دور العقل في فهم لوازم معنى الحديث وتوسعة مفهومه

المستخلص

للعقل من وجهة نظر الإسلام مكانة خاصة وسامية، ويُعدّ إحدى حجتي الله على الناس؛ إذ بإمكانه أن يقدم للإنسان أفضل الإرشادات في مختلف شؤون الحياة. ومن جهة أخرى، يعد الحديث المصدر الثاني لمعرفة الدين في الإسلام، وللفهم الصحيح لمضمونه ومعناه دور مهم في الوصول الصحيح إلى المفاهيم والتعاليم الدينية. في هذا المقال، بعد تبيين مكانة العقل من وجهة نظر الإسلام وعلماء الحديث، يُبحث دور العقل في فهم لوازم معنى الحديث وتوسعة مفهومه. وتظهر نتائج هذا المقال، الذي أُنجز بالمنهج الوصفي التحليلي، أن المعطيات العقلية توضح مفهوم كثير من الأحاديث، وتساعد الباحث في فهم الروايات المتعلقة بالأحكام، وتعمم مدلول الروايات إلى المصاديق المشابهة، وترشد دارس الحديث إلى لوازم معنى الروايات ودلالاتها المختلفة.

1. طرح الإشكالية

الحديث هو أحد مصادر معرفة الدين. ومن أجل الفهم الصحيح للحديث وكذلك الوصول إلى الأحاديث المعتبرة، بذل المحدثون والفقهاء وعلماء الحديث جهودًا كبيرة، وألف العلماء المسلمون كتبًا كثيرة في شرح وفهم الأحاديث أو تمييز الروايات المعتبرة وتبيين القواعد والأصول اللازمة في هذا السبيل.

أحد الأمور التي يمكن أن تساعدنا في الوصول إلى معاني الأحاديث هو العقل الإنساني. والسؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما المساعدة التي يقدمها العقل للباحث في سبيل فهم لوازم معنى الحديث وتوسعته؟

في هذا المقال، ستتم مناقشة الأمور التالية: تبيين مكانة العقل في المعارف الإسلامية، وجهة نظر علماء الحديث تجاه العقل، دور العقل في فهم لوازم معنى الحديث وتوسعة مفهوم الروايات.

2. سوابق البحث

من خلال البحث في قواعد البيانات المختلفة، اتضح أنه قد أُجريت أبحاث بعنوان «مكانة العقل في المعرفة الدينية» أو «دور العقل في فهم الدين» وكذلك «مكانة العقل في فهم القرآن»، ولكن حول دور العقل في فهم وتوسعة معنى الحديث، لم يُعثر إلا على مقال واحد وهو: «دور العقل في نقد وفهم الحديث من وجهة نظر الشيخ المفيد (ره)»، مجلة بحوث فلسفية كلامية، العدد 38، شتاء 1387، ص 165-186: لمحمد علي مهدوي راد ومحمد علي تجري. أظهر المؤلفان في هذا المقال أن الشيخ المفيد، العالم الكبير في العالم الشيعي، لم يستفد من العقل والاستدلالات العقلية في المباحث الكلامية والاعتقادية فحسب، بل استفاد من العقل أيضًا في المباحث النقلية، خاصة في نقد وفهم متون الحديث. اعتبر الشيخ المفيد العقل أحد معايير نقد الحديث، وهو يعتقد أنه في ضوء العقل يمكن التحقق من صحة أو سقم عدد من الأحاديث. من وجهة نظره، تطابق مضمون الحديث مع العقل يدل على صحة الحديث، ومخالفة مضمونه للعقل دليل على ضعفه وعدم صحته، وهذا يعني أن هناك دائمًا توافقًا بين النقل الصحيح والعقل السليم، وأن الوحي لا يأتي أبدًا بعبارة تخالف عبارة العقل.

كما يلاحظ، يقتصر هذا البحث على أحد وظائف العقل في نقد وفهم الحديث، وذلك من وجهة نظر باحث شيعي واحد، ولم يتطرق إلى سائر أدوار العقل ووجهات نظر كبار العلماء الشيعة والسنة الآخرين.

3. دراسة المفهوم

۱-۳. الحديث

يأتي الحديث في اللغة بمعاني الجديد (الفراهيدي، 1410هـ، 3: 177؛ الجوهري، 1990م، 1: 278؛ ابن منظور، 1414هـ، 2: 133)، والخبر (الجوهري وابن منظور، الموضعان نفساهما)، والكلام (ابن سلام، 1396هـ، 2: 153). أما في الاصطلاح، فهو الكلام الذي يحكي قول أو فعل أو تقرير المعصوم (الشيخ البهائي، 1390هـ، 4؛ المجلسي، 1404هـ، 1: 166).

بما أن الحديث في الإسلام يُعد المصدر الثاني لتعلم الدين، تتضح مكانة فقه الحديث ويثبت أن هذا العلم من أثمن العلوم الإسلامية، لأنه يطلعنا على المعنى الصحيح للمتون الحديثية ويمنعنا من الفهم الخاطئ للأحاديث وكذلك الاستفادة من الروايات غير الصحيحة. قال الإمام الصادق (ع): «شخص يروي الكثير من الحديث ويحصّل علومه خير من ألف عابد لا فقه له في الرواية» (المجلسي، 1414هـ، 1: 13).

۲-۳. العقل

العقل هو القوة التي أودعها الله في كل إنسان، ويضع في متناول الإنسان المبادئ الكلية لمعرفة الوجود والقيم؛ وهي قوة تملك القدرة على فهم العلوم النظرية وتدبير الأمور، وبواسطتها يستطيع الإنسان تمييز الأمور النافعة من الأمور الضارة (الفيض، 1406هـ، 1: 54-55؛ الشريف المرتضى، 1348ش، 1: 277-278).

العقل أحد المصادر التي تساعد الباحث في فهم مراد الروايات وتوسعة معانيها. في هذا المقال، بعد بيان مكانة العقل، سنتناول دراسة دوره في فهم لوازم معنى الحديث وتوسعته.

4. مكانة العقل في المعارف الإسلامية

في المصادر الإسلامية، أُولي العقل أهمية كبيرة، وتم قبول فاعليته وتأثيره في معرفة الحقائق وتمييز الصحيح من السقيم في مختلف الأبعاد العقدية، والعبادية، والفردية، والاجتماعية وغيرها. ومن مجموع الآيات والروايات الدالة على قيمة العقل، يمكن استنتاج اعتباره وأهميته وحجيته الذاتية (ميرجليلي، 1390ش، 289-290). يدعو القرآن الناس إلى التعقل، حتى أنه يدعوهم إلى التفكر في شخص النبي (ص) وأقواله: «أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل: 44). بناءً على مضمون هذه الآية، لا يتوقع الله من الناس أن يقبلوا كلام النبي بأعين وآذان مغلقة وبشكل تقليدي أعمى، بل يجب عليهم التفكر في كلام رسول الله، وبعد اليقين بصحته، يقبلونه.

وقد أثنى القرآن على أهل التفكر (آل عمران: 191؛ يونس: 24؛ الرعد: 3؛ النحل: 11؛ الروم: 21؛ الجاثية: 13) وذمّ الذين لا يعقلون (البقرة: 170-171؛ المائدة: 58 و 103؛ الأنفال: 22؛ يونس: 42 و 100؛ العنكبوت: 63؛ الحجرات: 4؛ الحشر: 14) واعتبر الذين لا يستخدمون قوة التفكير رجسًا (يونس: 100).

في الروايات الإسلامية وكلام علماء الدين أيضًا، كان أهل التعقل موضع ثناء، والذين لا يتفكرون موضع ذم (راجع: الفيض، 1406هـ، 1: 88). على سبيل المثال:

– النبي الأكرم (ص) والإمام علي (ع): «ما عُبد الله بشيء مثل العقل» (المجلسي، 1403هـ، 1: 36؛ الفيض، 1406هـ، 1: 93).

– الإمام الصادق (ع): «النبي حجة الله على العباد، والعقل حجة بين العباد والله» (الكليني، 1407هـ، 1: 25؛ المجلسي، 1406هـ، 12: 244).

– الإمام الكاظم (ع): «إن الله بعث الرسل إلى عباده ليعقلوا عن الله ما يأتيهم…» (الكليني، 1407هـ، 1: 16؛ المجلسي، 1404هـ، 7: 369).

وقد وردت روايات كثيرة في مدح العقل وتعيين مكانته السامية. ويكفي طرح هذه الأحاديث القليلة لمعرفة أهمية العقل.

5. مكانة العقل من وجهة نظر العلماء وخبراء الحديث المسلمين

اقتداءً بأمر القرآن وأهل البيت في اتباع العقل، أولى العلماء المسلمون اهتمامًا خاصًا بالعقل في مقام معرفة الشرع وأحكامه، لدرجة أنهم اعتبروا العقل أحد مصادر معرفة الدين، بل صرحوا بتقديمه على النقل؛ فإذا كان العقل حجة باطنة، فإن الحكم الذي يُدرك بواسطته هو حكم الرسول الباطن وله قيمته (الأنصاري، 1419هـ، 1: 59). ولذلك، قيل في تبيين مكانة العقل: «العقل والشرع متلازمان» (العاملي، 1415هـ، 5: 190) و«بدون العقل لا يمكن معرفة الدين… هذان يتعاونان، بل هما شيء واحد» (الفيض، 1349هـ، 4).

يعتقد المفكرون المسلمون أنه لا تنفصل الأحكام الشرعية أبدًا عن الأحكام العقلية (أمر العقل والحكمة)، بل يسيران جنبًا إلى جنب ومتطابقان: «الشرع والعقل يتطابقان»، وقد استنبطوا القاعدة الكلية «ما حكم به العقل حكم به الشرع» من الروايات (جناتي، 1370ش، 1: 238-239). ليست تعاليم الدين الإسلامي غامضة وغير قابلة للفهم بحيث تكون تعبدية مئة بالمئة، بل للعقل دور أيضًا في فهم واستنباط الأحكام (راجع: مطهري، 1375ش، 1: 56-57).

يقول العلامة الطباطبائي: «لم يأمر الله تعالى في أي موضع من كتابه المجيد، ولا حتى في آية واحدة، عباده بأن يعبدوه عبادة عمياء أو يؤمنوا بإحدى معارفه الإلهية إيمانًا أعمى أو يسلكوا طريقًا سلوكًا أعمى. حتى الشرائع والأحكام التي شرعها وأمر عباده بأدائها، مع أن عقول العباد غير قادرة على إدراك ملاكاتها، إلا أنه علل تلك الشرائع بوجود آثار لها؛ على سبيل المثال، في مورد… الصوم والوضوء، ذكر فوائدهما» (راجع: البقرة: 183 والمائدة: 6) (الطباطبائي، 1417هـ، 5: 255).

6. دور العقل في فهم لوازم معنى الأحاديث

في هذا القسم، يتم تبيين دور العقل في فهم لوازم معنى الروايات. على الرغم من أن العقل يساعد الباحث بطرق مختلفة (مثل المساعدة في فهم الروايات المتعلقة بالأمور التكوينية، والفهم الفلسفي للأحكام التشريعية، وتمييز الروايات الصحيحة من غيرها، وترجيح إحدى الروايات المتعارضة، وكشف لوازم معنى الحديث، وتوسعة وتعميم مفاهيم الروايات، وغيرها)، ولكن بالنظر إلى موضوع هذا المقال، سنقتصر على دور العقل في «فهم لوازم معنى الرواية» و«توسعة مفاهيم الحديث».

من أهم أدوار العقل في فقه الحديث كشف لوازم مضمون الروايات. في صدر الإسلام، كان الكتاب والسنة المحور الرئيس لكشف الأحكام في المجتمع الإسلامي. وقد سعى هذا المجتمع إلى كشف قوانينه، سواء كانت تجارية، عبادية، مدنية، جزائية، سياسية، وغيرها، من منبع الوحي الإلهي. في بعض الحالات، كان حكم واقعة معينة مبينًا بصراحة في القرآن أو السنة، أو كان تكليف تلك الواقعة واضحًا من خلال الوصول إلى شخص النبي الأكرم (ص) (عند الفريقين) أو أئمة أهل البيت (ع) (عند الشيعة). أما في الحالات التي لا توجد فيها آية أو رواية قطعية صريحة، أو لم يكن الوصول إلى المعصوم ممكنًا، كان باب الاجتهاد يُفتح، وكان العقل أحد مصادر الاجتهاد. بالطبع، كان العقل يكشف المسألة أحيانًا عن طريق تعميم أو كشف لازم معنى حديث أو آية، ولكنه كان يعتبر أحيانًا مصدرًا مستقلاً. بالنظر إلى موضوع هذا المقال الذي يختص بفقه الحديث، سنتناول القسم الأول بالبحث.

بعض الدلالات ليست من المضمون الظاهري والمنطوق للرواية، ولكن نظرًا لوجود نوع من الاستلزام العقلي بينها وبين معنى الحديث، أو لتعميم مفهوم الحديث إلى مصاديق مشابهة له، فإنها بالتأكيد مراد المعصوم (ع) ويمكن اعتبارها وجهة نظره. يجب على الباحث أن يلتفت إلى هذه التعميمات والاستلزامات ويستخرجها. لذلك، بالإضافة إلى منطوق الروايات، يجب الانتباه إلى الدلالات المفهومية، والاقتضائية، والتنبيهية، والإشارية، وإلغاء الخصوصية في الروايات.

من وجهة نظر الفاضل المقداد (ت 826هـ)، فإن المفهوم الموافق والمخالف، وقياس منصوص العلة، وإلغاء الخصوصية، كلها تندرج تحت العقل وتعتبر من مصادره.

۱-۶. دلالة المفهوم

المفهوم هو المعنى والحكم الذي يدل عليه اللفظ، ولكن ليس في نطاق النطق وبمجرد السماع. في المقابل، المنطوق هو المعنى المطابقي للكلام؛ وبعبارة أخرى، هو المعنى والحكم الذي يتبادر إلى ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ؛ سواء كان هذا المعنى حقيقيًا أم مجازيًا (المجلسي، 1406هـ، 1: 16 وراجع: ميرجليلي، 1395ش، 53-54). بعبارة أخرى، المفهوم دائمًا هو المدلول الالتزامي للكلام الذي يحصل للسامع بعد التأمل العقلي. على سبيل المثال، قال الإمام الصادق (ع) لإبراهيم بن شعيب الذي كان أبوه شيخًا طاعنًا في السن ولا يستطيع قضاء حوائجه بنفسه، وكان هو يحمل أباه على كتفيه ويحتضنه لقضاء حوائجه وأموره: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ فَافْعَلْ وَلَقِّمْهُ بِيَدِكَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ لَكَ غَدًا» (الكوفي الأهوازي، 1402هـ، 1402: 35). منطوق هذه الرواية هو: «ما استطعت، تولَّ أمور أبيك بنفسك وأطعمه بيدك». ومفهومها هو: «إذا لم تكن قادرًا على القيام بذلك في وقت ما، فإنه غير واجب عليك».

۲-۶. أقسام المفهوم: المفهوم الموافق والمخالف

ينقسم المفهوم بدوره إلى قسمين: المفهوم الموافق والمفهوم المخالف.

۱-۲-۶. المفهوم الموافق

المفهوم الموافق هو أن الحكم الذي يُفهم من مفهوم الكلام بالالتزام والدقة العقلية يكون متوافقًا ومنسجمًا مع الحكم الذي يُفهم من منطوق الكلام من حيث النفي والإثبات.

ينقسم المفهوم الموافق بدوره إلى قسمين: قياس الأولوية ولحن الخطاب؛ فإذا كان ملاك الحكم في المصداق الأدنى موجودًا في المصداق الأعلى والمتوسط، يُسمى قياس الأولوية أو فحوى الخطاب. أما إذا كان ملاك الحكم موجودًا في المصداق المساوي، فيُسمى لحن الخطاب (السيوطي، بدون تاريخ، 3: 106).

۱-۱-۲-۶. قياس الأولوية (فحوى الخطاب)

من الموارد التي يساعدنا فيها العقل على فهم الحديث ويوضح لازم معنى رواية ما هو مفهوم الأولوية. قياس الأولوية هو أن يكون حكم ثابت لمرتبة أدنى. يرشدنا العقل هنا إلى أن نفس الحكم ثابت للمراتب المتوسطة والعليا بطريق أولى. بعبارة أخرى، قياس الأولوية هو في الحقيقة المفهوم الذي يُفهم من ظاهر الكلام بالدلالة الالتزامية. على سبيل المثال، إذا قال شخص لصديقه الحميم: «أنت مخوّل من قبلي بالسكن في هذا المنزل والاستفادة منه». فإن هذا الكلام يدل بأولوية قطعية على الإذن بالتصرف في منافعه الجزئية مثل استخدام صنبور الماء، ومصباح الكهرباء، ووسائل التبريد والتدفئة، وغيرها. إذا دققنا، يتضح أن قياس الأولوية ليس قياسًا في الواقع، لأن ملاك المرحلة الدنيا موجود في المراحل المتوسطة والعليا بشكل أقوى وأكمل (محمدي، بدون تاريخ، 2: 426).

من أمثلته، إسقاط خيار المجلس بالالتزام بالمعاملة بعد إنشاء عقد البيع. ورد في الروايات الإسلامية أن البائع والمشتري ما داما لم يفترقا من مجلس المعاملة، لهما حق فسخ المعاملة، ويُصطلح على هذا الحق بـ«خيار المجلس». قال الإمام الصادق (ع) في هذا الصدد: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِذَا افْتَرَقَا فَلَا خِيَارَ بَعْدَ الرِّضَا مِنْهُمَا» (الكليني، 1407هـ، 5: 170؛ الطوسي، 1390هـ، 3: 72).

الآن، إذا نطق أحد الطرفين بعد إتمام المعاملة وإنشاء عقد البيع بعبارة تدل على قطعية المعاملة وعدم فسخها، مثل أن يقول: «أسقطت حق خياري» أو «ألزمت نفسي بهذه المعاملة» أو «أنا ملتزم بها»، فإن الفقهاء في هذه الحالة يسقطون حقه في الخيار (الشهيد الثاني، 1410هـ، 3: 448). الدليل على هذا السقوط هو الروايات التي تدل على سقوط خيار الفسخ بـ«التصرف»؛ مثلاً، في رواية بيع الحيوان، ورد أن للمشتري حق فسخ المعاملة وإرجاع الحيوان المشترى لمدة ثلاثة أيام (يُصطلح على هذا الحق بخيار الحيوان)، ولكن تصرفه في الحيوان يسقط حقه في الخيار، لأنه يدل على رضا المشتري بالمعاملة: «الشَّرْطُ فِي الْحَيَوَانِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَ أَمْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَإِنْ أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى حَدَثًا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فَذَلِكَ رِضًا مِنْهُ فَلَا شَرْطَ». (الكليني، 1407هـ، 5: 169؛ الفيض، 1406هـ، 17: 504).

في هذا الحديث، اعتبر الإمام الصادق (ع) التصرف دليلاً على وجود الرضا بالمعاملة ودالاً على سقوط خيار الفسخ. الآن إذا اعتبرنا التصرف كافيًا لإسقاط الخيار – بسبب دلالته على الرضا – فبطريق أولى يجب أن نقول بسقوط خيار المجلس بعد العقد – في حال التزام أحد الطرفين لفظيًا بالمعاملة – لأن ذلك يدل على رضا أقوى مقارنة بالتصرف. إذا كان التصرف، وهو فعل، علامة على الرضا بالمعاملة، فإن كلام من يقول: «لقد أسقطت خياري» يوصل رضاه بطريق أولى.

ضمنًا، من عموم التعليل المذكور في خيار الحيوان «فَذَلِكَ رِضًا مِنْهُ، فَلَا شَرْطَ»، يُستفاد سقوط خيار المجلس، بل سائر الخيارات، بواسطة التصرف في المال المأخوذ.

مثال آخر على قياس الأولوية هو قول رسول الله (ص): «لا يُقادُ لابنٍ مِنْ أبيه» (الشهيد الثاني، 1410هـ، 10: 64)، أي أن الأب (إذا كان قاتل ابنه) لا يُقتص منه لقتل ابنه. استدل الشهيد الثاني من هذا الحديث بمفهوم الموافقة بالأولوية على أن الأب لا يُقتص منه مقابل قتل ابنته أيضًا (المصدر نفسه).

وقد استند أهل البيت (ع) أنفسهم إلى دلالة الأولوية في الروايات. مثلاً، الإمام الباقر (ع) في معرض استدلاله على عدم إقامة الحد على الأب في حال قذف ابنه (اتهامه بالفاحشة) قال: «لَوْ قَتَلَهُ مَا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَذَفَهُ لَمْ يُجْلَدْ لَهُ» (الكليني، 1407هـ، 7: 212-213؛ الطوسي، 1407هـ، 10: 77؛ الفيض، 1406هـ، 15: 372). أي لو أن الأب قتل ابنه، لما قُصّ منه، ولو قذفه، لما جُلد له. علّم الإمام في هذا الحديث تلميذه محمد بن مسلم أن يستدل بمفهوم الأولوية.

۲-۱-۲-۶. القياس المساوي (لحن الخطاب)

المراد بلحن الخطاب هو أن يكون حكمٌ ثابتٌ لمصداق ورتبة معينة. يرشدنا العقل هنا إلى أن الحكم نفسه ثابت للمراتب المماثلة والمتساوية لها. على سبيل المثال، حرّم القرآن أكل مال اليتيم: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» (النساء: 10)، ولكنه لم يذكر شيئًا عن إحراق مال اليتيم؛ لكن عقلنا يحكم بأن إحراق ماله من حيث الإتلاف لا يختلف عن أكله وهو مساوٍ له. من هنا، يُستفاد من الآية أن إحراق مال اليتيم حرام أيضًا (السيوطي، بدون تاريخ، 3: 106).

مثال روائي على ذلك قول النبي الأكرم (ص): «كُلُّ مَبِيعٍ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ بَائِعِهِ» (النوري، 1408هـ، 13: 303): في المعاملة، كل بضاعة تتلف قبل تسليمها للمشتري تكون من مال البائع، وبعبارة أخرى، تُفسخ المعاملة ويعود الثمن للمشتري.

في هذا الحديث، الكلام عن تلف المبيع، ولم يُبحث عن تلف الثمن. إذا جمدنا على اللفظ وتعبدنا به صرفًا، فلن يشمل تلف الثمن، لأن كلمة «مبيع» عرفًا لا تُطلق على الثمن، ولكن يمكن أن يشمل الحديث مورد تلف الثمن أيضًا، لأن سيرة العقلاء في العالم في البيع والشراء هي أنهم لا يتنازلون عن أموالهم مجانًا، بل يأخذون شيئًا مقابل البضاعة التي يقدمونها، فسيرة العقلاء لا تختص بتلف المبيع، بل ملاك الحكم نفسه موجود في الثمن (البجنوردي، 1419هـ، 2: 84).

مثال آخر هو قول رسول الله (ص) في شرح حقوق الابن على الأب: «حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ … أَنْ يَسْتَفْرِهَ أُمَّهُ وَيَسْتَحْسِنَ اسْمَهُ وَيُعَلِّمَهُ كِتَابَ اللَّهِ وَيُطَهِّرَهُ…» (الكليني، 1407هـ، 6: 49؛ الفيض، 1406هـ، 23: 1383؛ المجلسي، 1404هـ، 21: 8): «من حقوق الابن على أبيه أن يكرم أمه، ويختار له اسمًا حسنًا، ويعلمه كتاب الله، ويربيه على الطهارة». من هذا الحديث وبحكم العقل، بالإضافة إلى وجوب احترام أم الطفل، يمكن استنباط احترام الطفل نفسه؛ إذا كان احترام أم الطفل لازمًا، فإن احترام الطفل نفسه لازم أيضًا، مع أن احترام الطفل لم يرد صراحة في هذه الرواية.

من الجدير بالذكر أن استنباط المفهوم المساوي من كلام المعصوم يكون في حالة اليقين بالوصول إلى ملاك الحكم، وإلا فإنه سيكون من قبيل القياس المردود في مذهب التشيع.

۲-۲-۶. المفهوم المخالف (دليل الخطاب)

المفهوم المخالف هو مفهوم يكون عكس المنطوق من حيث النفي والإثبات. يُطلق على المفهوم المخالف أيضًا دليل الخطاب. الدليل في هذا الاصطلاح يعني المدلول، مثل قتيل بمعنى مقتول. دليل الخطاب يعني المدلول الالتزامي للكلام. مفهوم مخالفة الكلام يُعدّ أيضًا بحكم العقل من لوازم ذلك الكلام ويجب الالتفات إليه. فيما يلي، سنشرح بعض الأمثلة على المفهوم المخالف من الروايات.

أ) عرض شخص يُدعى حكم السراج (صانع السروج) على الإمام الصادق (ع) قائلاً: ما رأيك في حمل السروج وأدواتها إلى الشام وبيعها للشاميين؟ هل هو حلال أم حرام؟ أجاب الإمام: لا بأس. أنتم لستم في حالة حرب معهم الآن. عندما تقع حرب بينكم وبينهم، يُحرم عليكم نقل وبيع السروج والأسلحة لهم. «مَا تَرَى فِي مَنْ يَحْمِلُ السُّرُوجَ إِلَى الشَّامِ وَأَدَاتَهَا فَقَالَ لَا بَأْسَ … إِنَّكُمْ فِي هُدْنَةٍ فَإِذَا كَانَتِ الْمُبَايَنَةُ حَرُمَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَحْمِلُوا إِلَيْهِمُ السُّرُوجَ وَالسِّلَاحَ» (الكليني، 1407هـ، 5: 112).

منطوق الجملة الشرطية «إِذَا كَانَتِ الْمُبَايَنَةُ حَرُمَ عَلَيْكُمْ …» هو أنه في وقت الحرب مع الشاميين، يُحرم بيع الأسلحة والأدوات الحربية مثل سروج الخيل لهم؛ ومفهومها المخالف هو أنه في وقت السلم، لا إشكال في بيع الأسلحة والأدوات الحربية مثل سروج الخيل للشاميين (باعتبارهم دولاً أجنبية). بالطبع، بموجب هذا الحديث، إذا كانت دولة ما في حالة حرب مع المسلمين أو على وشك الحرب، فإن بيع السلاح لها ممنوع.

ب) قال الإمام الصادق (ع): «لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا أَمْرٌ فِي … نَذْرٍ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» (الحر العاملي، 1414هـ، 7: 344).

يُستفاد من هذه الرواية أنه في نذر الزوجة، إذا كان الزوج حاضرًا معها، فإن نذرها لا ينفذ إلا بإذن زوجها. ولكن إذا لم يكن الزوج حاضرًا، فلا يلزم إذن الزوج في نذر المرأة، ونذرها صحيح وكامل بدون إذن زوجها، لأن في الرواية ورد قيد «مَعَ زَوْجِهَا». لم يقل الإمام: «لا نذر للزوجة»، بل قال: «لا نذر للزوجة مع زوجها»، وبعبارة أخرى، اشترط الإمام (ع) المعية بالإضافة إلى عنوان الزوجية، فقال: إذا كانت المرأة مع زوجها، فيجب أن يكون نذرها بإذن زوجها. أما إذا كان زوج المرأة في سفر أو في سجن أو في مكان آخر، فإن قيد «مع زوجها» لا يصدق، وبالتالي لا يكون نذر تلك المرأة منوطًا بإذن زوجها. فهم هذه الدقائق من الروايات يتطلب دقة وتوجيهًا من العقل.

ج) سُئل الإمام الباقر (ع) عن شراء اللحم من السوق، وهل هذا الشراء جائز ونحن لا نعلم ماذا فعل القصابون؟ هل ذبحوا الحيوان بالطريقة الشرعية الصحيحة أم لا؟ أجاب الإمام (ع): إذا كان شراء اللحم من سوق المسلمين، فكله ولا تسأل (لا يلزم التجسس): «… سَأَلُوا أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ شِرَاءِ اللُّحُومِ مِنَ الْأَسْوَاقِ وَلَا يُدْرَى مَا صَنَعَ الْقَصَّابُونَ فَقَالَ: كُلْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ» (الطوسي، 1407هـ، 9: 73).

يُستفاد من مفهوم الشرط (إِذَا كَانَ ذَلِكَ …) في هذا الحديث أن سوق الكفار ليس أمارة ودليلاً على حلية اللحم المشترى، بل إن جميع الإطلاقات التي وردت فيها كلمة السوق مقيدة بسوق المسلمين (الخوئي، 1418هـ، 2: 438-439).

من الجدير بالذكر أن المعصومين (ع) أنفسهم قد التفتوا إلى المفهوم المخالف واستدلوا به (راجع: الصدوق، 1413هـ، 3: 327).

۳-۶. دلالة الاقتضاء

دلالة الاقتضاء هي أن يدل الكلام على معنى لم يذكره المتكلم لفظًا، ولكنه بالتأكيد مقصود للمتكلم، لأن صدق وصحة الكلام، شرعًا أو عقلاً أو عرفًا أو عادةً، يتوقف على تقدير ذلك اللفظ وأخذ معناه بعين الاعتبار (ميرجليلي، 1390ش، 140 و 1395ش، 54).

على سبيل المثال، ورد في حديث عن الإمام الرضا (ع): «لا صَلاةَ خَلْفَ الفاجر» (المجلسي، 1403هـ، 10: 223)، أي لا وجود لصلاة الجماعة بالاقتداء بإمام فاسق. صدق هذا الكلام عقلاً يتوقف على تقدير كلمة «صحيحة»، لأننا نعلم أن كثيرًا من الناس يقتدون بالإمام الفاسق، لذا نستنتج بمساعدة العقل أن مراد الإمام الثامن (ع) هو صحة الصلاة.

كذلك، قال رسول الله (ص): «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يَطِيقُونَ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ وَمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَالْحَسَدُ وَالطِّيَرَةُ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِشَفَةٍ» (الصدوق، 1398هـ، 353 و 1362، 2: 417؛ المجلسي، 1404هـ، 11: 394). ظاهريًا في هذا الحديث، نُسبت كلمة «رفع» إلى هذه الأمور التسعة نفسها، وظاهر الحديث هو أن هذه الأشياء نفسها قد رُفعت عن الأمة الإسلامية. مثلاً، رُفع أصل الخطأ، والمسلمون لا يرتكبون أي عمل خطأ، ورُفع النسيان نفسه، والأمة الإسلامية لا تقوم بأي عمل عن نسيان، وكذلك سائر الأمور التسعة. لكن الواقع الخارجي في المجتمع والأمة الإسلامية غير ذلك. لذا، بما أننا نعلم أن الأمة الإسلامية تقع في الأمور التسعة المذكورة في الرواية، فإن صحة الكلام تتوقف على تقدير كلمة؛ مثلاً، يجب القول إن الحكم الإلزامي (الوجوب والحرمة) في الموارد المذكورة قد رُفع، أو أن مقصود النبي من الرفع هو رفع العقاب أو المؤاخذة، فالله لن يؤاخذ المسلمين في الأمور التسعة. بالتالي، هناك بالتأكيد محذوف في الحديث المذكور يرشدنا إليه عقلنا، وإلا فإن ظاهر الحديث غير مقبول عقلاً.

النموذج الثالث هو الروايات التي يتعلق فيها حكم الحرمة أو الوجوب بشيء خارجي. في كل هذه الموارد، هناك كلمة مقدرة تتناسب مع ذلك الشيء، وعقلنا يرشدنا إلى تلك الكلمة المحذوفة المناسبة، لأن الحرمة والوجوب حكم يتعلق بأفعال الإنسان، لا بالأشياء الخارجية. عندما يقال: «هذا الطعام حرام»، فالمراد حرمة أكله. وعندما يقال: «هذه وسيلة النقل حرام»، فالمراد حرمة ركوبها. وعندما يقال: «هذه الأرض حرام»، فالمراد حرمة التصرف فيها. يرشدنا العقل إلى الكلمة المحذوفة المناسبة في كل مورد. مثلاً، قال النبي الأكرم (ص) في حجة الوداع: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (الصدوق، 1362ش، 2: 487). في هذا الحديث، المراد من حرمة الأموال حرمة التصرف في أموال بعضكم البعض؛ والمقصود من حرمة الدماء والأعراض حرمة إراقة دماء المسلمين وهتك أعراضهم. كذلك، المراد من حرمة شهر ذي الحجة وأيامه وحرمة منطقة مكة، حرمة القتال والنزاع في هذا الشهر وفي هذه المنطقة.

۴-۶. دلالة الإيماء (التنبيه)

دلالة الإيماء أو التنبيه هي أننا نقطع أو نطمئن بأن معنى خارجًا عن دائرة المنطوق هو مراد المتكلم، دون أن يتوقف صحة الكلام على أخذه وتقديره. هذه الدلالة، مثل دلالة الاقتضاء، مشروطة بقصد لازم للكلام، وسياق الكلام يكون بحيث نتيقن أن المتكلم قد أراد ذلك اللازم أيضًا (راجع: المظفر، 1391هـ، 1: 133؛ ميرجليلي، 1390ش، 141 و 1395ش، 55؛ الشيرواني، 1385ش، 94).

من أهم موارد دلالة الإيماء:

1. ذكر ملازم عقلي أو عرفي لشيء بدلاً من التصريح به، مثل أن يقول بدلاً من طلب الماء: «إِنِّي عَطْشَانٌ» (المجلسي، 1403هـ، 44: 296). أو يقول: «أمان من العطش»، كما قال رسول الله (ص) عن حشر وعطش شارب الخمر يوم القيامة: «… يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … وَيُنَادِي وَا عَطَشَاهُ» (المجلسي، المصدر نفسه).

2. أن تكون في الحديث كلمة تدل على العلية أو الشرطية أو المانعية أو الجزئية، ويكون ذكر الحكم تنبيهًا على العلية أو الشرطية أو المانعية أو الجزئية (راجع: الشيرواني، 1385ش، 94)، مثلما سأل سماعة الإمام الصادق (ع) عن الشك في عدد ركعات صلاة الصبح، فقال: «أعد صلاتك» (الطوسي، 1407هـ، 2: 179؛ الصدوق، 1415هـ، 100). هذه الرواية وأمثالها، مثل قول الإمام الصادق (ع): «إِذَا شَكَكْتَ فِي الْفَجْرِ فَأَعِدْ» (الطوسي، المصدر نفسه)، تنبيه على أن الشك المذكور هو علة بطلان الصلاة.

الحديث التالي من الإمام الباقر (ع) هو مثال آخر على دلالة الإيماء: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ يُصَلِّي فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ (ص): نَقَرَ كَنَقْرِ الْغُرَابِ لَئِنْ مَاتَ هَذَا وَهَكَذَا صَلَاتُهُ لَيَمُوتَنَّ عَلَى غَيْرِ دِينِي» (الكليني، 1407هـ، 3: 268). يدل العقل بدقة في مضمون هذه الرواية على لازمها، وهو أن التهاون والاستخفاف بالصلاة غير جائز، بل يجب أداء الصلاة بانتباه واهتمام، على الرغم من أن هذا المطلب لم يُصرح به في الرواية؛ لأن التقصير في أداء الواجبات كالصلاة أو التقصير في أداء أركانها، يجر الإنسان شيئًا فشيئًا إلى الاستخفاف بها أو تركها، وفي النهاية يؤدي هذا الأمر إلى كفر الإنسان (البهائي، 1390هـ، 9).

۵-۶. دلالة الإشارة

دلالة الإشارة هي المعنى الذي يكون لازمًا لكلام المتكلم، وبحسب ما هو متعارف بين الناس في مقام التخاطب، ليس مقصودًا ومرادًا للقائل، ولكن ذلك المدلول بحسب نظر العقل هو لازم لكلامه، وإن لم يقصده المتكلم (ميرجليلي، 1390ش، 142 و 1395ش، 56). على سبيل المثال، كل الروايات التي تدل على أداء عمل، وذلك العمل يتوقف على أداء مقدمات، فإنها بحكم العقل تدل دلالة إشارية على أداء تلك المقدمات. مثلاً، الروايات الدالة على وجوب الصلاة والحج، مثل حديث النبي الأكرم (ص): «مَعَاشِرَ النَّاسِ، حُبُّوا الْبَيْتَ بِكَمَالِ الدِّينِ وَالتَّفَقُّهِ … مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَقِيمُوا الصَّلاةَ» (الفيض، 1415هـ، 2؛ ص 64؛ المجلسي، 1403هـ، 37: 214) تدل دلالة إشارية على إيجاد مقدمات أداء هذه الواجبات، مثل تعلم أحكام الصلاة والحج، والوضوء لإقامة الصلاة، والتوجه إلى مكة أو تجهيز لوازم السفر إليها. كذلك، كل الأوامر الوجوبية للمعصومين تدل على حرمة ضدها (الشهيد الأول، 1419هـ، 1: 53). مثلاً، في ذيل الحديث السابق الذكر عن رسول الله (ص) في حقوق الابن، من تعبير «حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ … أَنْ يُطَهِّرَهُ» يمكن استنباط حرمة استخدام كل ما يدفع الطفل نحو النجاسة، مع أن حرمة هذه الأمور لم ترد صراحة في الرواية.

مثال آخر هو الروايات الموجودة في بحث «إحياء الأراضي الموات». المراد من الأراضي الموات هي الأراضي التي لا متصرف لها وقد أُهملت بسبب انقطاع الماء عنها أو بسبب استيلاء الماء عليها، وهذه الأراضي ملك للإمام (الدولة الإسلامية) (الشيخ البهائي، 1386ش، 597). قال النبي الأكرم (ص) لترويج الزراعة وتشجيع المسلمين على الزرع: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ» (الصدوق، 1403هـ، 292). هذه الرواية أمر حكومي وليست مجرد أمر شرعي ليقول شخص في زماننا: أنا أحيي مئات الهكتارات من الأرض لأمتلكها. العقل لا يقبل هذا الأمر، لأن لازم مثل هذا الأمر هو تفاوت طبقي شديد وظهور قوى اقتصادية كبيرة إلى جانب حرمان كثير من الناس.

التفت الشهيد مطهري إلى دلالة الإشارة في هذا الحديث واستنبط منه ضرورة تشكيل حكومة إسلامية، ويعتقد أن من هذه الرواية تظهر أهمية تشكيل الحكومة الإسلامية والولاية؛ كيف يمكن أن تكون غيبة الإمام سبباً في تعطيل هذه الفلسفة العظيمة، وتأخذ الأراضي الأنفال حكم الأموال الشخصية والمنقولة؟!» (مطهري، 1375ش، 20: 513).

النموذج الثالث، من وجهة نظر الفيض الكاشاني، هو الروايات التي تأمر باتباع القرآن وضرورة الالتفات إليه، وكذلك الأمر بعرض الروايات على القرآن (راجع: المجلسي، 1403هـ، 2: 225)، فإنها تدل (إشارة) على عدم تحريف هذا الكتاب السماوي، لأنه مع احتمال تحريف القرآن، يسقط عن الحجية، والأمر باتباعه أو الالتفات إليه أو عرض الروايات عليه سيكون لغوًا (الفيض، 1418هـ، 2: 778-779).

7. نقش العقل في تعميم مفاد الروايات

من مساعدات العقل في فهم الأحاديث توسعة مفهوم الرواية، وهو أمر ممكن بطريقتين: إلغاء الخصوصية وقياس منصوص العلة.

۱-۷. إلغاء الخصوصية من ظاهر الرواية

المراد بإلغاء الخصوصية هو إلغاء الخصائص غير المؤثرة في تعلق الحكم، بهدف التوسع في مصاديق متعلق الحكم، وهي من الطرق التي يمكن من خلالها استخراج قصد الشارع من نصه، وتسرية حكمه إلى موارد وموضوعات أخرى لا يوجد نص بشأنها، وأحيانًا يُظن أن هذا الحكم لا علاقة له بها. في إلغاء الخصوصية، يجب دراسة جميع خصوصيات موضوع أو مورد الحكم، والنظر فيها جميعًا بدقة، وإلغاء تلك الخصوصيات التي نتيقن أن تعلق الحكم بالموضوع لم يكن بسبب وجودها في الموضوع، واحدة تلو الأخرى، حتى يتمكن من خلال هذه الطريقة إدخال المزيد من الأفراد في الموضوع، ويتوسع عموم النص، ويتضح حكم الموضوعات الأخرى التي لا يوجد نص بشأنها ويوجد شك في تعلق هذا الحكم بها (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، 1389ش، 237 وراجع: الغزالي، 1324هـ، 236؛ الميرزا القمي، 1378هـ، 2: 87؛ مكارم الشيرازي، 1416هـ، 2: 152). بعبارة أخرى، إذا جمدنا على ظاهر لفظ رواية وردت في مورد خاص، لا يمكننا تجاوزها، لكن العقل، بل في بعض الموارد العرف، يسمح لنا بتجاوز ظاهر اللفظ وعدم الجمود عليه (مطهري، 1375ش، 20: 323). فيما يلي، نقدم بعض الأمثلة الروائية على إلغاء الخصوصية:

أ) سأل شخص يدعى الحلبي الإمام الصادق (ع): إذا وضع شخص شيئًا في الطريق، بحيث نفر مركوب شخص عند الاصطدام به وأسقط صاحبه أرضًا، فما حكم القضية؟ أجاب الإمام: «كُلُّ شَيْءٍ يُضِرُّ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ لِمَا يُصِيبُهُ» (الكليني، 1407هـ، 7: 349-350). على الرغم من أن مثال السؤال هو وضع شيء يسبب نفور الحيوان، إلا أن كون المركوب حيوانًا ليس له خصوصية. اليوم، إذا وضع شخص شيئًا في الطريق العام وممر راكب دراجة نارية أو سيارة أو مار، وتعرض السائق أو المار لحادث بسبب الاصطدام به، فإن ذلك الشخص ضامن، ويجب عليه تحمل الخسائر التي لحقت بالسائق أو المار.

ب) قال شخص يُدعى أبو ولاد بائع الحنطة للإمام الصادق (ع): «عندما دخلت المدينة المشرفة، قررت أن أقيم عشرة أيام وأبقى، وأصلي صلاتي تمامًا. ثم خطر ببالي ألا أبقى عشرة أيام. الآن وقد عدلت عن نية الإقامة، فما هو واجبي؟ هل أصلي تمامًا أم قصرًا؟ قال الإمام: «إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَرِيضَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْصُرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ فِي التَّمَامِ وَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْرًا وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ عَشْرًا فَقَصِّرْ …» (الصدوق، 1413هـ، 1: 437 والمجلسي، 1414هـ، 5: 19). في هذا الحديث، يسري العقل حكمه عن طريق إلغاء الخصوصية على كل مسافر يدخل أي منطقة ويعتزم البقاء فيها عشرة أيام، ولكنه بعد هذه النية يقرر عدم البقاء هناك؛ لأنه لا توجد خصوصية في تعلق الحكم بشخص أبي ولاد الحناط أو بمدينة المدينة المنورة، لذا يجب إلغاء هذه الخصوصيات وتعميم الحكم على كل مسافر لديه وضع مشابه لأبي ولاد، سواء دخل المدينة أو مناطق أخرى.

ج) كثير من الأسئلة التي طُرحت على المعصومين (ع) جاءت بتعبير «رجل فعل كذا»، أو أنهم (ع) طرحوا البحث على أساس «رجل فعل كذا». على سبيل المثال، قال الإمام الصادق (ع): «إِذَا أَيْقَنَ الرَّجُلُ أَنَّهُ تَرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَتَرَكَ الرُّكُوعَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ» (الطوسي، 1407هـ، 2: 148). في هذه الموارد، لا ينبغي الجمود على ظاهر اللفظ والقول: في الحديث ورد أن رجلاً فعل كذا، فإذا كانت امرأة، فإن هذا الحكم لا يسري عليها؛ بل يجب إلغاء الخصوصية، لأن كون الفاعل رجلاً ليس له خصوصية هنا (راجع: مطهري، 1375ش، 20: 323)، و«أخذ عنوان الرجل من باب التعبد والحصر غير وارد» (الخوئي، 1410هـ، 226). هذا القدر من التوسع يتفق مع العقل والعرف. إلغاء هذه الخصوصية هو لازم عقلي لهذه الرواية، ولذلك يستنبط العرف أيضًا من هذه الروايات العموم وليس الخصوصية.

د) وردت روايات في مصادر الحديث يُستفاد منها أن كل من يهجو أو يسخر من آخر يستحق التعزير. مثلاً، الإمام الباقر (ع) فيمن قال لآخر: يا شارب الخمر، قال: «لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُضْرَبُ أَسْوَاطًا» (الحميري، 1413هـ، 153؛ الحر العاملي، 1409هـ، 28: 205). والإمام الصادق (ع) فيمن أهان آخر وقال له: «أنت خبيث، أنت خنزير» قال: لا حد عليه، ولكن يجب تأديب المجرم ومعاقبته؛ «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ أَنْتَ خَبِيثٌ أَوْ أَنْتَ خِنْزِيرٌ فَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ وَلَكِنْ فِيهِ مَوْعِظَةٌ وَبَعْضُ الْعُقُوبَةِ» (الحر العاملي، المصدر نفسه، 203:28). استدل بعض الفقهاء من هذه الروايات بأن كل ما يوجب أذى مسلم فهو حرام ويستوجب المتابعة القضائية (التعزير). يعتقد المحقق الأردبيلي أن حكم هذه الروايات قابل للتسرية إلى موارد أخرى بإلغاء الخصوصية، وأن الروايات المذكورة لا تختص بمواردها، بل كل عمل يوجب أذى مسلم بغير حق ولم يُقرر له في الشرع عقوبة «حد»، فإنه يوجب عقوبة التعزير (المحقق الداماد، 1383ش، 4: 242-243). لذا، صرح في شرح الروايات المذكورة: «يُمكن الاستفادة الكليةُ مِنْ هذه الأخبار» (الخوانساري، 1405هـ، 7: 118 نقلًا عن المحقق الأردبيلي).

۲-۷. القياس في روايات منصوص العلة

من الموارد الأخرى التي يساعد فيها العقل محقق الحديث في كشف اللوازم وتعميم مفهوم الحديث هو «قياس منصوص العلة».

كثير من الروايات تتعلق بالأحكام الإسلامية. في بعضها، أُشير إلى فلسفة وعلة حكم ما، وتسمى «أحكام منصوص العلة»، أي أن الإسلام نفسه ذكر علتها. بالطبع، ليست كل الأحكام كذلك، فبعضها الآخر مستنبط العلة، أي أن الإسلام لم يذكر دليلها، بل نحن من قد يستنبط أن دليلها هو الأمر الفلاني. في المواضع التي يكون فيها الأمر منصوص العلة، يتبع العلماء والفقهاء المسلمون تلك العلة، وفي الموارد المشابهة يعممون الحكم ويسمونه قياس «منصوص العلة»، ولكن في المواضع التي تكون «مستنبطة العلة»، ولأنهم لا يطمئنون إلى علة الحكم، وإن كان لديهم ظن بالمسألة، فإنهم يحتاطون ولا يسرون الحكم إلى الموارد المشابهة ويسمونه قياس مستنبط العلة الذي ليس بحجة. بعبارة أخرى، قياس مستنبط العلة هو قياس لم تُذكر فيه علة الحكم في القرآن أو الرواية. في المقابل، قياس منصوص العلة هو أن تكون علة الحكم مذكورة في القرآن أو الرواية (مطهري، 1375ش، 21: 312-313 وللمزيد راجع: المشكيني، 1374ش، 226؛ النائيني، 1352ش، 1: 498-499؛ السبحاني، 1388ش، 2: 68؛ الجرجي، 1385ش، 277). الآن، في الموارد التي صُرح فيها بعلة الحكم، يساعد العقل المحقق ويعمم تلك العلة ويكشف حكم الموارد المشابهة أيضًا.

لهذا، اهتم المحدثون بالتعليلات الموجودة في الحديث لتبيين المعنى الصحيح له، ورغم أن القياس مرفوض في الفقه الشيعي، فإن المحققين الشيعة قبلوا قياس منصوص العلة. في مثل هذه الموارد، بعد إحراز أن موردًا ما هو مصداق للكبرى الكلية الموجودة في الرواية، يشكل العقل قياسًا كبراه هي العلة المذكورة في الحديث وصغراه هي الموارد المشابهة، وبهذه الطريقة يصل إلى حكم الموارد المشابهة. في الواقع، العلة التي تُقدم لحكم ما في الرواية توضح مراد المعصوم أكثر وتُظهر أن الموضوع الأصلي للحكم هو تلك العلة المنصوصة، والمورد المذكور في الرواية ذُكر على سبيل المثال فقط. بالتالي، تعميم المعنى في هذه الموارد هو من باب صدق العام على أفراده؛ وبيان العلة بمنزلة بيان كبرى كلية ومفادها أن هذا الموضوع المذكور نفسه (مثلاً الخمر) ليس له خصوصية، بل ذُكر كنموذج ومثال، وموضوع الحكم هو تلك العلة نفسها التي توجب تعميم وتوسيع الحكم إلى الموارد المشابهة. القاعدة المشهورة «الْعِلَّةُ تُعَمِّمُ» في كلمات العلماء المسلمين (الخميني، 1421هـ، 1: 177) تشير إلى هذا المطلب. المراد من هذه القاعدة أن التعليل الموجود في الرواية يسبب تعميم الموضوع (للمزيد راجع: ميرجليلي، 1390ش، 118-121).

وإليك بعض الأمثلة على التعميم في قياس منصوص العلة:

أ) حرّم الإسلام الخمر لخاصية الإسكار. يستفيد العقل من هذه الروايات أن كل ما هو مسكر وإن لم يكن خمرًا (مثل نبيذ الشعير المسكر) فهو حرام أيضًا، ويستنبط أن مراد الإسلام هو تعميم الحرمة على جميع المسكرات، والخمر ذُكر على سبيل المثال. في بعض الروايات، صُرح بهذا العموم. قال النبي الأكرم (ص): «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (المجلسي، 1403هـ، 63: 487) وقال الإمام الكاظم (ع): «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمِ الْخَمْرَ لِاسْمِهَا وَلَكِنَّهُ حَرَّمَهَا لِعَاقِبَتِهَا فَمَا كَانَ عَاقِبَتُهُ عَاقِبَةَ الْخَمْرِ فَهُوَ خَمْرٌ» (الكليني، 1407هـ، 6: 412). وقد استخرج كبار العلماء المسلمين العموم من هذه الروايات وصرحوا به (الحلي، 1414هـ، 1: 65؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 12: 71).

ب) حرّم الإسلام لحم الميتة. وقد اعتبر الإمام الصادق (ع) سبب ذلك مرض الإنسان، وضعف البدن، وانقطاع النسل. بحكم العقل، يُستفاد من هذه الرواية أن كل أمر يسبب فقدان صحة الإنسان أو انقطاع نسله فهو حرام.

ج) سأل شخص النبي (ص): هل يجوز بيع الرطب [التمر الطري] بالتمر [التمر الجاف]؟ مثلاً، أعطى ثلاثة كيلوغرامات من التمر الطري وأخذ مقابلها ثلاثة كيلوغرامات من التمر الجاف. سأل النبي السائل: هل ينقص وزن الرطب إذا جف؟ فسمع الجواب: نعم؛ فقال النبي: «إذن، لا يجوز». «أَنَّهُ (ص) سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ لَا إِذَنْ». (النوري، 1408هـ، 13: 342). فهم المحقق الحلي العموم من هذا الحديث ويعتقد أنه على الرغم من أن هذا الحديث يتعلق بالتمر، ولكن التعليل…1 الرواية تشمل بيع جميع السلع التي ينقص وزنها عند الجفاف؛ مثل بيع العنب بالزبيب وبيع التين الطازج بالتين الجاف وغيرها. لأن مقصود كلام النبي هو لفت الانتباه إلى تطبيق قاعدة عامة على أحد مصاديقها الخفية (الحلي، 1401هـ، 155).

من الجدير بالذكر أن التعميم في قياس منصوص العلة هو عمل عقلي. فالعقل بدقة في التعليل الموجود في الرواية يعمم أحيانًا حكمًا ما، وبعبارة أخرى، التعميم في مثل هذا القياس هو نوع من الاستنباط اللازم لمضمون حديث ما بحكم العقل، وليس من أقسام القياس المردود في المذهب الشيعي (جريان حكم شيء على شيء آخر)، لأنه يُظهر أن موضوع الحكم هو ذلك المورد المعلل نفسه.

8. الخاتمة

من هذا المقال، تم التوصل إلى النتائج التالية:

1. للعقل في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية أهمية ومكانة سامية.

2. العقل أحد مصادر معرفة الدين، ويوجد تلازم بين العقل والشرع.

3. يصل المحقق بمساعدة العقل إلى المفهوم الموافق والمفهوم المخالف للأحاديث.

4. يرشد العقل المحقق إلى لوازم معنى الروايات ودلالاتها المختلفة (دلالة الاقتضاء، والإيماء، والإشارة).

5. يساعد العقل الباحث في تعميم مفاد الروايات المتعلقة بالأحكام عن طريق إلغاء الخصوصية وقياس منصوص العلة.

الهوامش

1. الإمام الصادق (ع): «الْخَمْرُ فَإِنَّهُ حَرَّمَهَا لِفِعْلِهَا وَفَسَادِهَا… وَلَا يُؤْمَنُ إِذَا سَكِرَ أَنْ يَثِبَ عَلَى حَرَمِهِ وَلَا يَعْقِلُ ذَلِكَ…» (البرقي، 1371هـ، 2، 334-335).

2. الإمام الصادق (ع): «لَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ وَعَلِمَ مَا يَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّهُ لَهُمْ وَأَبَاحَهُ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَصْلَحَتِهِمْ وَعَلِمَ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ… أَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ وَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ» (البرقي، المصدر نفسه).

Scroll to Top