دراسة وتحليل العلاقة بين الحكم التكليفي والوضعي

الملخص

تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. الأحكام التكليفية هي أحكام تتعلق بأفعال العباد الاختيارية على نحو الاقتضاء أو التخيير، بينما الأحكام الوضعية لا تتعلق بأفعال العباد مباشرة. في فكر المحقق الأصفهاني، الحكم التكليفي هو عبارة عن «الإنشاء بداعي جعل الداعي». ويرى سماحته أن الأحكام الوضعية ليس لها عدد خاص وتشمل كل حكم غير تكليفي. يعتقد البعض مثل الشهيد الثاني والشيخ البهائي والفاضل التوني والوحيد البهبهاني أن الأحكام الوضعية، كالأحكام التكليفية، هي من إنشاءات الشارع واعتباراته. وفي المقابل، يرى آخرون مثل الشهيد الأول وشريف العلماء والشيخ الأنصاري أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية وأن إسناد الجعل الشرعي إليها ليس إسنادًا حقيقيًا. وفي مقابل هذين الرأيين، طُرح رأي ثالث تبنى أصحابه، ومنهم الآخوند الخراساني، التفصيل في هذا الحكم.

المقدمة

تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. الأحكام التكليفية هي أحكام تتعلق بأفعال العباد الاختيارية على نحو الاقتضاء أو التخيير. والمقصود من الاقتضاء هو مطلق الطلب، سواء طلب الفعل أو طلب الترك، وسواء كان الطلب جازمًا مصحوبًا بالمنع من النقيض أو غير جازم (النائيني، 1376: 4/ 384). وبناءً على ذلك، تنقسم الأحكام التكليفية إلى خمسة أقسام. ووفقًا لرأي المرحوم النائيني والشهيد الصدر، فإن الأحكام الوضعية هي أحكام لا تتعلق مباشرة بأفعال العباد، بل تتعلق بها بشكل غير مباشر (الشهيد الصدر، 1426: 1/ 64). ويعتقد المرحوم المشكيني أن الأحكام التكليفية سُميت تكليفية لوجود الكلفة والمشقة في امتثال بعضها، والأحكام الوضعية سُميت وضعية لأن غالبها يكون موضوعًا لحكم تكليفي (المشكيني، 1374: 121).

إن تاريخ البحث حول تقسيم الأحكام إلى تكليفية ووضعية، وبالأخص كيفية جعل ووضع القوانين الوضعية في مقام التشريع التي لا تكمن ماهيتها في الوجوب والتحريم ولها ضمانات تنفيذ خاصة بها تختلف عن ضمانات تنفيذ الأحكام الإلزامية، يظهر في آثار محققي الإمامية بدءًا من العلامة الحلي (القرن الثامن) فصاعدًا. ورغم أن جميع الفقهاء بعده قد اتبعوا رأيه ولم يعلنوا عن مخالفتهم له، فقد انتقد الفاضل التوني في النصف الأول من القرن الحادي عشر الرأي المشهور وقدم نظرية جديدة (الحلي، 1423: 9/ 146؛ الفاضل التوني، 1415: 202). وقد رد الشيخ الأنصاري على هذه الانتقادات وأصر مجددًا على نظرية القدماء (الأنصاري، 1428: 3/ 121)، وتناول الآخوند الخراساني هذه المسألة بشكل مفصل وطرح فكرة جديدة (الخراساني، 1430: 3/ 202).

في علم الأصول، تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية. يتمتع الفصل بين هذين القسمين بأهمية كبيرة نسبيًا، وتترتب على هذا الاختلاف آثار مهمة استُخدمت في فهمها دقة عقلية وفلسفية بالغة. تسعى هذه المقالة إلى تقديم تقرير عن مسار الاستدلالات التي قدمها الفقهاء، مع إلقاء نظرة على تفصيلات الخراساني.

المبحث الأول: بيان المفاهيم

1. الأحكام التكليفية

تشمل الأوامر والتوجيهات الصادرة عن الشارع بخصوص أفعال الناس وسلوكهم، من أمر ونهي وإجازة، وتنقسم إلى خمسة أقسام: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، والإباحة (الشهيد الثاني، 1384: 6/ 21). بشكل عام، يمكن تقسيم الأحكام التكليفية إلى قسمين رئيسيين: الأحكام الإلزامية والأحكام الترخيصية. تتعلق هذه الأحكام مباشرة بأفعال المكلفين، وبموجبها يصبح المكلفون مأمورين، ممنوعين، أو مجازين، ويترتب على فعلهم أو تركهم مدح أو ذم.

تعريف الحكم التكليفي عند المحقق الأصفهاني هو «الإنشاء بداعي جعل الداعي» (الأصفهاني، 1429: 5/ 101). ولتوضيح هذا المطلب، يجب بيان أنه كلما تصور الإنسان فعلًا وصدّق بفائدته، ينشأ في نفسه شوق لذلك الفعل. وإذا زاد هذا الشوق، فإن كان المشتاق إليه يتعلق بأفعال الإنسان نفسه، تحركت عضلاته وحققت ذلك الفعل. أما إذا كان الفعل المشتاق إليه من أفعال الآخرين، فإن الشوق الشديد لا يؤدي إلى تحريك عضلاته؛ لأن أفعال الآخرين تحت اختيارهم. ولتحقيق الفعل المذكور، يجب إيجاد دافع في نفس ذلك الشخص لتحقيق الفعل. يقوم المولى بإصدار اعتبار وإنشاء بهدف إيجاد الدافع في ذلك الشخص. حقيقة الحكم التكليفي هي هذا الإنشاء والاعتبار الذي يصدر بهدف إيجاد الدافع في ذلك الشخص. في تحليل هذا المطلب، يجب الانتباه إلى أنه من منظور ما، يمكن أن يشمل التعريف المذكور الكراهة والحرمة أيضًا؛ باعتبار أن «الإنشاء لإيجاد الدافع» يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام بحسب متعلق الدافع: الإنشاء لإيجاد الدافع للقيام بالفعل، والإنشاء لإيجاد الدافع لترك الفعل، وكل منهما قد يكون مصحوبًا بمنع من النقيض أو بدونه. ولكن يجب الانتباه إلى أن هذا التعميم مبني على تعميم في معنى الداعي، بحيث يُستخدم الداعي لكل من الداعي على الفعل والداعي على الترك.

2. الأحكام الوضعية

تُسمى تلك الأحكام الشرعية التي قد ترتبط بأحكام المكلفين ولكن ارتباطها ليس مباشرًا، أي أنها لا تُنشأ مباشرة من قبل الشارع تجاه أفعال المكلفين، ومقتضاها ليس المنع أو الرخصة، بالأحكام الوضعية؛ مثل: الملكية، الزوجية، الأهلية، السببية، المانعية، الشرطية، الصحة، والبطلان، حيث إن مدلول أي من هذه الأحكام ليس إلزامًا أو منعًا في البداية، بل إن هذه الأحكام تتعلق مباشرة بالأشخاص أو الأشياء لا بأفعال الأشخاص. على سبيل المثال، عندما يُقال إن الإتلاف سبب للضمان، فإن الإتلاف هنا فعل للمكلف ويمكن أن يكون موضوعًا لحكم تكليفي حرام، بينما الضمان هو عبارة عن ثبوت المال في ذمة الضامن، وبالتالي فإن المال هو المضمون، ومن البديهي أن المال شيء وليس فعلًا من أفعال المكلف (المحقق الداماد، 1388: 28)؛ أو أن البيع سبب لملكية المشتري للمبيع، فهنا البيع عمل من أعمال الناس ويمكن أن يتصف بأحد الأحكام التكليفية الخمسة، بينما المبيع الذي هو شيء، يقع في ملكية المشتري، والمشتري الذي هو شخص، يصبح موضوعًا للملكية التي هي حكم وضعي. هناك نقاش واسع بين علماء الأصول حول عدد الأحكام الوضعية، وقد حصر البعض هذه الأحكام (المحقق الداماد، نفس المصدر: 28)، بينما يبدو أن جميع الأحكام التي تخرج عن دائرة التكليف ومتعلقاته يمكن اعتبارها حكمًا وضعيًا.

الأحكام التكليفية، بسبب طبيعتها، تشمل دائمًا المكلفين، وإذا لم تتوفر شروط التكليف مثل العلم والعمد والأهلية، فإنها تسقط. أما الأحكام الوضعية فليست كذلك، فالعلم والعمد والأهلية لا دور لها فيها. الأحكام التكليفية لا تشمل فاقدي الأهلية، ولكن الأحكام الوضعية تشملهم، ولذا فإن الصغير والمجنون إذا أتلفا مالًا فإنهما يضمنان. ورغم أنهما ليسا مخاطبين بحكم تكليفي بوجوب الأداء، فإن تكليف وجوب الأداء في فترة الصغر يتوجه إلى وليهما (نفس المصدر: 29).

المبحث الثاني: الفروق بين الأحكام الوضعية والتكليفية

بناءً على ما سبق، تختلف الأحكام الوضعية عن الأحكام التكليفية في الجوانب التالية:

  1. الأحكام الوضعية ليست مطلوبة أو مرغوبة أو مرخصة أو مخيرة من قبل الشارع، بينما الأحكام التكليفية تكون مباشرة مطلوبة أو مرخصة أو مخيرة منه.
  2. الأحكام الوضعية لا تتعلق مباشرة بأفعال وأعمال الناس، بينما الأحكام التكليفية كذلك.
  3. الأحكام التكليفية تُوضع وتُجعل بلا شك من قبل الشارع أو بأمره ونهيه مباشرة، ولكن هل الأحكام الوضعية كذلك أم لا، فهذا محل بحث.

فيما يتعلق بكيفية جعل ووضع الأحكام الوضعية في الأدبيات الفقهية والأصولية لفقهاء الإمامية، ذُكرت نقاط دقيقة ورقيقة تعتبر، في رأي الكاتبين تبعًا لرأي الدكتور المحقق الداماد، من أثمن مباحث فلسفة القانون الإسلامي، في حين أنه لدى الفلاسفة الغربيين لم يتم التمييز بين هذين النوعين من الأحكام بشكل صحيح، ولم يُلتفت إلى كيفية جعلهما ووضعهما. على سبيل المثال، دخلوا في ميدان بحث الحق والتكليف وتحدثوا عن العلاقة بينهما، ولكنهم واجهوا الكثير من المشاكل وعجزوا عن حلها. مشكلتهم أنهم لم يدركوا أن الحق، أولًا، من مقولة الحكم الوضعي والتكليف من مقولة الحكم التكليفي، وثانيًا، لم يطرح عليهم هذا السؤال: هل الحق والحكم كلاهما مجعول من قبل المشرع؟ أم أن المشرع يضع أحدهما، فيكون هو الحكم الأصلي، والآخر يُنتزع منه ويُعتبر حكمًا تبعيًا؟ هل حق الحياة حكم مستقل ومجعول من قبل المشرع أم أن هذا الحق منتزع من حرمة الاعتداء وقتل الآخرين ولا يُعتبر حكمًا مستقلًا؟ من المحتمل أن انتباههم إلى الأمور المذكورة كان سيدفعهم أولًا إلى توضيح الحدود الدقيقة بين الحق والحكم، وهذا بحد ذاته من المباحث الدقيقة بين مفكري الإسلام، وعندها لما شوهد كل هذا الخلط في مباحثهم (نفس المصدر: 30).

في مبحث الضمانات في القانون المعاصر، اكتفوا بمصطلح المسؤولية ولم يلتفتوا إلى معنى المسؤولية، وهل هي حكم تكليفي أم وضعي. وفي الالتزامات، يبحثون في مسائل مختلفة ولكنهم لا يوضحون ما إذا كان مضمون الالتزام هو إلزام تكليفي بحت أم أنه يوجب ضمانًا وضعيًا أي الدين والضمان. هل هناك تلازم بين الإلزام والضمان أم أن كل منهما يحتاج إلى حكم من المشرع؟ لقد حظي هذا السؤال باهتمام عميق من المفكرين الإسلاميين، وحاولوا الإجابة على هذه الأسئلة: هل الأحكام الوضعية، كالأحكام التكليفية، جزء من إنشاءات واعتبارات الشارع المقدس، وكما جعل الشارع الوجوب والحرمة، جعل الأحكام الوضعية أيضًا؟ أم أن الأحكام الشرعية ليست مجعولة من الشارع، بل إن الشارع جعل الأحكام التكليفية فقط، والأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية؟ بعبارة أخرى، هل للأحكام الوضعية جعل استقلالي أم أنها منتزعة من الأحكام التكليفية؟ وفي الحالة الثانية، هل إسناد الجعل الشرعي إليها إسناد حقيقي أم مجازي؟

في الإجابة على هذه المسألة، هناك عدة آراء مطروحة بين الأصوليين يمكن تقسيمها بشكل عام إلى ثلاث نظريات:

  1. الأحكام الوضعية مجعولة بشكل مطلق ومباشر، وفي الحالات التي يُجعل فيها حكم وضعي، تُنتزع منه بعض الأحكام التكليفية. على سبيل المثال، يجعل الشارع الملكية مباشرة، بمعنى أنه يعتبر شخصًا مالكًا في ظروف معينة، ثم يُنتزع منه حكم حرمة التصرف في ملك الغير، أو يجعل الشارع الزوجية بين الزوجين، ثم تُنتزع منه أحكام إلزامية على عاتق الطرفين. الفقهاء مثل الشيخ البهائي (البهائي، 1383: 110)، والفاضل التوني (الفاضل التوني، 1415: 202)، والوحيد البهبهاني (البهبهاني، 1415: 95)، والمحقق الكرباسي (الكرباسي، بدون تاريخ: 144) يتبنون هذا الرأي القائل بأن الأحكام الوضعية، كالأحكام التكليفية، هي جزء من إنشاءات واعتبارات الشارع. وبالتالي، فإن إسناد الجعل الشرعي إليها إسناد حقيقي.
  2. الأحكام الوضعية لا تُجعل مباشرة، بل هي منتزعة ومستقاة من الأحكام التكليفية. بعبارة أخرى، يوضح الشارع أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال اشتراه آخر. هذا حكم تكليفي، ولكن يُنتزع منه حكم وضعي وهو الملكية، وسببية البيع للملكية، وكذلك حكم لزوم عقد البيع. يُنسب هذا الرأي إلى مشهور فقهاء الإمامية، والشيخ الأنصاري يتبع هذا الرأي. من وجهة نظر الشيخ الأنصاري، لا يقول الشارع إن الشيء الفلاني نجس، بل يحكم الشارع بحلية العلاقات بين رجل وامرأة يعقدان عقد نكاح وبوجوب بعض الأمور والإجابة بينهما، ثم يُنتزع من ذلك حكم وضعي هو الزوجية. عندما يوضح الشارع أن الإتلاف من قبل الصغير سبب لضمانه، فهذا يعني أن دفع الغرامة، المثل أو القيمة، يصبح واجبًا عليه عندما تجتمع فيه شروط التكليف من بلوغ وعقل ويسار وغيرها.[1] فكلما خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: «اغرم ما أتلفته في طفولتك»، يُنتزع من هذا الخطاب معنى يُعبر عنه بـ«سببية الإتلاف للضمان» (الشيخ الأنصاري، نفس المصدر: 126). وقد اعترض بعض الفقهاء على الشيخ في هذه المسألة نفسها، حيث اعتبر الشيخ الحكم الوضعي للضمان متحققًا بالنسبة للطفل، في حين أن الحكم التكليفي غير متحقق، ويُنشأ له الحكم التكليفي بعد بلوغه، بأن ردّ الحكم التكليفي بوجوب دفع الغرامة بعد البلوغ إلى ما قبل البلوغ حيث أتلف الطفل المال يحتاج إلى دليل، وهنا لا يوجد مثل هذا الدليل (نفس المصدر: 126). يدافع الشيخ الأنصاري عن نظرية فقهاء الإمامية المشهورين القائمة على انتزاع الحكم الوضعي من الحكم التكليفي، مستندًا إلى رأي المحقق الأول والثاني والسيد صدر الدين، ويستدل بأن مرجع انتزاع الحكم الوضعي هو الخطاب والحكم الشرعي (التكليفي)، وإذا كان الشيء سببًا لوجوب حكم، فإن الحكم بوجود ذلك الواجب منوط بحصول ذلك الشيء.[2] (نفس المصدر: 126). ويذكر الشيخ الأنصاري في القول السابع من أقوال حجية الاستصحاب أن هناك تفصيلًا وتفاوتًا بين الأحكام الوضعية، أي الأسباب نفسها لا سببية الأسباب، والشروط نفسها لا شرطية الشروط، والأحكام التكليفية التابعة للأحكام الوضعية (مثل حرمة الاستعمال التابعة لنجاسة الماء) وبين غيرها من الأحكام الشرعية، والشرطية والسببية نفسها، حيث يجري الاستصحاب في الحالة الأولى (الأحكام التكليفية والوضعية) (نفس المصدر: 220). وبالتالي، فإن من دخل الصلاة بالتيمم، إذا وجد الماء أثناء الصلاة، فإنه يستصحب الشرط نفسه، أي الحالة التي كان عليها، ونحكم بصحة صلاته، لا شرطيتها، لأنه يوجد شك في شرطيتها. وينتقد الشيخ الأنصاري أولئك الذين يزعمون أن الحكم الوضعي هو عين الحكم التكليفي، حيث يقول إن ظاهر كلامهم هو هذا، ويستدل بأن بطلان قولهم غني عن البيان، والفرق بين الوضعي والتكليفي واضح لأقل الناس علمًا، والتكاليف المبنية على الوضع غير الوضع نفسه. ويضرب الشيخ في توضيح استدلاله مثالًا بأن كون الحيض مانعًا من الصلاة والحج هو حرمتهما، وغروب الشمس سبب لوجوب الصلاة، ويقول إن هذه خطابات وضعية رغم أنها تتبع الأحكام التكليفية وتُنتزع منها، فالحكم التكليفي هو حرمة الصلاة في حال الحيض ووجوب الصلاة عند غروب الشمس، والذي يُنتزع منه حكم وضعي وهو مانعية الحيض لحرمة الصلاة وسببية غروب الشمس لوجوب صلاة المغرب (نفس المصدر: 123).
  3. نظرية الآخوند الخراساني (القول بالتفصيل): يرى الآخوند الخراساني أن الأحكام الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

3-1. ما لا يتعلق به الجعل الشرعي أصلًا، لا استقلالًا ولا تبعًا. أي أن الشارع لا يجعل ذلك الحكم ابتداءً ولا تبعًا، بمعنى أن الشارع لا يجعل حكمًا آخر ليُجعل هذا الحكم تبعًا له، مثل تحقق الزوجية بتبع وجود العدد أربعة. كلا النوعين غير معقول. ومن هذه الفئة، الشرطية والمانعية اللتان لا تقبلان الجعل المباشر. على سبيل المثال، لا يضع الشارع شرطية الرشد لنفوذ المعاملات أو مانعية القرابة الرضاعية لصحة النكاح، كما أن هذه الأحكام ليست منتزعة من أحكام أخرى، وبالتالي فهي غير قابلة للجعل تبعًا أيضًا (الخراساني، نفس المصدر: 3/ 202).

3-2. تلك الأحكام الوضعية التي يواجه جعلها الاستقلالي إشكالًا عقليًا، ولكن جعلها التشريعي تبعًا لحكم تكليفي معقول. وتوضيح ذلك أنه في هذه الموارد، يُشرّع أولًا منشأ انتزاع ذلك الحكم الوضعي تشريعًا، ثم يُنتزع الحكم الوضعي تبعًا له؛ مثل أن يُوضع ويُجعل أولًا الحكم التكليفي بوجوب الصلاة، ولأن موضوع الحكم المذكور، أي الصلاة، مركب من أمور، يُنتزع من هذا الجعل حكم الجزئية الذي هو حكم وضعي للسورة. إذًا، جعل حكم الجزئية للسورة هو تبعي (نفس المصدر: 202).

3-3. تلك الأحكام الوضعية التي يُتصور جعلها استقلالًا وجعلها تبعًا وانتزاعها بالنسبة لحكم تكليفي أو حكم آخر، وكلاهما معقول. وفي الفرض الأخير، يكون الحكم الأول منشأ لانتزاع الحكم الوضعي. وتوضيح ذلك أن الشارع، مثلًا، يمكنه أن يجعل الزوجية ابتداءً، بأن يقول: كل رجل وامرأة يعقدان عقد نكاح، تقوم بينهما علاقة زوجية. هنا، وُضع وجُعل الحكم الوضعي للزوجية من قبل الشارع على نحو استقلالي. كما يمكنه أن يضع ويجعل الزوجية لا على نحو استقلالي، بل على نحو تبعي، بأن يقول: النظر والتقرب بين رجل وامرأة عُقد بينهما عقد نكاح مباح وحلال، أو أن النفقة والإرث والتمكين والطاعة واجبة، بحيث يُنتزع تبعًا لهذه الأحكام التكليفية حكم الزوجية الذي هو حكم وضعي. ويرى المرحوم الخراساني أن أحكامًا مثل الملكية، والزوجية، والقضاء، والولاية، واللزوم، وأمثالها قابلة للجعل مباشرة ولا حاجة للتوسل بالانتزاع، رغم أن إمكانية الجعل التبعي موجودة أيضًا (نفس المصدر: 208).

بعد استعراض أقسام الأحكام الوضعية المتصورة إجمالًا، حان الوقت لتحليل واستدلال كل قسم من الأقسام المذكورة.

المبحث الثالث: أدلة القائلين بالتفصيل (المرحوم الآخوند الخراساني)

أ. القسم الأول: عدم إمكان الجعل التبعي والاستقلالي

يقدم الآخوند الخراساني في مقام الاستدلال للقسم الأول دليلين لكل من الدعويين:

  1. عدم إمكان الجعل التبعي: نماذج الفئة الأولى من الأحكام الوضعية في تصنيف الآخوند هي: السببية، الشرطية، والمانعية. دعوى الآخوند الخراساني الأولى هي أن هذا النوع من الأحكام الوضعية لا يمكن انتزاعه من أحكام أخرى، وبتعبير آخر، لا يمكن وضعها تبعًا لأحكام أخرى. على سبيل المثال، من عبارة «عندما يحل وقت الظهر، تجب الصلاة» لا يمكن انتزاع سببية الزوال للوجوب، ومن عبارة «العقد سبب للملكية» لا يمكن انتزاع سببية العقد التي هي حكم وضعي، ومن عبارة «معاملات الصغير نافذة بعد بلوغه سن الرشد» لا يمكن انتزاع شرطية الرشد في نفوذ المعاملات، ومن عبارة «القرابة الرضاعية مانع من صحة النكاح» لا يمكن انتزاع حكم المانعية، والقول بأن المشرع لم يجعل حكم المانعية مباشرة بل تبعًا لحكم آخر. وذلك لأنه، أولًا، منشأ الانتزاع يجب أن يكون متقدمًا على الأمر المنتزع، وبالتالي إذا كان حكم ما منشأ لانتزاع حكم وضعي هو السببية، فيجب أن يكون رتبة الحكم المذكور متقدمة. ومن جهة أخرى، يجب أن يكون السبب والمسبب متقدمًا على المسبب، والشرط والشرطية متقدمًا على المشروط، لا متأخرًا عنه (نفس المصدر: 208). من خلال هاتين النقطتين يمكن استنتاج أنه إذا كان زوال الظهر سببًا لحكم وجوب الصلاة، فيجب أن يكون متقدمًا على المسبب أي الوجوب، ولا يمكن أن يُنتزع منه؛ لأن المنتزع متأخر عن المنتزع منه، بينما هو هنا متقدم. وإذا كان سببًا للملكية، فيجب أن يكون متقدمًا على الملكية التي هي المسبب، ولا يمكن أن يُنتزع من الملكية وإلا لكان متأخرًا.
  2. عدم إمكان الجعل الاستقلالي: أن تكون هذه الأمور قابلة للجعل مباشرة، وغير معقول أن يجعل الشارع والمشرع السببية لزوال الظهر بالنسبة لوجوب الصلاة، والشرطية للرشد بالنسبة لنفوذ المعاملات بشكل مستقل. وذلك من منظور أنه من الناحية الفلسفية، يجب دائمًا وجود علاقة واقعية بين العلة والمعلول، وإذا لم تكن هناك علاقة واقعية، فلا معنى لتأثير العلة في المعلول. على سبيل المثال، إذا كان شرب الماء يزيل العطش، وأكل الخبز يزيل الجوع، فذلك لوجود علاقة واقعية بين إزالة الجوع وأكل الخبز، وبين إزالة العطش وشرب الماء. ولذا، يُرى أن بين المعلول والعلة علاقة واقعية وتكوينية، وإذا لم يكن الأمر كذلك، للزم أن يكون كل شيء علة لكل شيء، وهذا غير معقول. ومن جملة الروابط التكوينية يمكن ذكر الشرطية والجزئية والمانعية (نفس المصدر: 208).

التكوينيات والواقعيات لا تحتاج إلى جعل ووضع، لأن حقيقة الجعل والوضع هي اعتبار، وما هو واقعي وتكويني لا يحتاج ولا معنى لأن يُعتبر (نفس المصدر: 208). على سبيل المثال، مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين، هذا أمر واقعي لا يعتبره أحد. بناءً على ما سبق، فإن الفئة الأولى في تقسيم الخراساني، مثل السببية والشرطية، هي أمور واقعية وتكوينية وتقع في نطاق الاعتبار والوضع والجعل، وبتعبيرهم، غير قابلة للجعل. خلاصة القول، في رأي الآخوند الخراساني، إذا كان وقت الظهر مثلًا سببًا لوجود الصلاة، أو الرشد سببًا لنفوذ المعاملات، فإن هذه أمور واقعية وصفها الشارع وصفًا توصيفيًا ولم يجعلها أو يضعها بأي وجه من الوجوه.

ب. القسم الثاني: إمكان الجعل التبعي وعدم إمكان الجعل الاستقلالي

القسم الثاني من الأحكام الوضعية، أي ما ليس قابلاً للجعل الاستقلالي ولكن الجعل التبعي فيه صحيح. حسب رأي الخراساني، نماذج الفئة الثانية هي: الجزئية، الشرطية، المانعية، والقاطعية بالنسبة لما هو جزء أو شرط أو مانع أو رافع للمكلف به (موضوع التكليف). يقدم الآخوند دليلين في هذا القسم:

  1. دليل إمكان الجعل التبعي: اتصاف شيء بالجزئية أو الشرطية للمأمور به أو غيرهما، لا يمكن إلا عندما يُؤمر بمجموعة من الأمور مثل التكبير والركوع والسجود وغيرها، وتكون هذه المجموعة مقيدة بأمر وجودي مثل الطهارة أو عدمي مثل عدم القهقهة، وما يتصف بالجزئية أو الشرطية أو المانعية أو القاطعية، يكون ذلك فقط بتبع ملاحظة الأمر بتلك المجموعة (نفس المصدر: 209).
  2. دليل عدم إمكان الجعل الاستقلالي: ما لم يتعلق الأمر بالأجزاء والشروط ضمن المركب (المجموعة)، لا يتصف ذلك الشيء بالجزئية أو الشرطية، حتى لو أنشأ الشارع جزئية أو شرطية لذلك الشيء. على سبيل المثال، ما لم يأمر الشارع بالصلاة واكتفى بالقول إن الركوع جزء أو الطهارة شرط وأمثال ذلك، فإن هذه الكلمات من الشارع لا توجب تشريع الجزئية أو الشرطية؛ لأنه لا يوجد مأمور به ليكون له جزء أو شرط. بناءً على ذلك، فإن الجزئية أو الشرطية لموضوع الحكم، تُنتزع فقط من الجزء أو الشرط الموضوع، بملاحظة الأمر بذلك الموضوع، دون الحاجة إلى جعل الجزئية أو الشرطية (نفس المصدر: 209).

ج. القسم الثالث: إمكان الجعل التبعي والاستقلالي

القسم الثالث من الأحكام الوضعية، أي ما يمكن جعله استقلالياً وتبعياً. يرى الآخوند أن هذا القسم يشمل موارد مثل: الحجية، القضاء، الولاية، النيابة، الزوجية، والملكية. ورغم أن الآخوند الخراساني يرى في البداية إمكانية الجعل بكلا النحوين في هذا القسم، فإنه في النهاية، خلافاً لرأي أستاذه الشيخ الأنصاري وربما مشهور الفقهاء، يرجح الجعل الاستقلالي فيه.

يستدل بأن هذه الأمور، رغم إمكانية انتزاعها من الأحكام التكليفية الموجودة في موارد كل منها، ممكنة. مثلاً، من وجود العمل، تُنتزع الحجية، ومن لزوم مراجعة شخص معين في الخصومات ولزوم إطاعة حكمه وإباحة تصرفه ونفوذه، تُنتزع الولاية (نفس المصدر: 209). كما أن إمكانية جعل الأمور المذكورة بواسطة إنشائها الخاص موجودة. على سبيل المثال، يوضح الشارع أنه قد جعل فلاناً قاضياً أو نائباً، أو بين زوجين رعيا مقررات العقود الشرعية، فقد جعل بينهما زوجية. ولكن بلا شك، انتزاع الأمور المذكورة من مجرد جعل الله أو من فوض إليه أمر الجعل من الله، كالرسول والإمام أو المالك أو الأب في عقد الصغير، بواسطة إنشاء الأمور المذكورة، صحيح، وتترتب آثار كل منها عليها. مثلاً، يترتب جواز البيع على الملكية، وجواز اللمس ووجوب النفقة على الزوجية.

شاهد دليل الآخوند على صحة انتزاع الأمور المذكورة من الجعل، دون الحاجة إلى حكم تكليفي، هو أن انتزاع الملكية والزوجية والطلاق وانحلال العقد بواسطة من بيده اختيار الإنشاء شرعاً، كالمالك أو الوكيل أو المأذون أو الولي، دون ملاحظة التكاليف والآثار، صحيح. في حين لو كانت هذه الأحكام الوضعية تُنتزع فقط من التكاليف، لكان اعتبار هذه الأحكام الوضعية دون ملاحظة التكاليف غير صحيح. بعبارة أخرى، لو أردنا انتزاع الملكية من شيء، لما كان قول «بعت» من البائع كافياً، وكان يجب ملاحظة هذا الأمر أيضاً وهو جواز تصرف المشتري في ذلك الشيء، بينما من الواضح أن هذا الأمر ليس ضرورياً. كما يلزم أن ما هو متصور لا يقع، وما يقع ليس مقصوداً،[3] لأنه يلزم ألا تترتب هذه العناوين (مثلاً الملكية في البيع) على إنشائها مع أنها هي المقصودة، فيكون مرادنا لم يقع، وأن تترتب أحكام وآثار (مثلاً جواز التصرف في البيع) على الإنشاء، مع أن هذا ليس مقصودنا، فيقع ما ليس مرادنا. بعبارة أخرى، غرض من يقول «بعت: فروختم» هو ترتب الملكية لا ترتب الآثار، فإذا ترتبت الآثار (مثلاً جواز التصرف) على «بعت» لا الملكية، فقد وقع أمر غير مقصود له، ومثل هذه الظاهرة في عالم القانون غير ممكنة؛ لأن نتائج الأعمال القانونية التي هي أمور قصدية تتوقف على القصد ويجب أن تترتب على القصد، وفي غير هذه الحالة يلزم تخلف المعلول عن العلة (نفس المصدر: 209). في النتيجة، يؤكد الخراساني على أن الواقع هو أن انتزاع هذه العناوين من مجرد الأحكام الوضعية في مورد هذه العناوين ليس صحيحاً، لذا لا تُنتزع الملكية من إباحة التصرف أو الزوجية من جواز الوطء، وكذلك سائر الاعتبارات في أبواب العقود والإيقاعات. ونتيجة لذلك، يتضح من وجهة نظر الآخوند أن هذه الاعتبارات، مثل التكليف، مجعولة بنفسها، وانتزاعها من مجرد إنشائها ممكن. وبالتالي، كما ينشئ المولى الوجوب والتحريم، ينشئ أيضاً الحجية والقضاء والزوجية. وخلاصة القول، في رأي الآخوند الخراساني، الأحكام الوضعية مجعولة بتبع التكليف وليست منتزعة منه.

المبحث الرابع: نقد رأي القائلين بالتفصيل (الآخوند الخراساني)

بعد الآخوند الخراساني، تعرضت نظريته للنقد من قبل الفقهاء المتأخرين. المحقق الأصفهاني، ضمن اتباعه لتقسيم الآخوند في ذكر أقسام الحكم الوضعي، يوضح أنه أولاً، لا يوجد لأي من الأحكام الوضعية جعل تبعي، لأنه حتى مع فرض انتزاع الأحكام الوضعية من الأحكام التكليفية نفسها كمنشأ للانتزاع، فإن هذا الانتزاع يساوي الجعل بالعرض لها لا الجعل بالتبع. ثانياً، الحكم التكليفي نفسه ليس منشأ لانتزاع الحكم الوضعي، أي أن انتزاع أمر انتزاعي من منشأ انتزاعي يؤدي إلى أن العنوان المأخوذ من ذلك الأمر الانتزاعي يصدق على ذلك المنشأ الانتزاعي. مثلاً، عنوان «الفوقية» يُنتزع من السقف، وعنوان الفوق المأخوذ من الفوقية يصدق على السقف الذي هو منشأ الانتزاع (الأصفهاني، 1418: 1/ 27). ولكن هذه القاعدة، رغم أن المحقق الأصفهاني طرحها في بعض الأحكام الوضعية (مثل الجزئية، الشرطية، الملكية، الطهارة، النجاسة)، لم يطبقها على جميع الأحكام الوضعية، ووفقاً لها، فإن الحكم التكليفي نفسه ليس منشأ لانتزاع الحكم الوضعي. ثالثاً، استدلال الخراساني في الأحكام التي لا تقبل الجعل الشرعي، لا استقلالياً ولا تبعياً، مثل السببية، الشرطية، المانعية، والرافعية، ليس صحيحاً، لأن سماحته خلط بين ذات العلة والمعلول وكذلك بين السببية التكوينية والسببية التشريعية. رابعاً، بعض الأحكام الوضعية، مع أن الحكم التكليفي ليس مطروحاً كمنشأ لانتزاعها، تُنتزع من الحكم التكليفي كمنشأ للانتزاع، ولكن الحكم التكليفي بما هو مجعول تكويني، هو مصحح لانتزاعها، مثل الجزئية والشرطية بالنسبة للواجب. خامساً، بعض الأحكام الوضعية لها جعل استقلالي، مثل القضاء والولاية بمعنى الحاكمية الكلية الشرعية، أو الطهارة والنجاسة والزوجية (نفس المصدر: 3/ 204-205).

أورد المحقق النائيني إشكالاً على القسم الأول من الأحكام الوضعية (وفق تقسيم الآخوند الخراساني) واعتبره من الموارد التي خُلط فيها بين علل تشريع الأحكام وموضوعات الأحكام. مع توضيح أنه صحيح أن علاقة وقت الظهر بالصلاة وعقد البيع بالملكية هي خصوصية ذاتية وتكوينية اقتضت تشريع وجوب الصلاة وإمضاء الملكية، ولكن هذه الخصوصية هي فقط سبب نفس التشريع والإمضاء ودافع لهما عند الشارع، لأنه في كل فعل اختياري، هناك حاجة إلى داعٍ (دافع). ولكن محل البحث في هذا المقام ليس الدافع للشارع، بل البحث في سبب الأمر المجعول أي نفس الوجوب والملكية، ومن المعلوم أن سببية وقت الظهر والعقد للوجوب والملكية، تُنتزع فقط من ترتب الوجوب والملكية على الظهر والعقد، لأنه لو لم يؤخذ الظهر والعقد كموضوع للوجوب والملكية، لما كان الدلوك والعقد سبباً للوجوب والملكية. بالطبع، يقسم المحقق النائيني الأحكام الوضعية إلى قسمين: 1. ما هو مستقل في الجعل، مثل الأمور الاعتبارية العرفية كالملكية، الرقية، الزوجية، والضمان وغيرها من منشأ العقود والإيقاعات. 2. ما يُنتزع من الوضع أو التكليف الشرعي، مثل الجزئية، الشرطية، المانعية، والسببية (نفس المصدر: 30).

النتيجة

السؤال المهم في باب الأحكام الوضعية هو: هل للأحكام الوضعية جعل استقلالي أم أنها منتزعة من الأحكام التكليفية؟ وفي الحالة الثانية، هل إسناد الجعل الشرعي إليها إسناد حقيقي أم مجازي؟ في الإجابة على هذه المسألة، توجد عدة آراء بين الأصوليين. يرى البعض مثل الشهيد الثاني، الشيخ البهائي، الفاضل التوني، والوحيد البهبهاني أن الأحكام الوضعية أيضاً، كالأحكام التكليفية، جزء من إنشاءات واعتبارات الشارع، وبالتالي فإن إسناد الجعل الشرعي إليها إسناد حقيقي. ولكن في المقابل، يعتقد بعض الأصوليين مثل الشهيد الأول، شريف العلماء، والشيخ الأنصاري أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية وإسناد الجعل الشرعي إليها ليس إسناداً حقيقياً. وفي مقابل هذين الرأيين، طُرح رأي ثالث يفصل بين أقسام الأحكام الوضعية، وهو منسوب إلى الآخوند الخراساني. قدم المحقق الأصفهاني في تحليل هذه المسألة تفصيلاً جديداً يوضح عدة قواعد في باب الأحكام الوضعية. في فكره، لا يوجد لأي من الأحكام الوضعية جعل تبعي، لأنه حتى مع انتزاع الأحكام الوضعية من الأحكام التكليفية نفسها كمنشأ للانتزاع، فإن ذلك يساوي الجعل بالعرض لها لا الجعل بالتبع. وبحسب رأيه، فإن الحكم التكليفي نفسه ليس منشأ لانتزاع الحكم الوضعي. إن رأي المحقق الخراساني في الأحكام التي لا تقبل الجعل الشرعي، لا استقلالياً ولا تبعياً، مثل الشرطية، السببية، المانعية، والرافعية، ليس صحيحاً. في فكره، بعض الأحكام الوضعية، مع أن الحكم التكليفي ليس مطروحاً كمنشأ لانتزاعها، تُنتزع من الحكم التكليفي كمصحح للانتزاع. ولكن الحكم التكليفي بما هو مجعول تكويني، هو مصحح لانتزاعها، مثل الجزئية والشرطية بالنسبة للواجب.

قائمة المصادر

  1. الأصفهاني، محمد حسين، بحوث في الأصول، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية، 1416 هـ.
  2. البهائي، محمد بن حسين، زبدة الأصول، قم، شريعت، الطبعة الأولى، 1383.
  3. البهبهاني، محمد باقر، الفوائد الحائرية، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1415 هـ.
  4. الحلي، حسين، أصول الفقه، قم، مكتبة الفقه والأصول المختصة، الطبعة الأولى، 1432 هـ.
  5. الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، مع تعليقة زارعي سبزواري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1430 هـ.
  6. الخوئي، أبو القاسم، مصباح الأصول، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولى، 1422 هـ.
  7. الشهيد الأول، محمد بن مكي، القواعد والفوائد، قم، منشورات المفيد، الطبعة الأولى، 1400 هـ.
  8. الشهيد الثاني، شرح اللمعة، ترجمة علي شيرواني ومحمد مسعود عباسي، مؤسسة دار العلم للنشر، الطبعة الأولى، 1384.
  9. الشيخ الأنصاري، مرتضى، فوائد الأصول، برنامج مكتبة مدرسة الفقاهة، 1428 هـ.
  10. الصدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، الطبعة الثالثة، 1426 هـ.
  11. فاضل التوني، عبد الله بن محمد، الوافية في أصول الفقه، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1415 هـ.
  12. الكرباسي، محمد إبراهيم، إشارات الأصول، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
  13. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407 هـ.
  14. المحقق الداماد، سيد مصطفى، مقالة تحولات اجتهاد شيعي، مجلة البحوث القانونية، 1388.

الهوامش

  1. إن إتلاف الصبي سبب لضمانه، فإنه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمعت فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: «اغرم ما أتلفته في حال صغرك»، انتزع من هذا الخطاب معنى يعبر عنه بسببيّة الإتلاف للضمان، ويقال: إنه ضامن، بمعنى أنه يجب عليه الغرامة عند اجتماع شرائط التكليف.
  2. إن الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي، وأن كون الشيء سبباً لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء.
  3. ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد.
Scroll to Top