رسائل للسيد الأجل مهنا أعلى الله مقامه 

١. في رسالة السيد مهنا رداً على قصيدة ابن الحسام: 

بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم وأعن ياكريم 

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني، عفا الله عنه بفضله: إنني لما وقفت في العشر الأواخر من صفر سنة ست وعشرين وسبعمائة (٧٢٦هـ /١٣٢٥م)، على الأبيات التي أنشأها المولى جمال الدين بن الحسام وصيّة لابنه، في معاملة الأشراف بالجفاء، بقلم وإهانة قدرهم، والتحقير لأمرهم، وعدم الاكتراث بدعائهم، وإظهار البراءة من ولائهم، حصل عندي من ذلك المقت المتعد والورد على قلبي منه المؤلم المكمد، إذ صدر هذا الكلام ممن يدعى محبة أهل البيت، فإن المبغض يقول بملء فيه، ولا يندر عاقبة ما وقع فيه، فأما المنيب إلى المحبة والسلم، ويدعى أنه من أهل الأدب والعلم فكيف لا يقيد عن الهجا ألفاظه، وعن الخنا ألحاظه، ولم يرض هذا القائل بقول ذلك لابنه بمفرده، حتى جعلها وصيّة يعمل بها في حياته ومن بعد مفتقده. لا سيما إذ جعلها نظما مخلدا في بطون الأوراق، مشهورا عند أهل الخلاف والوفاق، مع علمه بميل النفوس إلى محبة المنظوم من الكلام، وانتشاره بين الخواص والعوام، مع ما تضمنه من الحث على المنع الذي جبلت النفوس عليه، وإسقاط بعض التكليف الذي ترتاح الأنفس الشحيحة إليه. 

ولقد عجبت ممن وقف على هذه الأبيات من أهل الإيمان كيف لا يرد على هذا القائل الغضبان، الذي أخرجه غضبه عن الطريق، ومال به عن مذهب أهل التحقيق. وكيف جاز له هذا الكلام مع قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾، وإجماع المفسرين على عموم ذلك في ولد علي وفاطمة، ولما نزلت هذه الآية الكريمة قال الصحابة رضى الله عنهم: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم فقال: «علي وفاطمة وولدهما». وكذلك آية الخمس ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُsَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾ أجمع المفسرون على عمومها، والصحيح المعول عليه أن العدالة لا تشترط في مستحق الخمس، والأخبار والآثار فى ذلك أكثر من أن تحصى. 

ولا يظن ظان أني أعتقد مساواة المعصومين مع غيرهم، ولا مساواة الصالحين بغيرهم، ولكني أقول مثلاً: أن الصوم قربة إلى الله تعالى وجنة من النار مع تفاوت درجاته، فصوم أيام البيض أفضل من صيام باقي الشهر، وصوم يوم الخميس والإثنين أفضل من صوم باقي الأيام، وعلى هذا الترتيب. فهذه سنة الله تعالى في خلقه وأمره لم يجعل الجميع بمنزلة واحدة، فسبحان المتفضل بأصول النعم وفروعها، المرشد إلى معقول العلوم ومسموعها، فلو سلك هذا القائل مسلك الأدب مع الله سبحانه، ومع رسوله وأهل بيت رسوله، لكان أولى به وأليق بمعتقده، وأليق من النسب إليهم بأي جهة كان من جهة الأنساب، وأزال عنهم انتساب الضيق والحرج، وأكرمهم على ما بهم من العوج. فقد روي عن مولانا أمير المؤمنين أنه سئل بعد وقعة [الجمل] عن عائشة وعن سبب خروجها لقتاله، فذكر أشياء ثم قال عقيب ذلك: ولها بعد حرمتها الأولى، وحسابها على الله تعالى. 

وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه أخبر عن امرأة من بني إسرائيل أنها دخلت الجنة لأجل كلب وجدته عطشاناً، فنزعت خفها فاستقت له ماء فسقته، فشكر الله سبحانه لها ذلك، فأدخلها الجنة. ولقد أذكر في هذا الحديث الدال علی کرم ربنا سبحانه و تعالى، وقبوله منا أيسر الأعمال والفضائل ما قاله بعض شعراء الأوائل: رأى المجنون في البيداء كلبا فمد له من الإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه وقالوا قد أنلت الكلب نيلا فقال دعوا الملامة إن عيني رأته واقفاً في باب ليلى 

وهذا القائل قد زاد في إهانة الأشراف ومعاملتهم بالخيبة والرد، حتى لقد جاوز في ذلك الحد. وما أحسن ما كان ينشده شيخنا الشيخ نجم الدين أبو القاسم بن سعيد رحمه الله تعالى: إن شئت صفني وأنصفني بلا سرف فالمدح أكثره كالذم بهتان ولا تضعني بإفراط المديح ففي زيادة الحد للمحدود نقصان 

هذا قوله رحمه الله تعالى في المفرط في المدح، مع ماجرت به عادة الشعراء من استعمال التوسع والمجاز والتغالى فى المدح، فكيف يكون حال المفرط في الذم، بل أقول لو نزل ضيف ذمي علی مسلم لاستحى أن يقابله ببعض ما أوصى به هذا المؤمن ابنه في معاملة الأشراف. فقد حكي عن بعض العرب أنه نزل به ضيف يهودي فأكرمه، فمرض اليهودي ومات عنده، فقام به وكفنه أحسن كفن، وجهزه أحسن جهاز، وحمله إلى قبره، فلما وضعه على شفير قبره رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنه ضيف، وأنت تعلم ما يجب للضيف، فإذا صار في قبره فشأنك بالخيث. فكيف يعم هذا المؤمن بوصيته لولده إهانة كل ضيف ينزل عليه من الأشراف لأجل نادرة جرت من بعضهم. 

وقد روينا بسند متصل موثوق إلى ابن عنين الشاعر المعروف أنه بعث معه الملك المعظم بمال إلى مكة شرفها الله تعالى، فلما قارب مكة خرجت عليه جماعة من الأشراف، فنهبوا ما معه، وناله منهم شدة وجراحة، فكتب إلى الملك المعظم قصيداً أولها: أعيت صفات نداك المصقع اللسنا وجزت في الجود حد الحسن والحسنا وهي طويلة يقول فيها: طهر بسيفك بيت الله من دنس و مـن خــاســـــة أقـــام بــه و خـنــا ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه فما يقاس إذا ما قسته عدنا ولا تقل إنهم أولاد فاطمة لو أدركوا آل حرب قاتلوا الحسنا 

فلما كان في الليل رأى في منامه امرأة مهيبة وحولها نسوة فسأل عنها، فقيل له: هذه فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فتقدم إليها وسلم عليها فأعرضت عنه، فقال لها: يا بنت رسول الله إني لكم محب وإني لكم لشيعة. فقالت له: يا فلان لقد سمعنا ما قلت فهل سمعت ما قلنا، ثم قالت صلوات الله عليها: حاشى بني فاطمة كلهم من دنس يعرض أو من خنا وإنما الأيام في صرفها وفعلها السوء أساءت بنا لإن أتى من ولدي واحد تجعل كل السب عمداً لنا فتب إلى الله فمن يقترف ذنباً بنا يغفر ما قد جنا فاصفح لأجل المصطفى أحمد ولا تثر من آله أعينا 

قال: فأنشدتها في منامي: عذراً إلى بنت نبي الهدي وتوبة تقبلها من أخي إساءة توقعه في العنا تصفح عن ذنب مسيء جنا والله لو قطعني واحد منهم بسيف البغي أو بالقنا لم أره في فعله ظالماً بل إنه في فعله أحسـنـا 

قال: فلما انتبهت كتبت بالمنام جميعه والأبيات إلى الملك المعظم فأرسل إلى بمال جزيل وكسوة تفرقتها في الأشراف والأخيار. والآثار في ذلك كثيرة، والحكايات بذلك أشهر من أن تذكر. وقد ذكرت في هذه الأوراق أبيات المولى جمال الدين التي أوصى بها لولده، ثم أتبعتها بالجواب كل الذى منح الله تعالى به على، فمن وقف عليها بعين التقوى لا بعين الهوى، عرف الحق فإن الرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال. 

وهذه أبيات المولى جمال الدين بن الحسام: احذر بني بأن تغطي وارداً بقباك منسوباً إلى الشرفاء يسري به ليلاً وتصبح عارياً في الدارسين وبا بغير قباء وإذا أتاك فغطه بثيابه متوسداً حجراً على الرمضاء وامهد لجنبيه صعيداً طيباً فالترب للأشراف خير وطاء واجعل له خبز الزوان ضيافة وإدامه من بقلة الحمقاء لیرى في إثر ذلك نشوة غلبت عليه كنشوة الصهباء ويروح مغبونا بأسوأ حالة عنكم ولا تحفل له بدعاء وإذا ابتغى لك رقعة بشفاعة في الخمس تكتبها إلى الأحياء فاكتب إلى سعد له وابعث به ليكون أخبث صفقة ورجاء أو نحو عطاف فوجه وجهه ليمر عنه ضامر الأحشاء أو نحو دار البدر فارم بغرمه تقذف به في حوزة خشناء إلا الذين ترى لهم من ربهم خوفاً يصدهم عن الفحشاء أهل الفضائل والتقى فودادهم فرض على السراء والضراء هذه وصاة أبيك غير خفية فاقبل وصية أشفق الآباء 

وهذه الأبيات التي أجاب بها السيد نجم الدين مهنا متع الله بحياته وأجاد من بركاته: یا معشر العلماء والفضلاء والمنتمين إلى بني الزهراء ما تعجبون من الذي في قوله أوصى بنيه بجفوة الشرفاء جعل الصعيد فراشهم و غذاهم زيوانة مع بقلة الحمقاء وغدا يبالغ في إهانة قدرهم بقساوة وفضاضة وجفاء والله ما هذي مقالة صادق في حبه للسادة النجباء بل لو أتي هذا الكلام وبعضه ممن يعاند من ذوي الشحناء لتسارع العقلاء في تكذيبه من عظم ما أبدى من الفحشاء هلا اقتدى هذا المحب بزعمه في حبه بمقالة العلماء وبما أتى في سورة الشورى لهم من فرض حبهم على الأحياء فإذا وجدنا صالحاً فنحبه لله في السراء والضراء وإذا وجدنا غيره فنحبه لرسوله ولآله الكرماء أولا فماذا الفرق بين محبهم أو غيرهم من سائر الصلحاء إذ كل شخص صالح فوداده حتم ندین به بغیر مراء ولقد أتى عن بعض أهل العلم ما فيه الشفاء وحسرة الأعداء قالوا جميعاً إن آل محمد مثل الكتاب قرينهم بسواء يرعى الجميع ويكرمون محبة لا فرق في الصلحاء والسفهاء فالصالح المعروف منهم يقتدى بفعاله كالآية الغراء والغير يرعى قربة و محبة كالآية المنسوخة الأنباء لا يقتدى بفعاله لكنه يرعى ويكرم حرمة الآباء فالله أخبـــر عـــن جــدار مائل فأقامه خضر بغير جزاء وأرى الذي قد قال هذا لابنه أوصاه ضد وصية الحكماء ويمن أن أسدى إليهم منة مبرورة من أتفه الأشياء والمن لله الكريم وفضله ورسوله ولآله الشفعاء 

تمت الرسالة ولله الحمد والمنة 

٢. في رد ابن الحسام على رسالة السيد مهنا: 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، يقول العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أبي الغيث على الله عنه، إنني لما وقفت على ما ألفه المولى الأجل السيد الجليل المسمى مهنا بن سنان، الذي أيده الله للصواب من إنكاره علينا الأبيات التي تضمنت الوصاءة بالتحرز ممن لا يوثق بأمانته ومعاملته بقلة الاحتفال بالماكل والدثار والفرش، وإتحافه بالرقع التي لا تجدي نفعاً. وعقبتها بالاستثناء ستثناء فى حسن المعاملة لمن كان من أهل الديانة والعفاف والتقوى والصيانة فأقول: 

أولا: أن ذلك كان على سبيل المزح والدعاية بين بعض الإخوان والمطايبة، ولم يخرج بذلك الإخوان يجرى بينهم الجد والهزل والدعاية. فقد روى عن سيدنا رسول الله أنه قال: الرجل المقول فيه تلك الأبيات، ولا تغير عن حاله في حسن العشرة وطيب المحادثة. وما زال مثله في البصائر والذخائر. وقال حبيب بن أوس الطائي يمدح رجلاً: الجد شيمته وفيه فكاهة سجح ولا جد لمن لم يلعب 

وكان ينبغى لهذا السيد أن يتأمل هذه الحادثة قبل الإنكار، الذى تجاوز فيه الحد كما ادعى علينا، وينصف بيننا وبينه، ويميز فعلنا وفعله، ويقابل كلامنا بحكم حادثته. وأنا الآن أبين وجه الخطأ فيما اعتمد بالدعوى والبهت فأقول: العمري لقد أنكرت ما ليس منكراً وأعرضت عن إنكار ما هو منكر 

لا خلاف بين علماء الفقه أن من شروط إنكار المنكر أن يظهر للمنكر استمرار فعل القبيح، وعدم الإقلاع عنه. وهذه واقعة لها منذ جرت نيف وعشرون سنة، فمن أين له العمل بالاستمرار عليه؟ هذا إذا ثبت أن ذلك منكرا، وأنا أبين أن القصة حق، وأنها مبنية على كتاب الله تعالى وسنة نبيه، الجارية إلى يوم القيمة، بإيضاح من القول إن شاء الله تعالى بمشية الله سبحانه فأقول: 

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ولم يستثن شريفا ولا وضيعا. فياليت شعري لو تحاكمت أنا والذي سرق دثاری وغدا به سر البلا من بيتى، إلى رسول الله ﷺ، أو إلى ولي أمر من ولاة الإسلام، واعترف به الحاكم، أكان يقول: إني لا أعاقبك لأنك شريف مستثنى في حكم آية القطع، فما أظن ذلك. 

ولقد نزل بي من هذه العصابة – التي لا أؤثر تعيينهم بهذه المثالب – رجل قد نيف على السبعين سنة فبالغت في إكرامه، وأمهدت له عند النوم فراشاً حسناً، ودثرته بأحسن دثار كان عندي، وأمرت بعض صبياني بالمبيت عنده، لحاجة تعرض له من عوز ما أن يرام في الليل، وغير ذلك، فجاءني الصبي آخر الليل مذعوراً، فسألته عن حاله، فقال: إن ضيفنا قام إلى حين نمت، ورام أن يفعل بي فاحشة، فأخذت عصا كانت معه فضربته بها ضرباً مبرحاً، حتى دفعته عن نفسي، وأخذ دابته وانصرف، ولم يحضر عندي إلى الآن. ويقول هذا السيد عنى: هذا الغضبان. فمن لا يغضب لمثل هذه القبائح [؟]. 

وأما ادعاؤه إجماع المفسرين على أن آية المودة جامعة لمن ولدته فاطمة، فهذه دعوى منه محضة، ويُعكس الأمر عليه بآيات كثيرة، ومذهب أكثر الإمامية أنهم أولو الأمر القائمون مقام الرسول، روي ذلك عن علي بن الحسين، والأخبار واردة في ذلك، وأنا أذكر منها ما يصلح عند المصير إليها، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. وما أمر الله سبحانه بإقامة الحدود وإهانة من مرتكبي الفواحش إلا عاماً، ولم يستثن شريفاً من غيره. ولقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. ولعمري إن الحد إذا وجب على الشريف إن كان قتلاً أو قطعاً أو تعزيراً فإن فيه غاية الإهانة والضرر. فعلى قاعدة السيد لا يجب عليه شيئ من ذلك لأن فيه إهانة، ونحن نرعاهم لأجل رسول الله ﷺ، نعوذ بالله من هذا الاعتقاد، ولو شئت لأطلنا، لكن القليل كاف لمن أنصف وأحسن النظر. 

وأما المنقول من السنة المأثورة والأخبار المشهورة فأن رسول الله ﷺ كان يلقى أهل المعاصى بوجوه مكفهرة، والتزهيد في مجالستهم. وقول أمير المؤمنين وقد وصف الإيمان وشعبه وقال في جملتها: «شنان الفاسقين»، ولم يستثن أحدا من غيره، ولم يرخص الله تعالى ولا رسوله ولا الأئمة الراشدون صلوات الله عليهم أجمعين لأحد من الخلق في معصية الله تعالى، بل قد هدد الله سبحانه و تعالى سيد ولد آدم وحذره فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ولقد رأينا بإسناد متصل صحيح ان رسول الله صعد الصفا و نادى بأعلى صوته: «یا بنی هاشم یا بنی عبد المطلب، لا يأتى الناس يوم القيامة يحملون الآخرة، وتأتون تحملون الدنيا تقولون نحن قرابة محمد، والله ما قرابتي منكم من عصى الله وإن قربت لحمته، فاتقوا الله اتقوا الله». وقد قيل إنه لما خرج زيد بن موسى الكاظم بالبصرة بعث إليه المأمون بخيل فأسر، وحمل إلى المأمون، فقال المأمون: اذهبوا به إلى أخيه الرضا، فلما دخل عليه قال: يازيد أغرك قول سفهاء أهل الكوفة: إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، ذلك للحسن والحسين. 

فإن كنت ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة، ورسول الله أطاع الله فدخل الجنة، فأنت إذاً أكرم على الله من رسول الله ﷺ، إنه لا ينال ما عند الله تعالى إلا بطاعته، وأنت زعمت أنك تناله بمعصيته فبئس ما ترى. فقال زيد: أنا أخوك وابن أمك، فقال الرضا: أنت أخي ما أطعت الله تعالى، إن نوحاً قال ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، فأخرجه الله من نسبه بمعصيته. 

وقد روى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: «خدمت سيدنا الإمام أبا جعفر محمد بن علي ثمانية عشر سنة، فلما أردت الخروج ودعته وقلت: أفدني فقال: بعد ثمانية عشر يا جابر، فقلت: نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره، فقال: يا جابر بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله تعالى، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا، ومن عصي الله لم ينفعه حبنا»، فهذه سننه كما ترى في القريب والبعيد، والسحيق والنسيب، ما أظنه جايا شريفا لأجل شرفه، ولقد أدينا الله فأحسن أدبه، فقال سبحانه ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وما قال إن كان من ولدك لا تعرض عنه. وقال في قصة نوح ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، وتلك عادة الله في عباده من أول الدهر إلى آخره. 

ولقد بلغنا أن بعض بنات مولانا أمير المؤمنين فاوضت كاتبه وخازن بيت ماله على ابن أبي رافع في أن تستعير منه عقدا من بيت المال تتجمل به في وليمة، فعلم بذلك أمير المؤمنين فزبره بأنواع الوعيد، وقال لابنته كلاماً من جملته: «أتريدين أن تكونين أول هاشمية قطعت يدها في جناية»، فلم يرخص في إعارة شيء مردود حتى توعد بما ذكر. فكيف نسامح أهل المعاصي على ترك الواجبات، وفعل المقبحات، وقتل النفوس المعصومة، لولا قلة التأمل والإنصاف. 

ولقد ألم بالمدينة النبوية على ساكنها السلام رجل ذكر أنه شريف، وأن عمره مائة سنة، فسأله بعضنا عن عدد الفرائض، فلم يأت بالخمس بشيء مستقيم، بل قال: الصبح خمس والظهر سبع والعصر ثلاث. وكذلك مر بنا رجل شريف من ناحية العراق تارك للصلاة مستمر في تركها، فقال له بعض الإخوان: لم لا تصلي؟ فقال: يكون رسول الله جدي وأصلي؟ ومما شاع خبره واستفاض أمره، ما جرى بمشهد السبط الشهيد من سفك الدم الحرام وسلب الأموال وهتك الحريم. وكمثل ما جرى على السيد الجليل العالى المنزلة تاج الدين الاوى وبنيه من سفك دمائهم وتقطيع أعضائهم بسيوف بني عمهم ظلما وعدوانا، واجتراء على الله ورسوله وآبائه الطاهرين، فعلى مذهب هذا المولى السيد يلزم مودة هؤلاء مع هذه المقالة الشنيعة، والقبائح الفظيعة، فيا لله وللإسلام هل يذهب إلى هذا القول أحد، وأى محادة أعظم من سفك الدم الحرام في الحرم الشريف، وترك الفرائض التي فرق الله سبحانه بها بين المسلم والكافر بقوله: ليس بين أحدكم وبين الكفر إلا ترك الصلاة. 

ولقد رآني بعض الإخوان، ممن أثق به وأعتقد صلاحه، وأنا مقبل على شخص من هذه العصابة المشار إليها بالمودة والتعظيم، فأشار إلي أنني سمعت هذا المحدث لك في يومي هذا، وقد سب أمير المؤمنين سباً شنيعاً صريحاً فزبرته، فقال: لم لا قتل من نازعنا الأمر وأراحنا من السؤال. من أعجب الأشياء وأغربها ادعاء السيد إجماع المفسرين على أن آية المودة عامة في ولد الزهراء، فيلزم على ذلك مودة هذا الساب لأمير المؤمنين، بل لرسول الله ﷺ، بل لله. ويلزم إكرام جميع الأشراف المخالفين من الزيدية، والمعتقدين عدم إمامة علي بن الحسين زين العابدين، وفي هذا ما فيه، وفي ذلك نسخ حكم الآية ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾، وأي محادة لله تعالى أعظم من سب أمير المؤمنين، وسفك دماء بنيه لولا قلة الإنصاف. 

وتری يا ليت شعري لو قمت أنا وهذا السيد بين يدي رسول الله ﷺ، وتحاكمنا إليه، وقال هذا السيد المنكر ما ليس بمنكر: يا رسول الله: هذا قال شعراً وأمر ولده بإهانة من سرق متاعه وتكرر منه، ورام الفحشاء ببعض من يخدمه من فتيانه، ويحذرهم من مودتهم، وتوسيدهم الحجر وتوطئهم الأرض. ثم عقب ذلك لولده بالوصية: بخفض جناحه والإحسان إلى كل من كان من أهل التقوى من هذه العصابة، ومحمد بن منصور وغيرهم من السادة الأخيار، منهم الفقهاء والقراء ذوي الدين والورع والإصلاح والعفة. وقلت أنا: يا رسول الله إني أتوالى الصالحين من ذريتك، وأسعى في حوائجهم، واخلصهم المودة، دون أهل المعاصى والكبائر والفواحش، الذين نهيت عن مودتهم فى محكم ما أنزله الله عليك. أتراه كان يقيم على الحد، وهو يعلم صدقی. حاشاه من ذلك، ما هذه آدابه الذى أدبه الله بها، وهو يقول: ﴿…وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فلا يخاد عن أحد نفسه ويعللها بالاماني، فوالله ما رخص الله لأحد من خلقه في معصيته كاننا من كان، وما أحسن قول المتنبي: إذا علوى لم يكن مثل طاهر فما هو إلا حجة للنواصب 

وقول آخر: عليك بتقوى الله في كل حالة ولا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب 

وأما ما ذكره السيد من منام ابن عنين الشاعر، وحكاية الكلب الذي أضافه، وما شاكل هذه التعاليل الواهية التي لا تثمر علما ولا تجدي نفعاً، فإن الآية المتقدمة قد مر عليها إلا أن يدعى نسخها فيكون خروجاً عن إجماع المسلمين. ثم متى حكي عن أحد من علماء الإمامة أو غيرهم، العمل بالمنامات في شيء من أمور الدين، خصوصا مثل منام ابن عنين الشاعر، والذى كان ينبغى أن نحكم فيمن قطع الطريق عليه، وأخذ متاعه ونهب رحله بحكم قوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا…﴾ إلى آخر الآية، اللهم إلا أن يقول هذا السيد إن ذلك مختص بغير الهاشمي، فيكون ذلك خرقاً لإجماع المسلمين. 

وأما الضيف الذي أضافه اليهودي فما كان ينبغي للمسلم إكرامه، وهو من جملة أعداء الله وأعداء رسوله. ولقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: من كان منا في بلدة وفيها من هو أتقى منه فليس منا. وقال: القوني بأعمالكم ولا تلقوني بأنسابكم. وقوله لفاطمة: يا بنية إن أباك لا يغني عنك شيئاً. مع حصول الإجماع على أنه صاحب الشفاعة والحوض واللواء. كل ذلك يحذر أمته وأهله من ارتكاب المعاصي. وأن أفضلهم عند الله أتقاهم، ولم يقل أفضلهم من كان من بني فلان، ولا قرابة فلان، والقربى الذين أمر الله بمودتهم من قرباء رسول الله – صلى الله عليه وعليهم – الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فالأمر بالاقتداء بهم والكون معهم، ولو كانت الآية عامة في كل قرابة لرسول الله لكان يلزم على هذه القاعدة أن من لم يصل لله ركعة مدة حياته وأد من شرب الخمر وتناول المسكرات وفعل المحرمات وقتل النفس الحرام تكون مودته علينا واجبة كوجوب مودة السيد المرتضى والرضي رضي الله عنهما. ومودة من بناحيتنا من السادة الأشراف الصالحين رضي الله عنهم أجمعين، كمودة زين العابدين والباقر والصادق في الوجوب، وإن تفاضلت المودة كما ذكر هذا السيد في أحكام الصوم، وأن فعل بعضه أفضل عن بعض كالخميس والإثنين، فياليت شعري أي مناسبة بين هذين الأمرين، والصوم عبادة مأمور بها مرغب فيها. وهجر أهل المعاصي والقول فيهم ومباينتهم والأمر بإقامة الحدود على مرتكبي القبائح منهم، وقطع الأيدي في السرقة، والقتل والصلب والنفي للمحاربين لله ورسوله، والسعي فسادا في الأرض، إن وقع من أحد ممن ينتمي إلى هذه العصابة وغيرها حكم شرعي وتكليف، جاء في كتاب الله تعالى في أي كثير كقوله سبحانه ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية، وأي سعي في الأرض بالفساد أعظم من سفك دماء المسلمين. فقد بلغني [أن] مؤذن مشهد مولانا أبي عبد الله الحسين بن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليهما ذبح بالحضرة الشريفة ظلماً وعدواناً، اللهم إلا أن يكون من أوقع شيئاً من هذه الفواحش ممن ينتهي إلى هذه الشجرة المباركة لا يجب عليه إنكار منكر ولا إقامة حد، قد نسب الخالق عز وجل إلى المحاباة والعمل بالهوى، نعوذ بالله من ذلك. 

فأما ما ذكره هذا السيد في شعره من حديث الجدار الذي أقامه العالم لحفظ الكنز الذي تحته للغلامين لصلاح أبيهما، فلقد كان كذلك، لكنه قتل الغلام الذي كان أبواه مؤمنين لما خشي أن يرهقهما طغياناً وكفراً، وهذه حجتنا بعينها، إذ لم ينفع الغلام إيمان أبويه والحمد لله وله المنة. ولقد أخبرني ثلاثة من صالحي فقهائنا عن رجل من الجماعة أعرفه باسمه ونسبه أنه سأله عن حكم من فجر بام زوجته وأختها وأخيها هل تحرم زوجته أم لا، فقال له الفقيه: ومن يعمل هذا، قال: أنا فعلته. فيا للمسلمين يجب مودة مثل هذا وهو يخبر عن نفسه بمثل هذه الكبائر مختارا، كما تجب مودة أهل البيت وإن نقصت في الزيتية. ما أبعد هذا القول عن الصواب وإلى الله المشتكى. 

والصادق يقول: لن تنالوا ولا يتنا إلا بالورع. وعنه يعظ أصحابه بما هو مسطور عند الطائفة: لا يقول أحدكم إني أحب علياً، والله إن محمداً عند الله تعالى خير من علي، ولو أن رجلاً أحب محمداً ثم عصى الله لم ينفعه حب محمد، فاتقوا الله اتقوا الله اتقوا الله. 

وقد حكى الشيخ ورام بن أبي فراس في كتابه عن عيسى بن مريم قال: تقربوا إلى الله تعالى بسب أهل المعاصي والأخذ فيهم، وطلب رضى الله تعالى بسخطهم. وهذا عام، فليتق امرء ربه ويترك هذه التعللات الذي يركن إليها من لم يرغب في بذل النفس في طاعة الله تعالى، فقد قيل عنهم: لن ينال ما عند الله عز وجل إلا بنفس جاهدة وعين شاهدة [وقد قال الله] ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ولم يقل من كان من آل فلان فيكفيه ذلك عن العلم والعمل. 

ولقد حضر عندي قبل ورود هذه الرسالة المتضمنة إنكار غير المنكر، رجل يطلب شيئاً من الخمس، فقلت له انسب الأئمة، فقال: ما أعرف شيئاً من هذا الهذيان، أو ما هذا معناه، ما أعرف إلا علي بن أبي طالب وأمي فاطمة. فأي إهمال لأمر الدين أفظع من هذه الأحوال، نسأل الله كشف الغفلة والتوفيق للهداية. ولقد كنت أكره كشف عوار أحد من عروض الناس وأطرافهم، فضلاً عمن ينتمي إلى هذه الشجرة المباركة الطيبة، ولكن الضرورة ألجأت إلى إقامة الدليل وصحة العذر إن أنصف المعتذر إليه، ولقد تنصلت عن الجواب من هذه الرسالة وتثاقلت، فأبي علي من طاعته حتم وإجابته غنم، فامتثلت أمره بهذا القدر اليسير، على تعب الخاطر وكد الناظر، أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، فقد قيل كفى من القلادة ما أحاط بالعنق، ومما خطر لي من النظم في هذا المعنى عند من أعرف هذه الرسالة أن قلت: وإني لأهوى المصطفى ووصيه وفاطمة بنت النبي المعظم وسبطي رسول الله والتسعة الأولى ثوى حبهم ما بين لحمي وأعظمي هم السادة الأخيار من آل هاشم ودادهـم فـرض على كل مسلم وأهوى من الأشراف من كان سالكا طريقتهم يعزي إليها وينتمي وأكره من لا خير فيه من الوري بنص من القرآن في ذاك محكم أمرنا بهجر الفاسقين ومقتهم ولو أنهم آباؤنا فافهم افهم أبو لهب قد كان أدنى قرابة وتبت يداه من ثواب وأنعم ولم يغن عنه ماله يوم حشره ولا كسبه لما ثوى في جهنم فلا يخد عن عاص من الناس نفسه فلسنا على أمر من الدين منهم 

وهذه قصيدة في مدح أمير المؤمنين، وأنى لي بمدحه وبلوغ الغاية فيه وفي فضائله، وهي أكثر وأشهر من أن يحيط بها نظم أو نثر، لكن على سبيل الشرف نذكره صلوات الله عليه، وهي هذه الأبيات: يا آية الرحمن في أرضه ويا دليل التائه الحائر والعروة الوثقى الذي حقه في عنق المؤمن والكافر ويا شريك المصطفى إذ دعا أحب خلق الله في الطائر ويا أخاه دون أصحابه وأهله الغائب والحاضر وناصر الإسلام في خيبر بسيفه أفديك من ناصر وقالع الباب ومردي العدى من كل طاغ مسرف فاجر وموطئ الأحزاب أعناقهم وقاتل الكبش أخي عامر والبائت الواقي نبي الهدى على فراش الخائف الساهر والثابت الجأش وقد أدبروا في يوم أحد كالقطى النافر وأنت دون المصطفى قائم تحرسه كالأسد الخادر ترد عنه كلما أقبلت كتيبة بالصارم الباتر حتى استوى في ظهر ملمومة بطلعة كالقمر الزاهر أنت الذى قد كنت لمانزل مطهر الباطن والظاهر ما حبك الله على ريبة لا والمليك العالم القادر ومطعم الزاد على حبه ومنعش المسكين والعاثر وكل علم فاض بين الورى ممده من بحرك الزاخر من حاز ما قد حزت من رتبة قل لي من الأول والآخر وسد أبوابهم ما خلا بابك أمر الملك القاهر مناقب لو رمت تعدادها لتاه عن تعدادها خاطر يا حجة الله على خلقه ونوره الساطع للناظر جائزتي منك التي ابتغي شربة من كفيك الطاهر فلست أظمأ بعدها إنها أول أمن الخائف الحاذر عادتك الجود فجد لي بها ولا تسمني صفقة الخاسر كرامة الزائر عنكم أتت مفروضة من تحفة الزائر يزوركم قلبي وإن لم أكن مخيماً في تربة الحائر 

آخر الرسالة الموسومة بكشف اليقين في مودة المتقين وشنآن الفاسقين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، وتتلوها رسالة لنقضها للسيد مهنا بن سنان رحمه الله تعالى وإيانا بمحمد النبي وآله. 

٣. في رد السيد مهنا على رد ابن الحسام: رسالة الإيضاح والتبيين في الرد على الرسالة الأولى 

بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني، عفى الله عنه بفضله وكرمه: الحمد لله الذي هدانا إلى معرفته، وألهمنا القول بالعدل في أقواله وأقضيته، واختصنا باتباع نبيه وموالاة الأئمة من عترته، ووفقنا للعمل بطاعته، ووعدنا الجنة وهو الصادق في عدته، وذلك بفضله، لا بأعمالنا التي لا تقوم وإن اجتهدنا تمام الاجتهاد لشكر أقل نعمته، وأخبرنا رسوله بذلك، فقال: ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، ما تحيز جسم في جهته. 

وبعد، وقفت على الرسالة التي ألفها الشيخ العالم الفاضل جمال الدين إبراهيم بن أبي الغيث، نفع الله ببركته، ووسمها بكشف اليقين فى مودة المتقين وشنان الفاسقين فوجدتها دالة على غزارة علمه، غير أنه وفقه الله تعالى لم يخلها من تعصب وعدم إنصاف، لأن جميع ما أنكره وذكره – أحسن الله إليه – لم يجر له ذكر فى الرسالة الواصلة إليه، ولكنه رمى فى غير مرمى، وأنكر على من لم يصدر منه منكر، وبالغ في النزع واستفرغ في ذلك الوسع، فكتبت هذه الرسالة لا للرد عليه بل لإيضاح الحق بين يديه، فهو نفع الله به ممن إذا وضح له الحق اتبعه، وإذا ظهر له الباطل لم يبق معه. ووسمتها برسالة الإيضاح والتبيين بفضل رب العالمين على عباده المطيعين والمذنبين. وقبل الشروع فى الجواب عما أسطره أذكر مقدمة توطئية للجواب، ليسهل بالوقوف عليها إصابة الصواب، ثم بعد ذلك اتتبع جميع ما ذكره من الأبواب، وأجيب عنه بعون الله تعالى فصلا فصلا من غير إخلال ولا إطناب. وبالله استعين في كل فعل وخطاب، وأسأله أن يجمع لنا بفضله بين خير الدنيا وحسن المآب. 

فأقول وبالله التوفيق: ان الإيمان في اللغة هو: التصديق، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ والإيمان عند أكثر الأمة هو التصديق أيضاً، والإيمان عند الطائفة المحقة هو اعتقاد: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة. هذه الأركان الأربعة شرط فى صحة الإيمان، وما عدا ذلك من فعل الواجبات وترك المحرمات ليس شرطا في صحة الإيمان، وإن كان ذلك من كمال الإيمان. والدليل على ذلك من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وإجماع الطائفة. أما كتاب الله تعالى ففيه آيات كريمة تدل على أن الأعمال الصالحة ليست شرطاً في صحة الإيمان، وفيه آيات كريمة تدل على أن عمل المعاصي لا ينافي الإيمان. 

أما الآيات الكريمة التي تدل على أن الأعمال الصالحة ليست شرطاً في صحة الإيمان فكقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فدلت هذه الآية الكريمة على أن الإيمان غير عمل الصالحات، وكذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وكذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾، وغير ذلك من الآيات الكريمة. 

وأما الآيات الكريمة التي تدل على عدم المنافاة بين الإيمان وعمل المعاصي، فقوله تعالى في أهل بدر وهم خير عصابة على وجه الأرض يومئذ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾، فأثبت الله تعالى لهم الإيمان مع ما حكى عنهم في الآية الكريمة. وكذلك قوله تعالى في حق أبي لبابة، وقصته مشهورة في كتب السير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فأثبت الله تعالى له الإيمان مع ما فعله من خيانة الرسول ﷺ حين أرسله إلى بني قريظة. وكذلك قوله تعالى في حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه، لما كاتب المشركين عام الفتح بأن سيدنا رسول الله ﷺ يقصدهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، فأثبت الله تعالى له الإيمان مع إفشائه سر سيدنا رسول الله ﷺ، ومكاتبته للمشركين بذلك. وكذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىٰ﴾، ثم قال بعد ذلك ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم قال سبحانه ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ قسمى الله سبحانه القاتل في أول هذه الآية الكريمة مؤمنا، وفى وسطها أخا، ولم يويئسه من التخفيف والرحمة في آخرها. ثم قال تعالى لجميع المؤمنين من أهل الكبائر وغيرهم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فسماهم الله تعالى كلهم باسم واحد وهو الإيمان، ثم شهد الله تعالى والملائكة وأولوا العلم أن الدين واحد، فقال سبحانه ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فأثبت الله سبحانه الإيمان للجميع، لمن لم يعمل سوءا، ولمن عمل في أول الآية الكريمة، ثم سلم على الجميع في أثنائها، ثم وعد الجميع بالرحمة في آخرها، فسبحان الحليم الكريم. فهلا يقتدى العاقل بمخاطبة مالك الملك لعباده، فما أحسن هذه المخاطبة والذها في الأسماء، وأدعاها للكافر إلى الإسلام، وللمسلم إلى الإيمان، وللمؤمن إلى الإخلاص، وللعاصى إلى التوبة، وللتائب إلى العمل. وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، وأجمع العلماء من عند اخر هم أن كل من تاب قبل الغرغرة فهو داخل تحت حكم هذه الآية الكريمة. وعن سيدنا رسول الله أنه قال: تقبل توبة العبد ما لم يغرغر. والآية الكريمة بنفسها تدل على ذلك لقوله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، فهذا بعض ما ورد في كتاب الله تعالى. 

وأما ما ورد في سنة سيدنا رسول الله ﷺ مما اتفق على نقله المؤالف والمخالف، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن سيدنا رسول الله له أنه قال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنا وإن سرق، قال: وإن زنا وإن سرق، قلت: وإن زنا وإن سرق، قال: وإن زنا وإن سرق، قلت وإن زنا وإن سرق قال وإن زنا وإن سرق، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، قال: فخرج أبو ذر رضي الله عنه وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر. وما روي عنه أيضاً أنه: قيل يا رسول الله: المؤمن يزني، قال: نعم، قيل يا رسول الله، المؤمن يسرق: قال: نعم، قيل يا رسول الله المؤمن يكذب، فقال: لا، الكذب مجانب الإيمان. فهذا بعض ما ورد في السنة. 

وأما إجماع الطائفة، فلا يحتاج فيه إلى إقامة دليل لأن من خالطهم عرف ذلك من مذهبهم، وكتب أصولهم مملوءة بذلك. فإذا ثبت هذا فنقول: إن المؤمن الفاسق يجب علينا مودته ومدحه لإيمانه، ونقطع على أنه من أهل الجنة والثواب. أما على مذهب السيد المرتضى ومن تبعه، على أن الإيمان لا يتعقبه كفر، أو بشرط الموافاة عند من يجوز الكفر – نعوذ بالله منه – بعد الإيمان، ويجب علينا بغضه وذمه لفسقه، ولا نقطع بدخوله النار – نعوذ بالله منها – إلا بشروط؛ وهو الموت على غير توبة، وعدم عفو الله تعالى عنه، وعدم شفاعة سيدنا رسول الله فيه نعوذ بالله من ذلك ثم اخر أمره إلى الجنة. نسأل الله الجنة بفضله. 

وقد روى عن مولانا الحسين بن على أنه ذكر عنده رجل فقالوا: لا خير فيه، فقال الحسین: من ورائه ثلاثة أشياء لا يهلك عليها إلا هالك شهادة أن لا إله إلا الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله. وإذا تقرّرت هذه المقدمة بحمد الله تعالى ومنه، فلنشرع الآن بحول الله وقوته في إيراد ما سطره الشيخ العالم جمال الدين نفع الله ببركته فصلا فصلا، وفي الجواب عنه. ولله الحمد أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً. 

أما ما ذكره – متع الله بحياته – أن أبياته التي تضمنت إهانة كل وارد عليهم من الأشراف والاستخفاف بحقه وعدم الاكتراث بدعائه من غير اعتبار بحاله، إنما صدرت منه على جهة المزح والدعابة، فإن المزح لا يجوز بدم المسلم وإهانته وتحقير أمره وتصغير شأنه، ولم يبح المزح على هذا الوجه أحد من العلماء رضوان الله عليهم، واستشهاده في هذا المقام بما رواه عن سيدنا رسول الله أنه قال: أمجن ولا أقول إلا الحق. فأول ما في هذه الرواية أنها لم ترد بلفظ المجن، بل ما وردت الا بلفظ المزح، فإنه روي عنه أنه قال: إنى أمزح ولا أقول الاحقاً. وحاشاه من المجانة، فإن المجانة خلاعة، والمزح شيء غير المجن. والثاني أنه لا يقول إلا الحق، فإن كان هجاء المسلم والاستهانة به والتحقير لشأنه حقا، فانه يجوز الاستشهاد عليه بالرواية، وإن كان ذلك ليس بحق فكيف يجوز الاستشهاد عليه بمزحه. ومولانا أعلى مرتبة وأغزر علماً من أن يستشهد على ما تضمنته أبياته بمزح سيدنا رسول الله، الذي لا يقول إلا الحق ولا ينطق عن الهوى، بل لا يجوز المماثلة بينهما بحال من الأحوال. 

أما ما ذكره – أحسن الله إليه – من أن الإنكار عليه كان بمجرد الدعوى والبهت فهذا الكلام هو البهت بعينه، فإن البهت أن يقول الإنسان عن غيره ما لم يقله ولم يفعله، ولم يذكر عن الشيخ – نفع الله به – إلا ما نطق به لسانه وسطرته يده، وشاعت به أبياته، فأين البهت لولا البهت. 

وأما قوله – متع الله بحياته – أن من شرط الإنكار ظهور الاستمرار، فهذا صحيح، ويكفي في ذلك غلبة الظن بالاستمرار، والأبيات المذكورة ظاهرها الاستمرار لأنها وصية. 

وأما قوله – أحسن الله إليه – عن الآية الكريمة وهي قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يستثن شريفاً ولا غيره، فهذه بشاعة محضة، لأن أحداً لم يبح للشريف المعاصي، ولم يقل أنه لا يقام عليه الحدود، والكلام في الرسالة الأولى إن كان يتضمن رفع الحد عن الشريف أو إباحة المعاصى له، فالرد في ذلك متوجه، والإنكار صحيح، وإن لم يكن يتضمن شيئاً من ذلك. فما بال المؤمن لا ينصف في بحثه، وغاية ما في الرسالة الأولى أنه ينبغي إكرام الأشراف على ما بهم من العوج، ولم أتعرض لآحاد من صدر منه ما يوجب الحد، ولم أقل أنه لا يؤخذ منه الحق ولا يقام عليه الحد. فأى إنكار يقع في هذا، ولو كنا لا نود ولا نكرم إلا من لا عوج فيه لما وجدناه أصلاً، إلا أن يكون من المعصومين عليهم السلام. ولا يغتر أحد بعمله ويدل على ربه، فوالله لو فتش الإنسان نفسه على حقيقة لوجد نفسه غارقة في بحار الذنوب التي لا تحصى كثرة، مثل الرياء والتصنع لمن يراه، والحسد للمسلمين، والتهمة لهم، وسوء الظن بهم، والغش والغيبة والنميمة والتفكه بالأخذ فى أعراض المسلمين، والنظر إليهم بعين الإزدراء لأنه قد صار أرفع درجة منهم عند الله تعالى بزعمه لما يتخيله في نفسه. وهذا مقام الجاهل بنفسه، الغافل عنها وعن عظمة الله تعالى، لأنه إذا راء نفسه، وأنه قد تنزه عما يقع فيه عوام المسلمين من الزنا واللواط وشرب الخمر ظن أنه قد وصل ولم يبق فوقه مرتبة يرومها، وما يعلم أنه قد وقع فيما هو أعظم مما ترك، لأن تلك الذنوب بين العبد وبين ربه، وهذه أكثرها بينه وبين العباد، وقد صح عن أهل الست أنهم قالوا: الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب لله فيه المشيئة، إن شاء غفر وإن شاء عذب، فأما الذنب الذي لا يغفر؛ فالشرك بالله، وأما الذنب الذى لا يترك فمظالم العباد، وأما الذنب الذى لله فيه المشيئة فالذنب الذي بين العبد وبين ربه. فلو قاس المسكين أعماله الصالحة لوجدها غير خالصة، بل مشوبة مكدرة بأشياء يطول شرحها، يعرفها من وفقه الله تعالى لمحاسبة نفسه، فمنها ما يقتضى بالخير والصلاح على خلاف ما نقص أعماله، ومنها ما يقتضى بطلانها، فسبحان الحليم الستار. ولو سلمنا أنه خلص من هذه الأشياء جميعها، وهذا مما يتعذر على غير المعصوم، لكان عجبه بنفسه وبأعماله أعظم عند الله تعالى من معصية العاصي المعترف لله سبحانه بذنوبه وتقصيره، الناظر إلى نفسه بعين الازدراء. 

فقد روي عن سيدنا رسول الله أنه قال: لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك، العجب العجب. فما ظنك بذنب جعل سيدنا رسول الله ﷺ ارتكاب الذنوب خيراً منه. وعنه أنه قال: النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت. فكيف يكون حال من ينتظر المقت من الله بالنسبة إلى من ينتظر الرحمة منه سبحانه. 

وأما ما ذكره – نفع الله به – من واقعة الذي ذكر أنه شريف، وأنه أخذ دثاره وسرى به، فهذا لا يجب عليه القطع بإجماع الطائفة، لأن الشيخ – حرسه الله تعالى – سلم إليه الدثار ولم ينم في بيته بل نام في البر، وخان فيما سلم إليه وذهب به ولم يهتك حرزاً، فأي قطع يجب على هذا، ولو فرضنا أنه نام في بيت الشيخ، ولم يسلم الشيخ إليه اللحاف، بل أخذه من البيت وسرى به، لم يجب عليه قطع، لأنه ضيف، والضيف إذا لم يحرز الشيء من دونه لا يجب عليه القطع، بل للأصحاب قول: إن الضيف لا يقطع سواء أحرز المتاع من دونه أو لم يحرز. 

وأما ما ذكره عن الذي ذكر أنه شريف قد نيف على السبعين، وأنه أراد الفاحشة بالغلام، فهذا أمر لا يجوز القطع به على المذكور بمجرد قول الغلام، ولا يجب ذمه والبراءة منه بمجرد هذه الدعوى، بل الذي يقتضيه حكم الشرع المطهر أن الغلام إن كان مكلفاً وصرح بقذف المذكور وجب عليه الحد، وإن كان عرض بذلك وجب عليه التعزير. 

وأما ما ذكره عن الآية الكريمة في مودة ذوي القربي، وإن الدعوى في اشتمالها على ولد فاطمة عليها السلام، دعوى محضة عرية من البرهان، فليس الأمر كما ذكر نفع الله به، بل ذكر الموافق والمفارق أنها عامة في ولد علي وفاطمة عليهما السلام، بخلاف آية التطهير، فإنها خاصة، وذلك ما رواه الشيخ ابن البطريق الأسدى في كتاب العمدة عن ابن عباس رضی الله عنه قال: لما نزلت ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين يأمرنا الله بمودتهم، قال: على وفاطمة وأولادهما. وكذلك روى الواحدى في التفسير وغيره، وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي في الأمالي عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله مالنا ولقريش إذا تلاقوا، تلاقوا بوجوه مستبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب النبي ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله، والعباس رضى الله عنه لم يكن من المعصومين، ولا من أولاد على وفاطمة عليهما السلام، فدخول أولاد على وفاطمة تحت هذا الحديث بطريق الأولوية. ويكفى فى هذا الباب كلام الشيخ العلامة جمال الدين بن المطهر – قدس الله روحه – وقوله حجة في المعقول والمنقول، فإنه قال في كتاب القواعد في الوصية لولده حرسه الله تعالى: عليك بصلة الذرية العلوية فإن الله تعالى قد أكد الوصية بهم، وجعل مودتهم أجر الرسالة والإرشاد، فقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾، ثم ذكر أشياء من هذا الباب، ومن أراد الوقوف عليها فليطالع كتابه المذكور. فعلى قول سيدنا حرسه الله تكون وصية الشيخ رحمه الله لابنه عبثاً. لأن الآية مختصة بالمعصومين عند سيدنا فلا فائدة حينئذ في كلامه ووصيته لإبنه، والشيخ قدس الله روحه كان يتغالى في محبة الأشراف ويعظمهم، وأفعاله وأقواله تشهد بذلك، وسيدنا أحسن الله إليه أوصى إبنه بضد وصية الشيخ جمال الدين رحمه الله لابنه، فنسأل الله أن يعمر قلوبنا بمحبة الحق وأهله. 

وأما استشهاده – متع الله بجنابه – بالآية الكريمة وهي قوله تعالى ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فهذه الآية مختصة بأهل الشرك، ولا نسلم أن المقر لله سبحانه بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، ولأئمة الهدى بالإمامة، يكون ممن حاد الله ورسوله إذا وقعت منه معصية أو زلة، ما قال هذا أحد من العلماء لابنه الأمن لا يعبأ بقوله، والإجماع منعقد على خلافهم، فإن الآية الكريمة تتضمن النهي عن مودتهم على الإطلاق، والمؤمن العاصي نوده من جهة إيمانه، ونبغضه من جهة عصيانه، بل نحبه ونوده على الإطلاق لذاته، ولا نبغضه بل نبغض أعماله. فإذا تركها رجع إلى ما كان عليه من المحبة، فكيف يكون داخلاً تحت حكم هذه الآية الكريمة. وفي الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: إن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويبغض العبد ويحب عمله. 

وأما قوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فمن لا يعتقد العمل بهذه الآية الكريمة ما يكون مسلماً، لأنه يكون جاحداً لما علم من الدين بالضرورة، فسبحان الله يا مسلم يا مؤمن، متى رأيت الكلام الواصل إليك في الرسالة يتضمن إسقاط الحدود عن الأشراف، هل هذا إلا مجرد تشنيع. 

وأما قول سيدنا نفع الله ببركته: «إن شنان الفاسقين واجب، وإن الله سبحانه ورسوله لم يرخصا لإحد في معصية»، فهذا اعتقاد كل مسلم. ومن الذي رخص للأشراف في المعاصي بقول أو فعل، نعوذ بالله أن يقول الإنسان عن غيره ما لم يقله. 

وأما ما ذكره – أحسن الله إليه – من زجر سيدنا رسول الله ﷺ بني هاشم وبني عبد المطلب عن المعاصي، وكذلك ما نقله عن الباقر وعن الكاظم عليهما السلام في كتاب الأمالي وكله مسلم وغير ممنوع، ولكن هل رأيت لأحد خطا، أو سمعت منه أو عنه قولا، باباحة المعاصى للأشراف والترخيص لهم في شيء من ذلك، بل ما بر حنا نقول ظاهرا وباطنا لكل من تعرفه ويجلس إلينا ويسمع منا مارا ما روي عن بعض الأئمة، أنه قال لبعض مواليه: يا هذا الحسن من كل أحد حسن ومنكم أحسن، والقبيح من كل أحد قبيح ومنكم أقبح لا نتسابكم إلينا. ولم ينقم الشيخ علينا إلأكوننا جوزنا مودة الشريف المؤمن لإيمانه، وبغض أعماله إذا كانت غير صالحة، فمنع الشيخ – حرسه الله – من مودتهم على الإطلاق، وحرم برهم وصلتهم، وأوجب إهانتهم والبراءة منهم بمجرد الأراجيف في حقهم، أو بزلة تصدر من بعضهم، أو ممن ينتسب إليهم، وليس منهم، وزعم أن الوصلة بين سيدنا رسول الله ﷺ، وبين الشريف إذا زل زلةً أو فعل معصية قد انقطعت. وقد روي عن سيدنا رسول الله ﷺ، ونقل عنه نقلاً مشهوراً أنه قال: كل نسب وسبب يوم القيامة ينقطع إلا نسبي وسببي. وهذه الرواية بعينها قالها عمر على رؤوس الأشهاد لما تزوج بإبنة مولانا أمير المؤمنين، وقال ما قصدي الباه، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول وذكر الرواية. وفي كتاب الأمالي عن علي بن موسى الرضا عن آبائه قال: قال رسول الله: الكل بني أنثى، فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة عليها السلام، فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم. وروى سليم بن قيس في كتابه ورواه غيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: أيها الناس ترجوا شفاعتي كل الناس، فتعجز شفاعتي عن أهل بيتي، ما أحد ولده جدي عبد المطلب يلقى الله موحداً لا يشرك به شيئاً إلا أدخله الله الجنة، وإن لقيه من الذنوب بمثل الأرض، إني لو قد أخذت بحلقة باب الجنة، ثم تجلى لي ربي فسجدت له، وأذن لي بالشفاعة لم أؤثر على أهل بيتي أحداً. والمراد بأهل البيت ها هنا غير المعصومين، لأن المعصومين منزهون عن المعاصى، بل هم ممن يشفع بالعاصى. وروى الشيخ أبو جعفر الطوسى في الأمالي عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر قال: قال رسول الله، قال الله عز وجل: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتهم كنه عبادتى، فما تطلبون من كرامتي والتنعم في جناني، ورفيع الدرجات العلا في جوارى، ولكن برحمتى فليثقوا، وفضلى فلير جوا، وإلى حسن الظن بي فلتطمئنوا، فإن رحمتى عند ذلك تدركهم، ويمنى ابلغهم رضوانى والبسهم عفوى، فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت. وفي الكتاب المذكور عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه بالله عز وجل، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة. 

وأما ما ذكره – متع الله بحياته – عن ابنة مولانا أمير المؤمنين وأنها فاوضت خازن بيت ماله في استعارة عقد من بيت المال، فهذه الرواية ممنوعة غير مسلمة، وفى الرواية نفسها ما يدل على عدم صحتها، لأنها تضمنت أن مولانا أمير المؤمنين توعد ابنته بالقطع ولو وقع منها استعارة العقد، لم يكن ذلك يوجب قطعاً، فكيف يتوعد بعقوبة في غير موضعها حاشاه من ذلك، وكيف يصدر منه ذلك وهو عندنا أعلم من عمر بن الخطاب، وقد كتب عمر إلى بعض عماله: إياك أن تتوعد على ذنب بأكثر من عقوبته، فإنك إن فعلت أثمت، وإن لم تفعل كذبت. 

وأما ما ذكره – دامت نعمته – عن جماعة ممن تنتسب إلى الأشراف من الجهل وترك الواجبات وفعل المحظورات، فهذا شيء لا أمنعه إذا ثبت، ولا يرد على فى ذلك إنكار، لأني لم أقل بعصمة الأشراف، ولا بأنهم علماء فقهاء، ولا بأن ما يصدر عنهم من القبائح لا يجوز الإنكار عليهم فيه، حتى يشنع على بهذه الشناعة، وأنسب إلى أني أقول بنسخ الشرائع في حق الأشراف، لا إله إلا الله، ما هذا إلا بهت عظيم، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وألا يجعلنا ممن إذا غضب أخرجه غضبه إلى غير الطريق، لكن الذي أقوله وأعتقده وألقى الله تعالى به ورسوله وأهل بيته: إن الشريف بل غيره من sائر المؤمنين، لا نهجره ولا نبغضه ولا نتبرأ منه بمجرد الأراجيف والشناعات، لأن النقل في هذا العصر قد صار أكثره باطلاً، بل يحمل أمره وحاله وحال كل مؤمن على أحسن الوجوه، ونقيم له أحسن الأعذار ما لم يثبت عليه ما لا يمكن توجيهه على وجه حسن، فإذا ثبت ذلك عليه فإن كان حقا لله تعالى وتمكنا من إقامة الحد عليه أقمناه عليه، ولا نتبرأ منه على الإطلاق، ولا نأمر بإهانته وإهانة كل شريف على الإطلاق، وإن كان الحق الذي ثبت عليه من حقوق الآدميين، فالأولى لصاحب الحق تركه والعفو عنه إكراماً لمن ينتسب إليه، فقد روي عن الصادق أنه قال: إذا كان يوم القيمة نادى مناد: أيها الخلائق انصتوا فإن محمداً يتكلم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي ﷺ فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافئه، فيقولون: بآبائنا وأمهاتنا؛ وأي يد وأي منة وأي معروف لنا، بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق، فيقول: بلى من أوى أحداً من أهل بيتي، أو برهم أو كساهم من عري، أو أشبع جائعهم، فليقم حتى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من قبل الله تعالى: يا محمد يا حبيبي قد جعلت مكافأتهم إليك فأسكنهم من الجنة حيث شئت، فيسكنهم فى الوسيلة حتى لا يحجبون عن محمد وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم). وهذه الرواية بعينها ذكرها الشيخ جمال الدين بن مطهر قدس الله روحه في وصيّته لابنه في كتاب القواعد، وقد اجتمع مسطرها بالشيخ جمال الدين بن مطهر قدس الله روحه، فرأى منه من تعظيم الأشراف ما يوافق وصيته لابنه، ويزيد عليها، وجوابه لمسطرها في المسائل التي سأله عنها ومكاتباته في ذلك يدل على ذلك، وهي موجودة حاضرة عند مسطرها بخط الشيخ رحمه الله وقدس روحه. وقد كان بعض فقهاء الجمهور ومشايخهم يقول: أن الذرية الفاطمية عندى كلهم كالكتاب العزيز، يجب إكرامهم واحترامهم ورفعهم على الرؤوس، والصالح منهم كالآية المحكمة تحكم على الرؤوس وتعمل بها ويُقتدى بها، والذي لا يكون صالحا منهم كالاية المنسوخة يكرم ويحمل على الرؤوس ولا يتبع ويقتدى به. وقد صار في عصرنا هذا جم كبير ينسبون إلى الأشراف وليسوا بأشراف، ويفعلون أفعالا غير مرضية ويتجاهرون بها، ونسبتها الناس إلى الأشراف، ولكن ما هذا بأول ما جرى عليهم من الحوادث. ما ذي بأول مطرة مطرت على ذئب الفلا 

وأما ما ذكره – نفع الله به – من الإنكار في إيراد المنام، فإن ذلك غير منكر، ولم نورده لأنه حجة قاطعة يجب العمل بها والتعويل عليها، ولكنه مما يورد فى المحاضرات والمذاكرات، مع أن الكتاب العزيز قد نطق بالمنامات وترتبت الأشياء عليها، فإن يوسف – على نبينا وعليه السلام – كان سبب كيد اخوته له رؤياه التي رأها، وكان سبب خروجه من السجن رؤيا الملك. وقد ورد في الحديث عن سيدنا رسول الله أنه قال: لم يبق من المبشرات إلا الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو ترى له. وعنه أيضاً أنه قال: الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من أمر النبوة، وكأن سيدنا أحسن الله إليه، لم يقف على ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الفصول، من العيون والمحاسن من جهة المنامات والعمل بها والحديث فيها، فليقف على ذلك موفقاً إن شاء الله. 

وأما قوله – فسح الله في مدته – لا يحاد على أحد نفسه ويعللها بالأماني، فوالله ما رخص الله لأحد من خلقه في معصية كائناً من كان، فمن لا يقول بهذا القول ما يكون مسلماً، ولكنا نجتهد ونعمل ونقارب ونسدد ونتكل بعد ذلك على فضل الله، لا على أعمالنا الضعيفة، المشوبة بالشواغل وعدم الإخلاص والرياء والعجب، وغير ذلك مما لا يحصى. وقد قال الله تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ولم يقل سبحانه؛ يرجو عمله، مع ما ذكره سبحانه من عمله. وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ولم يقل سبحانه؛ يرجوان أعمالهم. فياليت شعري أي إنكار يتوجه على من لم يبح لأحد معصية، ولا رخص له في ترك واجب، فإن وقع من أحد معصية أمره بالتوبة وأطمعه في فضل الله ورحمته. فقد صح عن مولانا أمير المؤمنين أنه قال: ألا إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله. 

وأما قوله عن الضيف اليهودي، وإنه لا ينبغى للمسلم إكرامه فقد قال الله تعالى ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. 

وأما قوله – حرسه الله – لو كانت الآية عامة لوجب علينا مودة أبى لهب بل كان أولى بالمودة من أمير المؤمنين، فهذا كلام لو لم يذكره الشيخ على الله عنه، لما كان لى لسان ينطق به، ولا بد تكتبه، لكن لما فيه من سوء الأدب مع الله سبحانه ومع رسوله، ومع مولانا أمير المؤمنين، حيث ذكره الشيخ سامحه الله وجعله من جملة احتجاجاته، فلا بد من الجواب عنه، مع ان ترك الجواب عن هذا الكلام هو الجواب لقبحه وفساده وضعف حجة من اعتمد عليه، أو ذكره فى تصنيفه فأقول في جواب ذلك: لا إله الا الله محمد رسول الله على ولى الله، ما أقل الإنصاف في الناس وأسرعهم إلى طلب التظاهر بما يتوهمونه حجة من غير تأمل لما يتوجه عليهم في ذلك من الله. يا مسلم كيف تنكر على من قال: إن الشريف المعترف لله سبحانه بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وللأئمة بالإمامة، يجب علينا مودته، وحبه لإيمانه ولانتسابه إلى سيدنا رسول الله، وان كان فاسقاً، أبغضنا فسقه وأعماله وقابلناه عليها إذا ثبتت بما يقتضيه الشرع المطهر، وكيف يستجيز مسلم أن يورد على هذا الكلام مودة أبي لهب عابد الأوثان المحارب لله ولرسوله، الذي شهد الكتاب العزيز بضلاله وشنانه، وكيف يدخل في عموم الآية الكريمة، مع إجماع الأمة، يا من أثار حفيظة جميع الخليقة على صفاته التي نطق بها الكتاب العزيز، ما هذا إلا أمر عظيم ممن تجاسر على ذكره وجعله حجة يرد بها على خصمه فيما أجمع المسلمون عليه من مودة الأشراف المسلمين ومحبتهم وإكرامهم وصلتهم. 

وخلاصة الأمر أن الشيخ حرسه الله، حصل عنده ألم عظيم لعدم قباء ولده، وملأ ذلك الألم قلبه، ففاض على لسانه، فأظهر ما في قلبه من التعصب على هذه الطائفة، وإظهار مثالبهم، وستر محاسنهم، وإلحاق المعرة بهم، إلا ثلاثة أنفس أو أربعة سماهم وعينهم، لقد حجزت واسعاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

وأما إنكاره – فسح الله في مدته – نسبة مودة الأشراف بالصوم، مع تفاوت درجاته. وقوله حرسه الله تعالى -: «یا لیت شعري أي مناسبة بين هذين الأمرين، والصوم عبادة مأمور بها مرغب فيها». فهذا كلام من لم يتقن في علوم الدين، ولم يعرف من علوم الإسلام إلا أحكام الواجبات الخمس، ولم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ومن جملة شعب الإيمان الحب في الله والبغض في الله، بل هو آكد من غيره، لأنه لم يرد في شيء من شعب الإيمان أنه أقوى غرى الإيمان إلا الحب في الله، فهو من أكبر الطاعات وأكثرها ثواباً، والمتحابون في الله تعالى ممن يظلهم الله تعالى تحت ظل عرشه. فوضح الآن أن الإنكار والكلام الذي أورده الشيخ غير وارد، بل الإنكار على من منع ذلك، لأن مودة الأشراف ومحبتهم أدنى مراتبها الندبية، بل موالاة المؤمنين بعضهم لبعض أفضل عند الله تعالى من الصوم. وقد ورد من طريق أهل البيت وغيرهم: إن المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة. فمحبة المؤمنين ومودتهم وتالفهم وبرهم وإصلاح ذات بينهم، طاعة مأمور بها، مرغب فيها، فكيف تكون مودة الأشراف التي وردت فيها الخصوصية بالنسبة إلى غيرهم، اللهم إلا أن يقول الشيخ – حرسه الله تعالى – إن مودة الأشراف محرّمة منهى عنها، فحينئذ يرد إنكاره، وظاهر كلامه يقتضى ذلك، وإلا فالتشبيه واقع في محله، بل هو أولى، لأن محبة الأشراف بل المؤمنين طاعة مأمور بها مرغب فيها مع تفاوت درجاتهم، فإنا لا نحب غير المعصوم كما نحب المعصوم، ولا نحب الجاهل كما نحب العالم، ولا نحب الفاسق كما نحب الصالح، ومن دفع هذا الأمر فقد جحد ما هو معلوم بالضرورة من سيدنا رسول الله، فعنه أنه قال: أقوى عرى الإيمان الحب فى الله والبغض في الله، وعن مولانا أمير المؤمنين عن رسول الله أنه قال: «صلاح ذات البين أفضل عند الله تعالى من عامة الصوم والصلاة». 

وأما قوله – فسح الله في مدته – عن الغلام الذي قتله الخضر – على نبينا وعليه السلام -، وهذه حجتنا بعينها إذ لم ينفع هذا الغلام إيمان أبويه، فهذا عدول عن الحجة وانقطاع وتنقل، لأني لم أذكر الا الغلامين الذين أقام الخضر – على نبينا وعليه السلام – لهما الجدار، لصلاح أبيهما. وأما الغلام الذى قتله الخضر فلم يجر له ذكر البتة، وليس في قتل الخضر للغلام الذي قتله رد على الحجة التي ذكرناها، لأن الخضر أطلعه الله تعالى على أن الغلام طبع كافراً، وأنه لا يحصل منه الإسلام. كما أطلع الله تعالى نوحاً أنه لن يؤمن من قومه إلا من أمن. وأنهم لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً فدعى عليهما نوح بالهلاك، وكان هلاكهم لطفاً لجميع الخلق، كما كان قتل هذا الغلام لطفاً لأبويه، فلما أنكر موسى على الخضر ما فعل صرح بالعذر. وأين هذا مما نحن فيه، فإن الغلام كافر، ونحن نتحدث في المسلمين المؤمنين، فإن الخضر أقام الجدار بلا أجر مع حاجتهما إليه كما أخبر به سبحانه، إكراماً لليتيمين لصلاح أبيهما، والحجة في هذا باقية على حالها، والاستشهاد به في محله. وقد جاء في التفاسير أن الصالح لم يكن أباهما الأدنى، بل كان بين الغلامين وبينه آباء كثيرة، وورد ذلك من طريق أهل البيت، فلله الحمد والمنة. 

وأما قوله في الجماعة الذين أخذوا ما كان مع ابن عنين الشاعر، أنه كان يحب أن يحكم فيهم بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فحكم هذه الآية الكريمة لم نمنعه، ولا يلزم أنه إذا لم يعمل بالآية أن يكون حكمها منسوخاً، ولو لزم ذلك لكان يلزم منه أن يكون أكثر الأحكام منسوخة، فإن في هذا العصر لا تقام الحدود على مستحقها، ولا يلزم من ذلك نسخ الشرائع، ونحن لم نتعرض لإقامة حد ولا تعطيله، بل حكينا صورة الواقعة التي جرت لابن عنين على ما ذكر، فإذا ثبت المنام لم يكن الإنكار متوجها علينا فيه، وإنما يكون إنكار الشيخ – وفقه الله تعالى – متوجهاً على فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها)، التي نطق الكتاب العزيز بتطهيرها، ولا ينبغي للشيطان أن يتصور بصورتها في المنام، لأنها من جملة المعصومين، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي»، أو كما قال صلى الله عليه وآله. وقد كان الفقيه العلامة عز الدين أحمد بن عبد الكريم الحمصي المعروف بابن الجلال رحمه الله، يحث الأشراف بمدينة النبي على حفظ هذا المنام بجملته وأشعاره، وكان يقول بصحته، وهو ممن رواه عن ابن عنين الشاعر. وكان عز الدين رحمه الله أقام بالمدينة إلى أن توفي بها في رابع شهر صفر سنة سبع وثمانين وستماية (٤ صفر ٦٨٧ ق) قدس الله روحه. 

وأما قول سيدنا: أن محبة رسول الله ومحبة أهل بيته غير نافعة لمن أحبهم، فنعوذ بالله من هذا الاعتقاد الردئ، فوالله ما نرجو الخير في الدينا والآخرة إلا بفضل الله تعالى ورحمته ومحبته، ومحبة رسوله وآله، وإلا أي عمل لنا نرجوه، وهذا الذي ذكره مردود عليه بإجماع الأمة، وبما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال له رجل: يا رسول الله متى الساعة، فقال له رسول الله: ما أعددت لها، قال: فكأن الرجل استكان، قال: يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنى أحب الله ورسوله، فقال رسول الله: أنت مع من أحببت، فما فرح المسلمون، بعد إسلامهم بشيء كفرحهم بمقالة رسول الله تلك. وفي الصحيح أيضاً أنه قيل للنبي ﷺ: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال: المرء مع من أحب. وروى الشيخ أبو جعفر – قدس الله روحه – في الأمالي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله ملائكة يهدمون سيأت شيعتنا كما يهدم القوم البنيان». وفي الكتاب المذكور عن الصادق أنه قال: من أحبنا لله، وأحب محبنا لا لغرض دنيا يصيبها منه، ثم جاء يوم القيامة وعليه ذنوب مثل رمل عالج أو زبد البحر، غفرها الله تعالى له. وفي الكتاب المذكور عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال: إذا كان يوم القيامة، وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثم قرأ ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. وروى عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: حب علي بن أبي طالب تأكل السيئات كما يأكل النار الحطب. روى ذلك الموالف والمخالف. ورووا أيضاً جميعاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن الحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا. وفى كتاب الأمالي عن رسول الله أنه قال: ما من عبد ولا أمة يموت وفي قلبه مثقال حبة من خردل من حب على الا أدخله الله عز وجل الجنة. وفى الكتاب المذكور عن رسول الله أنه قال: يقول الله عز وجل من امن بی وبنبيي وبوليى أدخلته الجنّة على ما كان من عمله. والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا لا تنحصر، والقليل كاف لمن أنصف، وغير المنصف لا ينفع معه الكثير. 

وهذا الكلام صدر على جهة البحث والجواب لما شنع به الشيخ – نفع الله به – على هذه الطائفة وعلى من ينصر لهم، ورد عن عاصيهم فضل الله تعالى ورحمته وشفاعة نبيه وأهل بيته عليه وعليهم السلام، بل المؤمنون يشفع بعضهم لبعض. قال الله تعالى ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، وأنا استغفر الله تعالى من كل خطأ وزلل في قول أو عمل، وأوصي نفسي وكل من وقف على كلامي هذا من شريف وغيره بتقوى الله تعالى، ولزوم طاعته واجتناب معصيته، فليس المطيع كالعاصى، ولا المحسن كالمسىء، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يرضيه، ويستعملنا بطاعته في كل ما نقصده وننويه، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى أعمالنا فنهلك، وقد تصدق سبحانه علينا قبل سؤالنا، فكيف وقد سألناه. وقد اتفق نظم هذه الأبيات فألحقت بالرسالة وهى: محب رسول الله حقاً وآله يخلد معهم في جنان التنعم بذاك أتانا النص من غير ريبة وفد صح هذا الحديث المسلم فقال بأن المرء مع من يحبه سيحشر حتماً فاعلم الحق واعلم وكن واثقاً بالله وأحسن بربنا ظنونك إن الله أهل التكرم وجاهد هوى النفس المظلة واصطبر على طاعة الرحمن مع كل مسلم ومن كان ذا فسق من الناس ظاهر فعظه ولا تصحبه في اللهو تسلم 

تمت بحمد الله وعونه. 

نقلت هذه الرسالات من ابتدائها إلى إنتهائها من خط: خاتمة المجتهدين الشيخ زين الدين الشهير بالشهيد الثاني – قدس الله نفسه الزكية، وأفاض على تربته المراحم الربانية. 

 

Scroll to Top