الملخص
إن معرفة تعريف علم الأصول ضرورية للغاية لتمييز المسألة التي ينبغي طرحها في هذا العلم. من هنا، تمت في هذا البحث دراسة أكثر من عشرة تعاريف طرحها كبار علماء الإمامية وأهل السنة لعلم الأصول، وذلك بالمنهج الوصفي التحليلي وباستخدام أداة جمع المعلومات المكتبية، ووُضعت على محك النقد. وقد خلصت هذه الدراسات إلى أن أفضل تعريف لعلم الأصول هو التعريف الذي: أولاً، لا يخصّص علم الأصول بالاستنباطات الفقهية فحسب، بل يمكنه أن يبيّن فاعليته في غير الفقه كالتفسير والكلام. ثانياً، أن يشمل القواعد المتعلقة بالشبهة الموضوعية. ثالثاً، أن يضع ضابطة يمكن من خلالها تشخيص دخول المسائل في علم الأصول. رابعاً، أن يكون جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار. بناءً على ذلك، نقول في تعريف علم الأصول: هو القواعد التي تُقام لفهم الدين من دون أية واسطة، أو يُقدَّم بها برهان وحجة لفهم الدين. وهذا التعريف يُخرج من علم الأصول المسائل الجزئية غير القاعدية، أو القواعد التي يُحتاج إليها بواسطة لفهم القضايا الدينية، أو التي لا تُستخدم في طريق فهم الدين.
مقدمة
لما كان تعريف العلم من أهم مقدمات الولوج فيه، فإن الأصوليين غالباً ما يتناولون تعريفه قبل الخوض في مباحث علم الأصول. ومن هنا، فإن إحدى المقدمات الثلاث عشرة التي أوردها المحقق الخراساني في كفاية الأصول تتعلق بتعريف علم الأصول.
وتتجلى ضرورة الخوض في هذا الموضوع عندما نريد أن نبحث مسألة في علم الأصول؛ ذلك أن إدراج مسألة في علم الأصول يستلزم وجود ضابطة. لذلك، سنعرض فيما يلي التعاريف المختلفة التي وردت في كلمات الأكابر لعلم الأصول، لنقوم بدراستها واختيار الرؤية الأفضل منها.
١. أقوال في تعريف علم الأصول
١-١. تعريف المشهور
يقول المشهور في تعريف علم الأصول: «هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية»؛ يعني أن أصول الفقه علم بالقواعد التي أُعدّت لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية. (الميرزا القمي، ١٤٣٠هـ، ج ١، ص ٣٣)
١-٢. تعريف المحقق الخراساني
عدل المحقق الخراساني عن تعريف المشهور، وكتب في تعريف علم الأصول: «صناعةٌ يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط أو التي ينتهي إليها في مقام العمل».[1] (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص٩)
ولعدوله عن تعريف المشهور عدة أدلة:
الدليل الأول: وردت في تعريف المشهور كلمة «العلم بالقواعد»، مع أن علم الأصول هو نفس هذه القواعد، سواء علم بها الإنسان أم لم يعلم. ثانياً، العلم بالقواعد هو من المبادئ التصديقية للعلم، لا من مسائله. لهذا السبب، استخدم المحقق الخراساني كلمة «صناعة» بدلاً من كلمة «علم»؛ لأن الصناعة تعني الفن، وهو يريد أن يشير بهذه الكلمة إلى أن قواعد علم الأصول يجب أن تصبح ملكة لدى الإنسان.
طبعاً، الإشكال الذي كان موجوداً في كلمة «علم» يرد أيضاً على كلمة «صناعة»؛ لأن علم الأصول هو القواعد نفسها. إذاً، في تعريفه، لا تلزمنا لا عبارة «العلم بالقواعد» ولا كلمة «صناعة».
الدليل الثاني: في التعريف المشهور، وردت عبارة «الممهدة»؛ لأن علم اللغة وعلم الصرف وعلم النحو داخلة أيضاً في الاستنباط، ولكنها ليست ممهّدة للاستنباط؛ بخلاف قاعدة «ظهور صيغة الأمر في الوجوب» التي أُعدّت للاستنباط. أما المحقق الخراساني فلم يستخدم هذه العبارة، ويبدو أنه يريد أن يشمل نطاق التعريف القواعد غير الممهّدة أيضاً؛ لأن بعض المباحث (مثل بحث المشتق) يجب أن تُطرح في علم الأصول، وإن لم تكن ممهّدة للاستنباط.
الدليل الثالث: في ظاهر تعريف المشهور، موضوع علم الأصول هو القواعد التي تقع بالفعل في طريق الاستنباط؛ أما المحقق الخراساني فقد استخدم في تعريفه جملة «يمكن أن تقع» ليفهم أن القاعدة المعنية لا يلزم أن تقع بالفعل في طريق الاستنباط، بل يكفي مجرد إمكان استخدامها في طريق الاستنباط.
الدليل الرابع: يعتقد المحقق الخراساني أن تعريف المشهور ليس جامعاً للأفراد؛ لأنه بموجب هذا التعريف يلزم خروج مسألتين من العلم: الظن الانسدادي على القول بالحكومة، والأصول العملية في الشبهات الحكمية. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٩)
أ) الظن الانسدادي على القول بالحكومة: بين الذين يعتبرون نتيجة دليل الانسداد حكومة، هناك تفسيران شائعان:
الأول: حكم العقل بحجية الظن؛ أي أن العقل، بناءً على دليل الانسداد، وباعتبار الظن، يحكم حكماً قطعياً. طبقاً لهذا التفسير، لا علاقة للظن الانسدادي بالشرع؛ لأن العقل هو الذي يحكم بحجية الظن، لا الشرع.
الثاني: حكم العقل بكفاية الامتثال الظني وعدم لزوم الامتثال اليقيني؛ أي أن إحدى مقدمات الانسداد هي العلم الإجمالي بالأحكام الشرعية، وهذا العلم الإجمالي منجز. وعليه، عندما لا يكون الامتثال اليقيني ميسوراً، يكفي امتثال التكاليف الظنية والمشكوكة والموهومة، وكلما وجد شك أو ظن أو حتى احتمال ضعيف تجاه التكليف، وجب الامتثال؛ ولكن بما أن هذا القول يستلزم العسر والحرج، فإنه يستبعد فرض امتثال الموهوم والمشكوك، ويبقي فقط الامتثال الظني. إذن، طبقاً لحكم العقل، يجب القول بكفاية الامتثال الظني. وبناءً على هذا التفسير أيضاً، لا علاقة للظن الانسدادي بالشارع؛ لأن الامتثال متأخر عن الحكم الشرعي، ولا يمكننا استنباط الحكم الشرعي بواسطته.
ب) الأصول العملية في الشبهات الحكمية: في هذا المورد أيضاً يوجد هذا الإشكال، وهو أنها هي نفسها أحكام شرعية؛ مثلاً «كل شيء لك حلال» و«كل شيء لك طاهر» هما بنفسهما حكمان شرعيان، ولهذا لا يقعان في طريق الاستنباط. ونتيجة لذلك، فإن تعريف المشهور لا يشمل هذه الأصول. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٩)
١-٢-١. إشكالات المحقق الأصفهاني على المحقق الخراساني
المحقق الأصفهاني في مقام نقد المحقق الخراساني يورد عليه إشكالين:
الإشكال الأول: الإشكال على تعريف المشهور لا يقتصر على الموردين المذكورين؛ بل طبقاً لتعريف المشهور، تخرج مسائل أخرى كثيرة، منها الأمارات الظنية السندية (مثل خبر الواحد) والأمارات الظنية الدلالية (مثل الظواهر)؛ لأنه بخصوص الأمارات الظنية السندية، يوجد مبنيان مهمان:
الأول: أحد المباني في باب حجية الأمارات هو أن الشارع ينشئ حكماً مماثلاً لمؤدى الأمارة. بناءً على هذا المبنى، لا تقع هذه الأمارة في طريق الاستنباط؛ لأنها هي نفسها عين الحكم الشرعي.
الثاني: يعتقد المحقق الخراساني أن الشارع جعل الخبر منجزاً ومعذراً. وطبقاً لهذا المبنى أيضاً، من الواضح أن المعذرية والمنجزية إما ليستا حكماً أصلاً، أو إذا افترضنا أنهما حكم، فليستا حكماً شرعياً؛ بل هما حكم عقلي. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٧٧)
وكذلك بشأن الأمارات الظنية الدلالية، فإن المجعول هو فقط المعذرية والمنجزية، ويرد الإشكال المذكور أعلاه عليها أيضاً؛ لأن دليل حجية الظواهر هو بناء العقلاء، والعقلاء في مثل هذه الموارد يحكمون بالمعذرية والمنجزية فقط.
بناءً على ذلك، إشكالكم أوسع نطاقاً، وتعريف المشهور لا يشمل مسائل مهمة مثل حجية خبر الواحد، وحجية الظواهر، وحتى مباحث الألفاظ؛ لأن هذه المسائل إما أنها ليست حكماً شرعياً أصلاً، أو أنها بنفسها حكم شرعي ولا تقع في طريق الحكم الشرعي. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٤٠ – ٤١)
الإشكال الثاني: بناءً على رؤية المحقق الخراساني، فإن غرض المجتهد هو أن يصل بواسطة علم الأصول إما إلى الحكم الشرعي أو أن تتضح له وظيفته العملية في مقام العمل؛ في حين أن هذين الغرضين ليس لهما قدر جامع. إذن، بالنظر إلى مبناه القائل بأن تمايز العلوم باختلاف الأغراض، يجب أن يكون كل من هذين الغرضين موضوعاً لعلم مستقل، ويتحول علم الأصول إلى علمين؛ إلا إذا كان هناك غرض أسمى من هذين الغرضين، وهو ما لا يبدو موجوداً. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٤٠ – ٤١)
١-٢-٢. إشكالات الإمام الخميني على تعريف المحقق الخراساني
الإمام الخميني أيضاً في نقد كلام المحقق الخراساني يطرح إشكالات:
الإشكال الأول: كلمة «صناعة» هي من المبادئ التصديقية لعلم الأصول؛ بينما يقول أهل المنطق إن كل علم هو إما نفس مسائل ذلك العلم أو مجموع مسائله ومبادئه. بالطبع، قد يكون مراد جناب الآخوند من الصناعة هو نفس الآلية المحضة؛ أي يريد أن يبيّن كون علم الأصول علماً آلياً. (الإمام الخميني، ١٤١٥هـ، ج ١، ص ٤٧)
الإشكال الثاني: هذا التعريف يشمل بعض القواعد الفقهية، مثل قاعدة «ما يضمن» وقاعدة «لا حرج»؛ لأنه من هذه القواعد أيضاً يُستنبط حكم كلي إلهي. (نفس المصدر)
الإشكال الأول يرد في حال كان المحقق الخراساني قد ذكر كلمة «صناعة» فقط دون خصوصياتها؛ بينما ذكر هو الخصوصيات أيضاً وقال: الأصول صناعة تُعرف بها القواعد.
أما جواب الإشكال الثاني فسيتضح من خلال الفرق الذي سنذكره بين الاستنباط والتطبيق.
١-٣. تعريف المحقق العراقي
يقول المحقق العراقي في تعريف علم الأصول: «القواعد الخاصة الواقعة في طريق استكشاف الوظائف الكلية العملية، شرعية كانت أم عقلية»؛ أي علم الأصول هو قواعد خاصة تقع في طريق كشف الوظائف الكلية العملية، سواء كانت شرعية أم عقلية. (العراقي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ١٩)
لم يذكر كلمة علم، صناعة، واستنباط، وبدلاً من كلمة استنباط، أورد استكشاف الأحكام الكلية الإلهية؛ ولكن بما أنه ذكر الوظائف العملية في التعريف، فإن روح تعريفه تعود تقريباً إلى تعريف المحقق الخراساني. ونتيجة لذلك، يبدو أن الشخص الوحيد الذي اتبع جناب الآخوند هو المحقق العراقي. (نفس المصدر)
ويضيف قائلاً: بعض المسائل الأصولية ترتبط بذات الحكم، وبعضها بكيفية تعلق الحكم بالموضوع؛ مثلاً عندما يتعلق حكم بموضوع، يحدد علم الأصول ما إذا كان تعلقه خاصاً أم عاماً ومطلقاً. بناءً على ذلك، إذا كان بحث ما يتكفل فقط ببيان موضوع الأحكام، فإنه يخرج من علم الأصول؛ مثلاً بخصوص المشتق – الذي يقع في بعض الأدلة موضوعاً للحكم – يُطرح هذا البحث: هل هو حقيقة في خصوص المتلبس أم حقيقة في الأعم منه ومن انقضى عنه المبدأ؟ ولكن بما أنه بحث موضوعي، فلا يُعد من علم الأصول. من ناحية أخرى، تدخل مباحث الرجال في علم الأصول؛ لأنها تقع في طريق استخراج الأحكام الكلية الإلهية، وإن كانت تُبحث تحت عنوان علم مستقل عنها بسبب كثرة مسائلها. (نفس المصدر)
على كل حال، يبدو أنه بما أن روح كلام المحقق العراقي تعود إلى تعريف جناب الآخوند، فإن بعض الإشكالات التي وردت على تعريف جناب الآخوند ترد على تعريفه أيضاً. من جملتها:
الإشكال الأول: تعدد الغرض يستلزم تعدد العلم.
الإشكال الثاني: بعض مباحث علم الأصول تتكفل ببيان الموضوع؛ مثلاً في بحث العام والخاص، السؤال هو: هل كلمة «كل» أو النكرة في سياق النفي تدل على العموم أم لا؟ هذه مباحث موضوعية. إذن، لازم كلام المحقق العراقي هو أن كل هذه المسائل خارجة عن علم الأصول.
الإشكال الثالث: أنتم تعتبرون علم الرجال من مباحث علم الأصول، بينما هذا العلم هو مجموعة من القواعد الرجالية ودراسة خصوصيات وأحوال رواة الحديث، والتي لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالحكم الشرعي؛ مثلاً، دراسة اعتبار أصحاب الإجماع أو حجية توثيق المتأخرين لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالحكم الشرعي؛ بينما يجب أن تكون مسائل علم الأصول مرتبطة بالأحكام الشرعية ارتباطاً مباشراً.
١-٤. تعريف المحقق النائيني
يقول المحقق النائيني قبل الدخول في تعريف علم الأصول: العلوم الدخيلة في الاستنباط (مثل علم اللغة، النحو، الرجال، والأصول) ليست في عرض واحد؛ بل إن علم اللغة، النحو، والرجال، وإن كانت مؤثرة في الاستنباط، إلا أنها من قبيل المعدّات، وعلم الأصول هو الجزء الأخير من العلة التامة للاستنباط. وعليه، فإن رتبة علم الأصول متقدمة على النحو واللغة والرجال. (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ١٨)
ثم يقول في مقام تعريف علم الأصول: «إنّ علم الأصول عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلي»؛ أي علم الأصول هو علم بالكبريات التي إذا ضُمت إليها صغرياتها، يُستنتج منها حكم فرعي كلي. (نفس المصدر، ص ١٩)
بعبارة أخرى، علم الأصول هو قواعد تقع في كبرى قياس يُستفاد منه حكم شرعي كلي؛ أما سائر العلوم فتقع دائماً في الصغرى، وليس لها أهلية الوقوع في كبرى الاستنباط.
وبخصوص هذا التعريف، تبدو عدة إشكالات:
الإشكال الأول: في تعريف المحقق النائيني وردت عبارة «العلم بالقواعد»، ويرد عليها نفس الإشكال الذي ورد على التعريف المشهور.
الإشكال الثاني: طبقاً لتعريفه، تخرج جميع مباحث الألفاظ من علم الأصول؛ لأن بحث دلالة صيغة الأمر أو صيغة النهي على الوجوب أو الحرمة، مثلاً، لا يقع في كبرى القياس الذي نريد أن نستفيد منه الحكم الكلي الإلهي؛ بل إن هذا البحث يشتمل على هذا القياس: «هذه صيغة افعل» (صغرى)، و«صيغة افعل ظاهرة في الوجوب» (كبرى)، «فهذه الصيغة ظاهرة في الوجوب» (نتيجة). هنا لا يمكن استنباط الحكم الإلهي بجملة «صيغة افعل ظاهرة في الوجوب»؛ بل يجب ضم كبرى أخرى إليها باسم «كل ظاهر حجة».
طبعاً، يقبل المحقق النائيني في موضع آخر هذه النتيجة ويلتزم بها. فيكتب: «بحث ظهور الأمر والنهي في الوجوب والحرمة لا يعود إلى علم الأصول؛ بل هو من المبادئ، وقد أُورد في علم الأصول استطراداً». (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ٤، ص ٣٠٨) ولكن يبدو أن هذا الالتزام مشكل؛ لأن قسماً مهماً من علم الأصول يتعلق بالأوامر والنواهي والمفاهيم؛ بينما تخرج جميعها بواسطة هذا التعريف من علم الأصول.
الإشكال الثالث: هذا التعريف يشمل بعض القواعد الفقهية؛ مثلاً قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» تقع ككبرى في قياس استنباط حكم كلي إلهي.
الإشكال الرابع: هذا التعريف لا ينسجم مع مبناه في باب الأمارات (الطريقية)؛ بل يصح فقط طبقاً لمبنى جعل الحكم المماثل؛ مثلاً في باب خبر الواحد نقول: خبر الواحد يدل على وجوب الفعل الفلاني (صغرى)، وكل شيء يثبت به خبر وجوبه فهو واجب (كبرى)، إذن الفعل الفلاني واجب (نتيجة)؛ ولكن هذه النتيجة صحيحة عندما نقول إن الشارع في مورد الأمارات ينشئ حكماً مماثلاً لمؤداها، وهذا الحكم المماثل يُحصل عليه بواسطة هذا القياس؛ بينما المحقق النائيني في باب الأمارات قائل بالطريقية؛ أي أن نفس الخبر لا يدل على حكم، بل هو فقط طريق إلى الواقع. (الحسيني الميلاني، ١٤٢٨هـ، ج ١، ص ٤٨)
يبدو أن هذا الإشكال غير وارد؛ لأنه وإن كان المحقق النائيني قد استخدم مراراً كلمة «الطريقية» وأحياناً كلمة «العلم التعبدي»، إلا أنه أيضاً، مثل الشيخ الأنصاري، قائل بالعلم التعبدي في الأمارات، لا الطريقية المحضة؛ والعلم التعبدي يختلف عن الطريقية.
الإشكال الخامس: طبقاً لتعريفه، كل ما يقع في كبرى القياس هو مسألة أصولية؛ بينما يجب أن نرى قبل ذلك ما هي ضابطة الوقوع في الكبرى، وأي مسألة يمكن أن تقع في كبرى القياس؛ لأن الهدف من تعريف علم الأصول هو إيجاد ضابطة يمكن بواسطتها تشخيص دخول أو خروج المسائل من علم الأصول.
١-٥. تعريف الشيخ الأنصاري
يقول الشيخ الأعظم: المسألة الأصولية هي المسألة التي يكون تطبيقها بيد المجتهد؛ مثلاً، تشخيص محل جريان الاستصحاب يختص بالمجتهد، والعامي لا يستطيع إجراء مثل هذه القاعدة. (الأنصاري، ١٣٨٣ش، ج ٤، ص ١٩ و ٢٠)
يوجد إشكالان واضحان في كلامه:
الإشكال الأول: هذا التعريف هو تعريف باللازم؛ أي أن الشيخ لم يعرّف حقيقة علم الأصول، بل بيّن لازمها.
الإشكال الثاني: رغم أن العامي يستطيع تطبيق بعض القواعد مثل «الناس مسلطون على أموالهم»، إلا أنه في كثير منها لا يملك القدرة على التطبيق، والفقيه وحده يستطيع تطبيقها؛ مثل قاعدة «ما يضمن بصحيح يضمن بفاسده».
١-٦. تعريف المحقق الخوئي
يقول المحقق الخوئي: «علم الأصول هو علم بالقواعد التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية، من دون الحاجة إلى كبرى أو صغرى أصولية أخرى. فالتعريف إذن يرتكز على هذين المحورين، والمسائل الأصولية تدور حولهما».[2] (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٤)
توجد ثلاث نقاط في هذا التعريف:
النقطة الأولى: استفاد من كلام أستاذه المحقق الأصفهاني واعتبر معنى جامعاً للاستنباط، وهو بمعنى إقامة الحجة على الحكم الشرعي؛ لا المعنى الذي قاله المشهور واعتبروا الاستنباط بمعنى الوصول إلى الحكم الشرعي عن طريق العلم أو الظن المعتبر (الدليل العلمي). من هنا، فإن إشكال المحقق الأصفهاني على تعريف المشهور – الذي قال: بالإضافة إلى مسألة الظن الانسدادي على القول بالحكومة والأصول العملية في الشبهات الحكمية، تخرج مسائل أصولية أخرى كثيرة من تعريف المشهور، إلا إذا بيّنّا معنى أعم للاستنباط وقلنا إن الاستنباط هو بمعنى إقامة الحجة على الحكم الشرعي الذي يشمل الأصول العملية أيضاً – لن يرد على هذا التعريف.
النقطة الثانية: استخدم المحقق الخوئي في تعريفه كلمة «بنفسها» وقال: المسألة الأصولية هي التي تقع بنفسها في طريق الاستنباط، دون الحاجة إلى كبرى أو صغرى أصولية أخرى. هذه الجملة الأخيرة هي تفسير لكلمة «بنفسها». علم اللغة، النحو، الرجال، وغيرها تقع في طريق الاستنباط، ولكنها جميعاً تحتاج إلى ضم كبرى أصولية أخرى.
النقطة الثالثة: يذكر نقضين على تعريفه ويجيب عنهما:
الأول: اجتماع الأمر والنهي: إذا قلنا بامتناع الاجتماع، يجب أن نضم قواعد باب التعارض أيضاً لنستنبط الحكم الشرعي منه.
الثاني: اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده: إذا قبلنا في مسألة الضد اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده، يجب أن نضم كبرى كلية أصولية أخرى تقول «النهي في العبادات ظهور في الحرمة والفساد» لنثبت فساد الضد العبادي (الصلاة التي تقابل الإزالة).
يجيب المحقق الخوئي على هذين النقضين قائلاً: إذا كانت مسألة أصولية، طبقاً لجميع الأقوال، تحتاج إلى ضم كبرى أخرى، فإنها تخرج من مسائل علم الأصول؛ أما إذا كانت طبقاً لأحد الأقوال لا تحتاج إلى ضم كبرى، فهذا المقدار كافٍ لكونها أصولية؛ مثلاً، في مسألة اجتماع الأمر والنهي، هناك قول بالامتناع يحتاج إلى ضميمة، وقول آخر بالجواز الذي لا يحتاج إلى ضميمة، ويُنتج صحة العبادة.
وفي مسألة اقتضاء الأمر، بناءً على القول بعدم الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده، تثبت صحة الضد العبادي دون الحاجة إلى أي ضميمة. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٥)
مع ذلك، يبدو أن أربعة إشكالات ترد على تعريف المحقق الخوئي:
الإشكال الأول: تعريفه مستلزم للدور؛ لأنه يعتبر المسألة أصولية إذا لم تحتج إلى ضم مسألة أصولية أخرى؛ بينما يجب أولاً تحديد أن القاعدة المضمومة هي أصولية أم لا.
الإشكال الثاني: لازم تعريفه خروج جميع مباحث الألفاظ (مثل بحث الأوامر والنواهي) من علم الأصول؛ لأنها جميعاً تحتاج إلى ضم مقدمة أخرى. طبعاً، يُستفاد من بعض عباراته أنه وإن كنا في مباحث الألفاظ نحتاج إلى ضم كبرى حجية الظهور، إلا أن هذه الكبرى مقدمة بديهية لا تُبطل كون المسألة أصولية. ولكنه يقول في عبارات أخرى: جميع مباحث الألفاظ والمباحث اللغوية خارجة عن علم الأصول. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١ و ٢)
الإشكال الثالث: قال بشأن مسألة اجتماع الأمر والنهي إنه حتى لو لم تحتج إلى مقدمة طبقاً لقول واحد، فهذه المسألة أصولية. الإشكال هو أن مسألة اجتماع الأمر والنهي بناءً على الامتناع تحتاج إلى قواعد باب التعارض، وبناءً على الجواز لها فرضان: حيث توجد مندوحة وحيث لا توجد مندوحة. بعض الأصوليين في فرض عدم وجود مندوحة يقولون: يقع تزاحم بين الأمر والنهي. ونتيجة لذلك، في طرف الجواز أيضاً يجب ضم قاعدة أصولية أخرى للوصول إلى نتيجة هذه المسألة.
الإشكال الرابع: قال إن المسألة الأصولية لا تحتاج إلى أي مسألة أصولية أخرى؛ بينما الهدف من التعريف هو إيجاد ضابطة يمكن بواسطتها تشخيص دخول أو خروج المسائل من علم الأصول. فكيف يمكن قبل الدخول إلى علم الأصول فهم أي مسألة تحتاج إلى مسألة أصولية أخرى وأي مسألة لا تحتاج؟! ونتيجة لذلك، يجب أن نرى أولاً هل مسائل مثل حجية الظهور، حجية العرف، مقاصد الشريعة، وعنصر الزمان والمكان يجب بحثها في علم الأصول أم لا؟ قبل البحث، لا نعلم هل هذه المسائل تحتاج إلى ضم مقدمات أخرى أم لا.
١-٧. تعريف المحقق الأصفهاني
يقول المحقق الأصفهاني: «ما يُبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي»؛[3] أي علم الأصول هو علم يُبحث فيه عن القواعد التي أُعدت لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٤٢)
لقد ذكر، خلافاً للمشهور، معنى جامعاً في هذا التعريف لكلمة «الاستنباط»، بحيث يشمل، بالإضافة إلى الأمارات، الأصول العملية أيضاً؛ بينما كان تعريف المشهور منحصراً في الأمارات. كذلك، لكلمة «الحجة» في كلامه إطلاق، وتشمل كل بحث عقلي وغير عقلي يمكن أن يكون قاعدة ممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي.
ثم يقول: إشكال تعريفنا هو أنه يُخرج البراءة الشرعية من الأصول ويجعلها بحثاً استطرادياً؛ لأن مدلول هذا الأصل هو حكم شرعي، ونحن بواسطته لا نحصل على حجة على الحكم الشرعي.
على كل حال، ترد أربعة إشكالات على كلامه:
الإشكال الأول: كلام المحقق الأصفهاني يعني أن البراءة العقلية (قبح العقاب بلا بيان) تفيد الحجية للحكم الشرعي وهي معذّرة عن الحرمة الواقعية. ونتيجة لذلك، تخرج البراءة الشرعية من مسائل علم الأصول، وتدخل البراءة العقلية في مسائل علم الأصول؛ ولكن رغم عدم وجود برهان على خلاف هذا الادعاء، فإن الالتزام به صعب جداً؛ لأن الأصوليين منذ القدم أدرجوا كليهما تحت مسائل علم الأصول. بالإضافة إلى ذلك، من حيث الأهمية، فإن البراءة العقلية والبراءة الشرعية إما متساويتان، أو أن حاجة الفقيه إلى البراءة الشرعية أكثر من البراءة العقلية.
الإشكال الثاني: بعض مباحث علم الأصول لا توجب تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، بل تعيّن الحجة؛ مثلاً، في بحث المتعارضين، نعلم إجمالاً بوجود حجة، ولكننا بصدد معرفة أي منهما حجة. وكذلك في بحث أصل التخيير، لدينا علم بحجية أحد الدليلين، وعندما يدور الأمر بين المحذورين، نحكم بالتخيير. وفي بحث التزاحم، المسألة كذلك. نعم، إذا كان لتحصيل الحجة معنى عام يشمل تعيين الحجة أيضاً، فإن هذا الإشكال غير وارد.
الإشكال الثالث: طرح المحقق العراقي إشكالاً عاماً على جميع التعاريف؛ وهو أن مرادكم من الحجة، إما الحجة بلا واسطة، وعليه يجب أن تخرج جميع مباحث الألفاظ من علم الأصول (لأن مباحث الألفاظ تحتاج إلى مقدمة وضم واسطة)، أو الحجة مع الواسطة، وفي هذه الحالة، يدخل علم اللغة وعلم النحو وعلم الرجال وغيرها في علم الأصول؛ لأننا مثلاً بواسطة علم النحو أيضاً نحصل على حجة على الحكم الشرعي؛ مثلاً نقول: مسح مقدار من الرأس كافٍ، بسبب باء التبعيض التي وردت في الآية الشريفة. (العراقي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٢١ و ٢٢)
الإشكال الرابع: لقد أورد في تعريفه كلمة «الممهدة»؛ بينما قيل سابقاً إنه في تعريف علم الأصول يجب طرح الموضوعات التي لم تُعدّ للاستنباط (مثل بحث المشتق) أيضاً.
١-٨. تعريف الإمام الخميني
يكتب الإمام الخميني: «أنه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلية الفرعية الإلهية أو الوظيفة العملية»؛ أي علم الأصول هو قواعد آلية يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلية الفرعية الإلهية أو الوظيفة العملية. (الإمام الخميني، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ١٩)
توجد عدة نقاط في هذا التعريف:
الأولى: كلمة «الآلية»: في أي من التعاريف السابقة لم تتم الإشارة إلى كون علم الأصول آلياً؛ بينما أحد الفروق بين علم الأصول والقواعد الفقهية هو في هذا الجانب.
الثانية: عبارة «التي يمكن»: بواسطة هذا القيد، تدخل بعض الأدلة التي لا حجية لها، بحسب رأي كثير من الأصوليين، في موضوع علم الأصول؛ أي أن هذا التعريف لا يشمل فقط القواعد التي تقع بالفعل في طريق الاستنباط، بل يشمل أيضاً مباحث مثل حجية القياس، الاستحسان، الشهرة الفتوائية، الإجماع المنقول وغيرها – التي لا يقبل كثير من الأصوليين حجيتها.
الثالثة: كلمة «كبرى»: هذا القيد ذُكر أيضاً في كلام المحقق النائيني ليُخرج به علم اللغة وعلم الرجال وما شابههما؛ لأن هذا القبيل من العلوم لا يقع كبرى للاستنباط المنتج للحكم الشرعي.
الرابعة: كلمة «استنتاج»: الاستنتاج له معنى أعم من الاستنباط.
الخامسة: عبارة «أو الوظيفة العملية»: بهذا التعبير، يدخل بحث الأصول العملية أيضاً في مباحث علم الأصول.
مع ذلك، يبدو أن إشكالين يردان على كلامه:
الإشكال الأول: لقد قسّم التعريف، تبعاً للمحقق الخراساني، إلى قسمين، وقال: موضوع الحجج أو القاعدة هو إما ما ينتهي إلى استنباط الحكم الشرعي، أو ما لا يشتمل على حكم شرعي، بل هو قاعدة توضح وظيفة المكلف في مقام العمل. إذن، هو أيضاً لم يستطع تصور قدر جامع بين الأمارات والأصول العملية.
الإشكال الثاني: لقد جعل، تبعاً للمحقق البروجردي (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٦)، موضوع علم الأصول هو «الحجة في الفقه». (الإمام الخميني، ١٤٠٩هـ، ج ٣، ص ١٣) من هنا، يرد عليه هذا الإشكال وهو أن الصناعة تقتضي أن يكون الموضوع داخلاً في التعريف. فإذا جعلتم عنوان الحجة موضوعاً، فيجب أن تذكروه في التعريف؛ مثلاً، قولوا: قواعد آلية تُطرح كحجة في الفقه للفقيه، وتشمل كلاً من الأمارات والأصول العملية.
الإشكال الثالث: بناءً على هذا التعريف، تخرج قاعدة الحلية وقاعدة الطهارة من علم الأصول؛ لأنهما لا تملكان عنوان الآلية للوصول إلى الحكم الشرعي.
١-٩. تعريف صاحب منتقى
يقول صاحب منتقى الأصول: يُبحث عن القواعد الأصولية في ثلاثة مقامات: أن تكون ناظرة إلى رفع التحيّر؛ أن تكون ناظرة إلى رفع منشأ التحيّر؛ وألا تكون ناظرة إلى الواقع أبداً. إذن، علم الأصول هو قواعد ترفع تحيّر المكلف أو ترفع منشأ التحيّر، وليست ناظرة إلى حكم الواقع أبداً.
توضيح ذلك: المكلف يواجه ثلاثة خيارات؛ لأنه من جهة، بالنظر إلى الأحكام الشرعية، يحتمل أن الشارع تعالى قد وضع حكماً في كل مورد. من جهة أخرى، لديه تردد في نفس الحكم (الوجوب أو الحرمة) ولا يعرفه. الخيار الثالث هو واقع الحكم المحتمل.
بالنسبة للخيار الثالث، فإن علم الأصول لا يتكفل بمعالجته؛ أي أن القواعد الأصولية ليست واسطة في الثبوت للحكم الواقعي، بل هي فقط واسطة في الإثبات. وعليه، فإن علة ذكر قيد «لا تكون ناظرةً إلى الواقع أبداً» هو لإخراج القواعد الفقهية؛ لأن الفرق الحقيقي والذاتي بين هذين العلمين هو كشف الواقع في القواعد الفقهية؛ بخلاف علم الأصول الذي لا يوجد فيه نظر إلى واقع الحكم.
أما بالنسبة للخيار الأول، فإذا قلنا بالمنجزية والمعذرية في الأمارات والأصول العملية، أو بجعل حكم مماثل، فإن تردد المجتهد يزول بالاستفادة من القواعد الأصولية.
وفي مورد الخيار الثاني (الاحتمال الذي هو منشأ التردد)، القواعد على قسمين: بعض القواعد الأصولية تحوّل الاحتمال إلى علم تكويناً؛ مثل القواعد الموجودة في باب الملازمات العقلية، التي بمجرد إثبات الملازمة، يحصل الأصولي على علم، ويتحول الاحتمال لديه – تكويناً – إلى علم. وبعض القواعد الأخرى تحوّل الاحتمال إلى علم تعبداً؛ مثل الأمارات التي، طبقاً لمبنى المحقق النائيني، تجعل الاحتمال بمنزلة العلم تعبداً؛ لأنهم قائلون بالعلم التعبدي وتتميم الكشف، ويعتقدون أن أدلة حجية خبر الواحد، مثلاً، تجعل الخبر الواحد الظني الذي كشفه ناقص، بمنزلة الكشف القطعي والكاشف التام.
نتيجة لذلك، فإن جميع مسائل علم الأصول تزيل التردد أو منشأه، ولكن أياً منها لا يثبت واقع الحكم.[4] (الروحاني، ١٤١٣هـ، ج ١، ص ٢٩)
يبدو إشكالان على هذا التعريف:
الإشكال الأول: لازم تعريف علم ما هو توضيح مسار الحركة العلمية للمتعلّم؛ أي يجب أن يحدد ما الذي يبحث عنه ذلك العلم؛ مثلاً، الفقيه في علم الأصول يبحث عن الحجة على الحكم الشرعي، وليس من المقرر أن يصل بهذه القواعد إلى الواقع؛ بل يجد فقط الحجة على وظائف المكلفين التي تكون في قالب حكم أو أصول عملية. إذن، يجب على التعريف أن يوضح هذه الحقيقة لطالبه؛ أما أن نقول إن علم الأصول هو قواعد تزيل التحيّر أو منشأ التحيّر، فهذا لن يوضح شيئاً للمخاطب.
نعم، وإن كان هذا التعريف واضحاً بعد دراسة مباحث علم الأصول، وهو في الواقع تقرير عن مسائل علم الأصول يوضح حقيقة قواعده، إلا أنه ليس تعريفاً لعلم الأصول؛ لأنه لا يوضح ما هي المساعدة التي يقدمها علم الأصول للمجتهد.
الإشكال الثاني: كان بصدد بيان الفرق الحقيقي بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية، بينما في القواعد الفقهية أيضاً لا يتضح واقع الحكم المحتمل ثبوتاً؛ لأن القاعدة الفقهية هي فقط واسطة في الإثبات ولا نظر لها إلى الواقع؛ مثلاً، بناءً على «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، نقول: بما أنه لا يوجد ضمان في الهبة الصحيحة، فلا يوجد ضمان في الهبة الفاسدة أيضاً؛ ولكن الواقع لا يتضح لنا أبداً.
١-١٠. تعريف الشهيد الصدر
يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر في تعريف علم الأصول: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلي»؛ أي علم الأصول هو علم بالعناصر المشتركة التي يستخدمها الفقيه في خصوص الاستدلال الفقهي كدليل على الجعل الشرعي الكلي. (الصدر، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣١)
بهذا القيد، يُخرج مباحث مثل المسائل اللغوية التي ليست عنصراً مشتركاً في جميع أبواب الفقه. وكذلك بقيد «الاستدلال الفقهي»، يُخرج القواعد الفقهية في الشبهات الموضوعية – مثل أصل الصحة وقاعدة الفراغ التي لا تبني استدلالاً فقهياً لحكم شرعي، بل تصحح موضوعاً خارجياً. ويذكر أيضاً قيد «خاصة» ليقول إن هذه العناصر المشتركة يجب أن تكون خاصة بالاستدلال الفقهي، وبهذا يُخرج قواعد المنطق.
٢. التعريف المختار
مقدمة: يقول البعض بوجود فرق بين الدين والقراءة منه، بينما هذا القول خاطئ، ولا يمكن أبداً أن يكون الشارع الذي شرّع الدين لم يضع للبشر طريقاً منضبطاً ومحدداً للوصول إلى الدين.
من ناحية أخرى، ليس بإمكاننا الوصول إلى اللوح المحفوظ، والواقع بالنسبة لنا مجهول، ونحن غير مكلفين بالسعي في طريق آخر؛ وما لم تكن هناك حجة عليه من قبل الشارع تجاه العباد، لا يمكن الاحتجاج به. ونتيجة لذلك، العلم الذي يجب أن نتعلمه كوسيلة للوصول إلى ذلك هو علم الأصول. نعم، ممكن أن يكون استنباط المجتهدين من الأدلة مختلفاً، ولهذا، فإن إمكان الخطأ موجود. لكن المهم هو أنه في هذا الطريق، يكون المكلف معذوراً.
كذلك، كلما تعمّقنا أكثر، يتضح أن هناك نقطتين مشتركتين في جميع التعاريف السابقة واللاحقة:
الأولى: كما قيل، يجب أن يشمل تعريف علم الأصول مباحث التعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد، بينما لا يوجد ذكر لها في التعاريف المذكورة.
الثانية: في التعاريف السابقة، تم وضع علم الأصول في فقه محمود، ونقطة الثقل كانت على الحكم الشرعي؛ بينما توجد مباحث كثيرة في الأصول لا اختصاص لها بالحكم الشرعي:
١. بحث حجية الظهور ليس مختصاً بالحكم الشرعي؛ بل إن أغلب ظواهر الأدلة الاعتقادية، آيات الأحكام، الأخبار الاعتقادية والأخلاقية أيضاً تدخل فيه.
٢. مباحث العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين أيضاً لا اختصاص لها بالأحكام الشرعية؛ بل تجري في متون العقائد والأخلاق.
٣. بحث حجية خبر الواحد أيضاً مطلق، والحجية فيه مطلقة. آيات الأحكام، الأخبار الاعتقادية، والأخبار الأخلاقية أيضاً تدخل فيه.
٤. مباحث العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين أيضاً لا اختصاص لها بالأحكام الشرعية؛ بل تجري في متون العقائد والأخلاق.
٥. بحث الورود والحكومة أيضاً ليس خاصاً بالأحكام؛ مثلاً، وجود المحكمات والمتشابهات في القرآن لا يختص بالآيات التي تبين الأحكام الشرعية، بل إن أهم المحكمات والمتشابهات هي في غير الأحكام الشرعية.
٦. بحث حجية بناء العقلاء ومرجعية العرف أيضاً لا يختص بالحكم الشرعي؛ مثلاً، في بحث حجية العقل، إذا تعارض ظاهر اللفظ مع حكم عقلي قطعي، فمن المسلّم أن الحكم العقلي القطعي مقدّم. وكذلك، بناء العقلاء والعرف في فهم الألفاظ له نفس الحكم، وهو جارٍ في الآيات والروايات الاعتقادية والأخلاقية.
٧. بحث المفاهيم أيضاً ليس خاصاً بالأحكام الشرعية؛ بل يمكن استخلاص المفاهيم من الآيات الاعتقادية والأخلاقية أيضاً.
٨. حجية الظن في الموضوعات هي بالتأكيد قاعدة أصولية، ويجب البحث عنها في علم الأصول، بينما التعاريف المذكورة لا تشملها. طبعاً، وإن كنا أحياناً بصدد إيجاد حجة على الحكم الشرعي بسبب حجية الظن في الموضوعات، إلا أن حجية الظن في الموضوعات غالباً ما تكون لها فائدة في الموضوعات فقط، ولا علاقة لها بالحكم الشرعي. هذه القاعدة تُستخدم في موارد كثيرة مثل إثبات النسب، إثبات السيادة، إثبات مسجدية أو وقفية مكان، تعيين القيمة في الخسائر، إثبات حجية قول الرجالي واللغوي وغيرها.
عرض التعريف المختار ومميزاته
بناءً على ما تقدم وما سيأتي، يبدو أن أفضل تعريف لعلم الأصول هو أن نقول: «هو القواعد التي تقيم أو توجب الحجة بلا واسطة على فهم الدين»؛ أي علم الأصول هو قواعد تُقام لفهم الدين أو تُكتسب بها حجة بلا واسطة على فهم الدين.
لهذا التعريف مميزات مختلفة نشير إليها فيما يلي:
٢-١. الميزة الأولى: شمول التعريف لمختلف العلوم الدينية
بناءً على هذا التعريف، كل من يريد أن يتخصص في أحد فروع العلوم الدينية (مثل التفسير، الكلام، الحديث، وغيرها) يجب عليه أولاً أن يتعلم علم الأصول، ولكن إذا جعلنا نقطة ثقل التعريف هي الحكم الشرعي، كما هو الحال في التعاريف الموجودة بين الشيعة وأهل السنة، فإن علم الأصول يختص بمن يريد أن يصبح فقيهاً، بينما لا ينبغي حصر علم بهذه الأهمية في استنباط الأحكام الشرعية.
في جواب هذه الشبهة القائلة بأن طرح الحكم الشرعي من قبل المشهور في تعريف علم الأصول هو بالنظر إلى الجانب الغالبي – أي لأن هذه القواعد غالباً ما تُستخدم في الفقه – يمكننا أن نجيب كالتالي: إذا قبل شخص هذا الأمر (الجانب الغالبي)، يتضح أنه قبل أصل الإشكال، ويجب عليه أن يقبل تعريفنا أيضاً.
إذن، إحدى نتائج التعريف المختار هي أن علم الأصول لن يختص بأصول استنباط الفقه فقط، بل سيشمل العلوم الأخرى أيضاً. وعليه، يجب تبيين القواعد الأصولية للعلوم الأخرى أيضاً ليتمكنوا من استخدامها في العلوم المذكورة؛ مثلاً، نحدد القواعد الأصولية للتفسير ليستخدمها المفسر في فهم القرآن الكريم، أو نبيّن القواعد الأصولية لعلم الكلام ليستخدمها المتكلم في علم الكلام. وكذلك يجب أن نقدم القواعد الأصولية لعلم الحديث للمحدث – أي الشخص المرتبط بالحديث، لا من ينقل الحديث فقط – ليتمكن من توظيفها في المسائل المختلفة. طبعاً، في هذه الحالة، سيظهر تقسيم جديد في علم الأصول؛ وإن كان هذا التقسيم موجوداً في حاق علم الأصول أيضاً.
نعم، من الممكن أن تكون بعض القواعد الأصولية مشتركة بين مختلف العلوم، ولكن هذا الاشتراك لا ينافي جمع القواعد المتعلقة بكل علم في مكان واحد.
٢-٢. الميزة الثانية: دخول الشبهات الموضوعية في علم الأصول
بناءً على التعريف الذي قدمناه، يشمل علم الأصول القواعد المتعلقة بالشبهات الموضوعية أيضاً؛ لأن الفرق الوحيد بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية يكمن في كمية حكمهما؛ أي أن الحكم في الشبهة الموضوعية جزئي، وفي الشبهة الحكمية كلي، ولا فرق في أن يُحصل على حكم كلي أو حكم جزئي من القواعد الأصولية.
طبعاً، المحقق الأصفهاني أيضاً، وإن لم يصرح بهذا الأمر، إلا أن التعريف الذي قدمه يشمل الشبهات الموضوعية أيضاً؛[5] لأن في هذا النوع من الشبهات يوجد حكم أيضاً، وكلمة «الحجة» تطلق على ما يثبت الحكم الشرعي في الشبهات الموضوعية أيضاً.
أما أن «الأحكام الكلية الشرعية» قد وردت في تعريف المشهور وكثير من الأصوليين، فلا وجه له ظاهراً، ولا ينبغي حصر علم الأصول في الشبهات الحكمية؛ لأن علم الأصول يقدم ضوابط نقيم بها الحجة في الفقه، وفي هذه المسألة لا فرق بين الحكم الكلي والحكم الجزئي. نعم، جزئيات المسائل غالباً ما تُطرح وتُستخدم في الفقه، ولكن كثرة الاستخدام في الفقه ليست دليلاً على ضرورة بحث المسألة في الفقه حتماً.
طبعاً، يدعي صاحب منتقى أن مقصود المحقق الخراساني من إضافة قيد «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» هو إدخال الأصول العملية الحكمية في علم الأصول؛ أما الأصول العملية الموضوعية – إذا قبلنا جريانها – فتخرج من علم الأصول وتدخل في علم الفقه. والعلة التي يذكرها لهذا الاستنتاج هي أن المحقق الخراساني يقول بعد هذا القيد «بعد الفحص واليأس عن الدليل»؛ وهذا القيد يتعلق فقط بالشبهات الحكمية التي يلزم فيها الفحص واليأس من الدليل؛ أما في الشبهات الموضوعية، فلا يوجد مثل هذا القيد. (الروحاني، ١٤١٣هـ، ج ١، ص ٣٢)
لقد بيّنا تعريف المحقق الخراساني سابقاً، وظاهراً لا يوجد مثل هذا القيد في كلامه، إلا إذا قلنا إنه بما أن المحقق الخراساني في مقام الإشكال على تعريف المشهور قال إن بحث «الظن الانسدادي بناءً على الحكومة» و«الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية» داخلة في علم الأصول، فيجب إيراد القيد المذكور؛ أي أن قرينة المقام أو مفروض كلام المحقق الخراساني هو الشبهات الحكمية. ولكن هذا الأمر أيضاً لا يدل على خروج الشبهات الموضوعية من تعريف المحقق الخراساني؛ أي أنه لا يقول إنه ذكر هذا القيد لخصوص الشبهات الحكمية.
ثم يقول صاحب منتقى: لا وجه لحصر مسائل علم الأصول في الشبهات الحكمية، والتعريف الذي قدمناه لعلم الأصول (قواعد لرفع التحيّر أو منشأ التحيّر) يشمل الشبهات الموضوعية أيضاً. إذن، مجرد أن دخول الشبهات الموضوعية في علم الأصول يسبب دخول كثير من مسائل الفقه في علم الأصول ليس دليلاً معتبراً لاختصاص التعريف بالشبهات الحكمية.
يبدو أن الحق معه؛ لأنه لا يمكن فقط بسبب أن أكثر الشبهات الموضوعية (مثل استصحاب الطهارة) تُطرح في الفقه، أن نخصص بحثاً مثل الاستصحاب بالشبهات الحكمية.
نعم، في الشبهات الموضوعية، المقام هو مقام التطبيق، والاستنباط لا يُطرح في الفقه؛ أما بخصوص ما إذا كان الاستصحاب يجري أصلاً في الشبهات الموضوعية أم لا، فيجب البحث عنه في الأصول. من هنا، إذا قلنا في بحث الاستصحاب إن الاستصحاب يجري في الشبهات الحكمية وفي الشبهات الموضوعية معاً، فإن الفقيه يكتب هذا المطلب في رسالته، والمكلف يطبقه على مسائل مختلفة.
قد يقول قائل: هذا البحث في حدود الشبهات الحكمية، لا الموضوعية؛ لأن الحجية حكم وضعي، وفي الاستصحاب نريد استخدام الحكم الوضعي في الشبهات الحكمية.
في الجواب نقول: نعم، لو شككنا، طبقاً لبعض المباني في الاستصحاب، فيما إذا كان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية حجة أم لا، وأن الشارع قد جعل له الحجية أم لا، لكان هذا الإشكال وارداً، ولكان الحكم الوضعي بهذا الاعتبار شبهة حكمية؛ ولكن هذا المبنى لا يقبله لا المشهور ولا المحقق الخراساني، بل يعتقدون أن الأصول العملية هي فقط منجزة ومعذرة. وبناءً على هذا المبنى، لا يوجد حكم في الأمر أصلاً، فضلاً عن وجود حكم وضعي.
٢-٣. الميزة الثالثة: إيجاد ضابطة
في نقد تعريف المحقق النائيني والمحقق الخوئي، قيل إنه يجب في تعريف علم الأصول تقديم ضابطة لنفهم بواسطتها ما إذا كان يجب البحث عن مسألة ما في علم الأصول أم لا.
هذا الإشكال لا يرد على تعريفنا؛ لأنه لا المحقق النائيني ولا المحقق الخوئي طرحا كلمة «تحصيل الحجة» في تعريفهما، ولكننا قلنا في تعريفنا إن كل قاعدة يمكن أن تكون نافعة لإقامة الحجة في أمر الدين، فهي داخلة في علم الأصول، وهذه النقطة نفسها يمكن أن تكون ضابطة لطرح المسائل في علم الأصول.
النتيجة
خلاصة المباحث التي مرت هي عدة أمور:
أولاً: تعريف علم الأصول: في نظرنا، علم الأصول هو مجموعة من القواعد التي تبيّن وتحقق الحجة في فهم الدين.
ثانياً: الفرق بين علم الأصول والقواعد الفقهية: في نظرنا، في القواعد الفقهية لا نسعى لتحصيل الحجة؛ بل نطرح حكماً كلياً لفعل المكلف؛ مثل «على اليد ما أخذت» التي تطرح مسألة الضمان، أو قاعدة الفراغ والتجاوز التي تبيّن حكماً كالصحة أو الفساد؛ أما علم الأصول فيبيّن قواعد هي حجة لفهم الدين. بعبارة أخرى، في المسألة الفقهية، يأتي الحكم على فعل جزئي، أما الفعل في القاعدة الفقهية فهو أكثر كلية، ولهذا يقال لها قاعدة؛ مثلاً، في قاعدة «ما يضمن»، لا نتحدث عن خصوص البيع، الإجارة، وغيرها، بل نتحدث عن كل معاملة يكون صحيحها سبباً للضمان.
الهوامش
1. أستاذ بحوث الخارج في حوزة قم العلمية ورئيس مركز فقه الأئمة الأطهار (ع).
2. «وهو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها، وعليه فالتعريف يرتكز على ركيزتين وتدور المسائل الأصولية مدارهما».
3. «ما يُبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي».
4. يذكّر المحقق الخراساني بهذه النقطة أيضاً وهي أن التعريف الحقيقي في مثل هذه الموارد غير ممكن، وهذه التعاريف هي من قبيل التعريف بشرح الاسم والتعريف اللفظي.
5. «فههنا مقامات ثلاث: أحدها مقام الحيرة والتردد، والآخر مقام الاحتمال الموجب للتردد، والثالث مقام واقع الحكم المحتمل من ثبوت ونحوه…».