دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد عند الإمامية

الملخص

إن ظروف الزمان والمكان سبب لكثير من التحولات في العالم؛ ولكن ما هو دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد عند الإمامية؟ الإجابة عن هذا السؤال، بناءً على الإطار النظري للاعتدال في دور الزمان والمكان في الاجتهاد عند الإمامية، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، هي أن العديد من الأحكام الكلية هي فوق-زمانية ومكانية، وبالتالي ثابتة.

بعض الأحكام الجزئية متغيرة في أزمنة وأمكنة مختلفة، وتتغير بهدف الحفاظ على تلك الثوابت. يمكن بيان هذه التغيرات في مقامين:

  1. مقام ماهية الموضوع، الذي هو مقدمة لاستنباط الحكم. يقوم الفقيه قبل استنباط الحكم بمعرفة الموضوع من لسان الأدلة وكذلك بمعرفة الموضوع الخارجي في زمن الاستنباط.
  2. مقام تطبيق الموضوع الكلي على مصداقه الخارجي، وهو في كثير من الحالات، مثل الأمور السياسية والقضائية، من وظيفة الفقيه الحاكم الشرعي.

في الحقيقة، الأحكام فوق-زمانية ومكانية، وما يتغير في ظرف الزمان والمكان هو الموضوعات الخارجية.

المقدمة

بناءً على مبادئ الإسلام، للإنسان بعدان: «روحي» و «جسمي».

على هذا الأساس، تنقسم التعاليم الإسلامية إلى قسمين رئيسيين: قسم من التعاليم الدينية يهدف إلى تلبية الاحتياجات الفطرية للإنسان، وهو مرتبط بالبعد الروحي والعالم الآخر للإنسان وهو ثابت دائمًا.

وقسم آخر من التعاليم الدينية يهدف إلى الاستجابة للاحتياجات الجسدية والعالم الدنيوي، وهو مرتبط بالموضوعات الخارجية. والموضوعات الخارجية في تغير وتحول دائم في مختلف الأزمنة والأمكنة.

بالطبع، كانت نظرة فقهاء الإمامية في الماضي إلى موضوعات الأحكام الفقهية فردية، وفي كتبهم الفقهية ورسائلهم العملية، تم تناول واجبات الأفراد كفرد مؤمن ومسلم؛ لأنه في الماضي، كانت السلطة السياسية في أيدي الحكام الجائرين، ولم يكن للأئمة المعصومين (ع) بعد الإمام علي (ع)، وكذلك الفقهاء الشيعة، سلطة في الحكم وتنفيذ الأحكام الإسلامية.

بعد الثورات الشعبية ضد نظام الاستكبار السلطوي في البلدان الإسلامية وتأسيس الحكومة الإسلامية، ومع تغير نظرة الفقهاء الشيعة في موضوع الأحكام الشرعية من الفردية إلى الاجتماعية، دخلت القضايا الاجتماعية والسياسية أيضًا في مباحث وكتب الفقه. هذا التغيير في النظرة الفقهية يرجع إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة.

الفقه الإسلامي مسؤول عن تلبية جميع احتياجات الفرد والمجتمع في جميع المجالات الفردية والاجتماعية؛ ولهذا السبب، فإن طريقة استنباط الحكم عند الإمامية تتم بصورتين:

  1. الاجتهاد التقليدي الذي يستنبط الأحكام الفقهية من الأدلة الشرعية المعتبرة، دون الالتفات إلى تحولات الموضوعات الاجتماعية الخارجية. كل ما يُفهم من الأدلة الشرعية المعتبرة بنظرة فردية، يُستنبط ويُبيَّن على أنه حكم شرعي، ولا يُلتفت إلى تحولات الموضوعات المستحدثة في المدينة والبلد والعالم الدولي. في هذه النظرة الفردية في الاجتهاد، يُكتفى بمعرفة الحكم ومعرفة الموضوعات التي وردت في لسان الأدلة الفقهية.
  2. الاجتهاد التجديدي والمعاصر. في هذا النوع من الاجتهاد، يهتم الفقيه في عملية الاجتهاد، أولاً، بمعرفة موضوع الأحكام الشرعية الذي يعني فعل المكلف من لسان أدلة الحكم الشرعي، وكذلك بمعنى الموضوع الخارجي في زمن استنباط الحكم؛ أي أن ما يُبحث كموضوع للحكم، سواء كان العنوان، المتعلق، القيود، الشروط، والأجزاء التي هي محل وموضوع الحكم الشرعي في لسان أدلة الحكم الشرعي والموضوع الخارجي في زمن اجتهاد الحكم الشرعي.

ثانيًا، يتناول معرفة الموضوع بنظرة اجتماعية، ويُبحث فعل المكلف كفرد اجتماعي وعضو في المجتمع السياسي.

ثالثًا، بعد توضيح ماهية الموضوع، يتم استنباط الحكم الشرعي من الأدلة الفقهية المعتبرة بنظرة اجتماعية. هذا النوع من الاجتهاد، بالإضافة إلى الحفاظ على منهج الفقه التقليدي في استنباط الحكم من الأدلة الفقهية المعتبرة من جهة، يتمتع بميزة معامل أعلى من الدقة في كشف الحكم الواقعي من خلال الأدلة الظاهرية؛ لأنه بنظرة اجتماعية، يتم بحث موضوع الحكم بكل الإمكانيات الممكنة من لسان الأدلة وكذلك الموضوع الخارجي في زمن استنباط الحكم.

الوضوح في الموضوع يؤثر أيضًا على الحكم؛ لأن العلاقة بين الموضوع والحكم هي كالعلاقة بين السبب والمسبب.

من ناحية أخرى، هذا النوع من الاجتهاد هو اجتهاد تجديدي يواكب تغيرات الزمان والمكان، فتتغير الأحكام الفقهية أيضًا.

لذلك، يُطرح هذا السؤال: ما هو دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد التجديدي عند الإمامية؟

يتم بحث الإجابة على هذا السؤال في مقامين «ماهية الموضوع في مقام استنباط الحكم الشرعي ومقام تطبيق الموضوع الكلي على المصاديق الخارجية» بناءً على نظرية الاعتدال وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي.

دراسة المفهوم

مع الأخذ في الاعتبار التعريف المشهور لعلم الفقه الذي يقول: «ما يبحث فيه عن عوارض أفعال المكلفين، كالوجوب والحرمة ونظائرهما» (الكجوري الشيرازي، 1293: 57؛ السبحاني التبريزي، 1424، 1: 421). إذن، علم الفقه، كغيره من العلوم، له ركنان أساسيان، هما:

1. الحكم:

في الاصطلاح الشائع بين الفقهاء، الحكم هو بمعنى التكليف الشرعي الذي يشمل الأحكام الخمسة «الوجوب، الاستحباب، الإباحة، الكراهة، والحرام».

بعضهم عرّفه باعتبار الشارع، بأنه «الاعتبار الصادر من المولى بالاقتضاء والتخيير» (أبو القاسم الخوئي، 1417، 3: 78). هذا النوع من تعريف الحكم لا يشمل الأحكام الوضعية التي تُعدّ فيها الصحة، البطلان، الجزئية، الشرطية، المانعية، والسببية من الأحكام الوضعية: «قيل: إنها غير محصورة، بل كل ما لا يكون من الحكم التكليفي فهو من الحكم الوضعي» (النائيني، 1376، 4: 384).

يرى الشيخ الأنصاري أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية (الأنصاري، 1428، 3: 28-29).

أما الآخوند الخراساني فلا يرى جميع الأحكام الوضعية تبعية؛ بل يعتبر بعضها مثل الولاية والقضاء مجعولًا مستقلاً، وبعضها مثل الشرطية والجزئية تابعًا للجعل التشريعي، وبعضها مثل المانعية والرافعية مجعولًا تكوينيًا (البروجردي، 1412، 2: 317-376).

في تعريف قدمه بعض القدماء للحكم، يشمل كلاً من الأحكام التكليفية والوضعية؛ حيث قيل إن الحكم الشرعي هو تحصيل أهم غرض وهو «جلب النفع ودفع الضرر»، وهذا الغرض إما مقصود أصلي أو تبعي (الفاضل المقداد، 1361: 9).

2. الموضوع:

بما أن لكل علم موضوعًا واحدًا، فإن موضوع الفقه هو أيضًا فعل المكلف، وهذا الموضوع في عالم الثبوت أو الواقع حقيقة واحدة؛ أما في عالم الإثبات أو الخارج، فيتعين ويتشخص بتعلقه بمتعلقات متعددة ويكثر بتعددها؛ مثل الصلاة، الصوم، الوضوء، الزكاة، الخمس، النجاسة، الطهارة، البيع، الميتة.

إذا كان الموضوع شيئًا خارجيًا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (البقرة، آية 173)، فإن فعل المكلف مفروض؛ كما في الآية الشريفة، فعل الأكل مفروض؛ أي أن أكل الميتة واستخدام الدم حرام.

بعضهم يعرّف الموضوع بأنه الأمر الذي يترتب عليه الحكم الشرعي: «هو الأمر الذي رتب الحكم الشرعي عليه، فقد يعبر عنه بالموضوع» (النائيني، 1376، 4: 389).

في بعض الحالات، للتفريق بين الموضوع والمتعلق، قيل: الموضوع هو ما فُرض وجوده في متعلق الحكم، وما يُطلب من المكلف يُسمى متعلقًا؛ ولهذا السبب، يُعتبر الحج والصوم متعلقين، والشخص العاقل البالغ مكلفًا وموضوع الحكم (نفس المصدر، 1: 145).

في تعريف آخر، الأفعال التي يقتضي الحكم الشرعي إيجادها أو منعها هي متعلق الأحكام، ومتعلق المتعلقات، أي الأشياء الخارجية التي يتعلق بها المتعلق الأول، تسمى موضوعًا. فالصلاة في أمر «صل» والشرب في أمر «لا تشرب» هما «المتعلق الأول»، والقبلة والوقت في أمر الصلاة والخمر في النهي عن شرب الخمر والعقد في أمر الوفاء بالعقد هم «المتعلق الثاني»: «هذا ما يسمى بالموضوع» (الصدر، 1417، 2: 77).

بناءً على ذلك، موضوع الفقه أو الأحكام الشرعية هو فعل المكلف؛ لأنه أولاً لكل علم موضوع واحد تُبحث فيه عوارضه. ثانيًا، إذا تعلق حكم بمتعلق ثانٍ أو شيء خارجي، فإنه يتكثر بتعدد مصاديقه. لكن الموضوع واحد، وهو في الحقيقة نفس فعل وعمل المكلف المفروض؛ مثل الأكل في «لا تشرب الخمر» حيث المفروض في الحكم هو الحرمة.

3. الزمان والمكان:

في هذا البحث، ليس المقصود بالزمان والمكان معناهما الفلسفي، حيث الزمان هو مقدار حركة الجسم والمكان هو نوع الجسم في حركته؛ بل المراد هو الأوضاع والأحوال التي تظهر في زمان ومكان معينين وتحدد حكم وموضوع الحكم الشرعي، وتغيرها يؤدي إلى تغير موضوع الحكم الشرعي، ومن ثم يؤدي إلى تغير الحكم الشرعي.

لذلك، إذا ذُكر الزمان والمكان، فذلك للإشارة إلى الأوضاع والأحوال والشروط التي تقع في ظرف ذلك الزمان والمكان، وهما بستر لوجود الشروط والأوضاع التي تسبب تغير الموضوع ثم الحكم.

4. الاجتهاد:

هذه الكلمة في اللغة مشتقة من جذر «جهد» بالفتح، بمعنى المشقة، وبالضم، بمعنى الوسع، والاجتهاد يعني بذل أقصى الجهد والسعي في إنجاز عمل أو الحصول على شيء بتحمل المشقة (الراغب الأصفهاني، 1412: 208).

في التعريف الاصطلاحي للاجتهاد، استخدم الفقهاء والأصوليون تعبيرات مختلفة، يقصد معظمهم من خلالها مفهومًا واحدًا يمكن تلخيصه في تعريف مشترك بينهم وهو: «عند الجميع عبارة عن استفراغ الوسع في إعمال القواعد لتحصيل المعرفة بالوظيفة الفعلية من الواقعية والظاهرية» (البروجردي، 1422: 215).

لكن بعض الفقهاء والأصوليين المعاصرين الشيعة لم يعتبروا الجهد الكبير وتحمل المشقة مع حصول الظن المعتبر كافيًا دون امتلاك القدرة على استنباط واستخراج الحكم الشرعي، واعتبروا الاجتهاد ملكة تمكّن الإنسان من استنباط الحكم الشرعي الفرعي من أدلته المعتبرة (الخميني، 1418: 586).

بناءً على ذلك، الاجتهاد عملية تقوم على ركنين أساسيين:

  1. ملكة القدرة على استنباط الحكم الشرعي التي تُكتسب بالتعليم والتعلم؛
  2. استخدام هذه القدرة والملكة في الاستنباط بناءً على القواعد والقوانين العلمية المعتبرة.

إذن، يجب أن يتوفر في الاجتهاد الفقهي الأمران المذكوران؛ أي إذا كان شخص يمتلك الملكة النفسية والقدرة على الاستنباط ولكنه لم يرجع إلى المصادر المعتبرة ولم يتبع المسار القانوني في بيان حكم، أو شخص ليس لديه القدرة والملكة النفسية ولكنه بجهد كبير وتحمل مشقة عناءة أبدى رأيًا في أمر الدين، فلا يمكن في كلتا الحالتين القول بأن عمله وقوله اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي العلمي.

فالاجتهاد عملية يجب على المجتهد فيها أولاً أن يمتلك ملكة وقدرة نفسية على الاستنباط، وثانيًا أن يستخدم هذه القدرة والملكة وفقًا للضوابط والقانون في مسار استنباط الأحكام الشرعية الفرعية حتى يتحقق استفراغ الوسع.

الإطار النظري

في دور الزمان والمكان في موضوعات الأحكام الشرعية، توجد ثلاث نظريات رئيسية اتبعت مسار الإفراط والتفريط والاعتدال:

1. النظرية الإفراطية: بناءً على هذه النظرية، يتبع الدين في كل زمان ومكان ظروف ذلك الزمان والمكان، ولا يوجد أي أصل ثابت وقانون غير قابل للتغيير لجميع الأزمنة والأمكنة، وكل ما يقال على أنه «كائن» وينفذ ويطبق، هو ما تفرضه أوضاع الزمان والمكان. يمكن اعتبار طريقة الخليفة الثاني نموذجًا للإفراط في هذا المجال. في زمن خلافته، اكتسب الجهاد أهمية؛ لذلك أمر بحذف عبارة «حي على خير العمل» من فصول الصلاة؛ لأن الالتفات إلى هذا التعبير يقلل من الالتفات إلى الجهاد. لقد أخذ في اعتباره، حسب ظنه، مقتضيات الزمان؛ لكن هذا كان خطأ؛ لأن المسلم يستمد القوة والإيمان من «الله أكبر والحمد لله وسبحان الله» (مطهري، 1366، 1: 39-40).

2. النظرية التفريطية: يقف أنصار هذه النظرية في مقابل النظرية الإفراطية، حيث يعتبرون جميع تعاليم الدين وأحكامه أمورًا ثابتة. يمكن اعتبار فقه الخوارج نموذجًا واضحًا لهذه النظرة. كانوا يكفرون جميع الفرق الإسلامية (نفس المصدر: 66). اليوم، يمكن وضع فقه الوهابية في هذه الفئة أيضًا؛ لأنهم يعارضون ظواهر العلم والتكنولوجيا ويعتبرونها واردات غربية. البلد الوحيد الذي لم يضع دستورًا حتى الآن في عصر الاتصالات والعولمة، ويعتبره واردًا غربيًا، هو المملكة العربية السعودية.

3. نظرية الاعتدال: هذه النظرية سلكت طريقًا وسطًا بين نظريتي الإفراط والتفريط. يرى أتباع هذه النظرية أن الدين يشمل نوعين من القضايا: النوع الأول، قوانين كلية وثابتة وُضعت بناءً على احتياجات ثابتة وهي معتبرة وواجبة التنفيذ دائمًا وفي كل زمان ومكان؛ أما قوانين النوع الثاني، فهي قوانين متغيرة جزئية شُرعت بناءً على احتياجات الإنسان المتغيرة وتلبي احتياجات المجتمع الإنساني والإسلامي مع مراعاة المصلحة العامة الدنيوية والأخروية. في هذا النوع من القوانين، يتم تغيير بعض الأحكام الفرعية بهدف الحفاظ على الأحكام الأصلية (نفس المصدر: 78؛ يوسفي، 1386: 24). في هذا البحث، يتم دراسة دور الزمان والمكان بناءً على نظرية الاعتدال. مكونات هذه النظرية، التي تعمل كمتغيرات مستقلة وثابتة، هي:

أولاً: كثير من القضايا والأحكام الدينية ثابتة، وهي بالنسبة للقضايا والأحكام المتغيرة، تعمل كعامل ثابت ومستقل، والقضايا والأحكام المتغيرة، تعمل كمتغير تابع؛ أي إذا تغيرت بعض القضايا والأحكام الفقهية، فذلك في إطار تلك القضايا والأحكام الثابتة ومن أجل الحفاظ عليها.

ثانياً: ما يتغير، في الحقيقة، هو موضوعات الأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بهذا العالم (الدنيا) والتي هي في تغير وتحول دائم، وظاهريًا تتغير أحكامها أيضًا. وتغيير الموضوع بأنواع التغيرات التي تطرأ عليه، يترتب عليه حكم جديد.

ثالثاً: في الاجتهاد التجديدي والمعاصر، معرفة الموضوعات الواردة في لسان النص ضرورية؛ لكنها ليست كافية؛ بل إن معرفة الموضوعات الخارجية في زمن استنباط الحكم هي أيضًا من وظيفة الفقيه. يستنبط الفقيه في عملية معرفة الموضوعات المنصوصة، أصولاً كلية ويرجع موضوعات المجتمع والعالم الجارية في زمن استنباط الحكم الشرعي إلى تلك الأصول الكلية.

رابعاً: في دراسة موضوعات لسان الأدلة، تُبحث ماهية الموضوع، القيود، الشروط، وأجزاء الموضوع مع مراعاة الظروف الخاصة بزمن صدور النص، ومعرفة موضوعات زمن الاجتهاد بالحكم أيضًا مع الظروف الخاصة بزمن استنباط الحكم. ثم، بدقة، يتم تطبيق كلا الموضوعين على بعضهما البعض، ويُحدد تغير الموضوع من حيث الماهية، القيود، والشروط أو الأجزاء، ويترتب عليه الحكم المناسب.

خامساً: مقام معرفة موضوع الحكم الشرعي يختلف عن مقام تطبيق عنوان الموضوع الكلي على مصاديقه في الخارج؛ لكن في الاجتهاد التجديدي والحيوي، بالإضافة إلى معرفة الموضوع قبل استنباط الحكم الشرعي في جميع المجالات حتى بمساعدة فريق من الخبراء، في بعض المجالات، تطبيق الموضوع الكلي للحكم الشرعي على مصاديقه الخارجية هو أيضًا من وظيفة الفقيه الحاكم الشرعي؛ مثل مجال القضاء، الأمور السياسية والاقتصادية؛ لأنه بالنظر إلى أدلة ولاية الفقيه، فإن مقام القضاء، الزعامة، والقيادة له بعد تنفيذي أيضًا، وبالإضافة إلى ذلك، فهو خارج عن قدرة الأفراد المكلفين العاديين. إذن، دور الزمان والمكان في الاجتهاد يُبحث في مجالين «ماهية الموضوع قبل استنباط الحكم الشرعي وتطبيق الموضوعات الكلية على مصاديقها».

1. مقام ماهية الموضوع

في مسألة دراسة الموضوع، يوجد أمران مستقلان: أحدهما مقام ماهية الموضوع والآخر مقام تشخيص وتطبيق الموضوع الكلي على المصاديق الخارجية.

ماهية الموضوع ومقام تعيين الموضوع، اللذان هما مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي، من وظيفة المجتهد والفقيه؛ كما أن الشهيد الثاني في شرح اللمعة والشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب، قبل بيان الحكم، تناولا تبيين دراسة الموضوع، وكما أن معظم مباحث كتب الطهارة، الوضوء، الصلاة، أنواع الصلاة، النكاح والطلاق، الزكاة، الخمس، الحج، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأطعمة والأشربة، البيع وأنواع البيع، إحياء الموات، الإرث، والحدود والديات، مرتبطة بمعرفة الموضوع.

في بحث ماهية موضوع الحكم الشرعي، يوجد مرجع معرفي مختلف، وبحسب نوع الموضوع، يختلف مرجع معرفتها أيضًا. إذا كان الموضوع شرعيًا تمامًا مثل الصلاة، الصوم، والزكاة، فإن مرجع المعرفة أو مصدر معرفتها هو الآيات والروايات. أو إذا كان الموضوع عرفيًا محضًا، فإن مرجع معرفته هو العرف المحض. وإذا كان الموضوع شرعيًا وعرفيًا معًا، فإن مرجع معرفته هو الشرع والعرف.

على أي حال، فإن معرفة الموضوعات وماهيتها، سواء كانت شرعية، عرفية، أو شرعية وعرفية معًا، أو موضوعات مستحدثة، هي وظيفة الفقيه الذي يجب أن يعرفها ليكتشف حكمها الخاص من الأدلة الشرعية المعتبرة.

مثلاً، السفر هو موضوع لقصر الصلاة والصوم. على الرغم من أن السفر له معنى عرفي، فقد قصد الشارع منه معنى خاصًا، وعلى الفقيه أن يعلم ما هو مراد الشارع من السفر؟ هل مراد الشارع من السفر هو الابتعاد عن الوطن؟ هل المقصود بالسفر بالوسيلة أو بدونها، ومن أين يبدأ مبدأ السفر، وخلال أي مسافة، هل مسار الذهاب فقط أم الذهاب والإياب، أم كلاهما مراد الشارع؟

أو موضوع حرمة الخمر، هل هو شرب الخمر أم شرب الخمر المسكر؟ أو إثبات هلال شهر رمضان، هل هو موضوع وجوب صوم رمضان؟ يجب على الفقيه قبل معرفة وجوب الصوم، أن يعلم بأي الطرق يثبت أول الشهر. رؤية كم شخص وبأي صفات يجب أن يكونوا، وبالعين المسلحة أم غير المسلحة، إذا شوهد في مكان ما، فإلى أي مدى تكون رؤيتهم معتبرة؟ يظهر بحث الأفق، ويحتاج الفقيه إلى علم الفلك أو إلى خبير فلكي ليعلم بأي معيار يجب قياس اتحاد الأفق.

أو في مسائل أعم من الطب «زرع الأعضاء، استئجار الرحم، حمل الرجال…» أو سياسية-اجتماعية، علاقات المسلم في الدول الغربية مع الكفار الكتابيين وغير الكتابيين، أو علاقات الأمة الإسلامية مع الأقليات الدينية (النجاسة، الزواج، البيع والشراء، زرع الأعضاء، العمل والطعام…) أو العضوية في الأحزاب السياسية في الدول الإسلامية التي لبعضها اسم إسلامي وفكر غير إسلامي، والتعاون مع حكام الدول الإسلامية أو الاستثمار في البنوك والشركات الوطنية والدولية والعالمية، يجب على الفقيه أن يعلمها ليبين حكمها الشرعي؛ على الرغم من أن الفقيه قد يحتاج إلى علوم مختلفة أو إلى مراجعة المتخصصين في تلك العلوم؛ لأن دراسة الموضوع ضرورية في أمر استنباط الحكم الشرعي؛ لأن العلاقة بين الحكم والموضوع كالعلاقة بين السبب والمسبب.

(أ) أدلة ضرورة دراسة الموضوع في مقام استنباط الحكم

معظم مباحث الاجتهاد الفقهي تتكون من دراسة الموضوع، وكلما زاد معامل الدقة في معرفة الموضوع، أصبحت ماهية الموضوع وماهيته أوضح. وضوح ودقة معرفة الموضوع يؤدي إلى دقة معرفة الحكم؛ لذا فإن الفقهاء السابقين في كتب الفقه مثل الطهارة، الوضوء، الغسل، الصلاة… قد بحثوا الأسباب والموانع والأجزاء والشروط. ضرورة معرفة الموضوع في مقام الاستنباط واضحة، ونشير إلى بعض أدلتها على سبيل المثال:

أولاً: في هذا المجال، توجد روايات كثيرة تؤكد على دراسة الموضوع؛ منها في التوقيع الشريف: «أَمَّا الْحَوادِثُ الْواقِعَةُ، فَارْجِعُوا فيها إِلى رُواةِ حَديثِنا فَإِنَّهُم حُجَّتِى عَلَيْكُم، وأَنا حُجةُ الله» (المحدث النوري، 1408، 2: 470). المراد من «الحوادث الواقعة» أعم من الأحكام والموضوعات المستجدة (الكلبايكاني، 1383: 37).

ثانياً: علاقة الحكم بالموضوع هي علاقة سببية ومسببية، حيث يتغير الحكم أيضًا بتغير الموضوع (آل الفقيه العاملي، 1425، 1: 150). بناءً على ذلك، تلعب معرفة الموضوعات دورًا أساسيًا في معرفة أحكامها، ومعامل الدقة في معرفة الموضوعات يؤدي إلى دقة معرفة الأحكام. في كثير من الحالات، تم الخلط بين ماهية الموضوع أو معرفة الموضوع وتطبيقه على المصداق الخارجي؛ لذا قال البعض إن دراسة الموضوع هي وظيفة المكلف، والفقيه مسؤول فقط عن معرفة الحكم؛ بينما معظم المباحث الفقهية تتكون من ماهية ومعرفة الموضوع؛ مثل الصلاة، الصوم، الزكاة، البيع، الشركة، الصلح، الحدود والديات، الولاية، القضاء، التعاون، والمعروف والمنكر. حتى الشيخ الأنصاري في كثير من الموارد، يعتبر الشك في الحكم شكًا في الموضوع ومحل الحكم: «أنه كثيرًا ما يقع الشك في الحكم من جهة الشك في أن موضوعه ومحله» (الأنصاري، 1428، 3: 394).

ثالثاً: سيرة الفقهاء السابقين: كانت دراسة الموضوع ومعرفة الحكم متلازمتين. طريقة تدوين الكتب الفقهية للفقهاء السابقين مثل جواهر الكلام، المكاسب، وشرح اللمعة تشهد على هذا الأمر.

رابعاً: الاجتهاد التجديدي هو واقعية نقدية؛ أي أنه لا يحصر الواقعيات فقط في الظروف الموجودة في العالم الخارجي زمن الاجتهاد، ولا في الحقائق المطلوبة من الشارع؛ بل بنقد نظرية التفريط الإخبارية والإفراط الهرمنيوطيقي التي تعتبر جميع الأحكام الشرعية تابعة لظروف زمان ومكان معينين، يلتفت في عملية الاجتهاد إلى الواقعيات والظروف الموجودة في العالم الخارجي والحقائق والواقعيات المطلوبة من الشارع أيضًا. أنصار الاجتهاد التجديدي من جهة يرفضون المثالية المحضة ويعتبرون استنباط الأحكام دون الالتفات ومعرفة احتياجات وواقعيات العالم الخارجي الموجود زمن استنباط الحكم، الذي هو موضوع الأحكام الشرعية، إخباريًا؛ لأن الإخباريين دون الالتفات إلى الاحتياجات الزمانية والمكانية، كانوا يعتبرون كل ما يفهمونه من نص الروايات شرعيًا؛ مثلاً، إذا ورد نص رواية في حالة خاصة بأن الماء البارد علاج لمرض، كانوا يذكرونه بشكل مطلق ودون الالتفات إلى أن هذه الرواية أوصي بها في مرض خاص ولشخص خاص، ويقولون إن الماء البارد دواء لكل مرض. من ناحية أخرى، يلتفت أنصار الاجتهاد التجديدي، مع مراعاة الواقعيات والظروف الموجودة في العالم الخارجي زمن استنباط الحكم، إلى الظروف والواقعيات المطلوبة من الشارع أيضًا، وفي مسار وسط بين إفراط الهرمنيوطيقي والإخباري، يتناولون اجتهاد الحكم الشرعي.

خامساً: إذا لم يكن الالتفات إلى الواقعيات والاحتياجات الموجودة زمن استنباط الحكم الشرعي شرطًا في الاجتهاد، فيجب على كل شخص يعيش في عام 1391 أن يتمكن من تقليد الشيخ الطوسي والعلامة الحلي؛ بينما لا يجيز أي مجتهد بصير ذلك؛ لأن احتياجات وواقعيات المجتمع الإسلامي والعالم قد تغيرت. يمكن القول أيضًا إن العلامة الحلي لو عاد اليوم، لقلّد أحد فقهاء اليوم؛ لأنه كان مرجعًا في زمانه؛ أما اليوم، إذا أصبح مرجعًا، فيجب عليه أن يتلمذ لسنوات عديدة لدى فقهاء اليوم ليصبح مرجع زمانه الحاضر. كذلك، يمكن القول إن الفقهاء إذا لم يجيزوا التقليد الابتدائي من مجتهد ميت، فذلك بسبب الالتفات إلى تغير واقعيات المجتمع التي هي في تغير مستمر يومًا بعد يوم، وحتى لحظة بلحظة، والمجتهد الميت لا يستطيع تلبية احتياجات مجتمعه ومقلديه بعد وفاته. إذن، الاجتهاد التجديدي والمعاصر يلتفت إلى أوضاع وأحوال المجتمع والعالم، ويتجدد بالتوافق مع تغيرات واقعيات العالم الخارجي. بالطبع، التجدد والتحديث لا يعني تحليل وإباحة كل ظاهرة في العالم الخارجي؛ بل بمعرفة ظواهر العالم الخارجي، يُكتشف الحكم الشرعي من الأدلة الشرعية المعتبرة، والذي قد يكون أحد الأحكام التكليفية الخمسة أو أحد الأحكام الوضعية أو كليهما.

(ب) أنواع موضوعات الأحكام الشرعية

في جميع أرجاء الفقه، كل ما هو غير الحكم الشرعي في القضايا والجمل الفقهية، يتعلق بالموضوع ومتعلقات الموضوع؛ من قبيل فعل المكلف، المتعلق، متعلق المتعلق، العنوان، القيود، الشروط، والحدود، التي قد يكون أحدها أو بعضها موضوعًا للحكم الفقهي. يمكن تقسيم موضوع الأحكام الشرعية بناءً على معايير مختلفة إلى أنواع مختلفة. في تصنيف كلي، يندرج موضوع الأحكام الشرعية تحت قسمين رئيسيين:

أولاً: الموضوعات المستنبطة أو المخترعة من قبل الشارع: المراد من هذا النوع من الموضوعات المخترعة، تكاليف خاصة يضعها الشارع المقدس على عاتق الناس، لم تكن شائعة في عرف المجتمع سابقًا بذلك المفهوم الخاص؛ على الرغم من أن الشارع في تبيين مراده يستخدم كلمات معناها في عرف المجتمع شبيه بالمعنى المخترع، مثل الصلاة، الزكاة، الصوم، والحج. على سبيل المثال، المعنى اللغوي للصلاة هو الدعاء المطلق؛ ولكن الشارع استخدم هذا اللفظ في معنى خاص هو مراده الخاص؛ على الرغم من أن استعماله في البداية في المعنى الخاص المراد من الشارع كان مجازيًا، ثم بكثرة الاستعمال أصبح هذا اللفظ حقيقة شرعية؛ بحيث في زمن الشارع، كلما استُخدم هذا اللفظ بدون قرينة، تبادر إلى ذهن المخاطب معنى مراد الشارع أي الصلاة بأركانها الخاصة (المظفر، 1387، 1: 36).

ثانياً: الموضوعات العرفية: المراد من هذا النوع من الموضوعات، الموضوعات التي لم تُستخدم في مجال التشريع بمعنى غير المعنى العرفي، والمقصود منها هو نفس المعنى المتبادر العرفي، وهي على قسمين: 1. الموضوعات التي تصرف فيها الشارع المقدس وأخذ في الاعتبار قيودًا أو شروطًا أو أجزاءً فيها. على سبيل المثال، المراد من البيع، المضاربة، الشركة، والمساقاة هو نفس معناها العرفي؛ لكن الشارع يشترط صحة هذه العقود بعدم وجود الغرر والربا، أو السفر الذي يوجب قصر الصلاة، يُشترط بثمانية فراسخ، أو التعاون مع الحاكم الجائر، يُشترط بإحقاق الحق وقدرة المساعد على إحقاق الحق. 2. الموضوعات التي المقصود منها هو نفس المعنى العرفي دون إضافة قيد أو شرط من الشارع؛ مثل الرشيد والسفيه في شروط المتعاقدين، الإحياء في مسألة الأرض الموات، القيام والموالاة في الصلاة، المؤونة في الخمس، مقدار الفقر في استحقاق الزكاة، الاستطاعة في الحج، المكيل والموزون في المعاملات.

ثالثاً: الموضوعات المستحدثة: الموضوعات التي لم تكن موجودة قبل اجتهاد الفقيه، ويواجه الفقيه موضوعًا لم يُذكر في لسان الأدلة الشرعية ولم يكن شائعًا في العرف قبل زمانه. ظهور هذا النوع من الموضوعات ممكن في أي زمان؛ مثلاً، في الزمن الحاضر، استخدام أعضاء الموتى دماغيًا للزرع في إنسان آخر، تكثير الأقراص المدمجة، التلقيح الصناعي، استئجار الرحم، المبادلات المالية، نشاط البنوك، معاملات البورصات المختلفة، بيع وشراء السندات، استخدام بعض الأدوات الصناعية في الجماع، العبادة في الأماكن التي تكون ستة أشهر منها ليلاً أو في أحد الكواكب، العلاقات مع بعض الفرق الدينية أو الأحزاب السياسية. بعبارة أخرى، كل موضوع ليس له سابقة ويواجهه الفقيه في زمن استنباط الأحكام الشرعية.

(ج) عوامل تغير الموضوع في ظرف الزمان والمكان

مع الأخذ في الاعتبار استخدام مفهوم الزمان والمكان في الاجتهاد التجديدي الذي تم بيانه في قسم دراسة المفهوم، فإن المقصود بالزمان والمكان هو الأحوال والشروط التي توجد في ظرف مكان وزمان معينين وتؤدي إلى تغير الموضوعات الفقهية ثم تؤدي إلى تغير الأحكام الشرعية. بناءً على ذلك، الزمان والمكان هما ظرف تغير الموضوعات الفقهية. في الحقيقة، الأوضاع والشروط المستجدة تؤدي إلى تحول العلاقات الإنسانية وموضوعات الأحكام الشرعية. بعض الظواهر الاجتماعية التي تؤدي إلى تغير موضوع الأحكام الشرعية هي:

  1. العوامل الجغرافية والمكانية؛ مثل الطقس البارد والحار، المكان المائي أو القليل الماء.
  2. التقدم العلمي والتكنولوجي البشري.
  3. الوعي التخصصي البشري.
  4. الاحتياجات المستجدة للإنسان.
  5. تغير الهياكل الاقتصادية للمجتمع الإسلامي والمجتمع الدولي وضرورة قوانين جديدة مثل قانون العمل، قوانين التجارة الوطنية والدولية والعالمية.
  6. تغير القيم الأخلاقية للمجتمع الإنساني؛ مثل إلغاء العبودية.
  7. تغير عرف وعادات الناس التي لا تخالف الشرع المقدس.
  8. الضرورات التي تنشأ في العالم.
  9. المصلحة التي هي أساس الأحكام الحكومية؛ أي مصالح المجتمع العامة أو مصلحة حفظ النظام الإسلامي.
  10. نوع النظام الحاكم في المجتمع.
  11. الساسة الحاكمون على المجتمع ونوع العلاقات السياسية الداخلية والخارجية.
  12. الجماعات الاجتماعية والدينية وعلاقاتها مع الناس والحكومة الإسلامية.
  13. الوضع الاقتصادي للمجتمع، الفقر العام أو الرفاه العام أو تكدس الثروة في يد فئة خاصة.
  14. بساطة وتعقيد أدوات الإنتاج.
  15. العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخاصة الحاكمة على العالم في كل فترة من الزمن.
  16. ظهور موضوعات ومسائل أهم تؤدي إلى تغير في الموضوعات المهمة وتغير أحكامها بسبب التزاحم.
  17. تقدم العلوم داخل الحوزة.
  18. قوة فهم وعقل الإنسان في كل عصر التي هي في نمو مستمر (جناتي، 1369: 87).

مع الأخذ في الاعتبار أن تغيير الحكم الشرعي مع فرض ثبات موضوعه يعني نسخه، والنسخ بعد انتهاء فترة التشريع وبعد النبي الأكرم (ص) غير موجود في الأحكام الشرعية (الخميني، 1426: 162)، فإن تغيير الأحكام ممكن فقط بتغيير وتحول موضوعات الأحكام، وهذا التغيير يحصل بعدة طرق، وبالمعنى الحقيقي للكلمة، الأحكام ثابتة، وما هو محدد في الشرع المقدس من عدد الأحكام التكليفية والوضعية لا يقل ولا يزيد، والموضوع بالتغيير الذي يطرأ عليه، أو يتغير الموضوع من حيث الماهية والأجزاء والشروط، أو يظهر موضوع مستحدث تمامًا، وفي كلتا الحالتين، يترتب عليه أحد الأحكام التكليفية والوضعية أو كلاهما.

(د) تغير ماهية الموضوع

من الصور الواضحة لتغير الموضوع، استحالته إلى موضوع آخر. الإمام الخميني في بحث المطهرات، يعتبر أحد طرق التطهير هو تحول الشيء النجس إلى رماد بالنار بسبب تبدل الموضوع إلى موضوع آخر: «هذا الحكم ليس من مختصات النار، وليست الاستحالة مطهرة، بل هي من قبيل تبديل موضوع بموضوع آخر» (الخميني، 1367، 3: 625). إذن، يعتبر سماحته أساسًا كليًا لحصول الطهارة عن طريق الاستحالة هو تبدل الموضوع النجس إلى موضوع آخر؛ بحيث لا تبقى ماهية موضوع الحكم بالنجاسة وتزول، وينشأ موضوع آخر ويترتب عليه حكم آخر.

(هـ) تغير مصاديق الموضوع

في بعض الحالات، عندما يُستخدم تعبير تغيير الموضوع، يكون المراد هو تغيير مصاديق موضوع كلي، والمقصود بالمصداق هنا هو أفراد موضوع كلي أُخذ في لسان الأدلة؛ كما في القرآن الكريم، جُعلت محبة الأمور المادية من النساء والأبناء والأموال الطائلة من الذهب والفضة والخيول المسومة والأنعام والحرث (بهدف الامتحان) زينة في نظر الناس: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران، آية 14). الخيول الممتازة التي ذُكرت في الآية الشريفة كأحد مصاديق الزينة والجلوة للامتحان، ليس لها جاذبية للكثيرين، ويمكن في مكان الخيول الممتازة ذكر سيارات ذات موديلات عالية أصبحت اليوم موضة للتفاخر. قد تسبب هذه السيارات تعلقًا وتعلقًا للإنسان وتبعده عن الهدف الأصلي للعبودية؛ أي أن مصداق الموضوع يتغير في وظيفته.

(و) تغير عنوان الموضوع

شكل آخر يُعبر عنه بتغيير الموضوع هو التغيير في عنوان الموضوع؛ بحيث يكون موضوع ما في الظروف السابقة تحت عنوان معين، وبالتالي يترتب عليه حكم ذلك العنوان؛ ولكن في الظروف الجديدة، يأخذ عنوانًا آخر، وبالتالي يترتب عليه حكم العنوان الجديد. اتخاذ عنوان جديد يتم بصورتين:

أولاً: تعلق عنوان ثانوي بالموضوع.

في هذه الحالة، مع احتفاظ الموضوع بعنوانه السابق، يعرض عليه عنوان آخر، يُطلق عليه في الاصطلاح الفقهي العنوان الثانوي: «الاضطرار، الإكراه، الجهل، الخطأ، الضرر والضرار، العسر والحرج و…».

بالطبع، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:

  1. الأحكام الثانوية التي شرعها الشارع لظروف خاصة، تدل على مرونة الأحكام الإسلامية في مختلف الظروف الزمانية والمكانية؛ كما قيل: «واقعًا، أكثر الأحكام الأولية تتبدل بترتب عنوان ثانوي عليها. فتبديل الواجب إلى حرام… من هذه المسألة تتضح مرونة الأحكام الإسلامية وقابليتها للظروف الزمانية والمكانية المختلفة» (الحكيم، 1418: 69).
  2. إمكانية تحول الأمر الحرام إلى واجب والعكس، يدل على هذه النقطة المهمة وهي أنه على الرغم من تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد في مقام الثبوت، إلا أن الحسن والقبح المترتب في بعض العناوين ليس ذاتيًا وقابلًا للانفكاك؛ كما في أحد تقسيمات الحسن والقبح للمرحوم المظفر، تُقسم عناوين الأحكام الشرعية إلى ثلاثة أقسام: الأول – عناوين ذات حسن وقبح ذاتيين مثل العدل والظلم؛ الثاني – عناوين حسنها وقبحها عرضيان مثل تعظيم الصديق الذي يقتضي الحسن، وإذا عرض عليه عنوان تحقير الصديق، فلن يكون له حسن؛ الثالث – عناوين بالنسبة للحسن والقبح «لا اقتضاء» لها مثل الضرب الذي إذا كان للتأديب فله حسن، وإذا صدر لتشفي الفاعل فله قبح (المظفر، 1387، 1: 237-239).

بالطبع، لا يمكن جمع كل العناوين الثانوية في قاعدة كلية واحدة؛ لأن حديث الرفع محدود: «رُفِعَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي خَطَأَهَا وَنِسْيَانَهَا وَمَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ» (المغربي، 1385، 1: 274)، وكثير من الحالات لا تشملها العناوين الثانوية.

في الحديث النبوي، ليس هناك رفع للحكم؛ بل الحكم السابق باقٍ؛ ولكن آثار الحكم أي العقاب تُرفع عن المكلف؛ أي إذا صدقت العناوين الثانوية في عمل المكلف، فالحكم السابق ثابت، والله يرفع الآثار الشرعية المترتبة عليه ولا يعاقبه.

على سبيل المثال، الأكل الاضطراري لبعض المحرمات في ظروف خاصة لا يُعتبر ذنبًا للإنسان ويشمله الرحمة الإلهية: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة، آية 173)، أو في مكان آخر جاء بلسان الدعاء أن المؤمنين يطلبون من الله أن يعفو ويغفر لهم في حال ارتكاب بعض الذنوب عن طريق الخطأ أو النسيان: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة، آية 286).

إذن، في بعض العناوين الثانوية، الحكم السابق باقٍ والعقوبة تُرفع عنه، وفي البعض الآخر مثل العسر والحرج والضرر والضرار التي أدلتها حاكمة على أدلة الأحكام الأولية، تدل على رفع الحكم في مقام التشريع؛ أي نفي الحكم بلسان نفي موضوع الحكم.

ثانياً: تغيير عنوان الموضوع وزوال عنوانه السابق.

في هذه الحالة، موضوع كان سابقًا في ظروف سابقة تحت عنوان معين، ولكن مع التحول في الظروف الخارجية الحالية، يتخذ الموضوع عنوانًا آخر. هذا التغيير في العنوان يمكن بحثه في عدة محاور كلية:

  1. في مجال المسائل السياسية: قد يؤدي إقامة علاقات سياسية مع دولة في ظروف خاصة إلى تقوية النظام الإسلامي؛ ولكن في ظروف أخرى يخرج من تحت هذا العنوان ويؤدي إلى ضعف النظام الإسلامي أو يستلزم تسلط الكفار على المجتمع الإسلامي. لذا، يكون مورد نهي ونفي الشريعة الإسلامية؛ مثل الحرب، الصلح، وإقامة العلاقات الاقتصادية، العلمية، العسكرية، الصناعية، وغيرها.
  2. في مجال المسائل الأخلاقية: نوع معين من العمل مثل الوقوف عند دخول الآخرين يُعتبر نوعًا من الاحترام وعملاً مستحسنًا؛ ولكن في ظروف زمانية ومكانية خاصة، قد يتبع هذا العمل تحقير الآخرين أو إخلال بالنظام في الجلسة؛ لذا لا يُعتبر أمرًا مطلوبًا.
  3. في مجال المسائل الاجتماعية: قد يكون موضوع ما في ظروف زمانية ومكانية تحت عنوان معين، وفي ظروف زمانية ومكانية جديدة، يتخذ عنوانًا آخر. على سبيل المثال، الشطرنج في اعتقاد الإمام الخميني هو مصداق للموضوع الأصلي للحرمة أي في زمن صدور النص، كان من آلات القمار: «هو المتيقن من عنوان القمار والميسر في الكتاب والسنة ومعقد الإجماع. ولا فرق بين أنواعه من النرد والشطرنج وغيرهما» (الخميني، 1415، 2: 7)؛ ولكن مع التغيير والتحول الذي حدث في استخدام هذه الأداة، على فرض أنها لم تعد تُحسب آلة قمار في المجتمع الآن وتحت عنوان أداة أخرى وعنوان آخر أي أداة رياضية، والتي يُعتبر استخدامها نوعًا من الرياضة الفكرية. على هذا الأساس، إذا ظهرت أداة جديدة للقمار في المجتمع، يمكن وضعها تحت عنوان آلة القمار؛ مثل مواقع المراهنات في الفضاء الإلكتروني.

2. مقام تطبيق الموضوع على المصاديق

موضوع الأحكام الشرعية هو واقعية اعتبارية أو انتزاعية يتم تحديدها من قبل الفقيه على شكل قضية كلية؛ لكن تطبيق الموضوعات على مصاديقها الخارجية يمكن تصنيفه إلى عدة فئات كلية:

أولاً: إذا كانت موضوعات الأحكام شخصية تتعلق فقط بعلاقات الفرد مع الله، فإن تطبيق الموضوعات الكلية على المصاديق الخارجية هو وظيفة المكلف، حيث يجب عليه تشخيص المصداق الخارجي وتطبيق العنوان الكلي للموضوع على مصاديقه؛ مثلاً، الشخص المسافر ملزم، بناءً على المؤشرات الكلية التي حددها مرجع تقليده في الرسالة العملية، بتحديد ما إذا كان قد قطع أربعة فراسخ أم لا، وأين يقع مبدأ السفر وحدود قصر الصلاة والصوم، أو بقعة حمراء تظهر على ملابس المصلي، هل هي دم أم لا، فمن واجب كل مكلف تشخيص المصداق الخارجي وتحديد أي موضوع كلي للأحكام ينطبق عليه.

ثانياً: إذا كانت الموضوعات تتعلق بعلاقات الفرد مع الآخرين، والموضوع أيضًا كلي، ومرجع معرفته هو الفقيه والعرف معًا؛ مثلاً، في تحديد ما إذا كان شيء ما إذا تم تبادله بالكيل والوزن يعتبر ربويًا، فمن وظيفة الفقيه تحديد ما هو من المكيل والموزون الربوي؛ ولكن ما هو المكيل والموزون، فمرجع تشخيصه هو العرف، حيث يجب على كل مكلف تشخيصه بناءً على عرف مدينته. أو حريم القرى والأرياف في جمهورية إيران الإسلامية مع وجود نظام ولاية الفقيه، تم تحديد حريمه، وإحياء الموات يجب أن يكون بإذن الحاكم الشرعي؛ ولكن في البلدان التي لا يوجد فيها ولي فقيه مبسوط اليد، فإن مرجع معرفة حريم القرى والأرياف هو عرف تلك المنطقة؛ لأن في غير هذه الحالة، سيكون خلافًا لمنافعهم ومصالحهم، وبالإضافة إلى ذلك، في بعض البلدان الإسلامية، تحديد حريم القرى والأرياف من قبل الحكومة المحلية يؤدي إلى حذف وجود الأقليات الدينية والقومية. في هذا النوع من الموضوعات، مرجع المعرفة والتطبيق هو العرف.

ثالثاً: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والحقوقية: معرفة الموضوعات السياسية، الاجتماعية، القضائية، الحقوقية، الإدارية، العلمية، الاقتصادية، والثقافية للبلد الإسلامي والعالم، وكذلك تشخيصها وتطبيقها في البلدان الإسلامية والعالم، هي من مسؤولية ولي الفقيه؛ لأن أولاً، تشخيصها خارج عن قدرة المكلف العادي؛ حتى ولي الفقيه لا يستطيع بمفرده تحديد كل هذه الموضوعات وتطبيقها على مصاديقها الخارجية؛ ولكن بتشكيل فريق من الخبراء في مختلف مجالات العلاقات الإنسانية، يمكن للحاكم الإسلامي القيام بهذا الأمر؛ لأنه خارج عن عهدة وقدرة غير ولي الفقيه. ثانيًا، السيرة السياسية والقضائية للنبي الأكرم (ص) والإمام علي (ع)، تؤيد مسؤولية تطبيق الموضوعات السياسية والحقوقية الاجتماعية لولي الفقيه.

(أ) طريقة تطبيق الموضوع على المصاديق

الأصل في تطبيق الأحكام الشرعية في مختلف الظروف الزمانية والمكانية يعود إلى المعرفة الصحيحة لموضوع الأحكام؛ لأنه بالمعرفة الدقيقة للموضوعات الأصلية، يمكن للفقيه أولاً تشخيص الفروع المنصوصة في الروايات إذا خرجت عن أصلها في الظروف الحالية، وثانيًا يمكنه، بإرجاع الفروع المستحدثة إلى أصلها، تشخيص حكم تلك المسألة: «إن كانت من الحوادث الواقعة في زمانه، فإن كانت من الجزئيات الداخلة تحت كليات المسائل التي وقع البحث فيها من المجتهدين، فعليه أن يدخل تلك الجزئيات تحت ذلك الكلي» (المحقق الكركي، 1409، 3: 51).

إذن، بعد المباحث المهمة في دراسة الموضوع، تأتي منهجية الموضوع. سبب حاجتنا إلى معرفة الموضوعات الأصلية من النصوص هو أن الأئمة (ع)، على الرغم من أن وظيفتهم الأصلية هي بيان أصول الشريعة: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ وَ عَلَيْكُمُ التَّفريع» (الحر العاملي، 1409، 27: 62)، فقد علموا أيضًا كيفية تفريع الفروع وإرجاعها إلى الأصل المعني.

كما أنهم في الفروع المتعددة التي كانت تحدث للمسلمين في أزمنة وأمكنة مختلفة ويُسألون عنها، كانوا يفرعون الفرع من الأصل وبناءً على الأصول المعنية، يجيبون على حكم الفرع المطلوب.

على سبيل المثال، الإمام الصادق (ع) في رده على صحة اشتراط بعض الشروط ضمن العقد، بناءً على هذا الأصل أن كل شرط يخالف الكتاب فهو باطل، أجاب على الفرع المطلوب: «لأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ الْكِتَابَ فَهُوَ بَاطِلٌ» (أبو جعفر الطوسي، 1407، 7: 67).

النبي الأكرم (ص) في رده على سؤال في حكم النبيذ، بعد طرح أسئلة لمعرفة الموضوع، بالتمسك بأصل «كل مسكر حرام» في السؤال المطروح، أجاب: «أ فيسكر؟ فقالوا: نعم، قال: كل مسكر حرام» (النجفي، 1404، 6: 22).

أو في كثير من الحالات، أجاب الأئمة (ع) على الفروع المطلوبة بالنظر إلى أصل «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الكليني، 1407، 3: 33).

بالطبع، لم يشيروا في جميع الحالات في الرد على الفروع المطلوبة إلى الأصل المعني. لذا، فإن الوصول إلى الأصول في هذه الحالات يتطلب اجتهاد الفروع المتعددة المنصوصة.

على سبيل المثال، الإمام الباقر (ع) في رده على سؤال حول زواج عبد تزوج دون إذن مولاه، بهذا الاستدلال أنه قام بأمر حلال وهو أيضًا يستلزم عصيان مولاه، اعتبر زواجه صحيحًا بإذن المولى: «إِنَّمَا أَتَى شَيْئاً حَلَالًا وَلَيْسَ بِعَاصٍ للهِ وَ إِنَّمَا عَصَى سَيِّدَهُ» (أبو جعفر الطوسي، 1407، 7: 351).

بالنظر إلى الرواية، يمكن الوصول إلى هذا الأصل: نهي المولى عن المعاملات لا يوجب بطلانها.

الأوضاع الحالية من توسع المجتمع وتقدم وسائل الاتصال، تخلق علاقات جديدة في الساحة الاجتماعية الإنسانية، وهذه العلاقات بأدوات جديدة، تخلق موضوعات جديدة تتطلب حكمًا شرعيًا لتنظيم العلاقات الحقوقية والسياسية والاجتماعية الجديدة.

الخاتمة

دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد عند الإمامية، بناءً على نظرية الاعتدال، يعني أن الأحكام الفقهية ليست تابعة تمامًا لظروف الزمان والمكان، وليست ثابتة في جميع الأزمنة والأمكنة؛ بل الأحكام الكلية فوق-زمانية ومكانية، وهي ثابتة، وبعض الأحكام الجزئية متغيرة، بهدف الحفاظ على تلك الثوابت. هذا التغيير في الأحكام في عملية الاجتهاد عند الإمامية يكون في مقامين:

أولاً: مقام ماهية الموضوع: هذا المقام هو مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي، حيث يتم تعيين وتحديد ماهية الموضوع. في استنباط الحكم الشرعي الفرعي، يقوم الفقيه، بالإضافة إلى معرفة الماهية، العنوان، القيود، الملاك، وأجزاء الموضوع المنصوص، وبالالتفات إلى ظروف صدور ذلك النص، والموضوع الخارجي في زمن الاستنباط واستخراج الحكم، بإرجاع الموضوع الخارجي في زمن استنباط الحكم إلى الموضوع الأصلي المنصوص، ويطبقهما، ثم يستنبط حكمه؛ لأن العلاقة بين الحكم والموضوع كالعلاقة بين السبب والمسبب، حيث يكون الموضوع بالنسبة للحكم بمثابة السبب. لموضوع الحكم الشرعي مرجع معرفي مختلف، وبحسب نوع الموضوع، يختلف مرجع معرفتها أيضًا: إذا كان موضوع الحكم الشرعي مثل الصلاة، شرعيًا تمامًا، فإن مرجع معرفته هو الشرع. أو إذا كان موضوعًا عرفيًا، فإن مرجع معرفته هو العرف. أو إذا كان موضوعًا شرعيًا-عرفيًا، فإن مرجع معرفته هو الشرع والعرف. إذا كان الموضوع أمرًا قضائيًا أو سياسيًا، إداريًا أو أمنيًا، فإن مرجع معرفته هو نفسه. على أي حال، يختلف مرجع معرفة الموضوع باختلاف نوع الموضوع.

ثانياً: مقام تطبيق الموضوع الكلي على مصداقه: في مقام الماهية، يُعرف الموضوع كقضية كلية من قبل الفقيه؛ أما في مقام التطبيق، فيُطبق هذا الموضوع الكلي على المصاديق الخارجية. إذا كان المصداق الخارجي للموضوع يتعلق بعلاقات الأفراد مع الله، مثل تحديد نقطة بداية ونهاية الأربعة والثمانية فراسخ، فإن هذا التطبيق للموضوع على المصداق هو وظيفة المكلف. إذا كانت مصاديق الموضوع الكلي مرتبطة بعلاقات الأفراد مع بعضهم البعض، مثل كون الشيء مكيلاً وموزونًا أو حريم القرى، فإن هذا التطبيق هو وظيفة الناس والعرف العام. إذا كانت المصاديق من الأمور السياسية، القضائية، الأمنية، أو غيرها، في الحالات التي يكون فيها الحاكم الشرعي مبسوط اليد، فهي من وظيفة الحاكم الشرعي؛ لأنه بالإضافة إلى أن ولاية الفقيه لها بعد تنفيذي وحاكمي، فإن تطبيق هذه الموضوعات على مصاديقها خارج عن قدرة الأفراد العاديين. بناءً على ذلك، في الحقيقة، الأحكام ثابتة، وما يتغير هو تغير المصاديق الخارجية للموضوع في ظروف الأزمنة والأمكنة المختلفة.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

  1. الأصفهاني، الحسين بن محمد الراغب (1412هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، لبنان – سوريا: دار العلم – الدار الشامية، الطبعة الأولى.
  2. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1428هـ)، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة التاسعة.
  3. الآذري القمي، أحمد (1373ش)، شئون وشرائط رهبري ومرجعيت، قم: مكتبة ولاية، الطبعة الأولى.
  4. آل الفقيه العاملي، ناجي طالب (1425هـ)، دروس في علم الأصول، ج1، بيروت، الطبعة الأولى.
  5. البروجردي، حسين (1412هـ)، الحاشية على كفاية الأصول، ج2، قم: أنصاريان، الطبعة الأولى.
  6. البروجردي، محمد تقي (1422هـ)، اجتهاد وتقليد، قم: دفتر انتشارات إسلامي (التابع لجامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم)، الطبعة الأولى.
  7. جناتي، محمد إبراهيم، «فقه اجتهادي وإصلاح حوزه‌هاي علميه از ديدگاه امام خميني»، كيهان انديشه، العدد 29، فروردين وأرديبهشت 1369ش.
  8. الحكيم، محمد تقي بن محمد سعيد (1418هـ)، الأصول العامة في الفقه المقارن، قم، الطبعة الثانية.
  9. الخميني، السيد روح الله الموسوي (1415هـ)، المكاسب المحرمة، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.
  10. __________ (1376ق)، كتاب الطهارة، قم: چاپخانه حكمت، الطبعة الأولى.
  11. __________ (1418هـ)، الاجتهاد والتقليد، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.
  12. الخوئي، السيد أبو القاسم (1417هـ)، مصباح الأصول، (تقريرات الخوئي، للسيد محمد سرور الواعظ الحسيني)، قم: الداوري، الطبعة الخامسة.
  13. السبحاني التبريزي، جعفر (1424هـ)، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول (تقريرات حاج عاملي محمد حسين)، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
  14. الصدر، محمد باقر (1417هـ)، بحوث في علم الأصول (تقريرات حسيني شاهرودي محمود)، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الثالثة.
  15. الطوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن (1407هـ)، تهذيب الأحكام، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة.
  16. العاملي، الحر، محمد بن حسن (1409هـ)، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى.
  17. الفاضل المقداد، مقداد بن عبد الله (1361ش)، نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الأولى.
  18. الكجوري الشيرازي، محمد مهدي (1380ش)، الاجتهاد والتقليد، قم: النهاوندي، الطبعة الأولى.
  19. الكركي، المحقق الثاني، علي بن حسين (1409هـ)، رسائل المحقق الكركي، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي ودفتر النشر الإسلامي، الطبعة الأولى.
  20. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (1407هـ)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة.
  21. الكلبايكاني، محمد رضا (1383ش)، الهداية إلى من له الولاية، تدوين أحمد صابري همداني، قم: دار القرآن الكريم.
  22. المطهري، مرتضى (1366ش)، إسلام ومقتضيات زمان، طهران: صدرا.
  23. المظفر، محمد رضا (1387ش)، أصول الفقه، قم: بوستان كتاب، الطبعة الخامسة.
  24. المغربي، أبو حنيفة نعمان بن محمد التميمي (1385هـ)، دعائم الإسلام، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الثانية.
  25. النائيني، محمد حسين (1376ش)، فوائد الأصول (تقريرات كاظمي الخراساني محمد علي)، قم: جامعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الأولى.
  26. النجفي، محمد حسن (1404هـ)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة السابعة.
  27. النوري، الميرزا حسين (1408هـ)، مستدرك الوسائل، بيروت: مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى.
  28. يوسفي، رضا خدابخش (1386ش)، ثابت ومتغير در دين با تأكيد بر ديدگاه امام خميني وشهيد مطهري، قم: جامعة المصطفى العالمية.
Scroll to Top