خلاصة
يحظى بحث ماهية الحكم الشرعي بأهمية بالغة عند الأصوليين. فمنهم من اعتبر ماهية الحكم هي الإرادة التشريعية نفسها، ومنهم من أنكر ذلك؛ إلا أن جُلّ الأصوليين قد قبلوا بأصل وجود الإرادة التشريعية الإلهية. خلافاً للمحقق الأصفهاني الذي أنكر الإرادة التشريعية وسعى في جميع مباحثه الأصولية إلى الاستدلال على رأيه هذا. فهو يرى أن الله سبحانه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة، والعلماء المبلّغين للشريعة، بل وكل مولى عرفي، فاقدون للإرادة التشريعية؛ ذلك لأن الإرادة التشريعية إنما تكون لمن يعود عليه نفع من تحقق الفعل، في حين أن أفعال المكلفين لا نفع فيها لله أو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة والعلماء. إضافة إلى ذلك، فإن وجود إرادة تشريعية لله يستلزم محذوراً آخر يجعل قبوله متعذراً، وهو التطابق بين النظام الرباني والنظام الإمكاني. وسيكون لنفي الإرادة التشريعية تأثير في جميع مسائل علم الأصول. تهدف هذه المقالة، من خلال جمع عبارات المحقق الأصفهاني وتحليلها، إلى تبيين رأيه وتقرير استدلاله على هذا المدّعى.
مقدمة
إن علم الأصول برمّته حافل بما يدلّ على إيمان الأصوليين بوجود الإرادة التشريعية، وقد قسّموا جميعهم تقريباً الإرادة إلى نوعين: «تكوينية» و«تشريعية»، واعتبروا أن الله سبحانه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام يملكون كلا النوعين من الإرادة. على سبيل المثال، يجيب المحقق الخراساني، الذي يعتقد باتحاد الطلب والإرادة، على إشكال لزوم تخلّف المراد عن الإرادة الإلهية في خصوص الكفار والعصاة، بأن الإرادة التي يستحيل تخلّف المراد عنها هي «الإرادة التكوينية» التي فسّروها بالعلم بالنظام الأحسن؛ ولكن يوجد نوع آخر من الإرادة يمكن أن ينفك المراد عنها، وهذا النوع الثاني المسمى بـ«الإرادة التشريعية» هو نفس الإرادة التي تتعلق بأفعال عباده (الخراساني، ١٤٠٩، ص٦٧).
لا يقبل المحقق الأصفهاني بهذا القول للمحقق الخراساني وينكر الإرادة التشريعية المتعلقة بالله إنكاراً تاماً. فبرأيه، لم يُرد الله أصلاً أفعال المكلفين حتى يحتاج إلى توجيه الأمر عند عصيان العباد لأوامره عبر التفكيك بين الإرادة التكوينية والتشريعية. وقد أشار المحقق الأصفهاني إلى عقيدته هذه في جميع مباحثه الأصولية. ومن الواضح أن لبحث الإرادة أهمية بالغة في علم الأصول. فقد اعتبر بعض الأصوليين أن الإرادة والكراهة هما حقيقة الحكم وروحه؛ حتى لو لم يكن هناك بعث وزجر في البين (الصدر، ١٤١٧، ج ٥، ص٢٨؛ العراقي، ١٣٦١، ج ٤، ص٨٩). وفي كثير من المباحث الأصولية، كاجتماع الأمر والنهي والجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، يبرز بحث الإرادة والكراهة.
لا يقرّ المحقق الأصفهاني بالإرادة التشريعية ولا يعتبرها روح الحكم؛ بل يرى أن الحكم الشرعي هو «إنشاء بداعي جعل الداعي في المكلف العالم بالحكم والمنقاد له» (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ١٢٣). ويرى أن ما يفعله الشارع هو أنه بإنشاء التكليف الشرعي، يحرّك المكلف المنقاد الذي علم بهذا التكليف تحريكاً تنزيلياً؛ أي يوجد فيه الداعي لأداء الواجبات أو ترك المحرمات. والمكلف الذي يتحرك وينبعث بهذا الحكم الشرعي، يتجه نحو أداء ذلك الفعل.
وبتعبير آخر، إن عمل الشارع هو «جعل الداعي الإمكاني» (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٣٤٤، ٤١٦). وهذا الأمر لا يتوقف على إرادة الفعل من قبل المكلف؛ بل إن مثل هذا الشيء غير ممكن أصلاً. وبتعبير آخر، فإن وظيفة المولى في مقام جعل الأحكام الشرعية لا تتعدى دعوة المكلفين إلى أداء العمل وإيجاد الدافع لديهم للقيام بالأفعال. بعد ذلك، إذا علم المكلفون بهذه التكاليف وكانوا منقادين، فإنهم يؤدون تلك التكاليف ويصلون إلى المصلحة الكامنة فيها. وقد أقام المحقق الأصفهاني أدلة على مدعاه أيضاً. من هنا، سنبين أولاً المقصود من الإرادة التشريعية، ثم نتطرق إلى استدلال المحقق الأصفهاني على إنكار مثل هذه الإرادة.
تعريف الإرادة التشريعية
تُقسّم الإرادة إلى قسمين: تكويني وتشريعي. الإرادة التكوينية هي الإرادة التي تكون لدى المريد للقيام بالفعل. فكل فاعل مريد عندما يريد أن يفعل فعلاً ما، فإن أعضاءه تتحرك بعد إرادة الفعل للقيام بذلك العمل، ويتم إنجاز ذلك العمل. وفي هذا القسم من الإرادة، يكون الفاعل والمريد واحداً.
أما الإرادة التشريعية، فهي إرادة إنجاز الفعل على يد الآخرين؛ أي أن الشخص الذي يريد وقوع فعل ما، يطلب من شخص آخر أن يقوم بذلك الفعل، والآخر أيضاً يريد ذلك الفعل ويقوم به. في هذا القسم، يختلف المريد والفاعل. ولهذا، يوجد في الإرادة التشريعية، بالإضافة إلى «المريد» و«المراد»، عنصر ثالث يُدعى «المراد منه». وبهذا الترتيب، فإن الإرادة التكوينية لله هي الإرادة التي أوجد بها موجوداً أو موجودات في الخارج، وإرادته التشريعية هي إرادة وقوع أفعال في الخارج طلب من عباده وأمرهم بأن يقوموا بها.
يعتبر المحقق الأصفهاني الإرادة التشريعية إرادة فعل الغير الذي طُلب منه القيام بعمل ما (المراد منه)، والإرادة التكوينية إرادة فعل المريد (الأصفهاني، ١٤١٦، ج ٢، ص ١٢)، وأحياناً يضيف قيد الاختياري إليها (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٢، ص ٧٦). وبتعبير آخر، في الإرادة التكوينية، تكون الإرادة هي الجزء الأخير من العلة التامة التي يتحقق المعلول بعدها.
وهي إرادة المريد. بخلاف الإرادة التشريعية التي ليست الجزء الأخير لتحقق الفعل، بل هي إرادة المريد؛ ولكن تحقق الفعل يتوقف على إرادة «المراد منه»، فإذا أراد هو تحقق الفعل، تحقق الفعل (الأصفهاني، ١٤١٦، ج ٢، ص ٢٤٣). على سبيل المثال، الإنسان لكي يروي عطشه، قد يريد بنفسه إحضار الماء ليصل إلى غرضه (الارتواء)، وقد يأمر الآخرين بإحضار الماء له. في الحالة الأولى، تعلقت إرادة المريد بإحضار الماء ولم يكن هناك وسيط للقيام بالعمل. وفي الحالة الثانية أيضاً، تم إحضار الماء بواسطة فعل شخص آخر، وما صدر من المريد هو إرادة طلب الماء أو الأمر بإحضاره. ففي الحالة الأولى، أي الإرادة التكوينية للارتواء، المهم هو تحقق إرادة إحضار الماء في نفس المريد، وهي الجزء الأخير من العلة التامة، وبعد تحققها يتحقق فعل «إحضار الماء». وبهذا الترتيب، بعد تحقق الإرادة التكوينية، تتحرك عضلات الفاعل وتعمل على تحقيق ما أُريد. على خلاف الإرادة التشريعية التي بعد تحققها لم يتحقق بعد الجزء الأخير من العلة التامة؛ بل تحقق فقط التحريك نحو الفعل، وفي حال أطاع الفاعل المريد، يتحقق الفعل. لذلك، لا تنفصل الإرادة التكوينية عن حركة العضلات، والإرادة التشريعية عن البعث (التحريك) الفعلي، وستكونان دائماً متلازمتين (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٤، ص ٢٦٨).
إرادة الله التكوينية
لا شك أن لله إرادة تكوينية؛ وإن اختلف في تفسيرها. فقد فسر الفلاسفة الإرادة الذاتية التكوينية لله بالعلم بالنظام الأحسن (ملا صدرا، ١٩٨١، ج ٦، ص ٣٧٩). فالله قبل خلق العالم كان عالماً به، وعلمه هو علة خلق العالم؛ دون الحاجة إلى إرادة، أو داعٍ، إلخ. لكن المحقق الأصفهاني لا يوافق على هذا التفسير الفلسفي، ويعتبر إرادة الله ليست العلم، بل ابتهاج الذات وسرورها ورضاها عن ذاتها، ويقدم توجيهاً آخر لكلام الفلاسفة. وبحسب المحقق الأصفهاني، فإن مفاهيم صفات الله متباينة ومتخالفة، ورغم أن جميع الصفات الإلهية لها مصداق واحد، فإن مفهوم «العلم» يختلف عن مفهوم «القدرة» ومفهوم «الحياة»، ولا يمكن إرجاع المفاهيم المتباينة إلى بعضها وتوحيدها؛ بل إن اتحاد المفاهيم يعني اتحاد مصاديقها. فلا يمكن اعتبار مفهوم «الإرادة» هو نفسه مفهوم «العلم بالنظام الأصلح»، ومن الواضح أن مفهوم «الإرادة» هو الرضا والرضا وما شابه ذلك، والذي يعبر عنه أحياناً في البشر بالشوق الأكيد. بالطبع، لا يمكن اعتبار الإرادة في حق الله شوقاً أكيداً؛ لأن الشوق يوجد حيث يكون للفاعل قوة على أداء العمل، وللخروج من القوة إلى الفعل يجب أن يتصور ويصدق بالفائدة ثم يجد الشوق الأكيد لتحريك القوى نحو الفعل، وهذا لا معنى له في حق الله الذي هو صرف الوجود؛ بل الله مبتهج بذاته التي هي صرف الخير وصرف الوجود، وهذا الابتهاج ذاتي، ولأنه يحب آثاره أيضاً، فإن له ابتهاجاً في مقام الفعل، وهو نفس إرادة الله الحادثة. فدليل الحكماء على تفسيرهم للإرادة الذاتية لله بالعلم بالنظام الخير هو أنهم بصدد التأكيد على أن أفعال الله تتحقق عن اختيار، وأن العلم والرضا يجتمعان في أفعال الله؛ لا أن أفعاله عن علم ولكن بلا رضا، أو عن رضا ولكن بلا علم؛ بل فعله اختياري يكون عن شعور ورضا، وسبب كون فعل الله اختيارياً هو علمه بالنظام الخير؛ لا أن الإرادة بمعنى العلم بالنظام الخير (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٢٧٨).
تقرير المدّعى
كما مرّ، يقبل المحقق الأصفهاني بالإرادة التكوينية لله ويعتبرها بمعنى الابتهاج والرضا عن الذات؛ ولكنه لا يقبل بالإرادة التشريعية لله ويستدل على عدم وجودها. وبناءً على رأيه، لم يُرد الله أبداً أفعال عباده؛ بل أراد فقط بعث وتحريك المخاطبين بدافع إيجاد الدافع في نفوس المكلفين لأداء الأفعال، حتى بعد وصول الحكم الشرعي إليهم، في حال كانوا منقادين ومطيعين، يؤدون الواجبات ويتركون المحرمات ليصلوا إلى المصلحة الموجودة في متعلق الواجبات أو يسلموا من المفسدة الموجودة في متعلق المحرمات.
وهذا ليس إلا إرادة الله التكوينية. فقد تعلقت إرادة الله التكوينية ببعث وزجر المكلفين، وهي كغيرها من إراداته التكوينية لا تتخلف وتتحقق. أما إرادته التشريعية فلم تتعلق بأداء أفعال مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها على يد المكلفين. فلا يمكن القول بأن الله أراد صلاة زيد أو صوم عمرو؛ أي أراد أن تتحقق الصلاة في الخارج بواسطة زيد أو أن يتحقق الصوم في الخارج بواسطة عمرو. وبالطبع، بما أن أداء الصلاة والصوم يعود بالنفع على المكلفين، فقد حثهم الله على أداء هذه الأفعال (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٣٤٣).
كما أنكر المحقق الأصفهاني وجود الإرادة التشريعية في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام وحتى في العلماء الذين يبلغون أحكام الله أو أي شخص يأمر وينهى بغرض إصلاح الآخرين (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ١٢٣) وحتى كل مولى عرفي (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٢، ص ٣٦٦)؛ لأن استدلاله الأول في نفي الإرادة التشريعية عن الله يشمل هؤلاء الأفراد أيضاً:
«لا مجال لانقداح الإرادة التشريعية في النفس النبوية، ولا في النفس الولوية ـ خصهما الله بألف تحية ـ وذلك لبداهة عدم فائدة عائدة من الفعل إليهما، بل إلى فاعله، وعود فائدة من قبل إيصال النفع إلى النبي أو الولي لا يوجب كون الإرادة المتعلقة بالبعث والزجر تشريعية، لأنهما من أفعالهما الإختيارية المتوقفة على الإرادة فهي تكوينية لا تشريعية.»
تُظهر بعض عبارات المحقق الأصفهاني أنه يُسري وجهة نظره هذه حول الإرادة إلى الشوق والحب في غير الله أيضاً (راجع: الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٢، ص ٣٦٦)، وبهذا، لا يقبل بالشوق التشريعي والحب التشريعي إلا في حال عادت فائدة من المشتاق إليه والمحبوب إلى الشائق والمحب؛ وإلا فإن الشوق والحب منتفيان أيضاً:
«إن فعل الغير إذا كان له فائدة عائدة إلى الشخص فينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة شوق إلى فعل الغير بملاحظة ترتب تلك الفائدة العائدة إليه … وأما إذا لم يكن لفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص، فلا يعقل انبعاث الشوق النفساني إلى فعل الغير حينئذ، بداهة أن الشوق لا يكون بلا داع. نعم ربما يكون إيصال النفع إلى الغير بتحريكه أمراً أو التماساً أو دعاءً ذا فائدة راجعة إلى الشخص، فحينئذ ينبعث الشوق إلى إيصال النفع بالبعث والتحريك، ولا وجه لعد مثل هذه الإرادة تشريعية، فإن متعلّقها إيصال النفع إلى الغير بتحريكه، وهو فعل نفسه لا فعل غيره (الأصفهاني، ١٤١٦، ج ٢، ص ١٢).»
بالطبع، الشوق بالنسبة لله لا معنى له أساساً؛ لأن الشوق يتحقق حيث يكون الشيء المتعلق بالشوق (المشتاق إليه) موجوداً من جهة ومعدوماً من جهة أخرى. فلا يمكن أن يكون متعلق الشوق معدوماً بالكامل أو موجوداً بالكامل؛ لأنه إذا كان موجوداً من كل جهة ولم يكن فيه أي جهة فقدان، فإن النفس لا تشتاق إليه؛ لأن الاشتياق إلى تحصيل الموجود هو تحصيل حاصل (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٤، ص ٢٦٧). ومن ناحية أخرى، إذا كان متعلق الشوق معدوماً من كل جهة، فلا يمكن أن يكون طرف إضافة للشوق؛ لأن الشوق أمر وجودي ولا يمكن أن يتعلق بالمعدوم. لذلك، فإن متعلق الشوق له عنوان فرضي من جهة يكون بسببه متعلقاً للشوق، ومن جهة أخرى ليس له وجود خارجي حتى تكون الحركة نحو تحصيله تحصيل حاصل (ملا صدرا، ١٩٨١، ج ٢، ص ٢٣٧)، ونحن نعلم أن جهة الفقدان لا معنى لها بالنسبة لله، وأن ما يريده يتحقق.
هذا الرأي مخالف لرأي المشهور الذين يعتقدون أن الله أراد تحقق الواجبات وترك المحرمات؛ ولكن ليس بإرادة تكوينية؛ بل بإرادة تشريعية؛ أي أن الله أراد صلاة زيد وصوم عمرو؛ ولكنه من أجل تحققهما، بعث وحرّك زيداً وعمروا على أدائهما؛ ولكن في كلتا الحالتين، الصلاة والصوم هما مصداق مراد الله، لدرجة أنه في بعض الأحيان، تُعتبر هذه الإرادة التشريعية لأفعال المكلفين هي حقيقة الحكم الشرعي (الحلي، ١٤٣٢، ج ١، ص ٣٣٩؛ الصدر، ١٤١٧، ج ٢، ص ٢٨٤).
أدلة إنكار الإرادة التشريعية
أقام المحقق الأصفهاني دليلين على مدعاه. يستند استدلاله الأول على اشتراط وصول النفع إلى المريد، واستدلاله الثاني، الذي هو أكثر صعوبة إلى حد ما، يقوم على التطابق بين العوالم.
الاستدلال الأول
إذا لم تكن في الإنسان كمالات وشاق إلى امتلاكها، فإنه يتحرك للحصول على تلك الكمالات ليقوم بعمل يعلم أنه بأدائه ستضاف تلك الكمالات إلى ذاته أو قواه؛ ولكن إذا لم يعد عليه نفع من أداء العمل بل كانت منفعته لغيره، فلن يشتاق أبداً إلى أداء ذلك العمل ولن يريده؛ لأن الإنسان لا يشتاق إلا للأعمال التي تعود عليه بالفائدة. وفي حال لم يعد على الإنسان نفع من عمل الآخرين، فإن الشوق إليه غير معقول أيضاً؛ لأن الشوق دائماً بحاجة إلى دافع. بينما عندما لا يوجد نفع في الفعل، فلن يكون هناك دافع لتحققه (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٢٨٠). بالطبع، عندما يكون لأداء عمل ما نفع لزيد، فإنني أحث زيداً وأحركه للقيام بذلك العمل ليستفيد زيد من منافع الفعل؛ مع أنني لا أحصل على شيء من تلك المنافع. هذا البعث والزجر هو فعل تكويني للإنسان ومثل سائر أفعاله التكوينية. وبتعبير آخر، إذا عاد على الإنسان نفع من بعث وتحريك الآخرين، فإنه يقوم ببعث وتحريك الآخرين؛ ولكن هذا يختلف عن إرادة فعل الآخرين (الأصفهاني، ١٤١٦، ج ٢، ص ١٢). ولهذا السبب، فإن المبدأ الأعلى (الله تعالى) والمبادئ العالية (النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام) لا ينتفعون من فعل الآخرين (الأفعال التي يقوم بها المكلفون)، ولهذا السبب لا يريدون فعل الآخرين (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٢، ص ٣٦٦).
بتعبير آخر، لنفترض أن شخصاً يقف بجانبنا وليس لنا به أي علاقة، وهو عطشان ويريد أن يشرب الماء. من الواضح أنه لا يعود عليّ أي نفع من شربه للماء. هنا، حيث لا يعود عليّ أي نفع من أداء هذا الفعل، فهل شرب الماء والارتواء هو مرادي التشريعي؟ أو عندما يصف الطبيب دواءً، هل استفادة المريض من الدواء تعود عليه بالنفع؟ لقد أوصى الطبيب وأمر باستخدام الدواء، دون أن يكون استخدام الدواء متعلقاً بإرادته؛ بل هو متعلق بإرادة المريض. يقوم الفاعلون المختلفون بتحقيق العديد من الأفعال في الخارج دون أن يعود علينا نفع من تلك الأعمال. فهل نريد نحن هذه الأفعال؟ من الواضح أن الجواب بالنفي.
الآن، لنفترض أن حياتنا تعتمد على بقاء زيد حياً، وزيد مريض ويجب أن يتناول دواءً ليبقى حياً. في هذه الفرضية، تتعلق إرادتنا باستخدام الدواء؛ لأن من هذا الاستخدام يعود علينا نفع أيضاً وهو بقاؤنا أحياء. فقط في هذه الحالة يمكن قبول الإرادة التشريعية.
يستند هذا الرأي للمحقق الأصفهاني إلى بعض مبادئ الفلاسفة المشائين التي قبلها ملا صدرا أيضاً (راجع: ملا صدرا، ١٣٥٤، ص ١٧٩). يشير الشيخ الرئيس في بداية النمط السادس من الإشارات إلى هذا الرأي الفلسفي، حيث يقول إن الموجودات الأسمى لا تقوم بعمل لغرض إيصال النفع إلى موجود أدنى. يقول:
«الموجود الأعلى لا يطلب شيئاً للموجود الأدنى ليكون غرضه من أداء العمل؛ لأن ما يكون غرضاً لفاعل معناه أن الفاعل المختار يختار بين الغرض ونقيضه، الغرض الذي هو أليق بالفاعل، والفاعل الغني لا غرض له فيما يتعلق بالموجود الأدنى.»
يقول الخواجة الطوسي في شرح كلام الشيخ الرئيس: «الغرض هو غاية فعل الفاعل المختار، والذين يعتقدون أن الله يقوم بأفعاله بناءً على أغراض، مقصودهم أن الله يقوم بأفعاله لغرض يعود على الآخرين. بينما هذا الكلام يتنافى مع غنى الله؛ لأن من يقوم بعمل لغرض نفع الآخرين، يكون أداء ذلك الفعل بالنسبة له أرجح من تركه؛ وإلا لما كان غرضاً للفاعل. بينما الله لا غرض له مطلقاً.»
الموجودات العالية لا غرض لها بالنسبة للموجودات الأدنى منها (الطوسي، ١٣٧٥، ج ٣، ص ١٤٩)؛ لأن الفاعل الذي يقوم بفعل لغرض يعود على نفسه أو على غيره، يكتمل بأداء ذلك العمل، والاستكمال يتنافى مع غنى الفاعل (الطوسي، ١٣٧٥، ج ٣، ص ١٥٠).
ثم يجيب الخواجة على هذا الإشكال المهم قائلاً: صحيح أن أداء الأفعال لغرض نفع الذات أو الغير يتنافى مع غنى الفاعل، ولكن أحياناً يقوم الفاعل الغني بعمل لأنه حسن ذاتاً؛ لا لأن نفعاً منه يعود على الفاعل أو على الآخرين. لذلك، فإن الفاعل في أداء مثل هذا العمل لا يسعى وراء فائدة حتى يتنافى مع غناه.
جواب الخواجة، اقتداءً بالشيخ، هو أن حسن أو وجوب فعل ما لا علاقة له باختيار الفاعل الغني له؛ بل سبب اختيار ومشيئة مثل هذه الأفعال من قبل الفاعل هو أن أداء ذلك الفعل يوجب التمجيد والتعظيم واستحقاق المدح، أو أن تركه يسبب تنزه الفاعل وبعده عن الذم، وكل هذه الأمور تتنافى مع غنى الفاعل (الطوسي، ١٣٧٥، ج ٣، ص ١٥٠).
في تتمة البحث، يطرح هذا السؤال المهم: إذا كانت العلل العالية لا تقوم بعمل لغرض إيصال النفع إلى الموجودات الأدنى، فكيف أوجدت النظام الإمكاني المادي؟ هذا النظام المادي صدر من الموجودات الأسمى. فهذا يدل على أنها التفتت إلى العالم الأدنى وموجوداته.
جواب الخواجة الطوسي، الذي هو منشأ الاستدلال الثاني للمحقق الأصفهاني أيضاً، هو التمسك بعناية الحق تعالى في إيجاد العالم، والتي بسببها يتحقق العالم الأدنى مطابقاً تماماً للعالم الأعلى.
الغرض من نقل كلام الشيخ الرئيس والخواجة الطوسي هو التأكيد على أن الفاعل الغني عن الغير – سواء كان غنياً مطلقاً مثل الله، أو غنياً في جهة ما فقط – يكون في جهة غناه عن الغير أسمى وجوداً، ولا يقوم بأفعاله للوصول إلى نفع؛ لأنه يتنافى مع غناه. وبتعبير آخر، التفات العالي إلى السافل إما بسبب نفع يعود من السافل إلى العالي، أو بسبب نفع يجنيه السافل، وكلا الصورتين باطلتان؛ لأن الصورة الأولى تتنافى مع علو العالي؛ إذ إن السافل لن يكون أبداً سبباً في استكمال العالي، وإلا لكان خلفاً في كونه عالياً. والصورة الثانية باطلة أيضاً؛ لأن نفع السافل ليس مراد العالي؛ بل مراد العالي هو استكمال نفسه، واستكماله ليس بالالتفات إلى السافل، وهذا هو نفس مدعى المحقق الأصفهاني.
الاستدلال الثاني
هذا الاستدلال للمحقق الأصفهاني، الذي هو دقيق حسب قوله ويحتاج إلى تدبر، معقد إلى حد ما ويتطلب مقدمات. يوضح المحقق الأصفهاني هذه المقدمات أولاً، وبناءً عليها ينظم استدلاله:
المقدمة الأولى: «إرادة الله هي نفس ابتهاج الله الذاتي بذاته وحبه الذاتي لذاته، وكما أنه يحب ذاته، يحب آثاره أيضاً؛ ولكن ‘ذات الله’ محبوبة بالذات و’آثار الله’ محبوبة بالتبع. فكل ما تحقق في عالم الوجود، هو محبوب ومراد بالتبع لله».
وقد قيل سابقاً عن هذه المقدمة أن المحقق الأصفهاني يرى أن إرادة الله الذاتية هي ابتهاجه بذاته، ومنها يحصل الابتهاج بالآثار ولوازم الذات، وبالتبع، إرادتها.
المقدمة الثانية: «علاوة على ‘النظام التام الإمكاني’ الذي تتحقق فيه الموجودات، يوجد نظام آخر باسم ‘النظام الشريف الرباني’، والنظام الإمكاني مطابق تماماً لذلك النظام الرباني؛ بحيث أن كل ما يوجد في هذا النظام الإمكاني، حقيقته موجودة أيضاً في النظام الرباني ومرادة، وكل ما ليس في هذا النظام الإمكاني، ليس له وجود ولا هو مراد في ذلك النظام الشريف الرباني أيضاً».
تستند هذه المقدمة إلى تصور رسمه الفلاسفة المشاؤون. وبحسب ابن سينا، فإن تمثل النظام الكلي في علم الله السابق في الوقت المناسب هو سبب فيض هذا النظام وفقاً لترتيبه وتفاصيله، وهذا ما يسمى بالعناية. ويقول الخواجة في شرح كلامه:
«إن تمثل النظام الكلي – أي تمثل نظام جميع الموجودات من الأزل إلى الأبد – في علم الباري السابق على هذه الموجودات مع الأوقات المترتبة غير المتناهية التي يجب ويليق أن يقع كلّ موجود منها في واحد من تلك الأوقات يقتضي إفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل والذات المقتضية في جميع الأحوال يعقل ذلك الفيضان منها وهذا المعنى هو عناية الباري تعالى بمخلوقاته (الطوسي، ١٣٧٥، ج ٣، ص ١٥١)؛»
تمثل النظام الكلي، أي تمثل جميع الموجودات من الأزل إلى الأبد في علم الله السابق على الموجودات مع الأوقات المترتبة غير المتناهية التي ينبغي أن يظهر فيها كل موجود في وقته المناسب، يقتضي إفاضة هذا النظام بناءً على هذا التفصيل والترتيب، وهذا هو معنى عناية الله بمخلوقاته.
لذلك، كل ما يوجد في هذا النظام السابق، يوجد أيضاً في النظام اللاحق، وتفاصيل هذه الموجودات في كلا العالمين (الرباني والإمكاني) متماثلة؛ لأن الله فاعل علمي، والفاعل العلمي يقوم بفعله عن علم. فالله قبل إيجاد الموجودات كان عالماً بها، وهذا العلم حتماً مطابق للمعلوم؛ وإلا فإن علمه ليس علماً بل جهل. فلا يمكن أن يوجد شيء في عالم الممكنات إلا إذا كانت له صورة في علم الله السابق.
المقدمة الثالثة: «إرسال الرسل والكتب السماوية وهداية الناس هو جزء من هذا النظام التام الرباني الذي تعلق به الإرادة التكوينية والتبعية لله».
إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية هو مشيئة الله لهداية الناس بواسطتها. وجود الأنبياء والكتب السماوية في العالم المادي، وسعي الأنبياء لهداية الناس، يدل على أن هذه المشيئة كانت موجودة أيضاً في النظام الرباني، وأن العالم المادي قد بُني على أساسها.
يستنتج المحقق الأصفهاني من المقدمات المذكورة ما يلي: «أفعال العباد التي بعث الشارع إليها، إذا تحققت في النظام الإمكاني، فهي مرادة في النظام الرباني، وإذا لم تتحقق هذه الأفعال في النظام الإمكاني، فهي لم تكن مرادة أصلاً في النظام الرباني. وبهذا الترتيب، الأفعال التي يقوم بها العباد هي مرادة لله بإرادة تكوينية أزلية، ولهذا السبب وجدت في النظام الإمكاني، والأفعال التي لا يقوم بها العباد – حتى لو كانوا مكلفين بأدائها – لم تكن مرادة لله بإرادة تكوينية أزلية، ولهذا السبب لم توجد في النظام الإمكاني. لذلك، كل ما هو موجود، هو مراد تكويني للحق تعالى، ولا يبقى مكان للإرادة التشريعية لتوجيه الإرادات المتخلفة. فكل ما هو موجود هو إرادة الله التكوينية، وإرادته التكوينية إذا تعلقت بأي فعل من أفعال العباد، فإنه سيتحقق حتماً. ويجيب المحقق الأصفهاني على مشكلة المرادات المتخلفة عن الإرادات قائلاً: تلك التكاليف الشرعية التي كان المكلفون ملزمين بأدائها ولم يؤدوها، لم تكن من البداية متعلقة بإرادة الله»:
«ما تقدم منا في مبحث الطلب والإرادة من خلو الأحكام الإلهية عن الإرادة التشريعية رأساً؛ لما مر منا أنّ الإرادة الذاتية في المبدأ الأعلى ليست إلا ابتهاج الذات بذاته وحب ذاته لذاته، ومن أحب شيئاً أحب آثاره، فيكون ما يترشح من ذاته محبوباً بالتبع ومراداً بالتبع، فالمراد بالذات – في مرتبة الذات ـ نفس الذات، وغيرها مما ينبعث عن ذاته ـ كجميع مصنوعاته ـ مراد بالتبع، كما أنّ المعلوم بالذات في مرتبة الذات نفس الذات، وغيرها معلوم بالتبع فكل ما ينبعث عن ذاته تعالى مراد، وغيره غير مراد؛ فما يدخل في نظام الوجود الإمكاني داخل في النظام الشريف الرباني، فهو المراد بالتبع دون غيره، فمثل إنزال الكتب وإرسال الرسل والبعث والزجر الموجود كلها في نظام الوجود داخل في المراد بالتبع وما لم يتحقق في الخارج مما تعلّق به البعث غير داخل في المراد بالتبع؛ لعدم دخوله في النظام الإمكاني؛ حتى يكون داخلاً في النظام الرباني فتدبره فإنه دقيق (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٢، ص ٣٦٥).»
وقد أوضح في بحوثه هذا المطلب بتغيير طفيف على هذا النحو: لو صدر الكفر من مؤمن والإيمان من كافر، لكشف ذلك عن أن الإرادة الذاتية لله لم تتعلق به أصلاً في النظام الرباني؛ وإلا لتحقق في النظام الإمكاني. نعم؛ لقد أراد الله إرسال الأنبياء والكتب السماوية وهداية الناس وتحريكهم نحو مصالحهم ومنعهم عن مفاسدهم؛ لأن هذه الأمور أيضاً جزء من نظامه الرباني؛ ولكن متعلقاتها ليست مرادة لله، ولو كانت كذلك لتحققت حتماً؛ كما تحققت هذه الأمور نفسها وأُرسل الأنبياء بالكتب السماوية وأرشدوا الناس إلى مصالحهم ومفاسدهم:
«والنظام التام الإمكاني على طبق النظام الشريف الرباني، فالإيمان من الكافر لو كان مراداً بإرادته الذاتية التي هي عين ذاته لكان من جملة النظام التام إذ النظام التام الإمكاني، كما عرفت صادر على طبق النظام الرباني، وحيث لم يقع الكفر من المؤمن، والإيمان من الكافر، كشف عن عدم تعلّق الإرادة الذاتية بهما، وعدم دخولهما في النظام الرباني، وإلا لكان في النظام الإمكاني. نعم، من جملة النظام التام الذي لا أتمّ منه، نظام إنزال الكتب، وإرسال الرسل، والتحريك إلى ما فيه صلاح العباد، والزجر عما فيه الفساد، فالمراد بالإرادة الذاتية، هذه الأمور، دون متعلقاتها، وإلا لوقعت، فلا أثر من الإرادة التشريعية في صفاته الذاتية (الأصفهاني، ١٤١٦، ج ١، ص ٤٧).»
بتعبير آخر، ما يظهر في هذا النظام الإمكاني، كان قد تحقق سابقاً في النظام الشريف الرباني، وإذا لم يظهر شيء في هذا النظام الإمكاني، يُعلم أنه لم يكن مراداً هناك أيضاً. إذا لم يصدر فعل متعلق الأمر والنهي من العبد، يُعلم أنه لم يكن مراداً في النظام الرباني. إذاً، توجد إرادة حقيقية في الذات بالنسبة للذات وإرادة بالتبع بالنسبة للآثار؛ أما الأفعال غير التي قيل إنها متعلق الإرادة التشريعية، إذا لم تتحقق، فهي ليست داخلة في النظام التام الرباني، وإذا تحققت، فهي داخلة في النظام التام الرباني وتعلقت بها الإرادة الإلهية. بالطبع، ليس من باب أن «فعل الغير» متعلق للإرادة؛ بل أصلاً حصول الأفعال من العبد هو في إرادة الله التامة. فإما أن تتحقق أفعال العبد هذه فتكون داخلة في الإرادة الإلهية، أو لا تتحقق فلا تكون داخلة في الإرادة. إذاً، ليس لله إرادات تشريعية تجاه أفعال العباد، بحيث تتخلف أحياناً عن متعلق الإرادة التكوينية. مثل هذا الشيء لا معنى له أصلاً (لاريجاني، دروس خارج أصول، غير منشور).
فكل ما يتحقق في العالم الخارجي فهو مراد، وكل ما لا يتحقق، ليس بمراد. أفعال المكلفين التي هي متعلق الأمر والنهي ولا تقع، ليست مرادة، ولا وجود لإرادة تشريعية تتعلق بفعل الغير – سواء وقع في الخارج أم لم يقع -. فعل المكلف أيضاً عندما يحصل تكويناً، يكون مراداً. إرسال الأنبياء والكتب السماوية هو أيضاً مراد تكويني؛ لأنه قد وقع؛ أما الفعل الذي هو متعلق البعث ولم يقع، فليس داخلاً في المراد بالتبع.
بناءً على هذه المقدمات، يمكن القول إن أفعال المكلفين ليست متعلق إرادة الله؛ لأن ما يتحقق في العالم الخارجي، لا بد أن يكون له وجود في النظام الرباني وهو مراد تكويني لله، وما لا يتحقق، فهو أصلاً لم يكن مراداً لله؛ لأنه لو كان مراداً، لوجب أن يتحقق في النظام الإمكاني، وبما أنه لم يوجد في النظام الإمكاني، يُعلم أنه لم يكن موجوداً في النظام الرباني أيضاً. لذلك، لم تتعلق إرادة الله أصلاً بأفعال المكلفين، والأفعال التي تصدر من المكلفين، هي مثل سائر الموجودات في النظام الإمكاني، متعلق إرادة الله التكوينية ولا علاقة لها بالإرادة التشريعية. وكما أن سائر مخلوقات الله هي مراده التكويني وتحققت في النظام الإمكاني، فإن الكتب السماوية والأنبياء هم أيضاً جزء من نظام التكوين، وقد بينوا للناس ملاك الأحكام والمصالح والمفاسد، والذين يخالفونها يستحقون العقاب.
لا يرى المحقق الأصفهاني أن وجهة نظره هذه في نفي الإرادة التشريعية تتعارض مع وجود التكاليف الشرعية، ويوضح قائلاً: حقيقة التكليف هي «التحريك نحو الفعل بدافع انبعاث المكلف» أو «منع المكلف عن الفعل بدافع انزجاره»، وهذا البعث والتحريك لا يتوقف أبداً على إرادة فعل المكلف. هذا التكليف للجميع؛ للمؤمن والكافر والمطيع والعاصي؛ لأن «البعث بداعي الانبعاث» لا يعني جعل العلة التامة لتحقق الفعل، وإلا لكان المكلفون مجبورين لا مختارين؛ بل يعني إيجاد شيء يمكن أن يحرك المكلفين:
«إن حقيقة التكليف الجدي البعث إلى الفعل بداعي انبعاث المكلف، أو الزجر عنه بداعي الإنزجار، وهذا المعنى لا يتوقف على إرادة نفس الفعل مطلقاً، بل فيما إذا رجع فائدته إلى المريد. ومن البيّن أنّ حقيقة التكليف الجدي بهذا المعنى موجود في حق المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي؛ إذ ليس المراد من كون البعث بداعي الانبعاث جعل البعث علة تامة للفعل، وإلا كان المكلف مجبوراً لا مختاراً، بل جعله بحيث يمكن أن يكون داعياً وباعثاً للمكلف (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٢٨٣).»
دراسة رأي المحقق الأصفهاني
إذا قبلنا بالمقدمات الفلسفية التي استند إليها رأي المحقق الأصفهاني، فإن هذا الرأي سيكون تاماً. لذلك، إذا كانت الإرادة التشريعية محصورة في الحالات التي يعود فيها نفع من فعل الشخص (المكلف/المراد منه) إلى المريد، فإن تطبيقها هنا، وعلى الأقل فيما يتعلق بالله، صحيح؛ إلا إذا:
– إما أن لا نعتبر الإرادة التشريعية إرادة فعل الغير (نعتبرها إرادة البعث والزجر).
– أو أن نشكك في كبرى البحث؛ أي ألا نعتبر «مجرد إيصال النفع إلى المريد» شرطاً للإرادة التشريعية؛ بل نعتبر «إيصال النفع إلى المكلف» كافياً أيضاً لنشوء الإرادة التشريعية، ونتيجة لذلك، يمكن للمبادئ العالية أيضاً أن تكون لها إرادة تشريعية؛ لأنها بتحريك وأمر المكلفين بفعل الواجبات وترك المحرمات، تجعل المكلفين يصلون إلى مصالح الواجبات ويبتعدون عن مفاسد المحرمات، وهذا بحد ذاته أمر محمود وحسن؛ وإن لم ينتفعوا هم منه.
– أو أن نشكك في صغرى البحث ونقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة ينتفعون من أداء المكلفين للواجبات وتركهم للمحرمات؛ مثلاً، يعود عليهم نفع من كمال أمتهم (روحاني، ١٤١٣، ج ٤، ص ١٥٨). قد لا يكون لازم كلامه متوافقاً مع المعايير الأخلاقية؛ لأنه يُلاحظ فيه نوع من الأنانية والمنفعة المطلقة وعدم الإيثار للآخرين؛ ففي هذه النظرة، تتوقف إرادة فعل الغير على عودة النفع إلى المريد؛ بينما يتنازل الناس أحياناً عن نفعهم ويقدمون نفع الآخرين على نفع أنفسهم.
يبدو أن النقوض المذكورة صغروية والمحقق الأصفهاني لا ينكرها. حالات مثل الإيثار والإنسانية وغيرها ليست أمثلة ناقضة لكلام المحقق الأصفهاني؛ لأن الناس هناك أيضاً يؤثرون بسبب نفعهم الخاص؛ إذ إن للإيثار لذة معنوية للمؤثر، وحصر اللذات في اللذات المادية غير صحيح؛ بل من وجهة نظر الفلاسفة، اللذات العقلية أسمى وأعلى، وتأثيرها على الإنسان أعمق وأكثر، والإنسان العاقل يغض الطرف عن اللذات المادية للوصول إلى اللذات المعنوية.
النتيجة
يقبل المحقق الأصفهاني بالإرادة التكوينية لله ويعتبرها ابتهاج وسرور ذات الله بذاتها؛ ولكنه لا يقبل بالإرادة التشريعية في الله والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام والعلماء وحتى الموالي العرفيين. برأيه، هؤلاء الأفراد، رغم امتلاكهم للإرادة التكوينية، لا يمكن القول بوجود إرادة تشريعية لديهم تجاه أفعال المكلفين؛ لأنه عندما يريد شخص فعلاً من شخص آخر بإرادة تشريعية، فذلك لأن أداء ذلك العمل له فائدة ومصلحة ومنفعة. ولهذا السبب، لتحقيق ذلك الفعل في الخارج، يطلب من الآخرين أن يقوموا به ويأمرهم ويبعثهم عليه؛ أما من الأفعال العبادية للمكلفين، فلا يعود أي نفع على الله أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام؛ بل نفع هذه الأعمال يعود على المكلفين أنفسهم. وقد أكد الفلاسفة أيضاً على أن الموجود الأسمى لا يقوم بعمل لغرض إيصال النفع إلى موجود أدنى. إذاً، ليس لله إرادة تشريعية، ولا يمكن اعتبار حقيقة الأحكام الشرعية إرادة الله وكراهته.
لدى المحقق الأصفهاني دليل ثانٍ على مدعاه، يستند إلى أن العوالم مقسمة إلى عالم إمكاني وعالم رباني. العالم الإمكاني هو عالم الممكنات، والعالم الرباني هو عالم سابق وسابق على العالم الإمكاني وهو أساس وجود العالم الإمكاني، وكل ما يوجد في العالم الإمكاني، قد أُريد في ذلك العالم. هذان العالمان متطابقان.
وكل ما يتحقق في العالم المادي الممكن، قد أُريد في العالم الأسمى. لذلك، أفعال العباد التي تتحقق في العالم المادي والممكن هي مراد تكويني لله، وما لا يتحقق، ليس مراده التكويني. إذاً، لا وجود لإرادة تشريعية لله، ويجب الاكتفاء بالإرادة التكوينية فيما يتعلق بالله.
من الواضح أن الدليل الثاني يختص بالله ولا يسري على غيره. إن إنكار الإرادة التشريعية في المقام الأول يؤثر على بحث ماهية الحكم الشرعي؛ لأنه في حال قبول هذا الرأي، فإن ماهية الحكم الشرعي ليست الإرادة والكراهة. كما أنه مؤثر في مباحث أخرى من الأصول. هذه المقالة هي مجرد تقرير لرأي المحقق الأصفهاني، ودراسته ونقده يتطلبان مجالاً آخر.
قائمة المصادر
١. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٦هـ). بحوث في الأصول. الطبعة الثانية. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٢. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
٣. البروجردي، سيد محمد حسين (١٤١٥هـ). نهاية الأصول. تقريرات حسينعلي منتظري. الطبعة الأولى. طهران: نشر تفكر.
٤. الحلي، حسين (١٤٣٢هـ). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الفقه والأصول التخصصية.
٥. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
٦. الخميني، سيد روح الله (١٤١٥هـ). مناهج الوصول إلى علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسه تنظيم ونشر آثار إمام خميني.
٧. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٧هـ). محاضرات في أصول الفقه. تقريرات محمد إسحاق فياض. الطبعة الرابعة. قم: انصاريان.
٨. الروحاني، سيد محمد (١٤١٣هـ). منتقى الأصول. تقريرات عبد الصاحب حكيم. الطبعة الأولى. قم: دفتر آية الله سيد محمد حسيني روحاني.
٩. الصدر، سيد محمد باقر (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. تقريرات سيد محمود شاهرودي. الطبعة الرابعة. قم: مؤسسه دايرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام.
١٠. الطوسي، نصير الدين (١٣٧٥ش). شرح الإشارات و التنبيهات مع المحاكمات. الطبعة الأولى. قم: نشر البلاغه.
١١. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧هـ) نهاية الأفكار. تقرير محمد تقي بروجردي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الاسلامي.
١٢. اللاريجاني، صادق (د.ت.)، دروس خارج أصول. غير منشور.
١٣. ملاصدرا (١٩٨١م). الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. الطبعة الثالثة. بيروت: دار إحياء التراث.
١٤. ملاصدرا (١٣٥٤ش). المبدأ و المعاد. تصحيح سيد جلال الدين آشتياني. الطبعة الأولى. طهران: انجمن حكمت و فلسفه ايران.