المستخلص
طُرحت آراء متعددة حول علة تكرار القصص في القرآن، منها ما يرجع إلى الإعجاز البياني، أو استكمال الصور والمشاهد لقصة ما، أو التأكيد بهدف زيادة التأثير وجذب المخاطب من خلال المعالجات المتنوعة للقصة الواحدة. إلا أن هذه الآراء تواجه تحديات. إن التأمل في الموضوعات الرئيسة للسور، لا سيما الأجواء الاجتماعية والنفسية لنزولها، وسياق الآيات، ومقارنة المعالجات المختلفة للقصة الواحدة في السور المتعددة، يُظهر أن الهدف الأساس من التكرار المتفاوت للقصص هو توظيفها بما يتناسب مع هدف كل سورة. ومن هذه القصص قصة قوم ثمود. وقد وردت هذه القصة في 21 سورة، اثنتان منها مدنيتان والباقي مكية. نزلت هذه القصة في فترات زمنية متفاوتة وبالنظر إلى الظروف المختلفة التي مر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون وأعداء الإسلام، ولكل مورد منها هدف مستقل. ومن هذه الأهداف: التحذير الشديد للمشركين والمنافقين ومكذبي الآيات والتعاليم الإلهية في مواقف شتى، وتسلية النبي والمسلمين في الظروف العصيبة، وطرح وتعليم المعارف المهمة في معرفة الله والمعاد، وبيان السنن الإلهية، والرد على المشركين والدفاع عن دعوة التوحيد. وقد ذُكرت قصة ثمود وأجزاؤها المختلفة في السور ووُظّفت بما يتناسب مع هذه الأهداف.
طرح المسألة
تكررت طائفة من قصص القرآن مراراً بمشاهد وألفاظ متفاوتة في سور مختلفة. وحول علة هذا التكرار الذي طالما كان مثاراً للتساؤل، وُجدت آراء متنوعة. فذهب البعض إلى أنه مظهر من مظاهر الإعجاز البياني للقرآن، وقالوا إن إيراد قصة واحدة ببيانات متنوعة دون تغيير في الرسالة والمعنى، وعجز الآخرين عن الإتيان بمثل هذا البيان المتنوع، هو دليل على كون القرآن معجزة. (السيوطي، ١٤١٦هـ، ج٢، ص١٨٣؛ الخميني، ١٣٦٢، ج٤، ص٥١٠؛ البغدادي، د.ت، ص٢٣٢) إن قبول أصل إشكالية التكرار، ووجود تفاوت في رسالة المعالجات المختلفة للقصة الواحدة وعدم تطابقها، يمثل تحدياً أمام هذا الرأي.
وذهب آخرون إلى أن الهدف الرئيس من تكرار القصص هو استكمال الصور والمشاهد، وزيادة قدرة المخاطبين على التصور والتجسيد من خلال إيراد عناصر جديدة تتناسب مع سياق عرض كل قصة. (الحسيني، ١٣٧٧، ص٥٣) إن إعطاء الأصالة لبعض الأساليب الشائعة في القصص الفنية وتطبيقها على قصص القرآن، وعلة عدم استخدام هذا الأسلوب في جميع قصص القرآن، وعدم انسجامه مع الهدف الهدايتي للقرآن، هي من التحديات التي تواجه هذا الرأي. وتوضيح ذلك أن الأساليب الشائعة في القصص الفنية لا موضوعية لها في القرآن بحد ذاتها؛ فالغرض الأساس للقرآن هو توظيف القصة ومشاهدها المختلفة في سياق أهدافه التعليمية والتربوية، وكل معالجة لقصة ما، وإن لم تكن كاملة، تحقق بمفردها الهدف المنشود من القرآن. وبالطبع، من خلال ضم المعالجات المختلفة لقصة واحدة، تتكون صورة كاملة لها. وهناك رأيان آخران في هذا المجال يعتبران التكرار أسلوباً تربوياً يهدف إلى التأكيد وزيادة التأثير، ويريان عدم جدوى الإيجاز في هذا السياق، (السيوطي، ١٤١٦هـ، ج٢، ص١٨٣؛ الخميني، ١٣٦٢، ج٤، ص٨٤) واستخدام معالجات متنوعة لجذب المخاطب أكثر وتجنب إصابته بالملل. (السيوطي، ١٤١٦هـ، ج٢، ص١٨٤)
والإشكال على هذين الرأيين أن التكرار بهدف التأكيد لزيادة التأثير، وكذلك جذب المخاطب، يمكن طرحه أيضاً بشأن تعاليم قرآنية أخرى، ولا ينبغي أن يقتصر على القصص، ولو صح هذا الفرض، لوجب تكرار التعاليم الأخرى بالقدر نفسه وجذب المخاطبين، في حين أن التكرار لم يحدث بشأن معظمها.
وهناك رأي خامس يرى أن التكرار يتناسب مع بيان أهداف متنوعة، وبيان السنن والقوانين الأخلاقية والتاريخية، وربطها بأحداث المجتمع الإسلامي والمفاهيم الدينية (حكيم، ١٤١٧هـ، ص٣٦٦). وقد طُرح هذا الرأي بشكل كلي ومجمل. وأصل هذا الرأي مقبول، لكنه يفتقر إلى إطار نظري محدد وواضح ومبيّن، والأهم من ذلك أنه لم يتم بحثه وتطبيقه على أي من قصص القرآن بشكل خاص.
الفرضية
إن التأمل في الموضوع أو الموضوعات الرئيسة للسور، خاصة أجواء نزولها، وسياق آياتها، ومقارنة المشاهد والعناصر المختلفة لقصة واحدة في السور المتعددة، يُظهر أن الهدف الأساسي من التكرار المتفاوت، وأحياناً المتطابق نسبياً، للقصص، هو توظيفها بما يتناسب مع الهدف الرئيس للسور. وبناءً على هذا الرأي، فإن كل سورة نزلت بالنظر إلى ظروف وأحداث اجتماعية ودينية وفكرية ونفسية خاصة، ولها هدف تعليمي وتربوي واحد، وجميع آيات السورة الواحدة، رغم تنوع موضوعاتها، ترتبط بالهدف الرئيس للسورة. وعلى هذا الأساس، وبناءً على الهدف المختلف لكل سورة، فإن المشاهد المنتقاة لقصة ما لكل سورة، وكذلك نوع المعالجة، والعناصر الرئيسة، والألفاظ، ودرجة الإيجاز والتفصيل في تلك القصة، كلها منسجمة تماماً مع هدف تلك السورة، وتختلف مقارنة بالسور الأخرى. وبناءً على هذا الرأي، حتى لو تكررت قصة ما بشكل مطابق تماماً، فلا يمكن الاعتراض على القرآن؛ لأنه بالنظر إلى اختلاف الهدف التعليمي والتربوي لسورة ما، فإن القصة قد استُخدمت بدقة لتبيين ذلك الهدف وتناسبه، وتم إبراز هذا الجانب منها.
خلفية البحث
لم يُعثر على بحث يتناول الدراسة الوظيفية لتكرار قصص القرآن مع التأكيد على ترابط آيات السور في الهدف، خاصة مع دراسة حالة كاملة لإحدى القصص. بالطبع، أشار عدد من المفسرين، لا سيما المعاصرين، في مباحث مثل أهداف ومقاصد السور، ووحدة الموضوع في السور، وتناسب الآيات والسور، إلى مسائل متفرقة وكلية حول هذا الموضوع. ورغم أن مبحث أهداف ومقاصد السور يعد من المباحث الجديدة في التفسير، إلا أن المفسرين القدامى أشاروا إليه بشكل كلي وعابر (الزركشي، ١٤١٠هـ، ج١، ص١٣٢؛ الشاطبي، د.ت، ج٣، ص٢٤٩-٢٥٤). ومن بين المفسرين المعاصرين، تبنى هذا الموضوع وتابعه محمد عبده، وسيد قطب، والعلامة الطباطبائي، ومصطفى المراغي، وابن عاشور، ومحمد هادي معرفت، ومكارم الشيرازي، وجوادي آملي، وآخرون. (الخالدي، ١٤١٨هـ، ص٩٥؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١: ص١٦؛ شحاتة، ١٩٩٨، ج١: ص٦ وج٦: ص٤٢٢)
ضرورة البحث
لقد كان الأسلوب الخاص بالقرآن في بيان المعارف، وخاصة في رواية القصص، مثيراً للتساؤل دائماً؛ لدرجة أن البعض، ومنهم عدد من المستشرقين، بنظرة سطحية، اعتبروا سور القرآن غالباً فاقدة للنظم والانسجام المنطقي، وتحدثوا عن تفككها وتشتتها (بلاشير، ١٣٧٨، ص٣٠١؛ غولدزيهر، ١٣٥٧، ص٢٩). إن الدراسة الوظيفية لقصص القرآن بالتأكيد على الترابط الداخلي للسور على أساس الهدف يمكن أن تكون إجابة لهذه التساؤلات والتحديات، وتكشف عن الترابط المنطقي والداخلي لآيات كل سورة، وسبب الرواية المنتقاة والهادفة وغير الخطية للقصص، والمشاهد الخاصة، سواء كانت موجزة أو مفصلة، مسجعة أو غير مسجعة، وعدم الخوض في التفاصيل، وعدم مراعاة الترتيب والتسلسل التاريخي في روايتها، وكثير من الفروق الأخرى بين قصص القرآن والقصص والروايات البشرية الشائعة.
التعريف بقوم ثمود
ثمود هو اسم قوم صالح عليه السلام، من القبائل البائدة الشهيرة ومن طبقة العرب «العاربة» (= العرب الذين سكنوا شبه الجزيرة قبل مجيء إسماعيل عليه السلام) و«البائدة» (= المنقرضة) (الطبري، ١٤٠٣هـ، ج١، ص١٤١). عاش قوم ثمود قبل إبراهيم عليه السلام. وبناءً على رواية التوراة (الكتاب المقدس، خروج ٢: ١٦-٢٢)، وبعض الآيات (راجع: القصص: ٢١-٢٣)، والأحاديث (الصدوق، ١٣٧٦، ص٤٤٢)، والروايات التاريخية والتفسيرية (ابن الأثير، ١٤٠٧هـ، ج١، ص٢١٧؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٠، ص٣٧٣)، كان شعيب عليه السلام معاصراً لموسى عليه السلام، وفي إنذاره لقومه أشار إلى مصير قوم نوح وهود وصالح (ثمود) ولوط (هود: ٨٩). وبالنظر إلى معاصرة لوط عليه السلام لإبراهيم عليه السلام، يتضح أن صالحاً عليه السلام وقوم ثمود كانوا قبل إبراهيم عليه السلام.
لم يذكر القرآن صراحة موطن ثمود، لكن غالبية المؤرخين (اليعقوبي، د.ت، ج١، ص٢٢؛ الطبري، ١٤٠٣هـ، ج١، ص١٣٩) والمفسرين، بتطبيقهم «أصحاب الحجر» (الحجر: ٨٠-٨٣) على قوم ثمود، اعتبروا موطنهم أرض «الحِجْر» (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج٦، ص١٢٧). تحكي هذه الآيات عن حياة كلا المجموعتين في بيوت منحوتة في الجبال والصخور، وإهلاكهم بصيحة سماوية (الحجر: ٨٠-٨٣؛ هود: ٦٧؛ الشعراء: ١٤٩). الروايات التاريخية (الطبري، ١٤٠٣هـ، ج١، ص١٣٩) ورواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت أساس هذا التطبيق (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج٥، ص٢٩٩). وبناء على هذه الرواية، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريقه إلى غزوة تبوك الواقعة على حدود الشام (سنة ٩ هجرية)، أشار إلى الآثار الباقية من أرض «الحِجْر»، ووصفها بأنها ديار قوم صالح عليه السلام الملعونة. تقع «الحجر» في شبه الجزيرة العربية (الطبري، ١٤٠٣هـ، ج١: ص١٣٩)، وهذا ما تؤكده معرفة قريش بأرض ثمود ومرورهم بجانب أطلالها الباقية (العنكبوت: ٣٨؛ طه: ١٢٨).
تمتد مدينة الحجر من أطرافها إلى تيماء، ودومة الجندل، وغلاء، وتبوك، ووادي القرى، والبحر الأحمر (البكري، ١٩٩٢، ص٥٩٧؛ الحموي، ١٩٩٥، ج٢، ص٢٢١). ويطلق الأعراب البدو على الحجر اسم مدائن صالح عليه السلام. تبعد مدائن صالح عن طريق خيبر إلى المدينة في الجنوب الشرقي ٣٥٦ كم، ومن خيبر والمدينة إلى مدينة جدة الساحلية ٧٨٠ كم، وإلى مدينة الرياض عاصمة السعودية ١٣٧١ كم. (شوقي، ٢٠٠٣، ص٢٠٤ و٢١٤؛ القثامي، ١٤١٢هـ، ص١٦١)
الدراسة الوظيفية لتكرار قصة ثمود
ورد اسم قوم ثمود ٢٦ مرة في ٢١ سورة من القرآن (على سبيل المثال: الأعراف: ٧٣؛ هود: ٦٨ و٩٥؛ فصلت: ١٣ و١٧؛ ق: ١٢). وذُكروا مرتين أيضاً بعنوان «قوم صالح» و«أصحاب الحجر» (هود: ٨٩؛ الحجر: ٨٠). معظم هذه السور مكية، وسورتا الحج والتوبة فقط مدنيتان. نزلت هذه السور في فترات زمنية متفاوتة، وبالنظر إلى الظروف الاجتماعية والنفسية-الروحية والدينية المختلفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وأعداء الإسلام، وكان لكل منها هدف مستقل. سيتم دراسة أهداف هذه السور تباعاً حسب الترتيب الذي ذكره آية الله معرفت لنزول السور، وتطبيقها على قصة قوم ثمود.
1. التحذير الشديد من عاقبة التمرّد والإفساد
وردت قصة قوم ثمود لأول مرة في سورة الفجر (عاشر سورة مكية) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٥). يقسم الله في بداية السورة قسماً عظيماً بأنه للمطغاة والمفسدين بالمرصاد، وأنه سيعذبهم عذاباً شديداً وسريعاً، ويرى أن هذا القسم بليغ ورادع لأولي الألباب (الفجر: ١-٥ و١٤). ثم يذكر ثلاث أمم قوية جداً: عاد وثمود وفرعون، الذين أُهلكوا بعذاب إلهي بسبب طغيانهم وإفسادهم: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ… وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ… الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ» (الفجر: ٦-١٣). هذه السورة، دون ذكر التفاصيل، وإلى جانب البيان الكلي لسبب هلاك الأقوام المذكورة، تؤكد على أبرز رمز لقوتهم وعظمتهم، مثل بيوت ثمود الحجرية شديدة الإحكام في قلب الصخور، وعدم جدواها أمام العذاب الإلهي. القسم المذكور وهذا التصوير الكلي هو تحذير شديد لمشركي مكة وغيرهم بأنهم إذا طغوا وأفسدوا، فسيلاقون مصير الأقوام المذكورة. خاصة وأنهم أضعف منهم بكثير (الفخر الرازي، د.ت، ج٣١، ص١٦٧؛ الطنطاوي، ١٤١٢هـ، ج١٥: ص٣٨٨). وأسلوب الاستفهام في الآيات ٦-١٣ يدل على أن مشركي قريش كانوا على علم بمصير تلك الأقوام، وهذا يزيد من تأثرهم بمصيرهم. (دروزة، ١٣٨٣، ج١، ص٥٣٤)
2. التوحيد في الربوبية
الذكر الثاني لثمود جاء في سورة النجم (السورة المكية الثالثة والعشرون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٥). يرى البعض أن نزولها كان في شهر رمضان من السنة الخامسة للبعثة (البروسوي، ١٤٢١هـ، ج٩، ص٢٠٨). الهدف الرئيس للسورة، بما يتناسب مع الأجواء الفكرية والدينية لمكة، هو تبيين مسائل مهمة من الأصول الاعتقادية الثلاثة: التوحيد، النبوة، المعاد، مصحوبة بتهديدات قوية وتحذيرات متكررة لتنبيه المشركين. آيات هذه السورة القصيرة، بإيقاعها الخاص، إلى جانب الأقسام المختلفة في بدايتها، تترك أثراً عميقاً في المخاطب (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٦: ص٣٤٠٥؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٩: ص٢٦). نفي نسبة الضلال والخطأ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتأكيد على وحيانية تعاليمه، ونفي دور الأصنام في تدبير الكون، والتأكيد على التوحيد في الربوبية ومسألة المعاد، هي المواضيع الرئيسة الثلاثة لهذه السورة (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٩، ص٢٦). ذكر قوم ثمود وغيرهم من الأقوام الهالكة يأتي أيضاً في سياق بيان التوحيد في الربوبية ونفي التصورات الباطلة للمشركين في هذا الشأن. لقد اعتبروا الملائكة بنات الله والمقربين في حضرته، وعبدوا الأصنام كتماثيل للملائكة وللحصول على شفاعتهم. والله بنفيه لهذه التصورات، ينسب تدبير جميع أمور الدنيا والآخرة، بما في ذلك إهلاك الأقوام الظالمة والمتمردة، إلى نفسه (النجم: ١٩-٢٤). (نفس المصدر: ص٤٤)
بناءً على ظاهر الآيات ٣٣ إلى ٣٨، وكذلك الروايات التفسيرية، كان أحد مسلمي مكة ينفق في سبيل الله. فلامه البعض وخوفوه من نفاد ماله والفقر، وقالوا له إنه إذا امتنع عن الإنفاق، فسيتحملون وزره. وقد وصف القرآن هذا التصور بالخطأ، وفي بيان التوحيد الربوبي، نسب تدبير جميع أمور الخلق، بما في ذلك الفقر والغنى، وكذلك إهلاك الأقوام المختلفة مثل قوم نوح وعاد وثمود، إلى الله (النجم: ٣٣-٥٤) (نفس المصدر). وهنا، دون الإشارة إلى تفاصيل القصة، نُسب هلاك جميع كفار قوم عاد وثمود كنموذج للربوبية التوحيدية إلى الله: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودًا فَمَا أَبْقَى» (النجم: ٥٠-٥١)، وفي συνέχεια، يتوجه الكلام إلى مشركي مكة ويؤكد على أن جميع الحالات المذكورة حول التوحيد في الربوبية، بما في ذلك إهلاك جميع كفار ثمود، قد وردت في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتعاليمه، رغم غرابتها وإنكار المشركين، هي كامتداد لأولئك الأنبياء وتعاليمهم وليست بظاهرة جديدة.
3. الذنب، عامل الشقاء والتعاسة للإنسان
في سورة الشمس (السورة المكية السادسة والعشرون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٥)، ذُكر قوم ثمود كنموذج لأناس ابتلوا بالتمرد والشقاء بسبب تلوثهم بـ«الفجور» و«عدم التقوى»، وحُرموا من الفلاح. بناءً على هذه السورة، عند خلق الروح البشرية (النفس)، أُعطي الإنسان نوعاً من المعرفة المتعلقة بـ«التقوى والفجور» (الطباطبائي، ١٣٧١، ج٢٠، ص٢٩٧). ويقسم الله في بداية السورة أحد عشر قسماً بأن من يسعى لتزكية نفسه بناءً على تلك المعرفة وباختياره الحر للتقوى، يصل إلى الكمال الإنساني ويفلح، ومن يفسد قدراته الروحية بسبب التلوث بـ«الفجور» ويُحرم من الوصول إلى الكمال، يصبح نادماً ويائساً (الشمس: ٧-١٠). ثم يُشار إلى قصة قوم ثمود كنموذج لكيفية ابتعادهم عن تهذيب النفس بسبب الطغيان وتكذيب آيات الله، وابتلائهم بالشقاء الأبدي: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا» (الشمس: ١١-١٤) (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٦: ٣٩١٧؛ مكارم الشيرازي، ١٣٧٥، ج٢٧، ص٤٥). هذه السورة، مقارنة بسورة الفجر، تقدم بيانات أكثر عن طغيان وشقاء قوم ثمود، وتقول: قال لهم نبي الله (صالح) إن الناقة آية الله، فراعوا حصتها من الماء ولا تؤذوها، لكن ثمود، رغم هذه المعرفة، كذبوا نبي الله، وبواسطة أشقى أفرادهم، عقروا ناقة صالح، فعذبهم الله بسبب ذنبهم وسواهم بالأرض. بيان قصة قوم ثمود في هذه السورة هو أيضاً تحذير لمشركي مكة لئلا يقعوا في مصير قوم ثمود بتكذيبهم للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. (الطباطبائي، ١٣٧١، ج٢٠: ص٢٩٦)
4. تحذير جدي لمشركي مكة المعذِّبين
عندما كان المسلمون يواجهون أشد أنواع التعذيب والإيذاء من مشركي مكة، نزلت سورة البروج (السورة المكية السابعة والعشرون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٥). في ذلك الوقت، بدأ المشركون بمواجهة الإسلام والمسلمين بعنف وشدة. سورة البروج، التي تحكي قصة حرق جماعة من المؤمنين في أخدود من النار بسبب إيمانهم بالله، تدعو المؤمنين إلى الصبر والثبات من خلال تصوير أحد أروع مشاهد صراع الكفر والإيمان، وتنذر وتبشر من خلال رسم مصير ومآل الكفار المعذبين السيئ، وجزاء ومآل المؤمنين الحسن جداً (البروج: ١-١١).
قصة الأخدود، كواحدة من أشد مواجهات الكفار مع المؤمنين، ربما تُعتبر فريدة من نوعها، وقد ألقت الرعب في قلوب المؤمنين، لذا فإن الآيات التالية المتعلقة بالحادثة ورسالة السورة الكلية، هي بمثابة تأكيد وتقرير للإنذار والتبشير في الآيات السابقة. لهذا السبب، وُصف انتقام الله وعقاب الكفار بأنه أشد: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» (البروج: ١٢) (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج١٠: ص١٠؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج٢٠، ص٢٥٢). ويبدو أن الآيات ١٥-١٨ تجيب على هذا السؤال المحتمل الناشئ من القصة: لماذا، خلافاً للعديد من صراعات الكفر والإيمان المروية في القرآن، لم يُعذب الكفار ولم ينجُ المؤمنون؟ لذلك، يتحدث القرآن عن كون الله «فعال لما يشاء» بناءً على حكمته: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» (البروج: ١٦)، حيث تتعلق مشيئته أحياناً بنجاة المؤمنين مثل بني إسرائيل، وسيطرتهم لبعض الوقت، وعذاب فرعون وجنوده في هذه الدنيا، وأحياناً بهلاك جميع كفار قوم ثمود ونجاة جماعة المؤمنين: «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ» (البروج: ١٧-١٨). وأحياناً تقتضي مشيئته قتل المؤمنين، وانتصار الكفار الظاهري، وإمهالهم إلى يوم القيامة (الطبرسي، ١٤١٥، ج١٠، ص: ١٠؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج٢٠، ص٢٥٢). إن إدراك هذه الحقيقة، وهي أن جميع الأحداث المذكورة بنتائجها المختلفة تقع بإرادة الله الحكيمة، يبعث على الطمأنينة في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ويجعلهم راضين بقضائه.
5. تحذير لمنكري المعاد
الموضوع المحوري لسورة «ق» هو مسألة المعاد. في بداية السورة (الرابعة والثلاثون من السور المكية) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦)، يُنقل كلام مشركي مكة حول عدم تصديقهم لإحياء الموتى بعد أن يصبحوا تراباً، ثم لإثبات المعاد، تُذكر مظاهر مختلفة من قدرة الله اللامتناهية، ويُشبّه إحياء الأرض الميتة بعد نزول المطر بإحياء الموتى وخروجهم من تحت التراب (ق: ٣، ٦، ٩-١١) (الطوسي، د.ت، ج٩، ص٣٥٨-٣٦١؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٨، ص٣٣٧). وفي συνέχεια، بهدف تحذير المنكرين وتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يُذكر أقوام مثل ثمود الذين هلكوا وعُذبوا بسبب تكذيبهم للأنبياء ومسألة المعاد: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَ…» (ق: ١٢-١٤). هذه السورة أيضاً، دون ذكر تفاصيل، تشير فقط إلى تكذيب الأقوام السابقة وتحقق وعد العذاب الإلهي بشأنهم.
6. تهديد وتحذير جدي لمكذبي معجزة شق القمر
سورة القمر هي السورة المكية السابعة والثلاثون (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، وباستثناء الآيتين الأخيرتين، فهي مخصصة لتهديد مشركي مكة، وقد نزلت في أعقاب تكذيب معجزة شق القمر (الطوسي، ١٤١٥هـ، ج٩: ص٤٤٣؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٩: ص٥٥). لقد وردت مواضيع هذه السورة في سور مكية مختلفة، لكن هذه السورة، بلهجة قاطعة وقوية وموزونة، ترويها بطريقة تثير في المخاطب هلعاً شديداً. نزول هذه السورة كان بعد تكذيبات متكررة للنبي الأكرم وعدم تأثر المشركين بالإنذارات السابقة؛ لدرجة أن الله يطلب من النبي الأكرم أن يكف عن إنذارهم ويدعهم إلى يوم القيامة (القمر: ١-٨). في بداية السورة ونهايتها، يُروى مشهدان من مشاهد عذاب مكذبي الأنبياء يوم القيامة، وبينهما، ضمن رواية موجزة ولكنها أوضح وأكثر تفصيلاً من السابق عن أقوال أقوام مثل ثمود في تكذيب أنبيائهم، ومعجزاتهم وإنذاراتهم، ونوع ومشاهد عذابهم المؤلمة. في نهاية رواية مشاهد عذاب كل قوم، ومع تكرار جملة: «فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ»، يتم التذكير بأثر آيات القرآن: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (القمر: ٩-٤٠). (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٦: ص٣٤٢٤).
في هذه السورة، تم إبراز ذرائع الأقوام المذكورة في تكذيب أنبيائهم ومشهد عذابهم. ومنهم قوم ثمود الذين اعتبروا اتباع صالح عليه السلام، لكونه بشراً مثلهم وفاقداً للثروة والمكانة الاجتماعية، ضلالاً وجنوناً محضاً، وتساءلوا كيف أن الوحي ينزل عليه هو من بينهم، ووصفوه بسبب هذا الادعاء بالكذاب الأشر، الذي يريد أن يتعالى عليهم بادعاء النبوة: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ» (القمر: ٢٣-٢٥). إن أقوال ثمود الباطلة في تكذيب صالح عليه السلام تشبه إلى حد بعيد ما كان يقوله مشركو قريش في تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد اعترضوا هم أيضاً على بشريته، وقالوا: كيف يكون هذا نبياً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لماذا لم ينزل معه ملك للإنذار؟ (الفرقان: ٧) كما قالوا: لماذا لم ينزل القرآن على رجل عظيم وثري من مكة أو الطائف (الزخرف: ٣١)، بل نزل على رجل فقير فاقد للمكانة الاجتماعية البارزة؟
ثم يروي، دون ذكر تفاصيل، إعطاء معجزة الناقة لصالح عليه السلام، وتوصيته بالصبر والانتظار، وإخباره لثمود بتقسيم الماء بينه وبين الناقة، وتآمرهم على قتل ناقة صالح: «إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ» (القمر: ٢٧-٢٩). ثم بجملة واحدة مؤثرة، يصف الإنذارات والعذاب الإلهي بشأن ثمود بأنه شديد، ويجسده في جمل قصيرة للمخاطب: «فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ» (القمر: ٣٠-٣١). في هذه السورة، يتم رسم اسم عذاب قوم ثمود وذروة عجزهم أمام العذاب، وصورتهم المثيرة للشفقة، لزيادة التأثير في المخاطب، وباستخدام هذا المشهد وتأثيره، يدعو المخاطبين إلى التذكر والاعتبار: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (القمر: ٣٢).
7. تسلية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
نسبة السحر والكذب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل المشركين، واستغرابهم من دعوته إلى التوحيد ونفي تعدد الآلهة، واعتبارهم هذه الدعوة غير مسبوقة، وتوصية بعضهم بعضاً بالصمود والمقاومة الشديدة على دين الشرك، كانت سبباً آخر لحزن ذلك النبي. فالله، لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يرجع سبب هذه المواجهات إلى تقصير القرآن في بيان المعارف، بل إلى استكبار الأعداء، وأنهم لو رأوا العذاب الإلهي مثل الأقوام السابقة، لاعترفوا بحقانية القرآن. ثم يُشبّه المشركون بالجماعات التي تشكلت في الماضي والتي هلكت في سبيل عداوة أنبيائها. وهؤلاء أيضاً يُهلكون بصيحة سماوية واحدة: «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * … كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ» (ص: ١-٨، ١٢-١٥). (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٧، ص١٨١)
سورة «ص» هي السورة المكية الثامنة والثلاثون (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦). وقد ذكروا أن آياتها الأولى تتعلق بجماعة من المشركين بقيادة أبي جهل، طلبوا من أبي طالب أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدعوة إلى التوحيد وذم آلهتهم، وعندما أصر النبي على دعوته، انصرفوا عنه (ص: ٢-٨) (مقاتل، ١٤٢٣هـ، ج٣، ص١١٣؛ الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج٨: ص٣٤٢). الهدف الرئيس للسورة هو تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوصيته بالصبر أمام أقوال المشركين الباطلة. لذلك، من جهة، دون أي رواية عن الأقوام السابقة ومنهم ثمود، أُشير فقط إلى تكذيبهم للأنبياء وهلاكهم، ولكن في المقابل، تم بيان وتفصيل ابتلاءات ومساعدات وألطاف الله المتنوعة لعدد من الأنبياء (ص: ١٧-٤٩). ومن جهة أخرى، تم رواية المآل الحسن للمتقين ونعم الله المتنوعة لهم في الآخرة، والمآل السيئ وعذاب الطغاة في جهنم بهذا الهدف (ص: ٤٩-٦٤). وبالتأكيد، كل هذه الأمور كانت تبعث على السكينة وتقوي قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
8. أفضل الردود على المكذبين
هدف سورة الفرقان (السورة المكية الثانية والأربعون) هو الدفاع عن حقانية دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن. لذلك، تم التركيز بشكل خاص على الرد على طلبات المشركين وشبهاتهم وتهمهم الباطلة واستدلالاتهم الواهية في مواجهتهم للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (الطباطبائي، ١٣١٧، ج١٥: ص١٧٣). وفي συνέχεια، يخبر عن عداوة المجرمين لجميع الأنبياء، وأن الله يرد على أقوالهم الباطلة وشبهاتهم وذرائعهم بأفضل وجه، وبعد الموعظة والإنذار وإصرارهم على الكفر، يهلكهم (الفرقان: ٣٣-٣٤). ثم يذكر أقواماً مثل عاد وثمود كنماذج تاريخية للمجرمين المعارضين للأنبياء، الذين أُنزلت لهم الأمثال وأفضل الردود لهدايتهم، لكنهم بعد رفضها والإصرار على الكفر، هلكوا بعذاب إلهي: «وَعَادًا وَثَمُودًا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا» (الفرقان: ٣٨-٣٩) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٥: ص٢٠٥). هذه السورة للإنذار، والتبشير لا يُرى فيها، ودون الخوض في تفاصيل قصة أقوام مثل ثمود، يُذكرون بشكل عابر فقط بأنه على الرغم من أفضل ردود الله على اعتراضاتهم، أصروا على كفرهم وهلكوا بشدة. هذا الموضوع يمكن أن يكون تحذيراً لمشركي قريش بأنهم إذا لم يقبلوا ردود الله الواضحة على شبهاتهم وإشكالاتهم، فسوف يلاقون عذاباً إلهياً مثل الأقوام المذكورة.
9. رد فعل البشر تجاه الدعوة التوحيدية على مر التاريخ
في سورة الأعراف (السورة المكية التاسعة والثلاثون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، من جهة، تُروى قصة العداوة القديمة للشيطان مع الإنسان، ومن جهة أخرى، دعوة الإنسان المستمرة من قبل الأنبياء إلى التوحيد وعصيان الشيطان، كتيارين متضادين ومستمرين في التاريخ. وفي συνέχεια، ضمن رواية نماذج مختلفة من رد الفعل الإيجابي والسلبي للبشر تجاه هذين التيارين في فترات تاريخية مختلفة، يُخبر عن إيمان الأقلية وإنكار الأكثرية، وعاقبة سلوك كل من المجموعتين في الدنيا والآخرة (الأعراف: ١١، ٣٠، ٣٥، ١٧٨) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج٨: ص٦). وقد ذُكر قوم ثمود في هذه السورة أيضاً ضمن هذا الإطار. لهذا السبب، فإن رواية سورة الأعراف عن قوم ثمود تختلف غالباً عن رواية السور الأخرى، وتركز أكثر على تصوير رد فعل قوم ثمود تجاه دعوة صالح عليه السلام. لذلك، بعد بيان دعوة قوم ثمود إلى عبادة الله مع التذكير بنعم الله وإنزال المعجزة والتحذير من عذاب الله، تُروى مواجهة أشراف القوم الكفار مع المؤمنين المستضعفين، وحوارهم حول رسالة صالح، وتأكيد المؤمنين على إيمانهم، وإظهار الكفار لكفرهم، وهلاكهم بعد قتل الناقة وتمردهم. في هذه الآيات المتعلقة بالفترة الوسطى من دعوة حضرة صالح، يبرز ظهور انقسام بين قوم ثمود بعد إيمان جماعة منهم (الأقلية) وصراعهم مع بعضهم البعض (الأعراف: ٧٣-٧٨).
10. إرادة الله القائمة على اختيارية الإيمان
سورة الشعراء هي السورة المكية السابعة والأربعون (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦). بناءً على الآيات الأولى من السورة، فإن حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشديد على إيمان المشركين وما نتج عنه من حزن شديد بسبب عدم إيمانهم، كان سبباً آخر لتسلية ذلك النبي (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٥، ص٢٤٩-٢٥٤). والله، للتخفيف من حزنه وبيان إحدى سننه الإلهية، يقول إنه لو أراد، لاستطاع أن يُخضعهم جميعاً بإنزال آية قاهرة، لكن إرادته الإلهية ليست على أن يؤمن الناس بالإجبار. ثم يخبر عن عدم إيمان معظم المشركين وعذاب المكذبين (الشعراء: ٣-٨)، وكأمثلة تاريخية، يروي جزءاً من سيرة سبعة أنبياء وأقوامهم، منهم صالح عليه السلام وقوم ثمود، ليصور اختيارية الكفر والإيمان. لهذا السبب، فإن العنصر الأساسي لقصص هذه السورة هو حوار الأنبياء مع أقوامهم. في هذه الحوارات المتعلقة ببداية رسالة الأنبياء، ينعكس جيداً منطقية واستدلالية كلامهم وتعاليمهم، وضعف وتعصب كلام ومواقف المعارضين، وفي النهاية، يُروى هلاك الكفار ونجاة مؤمني الأقوام (الشعراء: ١٠-١٥٨). قصة قوم ثمود لها نفس الأسلوب والسياق. في الجزء الأول من الآيات، يدعو صالح عليه السلام قوم ثمود إلى تقوى الله واتباعه، ويصف نفسه بأنه رسول أمين لا يطلب أجراً على رسالته (الشعراء: ١٤١-١٤٥).
في الجزء الثاني، يحذر من عدم جدوى إمكانيات وثروات ثمود، خاصة حدائقهم وبيوتهم في قلب الجبال، أمام عذاب الله، ويدعوهم مرة أخرى إلى تقوى الله واتباعه، وينهاهم عن اتباع المسرفين المفسدين (الشعراء: ١٤٦-١٥٢). الجزء الثالث من الآيات يروي رد قوم ثمود على دعوة ذلك النبي. معظم قوم ثمود وصفوه بالمسحور، غير العاقل، وبشراً مثلهم، وطلبوا منه أن يأتي بمعجزة لإثبات نبوته (الشعراء: ١٥٣-١٥٤). صالح عليه السلام، رداً على طلبهم، أحضر ناقة كمعجزة إلهية وحذر من إيذائها، لكن غالبيتهم (الكفار) أخيراً، بعقر الناقة ورغم ندمهم على فعلتهم، هلكوا في نهاية الموعد المحدد بعذاب إلهي (الشعراء: ١٥٥-١٥٨).
إن رواية الكلام المنطقي والمستدل للأنبياء المذكورين، ومنهم صالح عليه السلام، وردود ومواقف أقوامهم الواهية وغير العقلانية والتعصبية، وإيمان ونجاة الأقلية وكفر وهلاك الأكثرية، في السنوات الأولى لرسالة نبي الإسلام، كان يمكن أن يكون من جوانب متعددة سبباً لتسلية ذلك النبي وأتباعه القلائل، وتحذيراً للمشركين. هذه القصص تظهر جيداً كيف أن الله أتم الحجة على جميع الأقوام، ولم يُجبر أي قوم على الإيمان، وفي النهاية، رغم جهود الأنبياء الكثيرة، اختاروا طريق الكفر، وتصرف مشركو مكة مثلهم.
11. التحذير من مؤامرة قتل الأنبياء
سورة النمل هي السورة المكية الثامنة والأربعون (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦). الهدف الرئيس للسورة، بالنظر إلى الآيات الخمس الأولى والأخيرة (النمل: ١-٥، ٨٩-٩٣)، هو تحذير الكفار والمذنبين، وتبشير المؤمنين الصالحين (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٥: ص٣٣٩). قصة قوم ثمود أيضاً وردت بهذا النهج بشكل موجز، وعنصرها الأساسي هو الحادثة؛ مع فارق أنه في معظم آيات هذه السورة، تُروى إجراءات كفار القوم في مواجهة صالح عليه السلام، وإحباطها، وهلاك الكفار. هذه الآيات، من حيث الزمان، تتعلق بما بعد قتل ناقة صالح عليه السلام (المرحلة الثالثة). في ذلك الوقت، وبعد فترة طويلة، انقسموا إلى مجموعتين متعاديتين، مؤمنين وكافرين، والكفار بعد عقر الناقة، سخروا وطلبوا العذاب الموعود. قال لهم حضرة صالح عليه السلام: «لماذا تستعجلون السيئة (العذاب) قبل الحسنة (الإيمان والعمل الصالح)؟ استغفروا الله لعلكم ترحمون» (النمل: ٤٥-٤٦). الكفار، بإشارتهم إلى الانقسام الذي حدث بين القوم مع بداية دعوة صالح التوحيدية، تشاءموا منه ومن أتباعه المؤمنين، لكن صالح عليه السلام اعتبر الآلام والمشاكل التي واجهوها نتيجة لأعمالهم السيئة (النمل: ٤٧). وفي النهاية، تتآمر جماعة من مجرمي القوم كحل نهائي على قتل صالح عليه السلام وأهله ليلاً وإنكار علمهم بذلك، لكن الله بإحباطه لمؤامرة المجرمين، يهلك جميع الكفار وينجي المؤمنين، وفي النهاية، بالإشارة إلى خلو بيوت ثمود من السكان، يعتبرها عبرة للعالمين: «وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ…» (النمل: ٤٨-٥٣).
اعتبر المفسرون عذاب قوم ثمود عذاب استئصال (أي استئصالي) (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج١، ص٣٧١). آيات القرآن تؤيد هذا الرأي وتوضح أن جميع كفار القوم هلكوا بعذاب إلهي (النمل: ٥١). هذا النوع من العرض لقصة ثمود، إلى جانب التبشير، له جانب إنذاري أكبر، ويحذر من مواجهة الأنبياء والتآمر ضدهم. (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٥: ص٣٧٢)
12. حكمة عدم إعطاء المعجزات المقترحة
بناءً على سورة الإسراء (السورة المكية الخمسون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦)، كان مشركو قريش يقولون إنه إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزات يطلبونها مثل تفجير الينابيع و…، فسيؤمنون (الإسراء: ٩٠-٩٣). لم يقبل الله هذا الطلب، وفي بيان السبب، ذكر الأقوام السابقة، وتحديداً قوم ثمود، الذين رغم رؤيتهم للمعجزات المطلوبة، كذبوها وهلكوا بعدها بعذاب الاستئصال، وبما أن المعجزات لإنذار الناس والله لا يريد إهلاك قريش، فإنه لا يعطيهم المعجزات التي يطلبونها (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٣، ص١٣٤)؛ لأنهم هم أيضاً، مثل أقوام ثمود، لن يؤمنوا وسيكذبون معجزتهم المطلوبة. هنا، دون الخوض في تفاصيل أخرى، ذُكر فقط إعطاء الناقة لثمود، ووصفها بأنها آية واضحة، وظلم ثمود لأنفسهم بتكذيبها: «وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا» (الإسراء: ٥٩).
13. وحدة أساس دعوة الأنبياء ومسارها التاريخي
سورة هود هي السورة المكية الثانية والخمسون (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، وجميع آياتها نزلت دفعة واحدة في السنوات الأخيرة من العهد المكي وبعد وفاة حضرة أبي طالب وخديجة. في ذلك الوقت، كان المسلمون يواجهون أسوأ أذى من المشركين (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٤، ص١٨٣٩؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٠: ص١٣٤). بناءً على الآيات الأولى من سورة هود، فإن القرآن يبين حقيقة واحدة، والمعارف الأخرى، بكل تنوعها، هي شرح لها. الدعوة إلى التوحيد هي التعليم الأساسي، وتتبعها الدعوة إلى الاستغفار من الذنوب، والتوبة، ووعد الكفار بالعذاب، ونجاة المؤمنين وجزائهم، والعودة النهائية للجميع إلى الله، هي الرسائل الرئيسة للقرآن وفروع التوحيد المختلفة (هود: ١-٤). وفي συνέχεια، من خلال رواية أجزاء مهمة من تاريخ الأنبياء السابقين، من حضرة نوح إلى النبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى رسم استمرارية ومسار تاريخي للدعوة إلى التوحيد ووحدة محتواها في فترات مختلفة، تُقدم نماذج مختلفة من شرح وتفصيل التعاليم المذكورة (التوحيد، التوبة، الاستغفار، عذاب الكفار، جزاء المؤمنين، العودة إلى الله) وصورة عينية وتاريخية لها (هود: ٢٥-١٠٠) (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٤، ص١٨٤١؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٠، ج١٣٥). لهذا السبب، في حكاية قصة قوم ثمود، أولاً تُروى بعثة صالح عليه السلام والمضمون الأساسي لدعوته (التوحيد)، ثم التوصية بالاستغفار والتوبة، ورد فعل ثمود الأولي على دعوة رسالته، ورد حضرته. ثم تُروى قصة تقديم الناقة كمعجزة من صالح عليه السلام، وتحذيره لقومه من إيذائها والوقوع في عذاب إلهي، وعقر الناقة، وهلاك كفار القوم، ونجاة صالح عليه السلام وأتباعه: «وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ…» (هود: ٦١-٦٨). هذه السورة، التي تروي بشكل كامل نسبياً بداية ونهاية دعوة العديد من الأنبياء ومنهم صالح عليه السلام، توضح علاقة دعوة نبي الإسلام بالأنبياء السابقين، وتعرفها بأنها استمرار لدعوتهم. هذه السورة، بالإضافة إلى التبشير والتشجيع وتسلية النبي والمسلمين، لها جانب إنذاري أكبر (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٠، ص١٣٦)، وتقدم صورة لهلاك سريع ومنظم ومثير للعبرة ومؤثر لثمود وموطنهم في أعقاب العذاب، وتعبر عن الدهشة من ذلك. (سيد قطب، ١٤١٢هـ، ج٤: ص١٩٠٩)
14. تكذيب الأنبياء، دأب المجرمين الشائع
في سورة الحجر (السورة المكية الرابعة والخمسون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦)، بعد رواية استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبتهم الجنون إليه، وطلبهم إحضار الملائكة كشهود على صدق رسالته، ولتسلية النبي، يُشار إلى استهزاء الأنبياء السابقين كدأب شائع للمجرمين، وإلى بعض مصاديقه التاريخية، ويتم الإنذار والتبشير (الحجر: ٦-١٣ و٤٩-٥٠). في هذه السورة، التي لها نغمة وإيقاع موزون مثل السور المكية الأولى، يُذكر ثمود بعنوان «أصحاب الحجر»، وإعراضهم عن المعجزة الإلهية، وبنائهم للبيوت في قلب الجبال ليكونوا في مأمن من الأخطار المختلفة، وعدم جدوى هذه البيوت بشكل كامل، وهلاك ثمود بصيحة سماوية في الصباح (الحجر: ٨٠-٨٤). (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٢: ص١٧١-١٨٦).
إن تقديم صورة عن ذروة عجز وقدرة الأقوام المذكورة في هذه السورة (قوم لوط، أصحاب الأيكة، وثمود) أمام عذاب الله وقدرته، هو من النقاط التي اهتم بها القرآن ومن العناصر المؤثرة في الإنذار. إن الوعي بوجود الخطر وزمانه، والحفاظ على اليقظة والانتباه الكامل، وكذلك التمتع بالعدة والعتاد الكافي، هي من مقومات القدرة الدفاعية المؤثرة جداً. ثمود، رغم تمتعهم بكل هذه الميزات، لم يتمكنوا من إبداء أدنى رد فعل دفاعي أمام عذاب الله، ونزلت الصيحة السماوية صباحاً وأهلكت جميع الكفار (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج٦: ص١٢٨). حتى البيوت المحكمة في قلب الجبال والصخور وثروتهم وعددهم الكبير لم ينفعهم شيئاً: «فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (الحجر: ٨٤). (الطبرسي، ١٤١٥هـ، ج٦، ص٥٢٩؛ الفخر الرازي، د.ت، ج١٩، ص٢٠٥؛ القرطبي، ١٣٧٣، ج١٠: ص٥٣)
15. التحذير من الإعراض عن القرآن الكريم
الهدف الرئيس لسورة فصلت (السورة المكية الحادية والستون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، هو بيان إعراض معظم مشركي مكة عن القرآن. كانوا يقولون إنهم لا يفهمون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن آذانهم ثقيلة، وطلبوا منه أن يفعل ما يشاء. المشركون، بسبب إعراضهم عن القرآن، لم يقبلوا الأصول الثلاثة: التوحيد، النبوة، والمعاد. لهذا السبب، يتناول جزء من السورة هذه الموضوعات (فصلت: ٤-١٢) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٧، ص٣٥٩). والله، بتقديمه بعض الإجابات لتنوير المشركين، يطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحذرهم من أنهم إذا لم يقبلوا الدعوة التوحيدية رغم هذه الأدلة الواضحة، فسوف يبتلون بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قوم عاد وثمود أيضاً، في مواجهتهم لدعوة أنبيائهم، وبذريعة أن الله لو شاء لأرسل ملائكة لهدايتهم، رفضوا الدعوة والرسالة التوحيدية: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ» (فصلت: ١٣-١٤). ثم يشير إلى سبب هلاك ثمود، أنهم رغم الهداية الإلهية، ضلوا السبيل وهلكوا بعذاب مهين، لكن المؤمنين المتقين نجوا (فصلت: ١٧-١٨).
16. التحذير من عدم تصديق وعود الله
بناءً على سورة الذاريات (السورة المكية السابعة والستون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، كان مشركو قريش ينكرون المعاد ويوم الجزاء (الذاريات: ١٢)، ولهذا السبب، تم إبراز مسألة المعاد، وكونه يوم الجزاء، وصدق وعد الله بعذاب المكذبين في الدنيا والآخرة، في الرد على مشركي مكة. لإثبات هذه التعاليم، تم الاستناد إلى أدلة التوحيد، وآيات الله في الأرض والسماء، وبيان عذاب الأقوام السابقة ومنهم قوم ثمود، ولتوفير الأرضية النفسية اللازمة لقبول تعاليم المعاد، وصدق وحتمية وعود الله، تم ذكر أقسام متعددة، وفي συνέχεια، تم التذكير بوعد العذاب لأقوام مثل ثمود وتحققه كنموذج عيني لتحقق وعود الله: «وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» (الذاريات: ١-٢٣ و٤٣-٤٥). (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٨: ص٣٦٤)
بعد عقر الناقة، قيل لثمود أن يتمتعوا بنعم الدنيا لفترة، وفي هذه المدة، يعودوا إلى رشدهم ويطيعوا أمر الله، لكنهم تمردوا، وبينما كانوا مستيقظين وينظرون بأعينهم إلى الصاعقة، أخذهم العذاب (الطبري، ١٤١٥هـ، ج٢٧، ص٩؛ الطوسي، د.ت، ج٩، ص٣٩٣). كان العذاب شديداً وقاصماً لدرجة أنهم لم يتمكنوا من إبداء أدنى رد فعل، ولم يستطيعوا حتى التحرك من أماكنهم، أو طلب المساعدة من أحد أو شيء (الذاريات: ٤٥) (الطوسي، د.ت، ج٩، ص٣٩٣؛ الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٨، ص٣٨١). بيان هذه التفاصيل حول عذاب ثمود، يوفر للمخاطب أرضية ليفهم ويدرك بشكل أفضل صدق وعد الله بعذاب المنكرين.
17. عدم القابلية للهزيمة وغنى الله
وصف عدم قابلية الله للهزيمة وغناه المطلق هو سياق آخر لذكر أقوام مثل ثمود (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٢، ص٦ و١٧). في سورة إبراهيم (السورة المكية الثانية والسبعون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١، ص١٣٦)، وُصف القرآن بأنه وسيلة لهداية الناس من الظلمات إلى النور وإلى صراط الله المستقيم، وأن الله غني مطلق وغير قابل للهزيمة، وإذا لم يقبل الناس الدعوة التوحيدية، فإنه يهلكهم ويستخلف أقواماً آخرين؛ كما فعل مع الأقوام السابقة (إبراهيم: ١-٣) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٢، ص٦). هذا الموضوع يُروى أيضاً على لسان موسى عليه السلام في خطابه لبني إسرائيل. فقد حذر بني إسرائيل، بوصفه لله بأنه غني عن إيمان جميع سكان الأرض، وبالإشارة إلى مصير أقوام مثل ثمود، من أنهم إذا كفروا، فإن الله سيهلكهم ويستخلف أقواماً آخرين: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ…» (إبراهيم: ٨-١٨). في هذه الآيات، دون الخوض في شرح منفصل لقصة كل قوم ومنهم ثمود، يُشار إلى المحاور المشتركة للدعوة، والاستدلال، ورد الأنبياء، والمواجهات، والذرائع المتشابهة للأقوام الكافرة معهم، ومصيرهم المماثل.
18. التحذير من عاقبة تكذيب المعاد
الهدف الرئيس لسورة الحاقة (السورة المكية الثامنة والسبعون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، هو بيان خصائص يوم القيامة، ومصير أقوام مثل عاد وثمود أيضاً ذُكر بإيجاز (الحاقة: ١-١٢)، بهدف تقديم صورة معبرة عن عاقبة تكذيب يوم القيامة وتحذير المخاطبين، لتوفير أرضية نفسية مناسبة لطرح وقبول تعاليم المعاد. لذلك، بدلاً من الرواية المفصلة، تم الاكتفاء برواية موجزة عن هلاك جميع كفار عاد وثمود بعذاب إلهي خارق للعادة في أعقاب تكذيب يوم القيامة: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ» (الحاقة: ٤-٥). تعبير «الطَّاغِيَةِ» يحكي عن أن عذاب عاد وثمود كان مروعاً ومدمراً وفوق العادة بكثير. (الثعلبي، ١٤٣٣هـ، ج١٠: ص٢٦؛ الفخر الرازي، د.ت، ج٣١: ص١٩٥)
19. اختبار إيمان البشر
في سورة العنكبوت (السورة المكية الخامسة والثمانون) (معرفت، ١٤١١هـ، ج١: ص١٣٦)، بالإشارة إلى محاولة مشركي مكة منع الناس من الإيمان، وكذلك ارتداد بعض المسلمين، اعتبر الإيمان اللفظي بالله غير كافٍ، وذكر أن سنة الله القديمة القائمة على اختبار إيمان الأفراد عملياً بصعوبات هذا الطريق لإظهار مدى صدقهم (العنكبوت: ٢-١٣). ثم بالإشارة إلى مصير عدد من الأقوام السابقة مثل ثمود، يتم رسم خلفية هذا الاختبار وسجل الماضين فيه. وبناءً على ذلك، رسب بعض الأقوام جميعهم في الاختبار الإلهي وهلكوا، وبعضهم الآخر انقسموا إلى مجموعتين: فئة نجحت في الاختبار ونجت، وفئة أخرى رسبت وهلكت: «وَعَادًا وَثَمُودَ… وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» (العنكبوت: ١٤-٣٨) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٦: ص٩٨). إن الخوض في دور الشيطان في منع إيمان ثمود وتزيين أعمالهم القبيحة في نظرهم، يمكن أن يكون إشارة إلى الموانع التي تواجههم وأرضية اختبارهم الإلهي. كذلك، فإن القرآن، بالإشارة إلى الأطلال والآثار الباقية من مساكن ثمود، يدعو الناس إلى الاعتبار منها، ويحذر من تكذيب آيات الله وأنبيائه.
20. تسلية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أعقاب حرب المشركين معه
سورة الحج، هي السورة المئة والرابعة التي نزلت (معرفت، ١٤١١ق، ج١: ص١٣٦) وأول سورة مدنية يُذكر فيها قوم ثمود. في أعقاب أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وإخراجهم من ديارهم وبيوتهم، أكد الله على دفاعه عن المؤمنين وإذنه بالجهاد للمسلمين (الحج: ٣٨-٤٠) (الطباطبائي، ١٣٧١، ج١٤، ص٣٨٢). ولتسلية وتقوية روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وتحذير المشركين، أشار إلى تكذيب الأنبياء السابقين من قبل أقوام مثل عاد وثمود وما نتج عن ذلك من هلاكهم: «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ…» (الحج: ٣٩-٤٤). وفي συνέχεια، يُحث المشركون على التجول في الأرض ومشاهدة الأطلال الباقية من الأقوام الهالكة والاعتبار منها (الحج: ٤٥-٤٦).
21. التحذير للمنافقين من مؤامرة قتل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
سورة التوبة، هي السورة المئة والرابعة عشرة التي نزلت، وهي ثاني وآخر سورة مدنية يُذكر فيها قوم ثمود (معرفت، ١٤١١ق، ج١: ص١٣٦). هذه السورة تحذر من عاقبة مؤامرة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. عندما كُشفت مؤامرة المنافقين الفاشلة لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عودته من غزوة تبوك وأقوالهم الكفرية، قال المنافقون إنهم كانوا يقصدون المزاح واللعب. فاعتبر الله فعلهم هذا استهزاء بالله والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والآيات الإلهية (التوبة: ٦٤-٦٥)، وبتشبيههم بكفار مثل قوم ثمود، حذر من عاقبة فعلهم؛ مع التأكيد على أنهم، رغم ثروتهم وقوتهم وعددهم الأكبر منكم، هلكوا بعذاب الله في أعقاب تكذيبهم واستهزائهم بالآيات والأنبياء: «…كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا… أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ…» (التوبة: ٦٩-٧٠).
سورة غافر أيضاً، بوظيفة مماثلة، تشير إلى قصة ثمود. في أعقاب قرار فرعون وجماعته قتل حضرة موسى عليه السلام، حاول مؤمن آل فرعون أن يثنيهم عن هذا العمل بكلامه. وفي ضمن أقواله، حذر من الوقوع في مصير مماثل، بالإشارة إلى هلاك أقوام مثل عاد وثمود في أعقاب تكذيبهم لأنبيائهم: «وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ» (غافر: ٢٦-٣١).
الاستنتاج
كل سورة من سور القرآن نزلت في ظروف وموقف اجتماعي ونفسي خاص، ولها هدف أو أهداف محددة. هدف كل سورة، كمحور مركزي، يسبب ترابطاً داخلياً لآياتها، ويربطها ببعضها رغم تشتت الموضوعات.
جزء من قصص القرآن، بالنظر إلى الأهداف المتنوعة للسور، رُويت مراراً من زوايا مختلفة، في ظروف متفاوتة، وبأشكال متنوعة. الروايات والمعالجات القرآنية لقصة واحدة في السور المختلفة، رغم اختلافها من جوانب مختلفة، إلا أن اختلافها الرئيس يكمن في توظيف هذه القصص بما يتناسب مع الهدف الرئيس لكل سورة، والاختلافات الأخرى تتناسب تماماً مع هدف السورة. على سبيل المثال، استخدم القرآن الكريم قصة ثمود بأشكال متنوعة لهذه الأهداف: التحذير من عاقبة التمرد والإفساد، ومؤامرة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإعراض عن القرآن، وعدم تصديق وعود الله، والتحذير لمعذبي المؤمنين، ومنكري المعاد، ومكذبي معجزات الله، وبيان التوحيد في الربوبية، ورد فعل البشر على الدعوة التوحيدية على مر التاريخ، وبيان إرادية إيمان البشر، وحكمة عدم إعطاء المعجزات المقترحة من المشركين، وبيان وحدة أساس دعوة جميع الأنبياء، وعدم قابلية الله للهزيمة، واختبار إيمان البشر، وتسلية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
قائمة المصادر
1. القرآن الكريم.
2. البغدادي، محمد بن حبيب (د.ت)، المحبر، بيروت: دار الآفاق الجديدة.
3. البكري، عبد الله (1992)، معجم ما استعجم، تحقيق مصطفى السقا، بيروت: عالم الكتب.
4. بلاشير، ريجي (1378ش)، دراسات في القرآن، ترجمة محمود راميار، طهران: نشر فرهنگ إسلامي.
5. الثعلبي، أحمد بن محمد (1433هـ)، الكشف والبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
6. الجزري، ابن الأثير (1407هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق عبد الله القاضي، بيروت: دار الكتب العلمية.
7. الحسيني، أبو القاسم (1377ش)، مبادئ فنية لقصص القرآن، طهران: مركز الأبحاث الإسلامية للإذاعة والتلفزيون.
8. حقي البروسوي، إسماعيل (1421هـ)، تفسير روح البيان، تحقيق أحمد عبيدو، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
9. الحكيم، محمد باقر (1417هـ)، علوم القرآن، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
10. الحموي، ياقوت (1995)، معجم البلدان، بيروت: دار صادر.
11. الخالدي، صلاح عبد الفتاح (1418هـ)، التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، الأردن: دار النفائس.
12. الخميني، سيد مصطفى (1362ش)، تفسير القرآن الكريم، طهران: وزارة الإرشاد.
13. دروزة، محمد عزت (1383هـ)، التفسير الحديث، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.
14. الزركشي، محمد بن بهادر (1410هـ)، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة.
15. السيوطي، جلال الدين (1416هـ)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق المندوق، بيروت: دار الفكر.
16. الشاذلي، سيد بن قطب (1412هـ)، في ظلال القرآن، بيروت – القاهرة: دار الشروق.
17. الشاطبي، إبراهيم بن موسى (د.ت)، الموافقات في أصول الشريعة، مكان النشر غير محدد: دار الفكر.
18. شحاتة، عبد الله (1998)، أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن، القاهرة: الهيئة المصرية العامة.
19. شوقي، أبو خليل (2003)، أطلس السيرة النبوية، الطبعة الثانية، دمشق: دار الفكر.
20. الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي (1376ش)، الأمالي، طهران: كتابجي.
21. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1371ش)، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الخامسة، قم: إسماعيليان.
22. الطبرسي، فضل بن حسن (1415هـ)، مجمع البيان، بيروت: مؤسسة أعلمي.
23. الطبري، محمد بن جرير (1403هـ)، تاريخ الطبري، بيروت: مؤسسة أعلمي.
24. الطبري، محمد بن جرير (1415هـ)، جامع البيان عن تفسير آي القرآن، تحقيق خليل الميس، بيروت: دار الفكر.
25. الطنطاوي، سيد محمد (1412هـ)، التفسير الوسيط، القاهرة: دار المعارف.
26. الطوسي، محمد بن حسن (د.ت)، تفسير التبيان، الطبعة الثانية، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
27. الفخر الرازي، محمد بن عمر (د.ت)، التفسير الكبير، مكان النشر غير محدد: الناشر غير محدد.
28. القثامي، حمود بن ضاوي (1412هـ)، شمال الحجاز، مكان النشر غير محدد: العصر الجديد.
29. القرطبي، محمد بن أحمد (1373)، الجامع لأحكام القرآن، طهران: دار الكتب الإسلامية.
30. الكلبي الغرناطي، محمد بن جزي (1403هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت: دار الكتاب العربي.
31. غولدزيهر، إيغناز (1357ش)، دروس حول الإسلام، طهران: كمانكير.
32. غلن، ويليام غلن، مرتن، هنري (1380ش)، كتاب مقدس، ترجمة فاضل خان همداني، طهران: أساطير.
33. معرفت، محمد هادي (1411هـ)، التمهيد في علوم القرآن، قم: نشر إسلامي.
34. مقاتل بن سليمان (1423هـ)، تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق عبد الله محمود شحاتة، بيروت: التاريخ العربي.
35. مكارم الشيرازي، ناصر (1375ش)، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية.
36. اليعقوبي، أحمد (د.ت)، تاريخ اليعقوبي، بيروت: دار صادر.