن الزلل، وهم الأئمة» (المجلسي، 1403: 5، 79).
النموذج السادس:
في رواية عن علي بن إبراهيم بإسناده عن حريز، ورد أن: «إن الصادق (ع) قرأ: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ – من – ثِيَابَهُنَّ}» (النور: 60). طبقًا لهذه الرواية، أضاف الإمام (ع) كلمة «من» إلى الآية (الكليني، 1367: 5، 522). يقول آية الله معرفت في هذا الصدد: «لعل إضافة «من» هي من باب التفسير لتوضيح أن المراد ليس خلع جميع الملابس من الرأس إلى القدمين، بل فقط جزء منها مسموح به. بالطبع، هذا النوع من الزيادات التفسيرية كان شائعًا في ذلك العصر (عصر الإمام الصادق (ع))؛ كما يُرى في روايات ابن مسعود وأُبي بن كعب وحتى ابن عباس» (معرفت، 1386: 5، 218).
النموذج السابع:
ينقل أبو بصير عن الإمام الصادق (ع) أن الإمام قرأ آية {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} (الجاثية: 29) بصيغة المجهول «يُنطَق» من باب الإفعال. ثم قال الإمام في تبرير هذه القراءة: «إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق، ولكن رسول الله (ص) هو الناطق بالكتاب». سأل الراوي: نحن لا نقرأ هكذا؟ فقال: «هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد (ص)، ولكنه فيما حُرِّف من كتاب الله»؛ نعم، أقسم بالله أن جبريل نزل بها هكذا على النبي، ولكن هذا مما حُرِّف من كتاب الله» (الكليني، 1362: 8، 50). تجدر الإشارة إلى أن كلمة «حُرِّف» هنا مأخوذة من «حرف» بمعنى القراءة، والمقصود بها أن القراء قرأوا هكذا. بالإضافة إلى المرحوم آية الله معرفت (1386: 8، 219)، أشار العلامة المجلسي أيضًا (مرآة العقول، بلا تاريخ: 25، 108) إلى هذا المعنى.
النتيجة
إن اختلاف القراءات في عصر الصحابة، الذي أدى إلى تشكيل لجنة توحيد المصاحف في القراءة، كان له خلفيات ودوافع متعددة. تبيّن دراسة الروايات في هذا الباب أنه لم يحدث أي اختلاف أو تعدد في نص القرآن الكريم، بل كانت هذه الاختلافات محصورة في الروايات ومصاحف الأفراد، وكل منها حدث بدافع خاص. من أهم الدوافع، التي وردت بشكل واسع على لسان الأئمة المعصومين (ع)، هو نوع من القراءة ورد من باب بيان التفسير (وليس قراءة نص الآية). تظهر الروايات في هذا الباب أن تعابير مثل «قرأ»، «كنا نقرأ»، و«هكذا نزل» – التي تبدو للوهلة الأولى أنها تتحدث عن نزول لفظي وقراءة لفظية – هي في الواقع تعابير ذات معنى أوسع، أي أنها نوع من التفسير وبيان المراد من الآيات، ولكن الأجيال اللاحقة ظنت أن المقصود بهذه التعابير هو القراءة اللفظية والتنزيلية، حتى إن البعض اعتبر هذه الروايات علامة على تحريف القرآن. ولكن في هذا البحث، ومن خلال ذكر نماذج، تم توضيح أن هذه الكلمات شهدت تحولًا دلاليًا، وأن المراد منها، بالنظر إلى القرائن اللفظية والمعنوية، هو تفسير الآيات وبيان المراد منها، وليس ناظرًا إلى اللفظ والقراءة التنزيلية. ما سبق كان نماذج قليلة من روايات كثيرة بتعابير مثل «قرأ»، «كنا نقرأ»، و«هكذا نزل»، التي تبدو للوهلة الأولى أنها تتحدث عن نزول لفظي وقراءة لفظية، ولكن عندما يتم التدقيق في جميع جوانب القضية، يتضح بوضوح المراد من هذه التعابير. هذه التعابير في عصر صدورها كانت تُستخدم بمعنى أوسع، بحيث تشمل التفسير والمراد من الآيات أيضًا، ولكن الأجيال اللاحقة ظنت أن المقصود بهذه التعابير هو القراءة اللفظية والتنزيلية، حتى إن البعض اتخذ من هذه الروايات علامة على تحريف القرآن. ولكن في هذا البحث، ومن خلال ذكر نماذج، تم توضيح أن هذه الكلمات شهدت تحولًا دلاليًا، وأن المراد منها، بالنظر إلى القرائن اللفظية والمعنوية، هو تفسير الآيات وبيان المراد منها، وليس ناظرًا إلى اللفظ والقراءة التنزيلية.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 5/6/1392؛ تاريخ القبول: 6/11/1392.
2. أستاذ مساعد في علوم القرآن والحديث بجامعة المصطفى العالمية، rostamnejad1946@gmail.com (المؤلف المسؤول).