دراسة مقارنة لوظيفة السياق في الميزان والتفسير الحديث في تقييم الروايات

الملخص

تُعَدُّ العناية بسياق الآيات القرآنية إحدى القرائن المقالية المهمة لفهمها. وقد استُخدمت هذه القرينة بشكل واسع في تفسيرين مهمين هما: «الميزان» للعلامة الطباطبائي، و«التفسير الحديث» لمحمد عزة دروزة. يرى العلامة الطباطبائي أن سياق الآية هو أوضح دليل لفهم مقصودها، ويعتقد دروزة أنه إذا لم يُلتفت إلى وحدة سياق الآيات، فسيؤدي ذلك إلى خلل في الفهم الصحيح والتدبر والإحاطة بحقيقة الأهداف القرآنية. من هذا المنطلق، استفاد كلا المفسرين من سياق الآيات في وظائف تفسيرية متنوعة. ونظراً لأن للروايات استخدامات متعددة في هذين التفسيرين، ولأن المؤلفين لم يعتبروها صحيحة بأكملها، فقد عرضوا الأخبار على سياق الآيات القرآنية مراراً وتكراراً، وقاموا بتقييم ثماني فئات من الروايات بالاعتماد على السياق. من بينها، أربع فئات تم تقييمها بشكل مشترك في كلا التفسيرين، وفئتان في الميزان فقط، وفئتان في التفسير الحديث حصراً. في هذه الدراسة، تم رفض بعض الروايات بناءً على السياق، بينما تم تأييد البعض الآخر، وفي بعض الأحيان استُخدمت الرواية لتأييد السياق نفسه.

1. طرح الإشكالية

لقد كان القرآن الكريم منذ بدء نزوله محط اهتمام المسلمين، وخصوصاً العلماء منهم. لذا، بُذلت جهود ومساعٍ حثيثة في سبيل فهم وتفسير آياته، وأثمرت هذه الجهود عن ظهور تفاسير قيمة أصبحت اليوم في متناول الباحثين في الدراسات القرآنية، لتكون نبراساً ينير لهم طريق أبحاثهم. وقد اتبع المفسرون مناهج متنوعة لفهم الآيات، ومن أهم هذه المناهج – الذي تمتد جذوره إلى سنة النبي (ص) وسيرة أهل البيت (ع) – منهج تفسير القرآن بالقرآن. ولاستثمار هذا المنهج على الوجه الأمثل، توجد قواعد من بينها الالتفات إلى سياق الآيات. لقد حظي توظيف السياق باهتمام المفسرين منذ القدم، غير أنه في القرن الأخير، تزايد الاهتمام به. ففي أوساط التفاسير الشيعية، يُعد تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، وفي أوساط تفاسير أهل السنة، يُعد التفسير الحديث لمحمد عزة دروزة، من أبرز التفاسير التي أفادت من السياق أيما إفادة.

إن استخدام السياق في هذين التفسيرين له أبعاد واسعة ووظائف متنوعة، حتى إن مصطلح «السياق» يُعد من أكثر المفردات تواتراً فيهما. ومن أهم وظائف السياق في كلا التفسيرين، توظيفه في دراسة الروايات وتقييمها. ورغم وجود دراسات تناولت موضوع السياق في هذين التفسيرين، إلا أنها أولاً لم تتطرق إلى تقييم شامل ودقيق للروايات استناداً إلى السياق، وثانياً، لم تعقد مقارنة بين التفسيرين في هذا الموضوع محل البحث. وتبرز أهمية وضرورة تنظيم هذه الدراسة حين نلتفت إلى أن هذين التفسيرين ينطلقان من خلفيتين فكريتين وعقديتين متمايزتين، وأن المقارنة بينهما ستكشف لنا عن أوجه التشابه والاختلاف بينهما. وبناءً على ذلك، يبدو من الضروري إنجاز مثل هذا البحث. ومن هنا، يسعى هذا التحقيق إلى الإجابة عن السؤال التالي: كيف تتمثل الدراسة المقارنة لوظيفة السياق في الميزان والتفسير الحديث في تقييم الروايات؟

2. دراسة مفهوم السياق لغةً واصطلاحاً

كلمة «سياق» هي مصدر الفعل «ساق، يسوق»، وأصلها «سِواق»، وبناءً على قواعد الإعلال، وبسبب كسر السين، قُلبت الواو ياءً.1 فالسياق في اللغة يعني السوق والدفع.2 أما في الاصطلاح القرآني، فقد قدم العلماء تعريفات مختلفة له، منها:

قدّم الشهيد الصدر، بتوسيع المعنى الاصطلاحي للسياق، تعريفاً يرى فيه أنه يشمل كل القرائن التي تساعد على فهم اللفظ، سواء كانت قرائن لفظية، كالكلمات التي تشكل مع اللفظ المراد تحديده مجموعة مترابطة ومتصلة، أو قرائن حالية، كظروف وملابسات صدور الكلام التي تؤثر في فهم المعنى.3 أما الشيخ معرفة، فقد عرّف السياق بقوله: إن القرآن نزل تدريجياً وفي مناسبات مختلفة، وأحياناً كانت تنزل مجموعة من الآيات في مناسبة خاصة، مما يستلزم وجود رابطة ذاتية بينها، وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح سياق الآية.4 ويعرّفه رجبي بأنه: «بنية كلية تخيّم على مجموعة من الكلمات أو الجمل أو الآيات وتؤثر في معناها».5

والقدر المشترك بين التعريفات المقدمة للسياق يتمثل في الالتفات إلى الوحدة اللفظية والمعنوية للجمل أو الآيات المتجاورة، بهدف الوصول إلى المعنى والمفهوم الذي أراده الله تعالى. ومن بين التعريفات المذكورة، يتسم تعريف الشهيد الصدر بسعة كبيرة، حيث يشمل جميع القرائن المتصلة، بينما لا تتوافق موارد استخدام هذا المصطلح في مؤلفات العلماء مع هذا التعريف الواسع.6

3. مفهوم السياق ووظائفه في الميزان والتفسير الحديث

لا شك أن من أهم مفاتيح التدبر في آيات الميزان والتفسير الحديث وفهمها هو توظيف السياق. فالعلامة الطباطبائي، الذي يعتبر سياق الآية أوضح دليل على فهم مقصودها،7 قد أفاد في تفسيره من أربع عشرة وظيفة للسياق على الأقل، وهي: 1- بيان الأحكام الشرعية، 2- تأريخ الآيات، 3- تبيين المبهمات، 4- تبيين مفهوم الآيات، 5- تبيين وتعيين معاني الألفاظ، 6- تعيين المخاطب، 7- تقييد المطلقات، 8- تناسب الآيات، 9- تبيين القواعد الأدبية، 10- نقد واختيار الآراء التفسيرية، 11- اختيار القراءة، 12- اختيار مرجع الضمير، 13- نقد وتأييد الروايات، 14- تحديد نوع الرواية بالسياق.

أما دروزة، الذي خصص في مقدمة تفسيره تسع صفحات لأهمية مسألة السياق في القرآن تحت عنوان «تسلسل الفصول القرآنية وسياقها»،8 فقد أظهر في تفسيره ما لا يقل عن اثنتي عشرة وظيفة للسياق، وهي: 1- تبيين مفهوم الآيات، 2- تبيين معاني الألفاظ، 3- تبيين مرجع الضمير، 4- كشف تناسب الآيات، 5- تأريخ الآيات، 6- تعيين المخاطب، 7- رد الآراء الكلامية، 8- تبيين القواعد الأدبية، 9- اختيار القراءة، 10- رد واختيار الآراء التفسيرية، 11- رد وتأييد الروايات، 12- فهم الإعجاز البياني للقرآن.

على الرغم من الاستخدام الواسع للسياق من قبل العلامة الطباطبائي، فإنه لم يقدم تعريفاً محدداً له. ويبدو أن معنى هذا المصطلح ومفهومه كان واضحاً في نظره بما لا يستدعي تعريفاً. ومن خلال دراسة وتحليل وظائف السياق في تفسير الميزان، يمكن القول إن مراد العلامة من السياق هو الالتفات إلى الوحدة اللفظية والمعنوية للكلمات والجمل والآيات المتجاورة، بهدف الوصول إلى المعنى والمفهوم الذي أراده الله تعالى. ومن منظور دروزة أيضاً، فإن مراد السياق هو مجموعة الألفاظ والعبارات والآيات التي تتسم بوحدة جمعية ومفهومية متصلة ومنسجمة، بحيث إن عدم الالتفات إليها يسبب خللاً في الفهم الصحيح والتدبر والإحاطة بحقيقة الأهداف القرآنية.9

1-3. توسيع مفهوم الآيات أو تحديده بواسطة السياق في الميزان والتفسير الحديث

بالتدقيق في وظائف السياق في الميزان، يبدو أن هذا التفسير كلما طبّق قاعدة السياق، فسّر الآيات ضمن إطار السياق نفسه، ورفض أي تفسير يتجاوزه، إلا في الحالات التي توجد فيها قرائن متصلة أو منفصلة لآيات أخرى، فعندئذٍ يُقدَّم تفسير أوسع من السياق. فعلى سبيل المثال، يذكر مؤلف الميزان في تفسير «العهد» في آية «لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا» (مريم: 87) ثلاثة أقوال: 1- الإيمان بالله وتصديق النبوة، 2- وعد الله بالشفاعة، 3- الشهادة بـ«لا إله إلا الله» والابتعاد عن الحول والقوة غير الإلهية والتعلق بالله. ثم يكتب العلامة الطباطبائي: الوجه الأول أصح وأنسب للسياق.10 لكن العلامة، حيثما ترك سياق الآية جانباً وأخذ بالقرائن الأخرى، قدم مفهوماً أوسع للآية. على سبيل المثال، في ذيل جزء من الآية السابعة من سورة الحشر: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» يكتب: إن الآية بغض النظر عن سياقها، لها مفهوم عام يشمل جميع الأوامر التي أتى بها النبي (ص) وأمر بها، أو نهى عنها.11

أما بالنسبة لدروزة، فالسياق قاعدة تفسيرية مهمة، لدرجة أنه حاول في تفسيره دائماً نقد أي معنى يتجاوز سياق الآيات. على سبيل المثال، في ذيل آية «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافظ» (الطارق: 4)، يذكر في تفسير كلمة «حافظ» ثلاثة آراء: 1- الله، 2- الملك الموكل بإحصاء أعمال البشر، 3- الحارس الذي يحفظ الناس من الآفات. ثم يرى دروزة أن القولين الأولين لا إشكال فيهما، لكنه يرفض التفسير الثالث استناداً إلى السياق.12

4. وظيفة السياق في الميزان والتفسير الحديث في تقييم الروايات

من بين وظائف السياق في تفسيري الميزان والتفسير الحديث، دراسة وتحليل مضمون الروايات المرتبطة بالآيات، حيث يتم أحياناً تأييد الروايات المتوافقة مع سياق الآيات، وأحياناً أخرى نقدها. والرؤية المشتركة لكلا المفسرين في نقد الروايات هي وجود ظاهرة الوضع والتحريف في الروايات. يعتقد العلامة الطباطبائي أن من يتدبر في الروايات التفسيرية، لن يتردد في أن الأخبار الموضوعة فيها كثيرة، وأن أقوالاً متناقضة نُسبت بكثرة إلى صحابي واحد أو تابعي. ويُشاهد في هذه الروايات قصص وحكايات كاذبة قطعاً، وأسباب نزول وناسخ ومنسوخ لا يتفق مع سياق الآيات.13 ويرى دروزة أيضاً أنه في باب الروايات والأقوال، كان هناك تساهل كبير، ولا ينبغي اعتبارها قضايا مسلّمة قبل دراستها وتمحيصها متناً وسنداً ومقارنتها.14

تُظهر الدراسة الدقيقة والمستفيضة للسياق في التفسيرين المذكورين أن العلامة الطباطبائي، باستخدام سياق الآيات، قد قيّم ست فئات من الروايات: 1- روايات تأريخ الآيات، 2- الروايات التفسيرية، 3- روايات الجري والتطبيق، 4- روايات سبب النزول، 5- روايات الناسخ والمنسوخ، 6- روايات تحريف القرآن. كما قيّم دروزة، باستخدام سياق الآيات، ست فئات من الروايات: 1- روايات تأريخ الآيات والسور، 2- روايات الجري والتطبيق، 3- الروايات التفسيرية لأهل السنة، 4- روايات جمع القرآن، 5- الاستفادة من الروايات المؤيدة للسياق، 6- روايات سبب النزول.

وبحذف المشتركات، تم إجمالاً دراسة وتقييم ثماني فئات من الروايات في التفسيرين بالاستعانة بالسياق: 1- روايات تأريخ الآيات، 2- الروايات التفسيرية، 3- روايات الجري والتطبيق، 4- روايات سبب النزول، 5- روايات الناسخ والمنسوخ، 6- روايات تحريف القرآن، 7- روايات جمع القرآن، 8- الاستفادة من الروايات المؤيدة للسياق. وقد أولى كلا المفسرين اهتماماً للفئات الأربع الأولى، بينما ورد الحديث عن الفئة الخامسة والسادسة في الميزان فقط، وطُرحت الفئة السابعة والثامنة في التفسير الحديث حصراً.

1-4. روايات تأريخ الآيات

المراد بروايات تأريخ الآيات هو الروايات المكية والمدنية، وأسباب النزول، وترتيب النزول، وتاريخ النبي (ص). ومن بين هذه الروايات، تم تقييم روايات زمان النزول والروايات المكية والمدنية في تفسيري الميزان والتفسير الحديث بالاستعانة بسياق الآيات.

1-1-4. روايات زمان النزول

المقصود بروايات زمان النزول هو الروايات التي أشير فيها بشكل ما إلى تاريخ نزول الآيات والسور. وفي كلا التفسيرين، توجد نماذج لنقد وردّ هذا النوع من الروايات باستخدام سياق الآيات، منها:

1- كتب العلامة الطباطبائي في ذيل آية «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ …» (آل عمران: 64) ما يلي: قال البعض، استناداً إلى الرواية، إن هذه الآية نزلت في بداية الهجرة، وقال آخرون – نقلاً عن ابن حجر – إنها نزلت مرتين. ثم ينقد العلامة هذه الروايات بالسياق ويكتب: اتصال سياق آيات هذه السورة يؤكد أن هذه الآية نزلت قبل السنة التاسعة للهجرة.15

ويستند هذا النقد من العلامة إلى تحليل متين بحثه في بداية تفسير سورة آل عمران، حيث كتب هناك: بسبب الانسجام والاتصال الذي يسود آيات هذه السورة من بدايتها إلى نهايتها، فإن نزول جميع آياتها كان دفعة واحدة وفي زمن كان فيه النبي (ص) قد بلغ حداً من القوة، إذ ورد في هذه السورة ذكر غزوة أحد، والمباهلة مع نصارى نجران، والتشجيع على مواجهة المشركين، والدعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة.16

2- يكتب دروزة في ذيل الآيات 17 إلى 22 من سورة التوبة: «ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ…» ما يلي: تشير بعض الروايات إلى أن هذه الآيات نزلت قبل فتح مكة، ولكن بناءً على سياق مجموعة الآيات، فإنها نزلت بعد فتح مكة.17 وبما أن هذه الآيات تتحدث عن عدم أهلية المشركين لعمارة المسجد الحرام، وفي المقابل أهلية المؤمنين لهذا الأمر، فقد نشأ تصور بأن هذا اللحن يناسب زمناً لم يكن فيه المسلمون قد فتحوا مكة بعد، لأنه بعد فتح مكة لم يعد هناك مشرك ليكون مخاطباً بالآيات. وقد نقد دروزة، بفهم دقيق لسياق الآيات السابقة واللاحقة والانسجام الذي يسودها، الروايات المذكورة، وذلك بأن الحديث عن المشركين لا يقتصر على هذه الآيات؛ ففي الآيات السابقة للآية 17، ورد إعلان البراءة من المشركين في الحج ومحاربتهم بعد انقضاء الأشهر الحرم، وفي الآيات التالية للآية 22، ورد الحديث عن نجاسة المشركين ومنعهم من دخول المسجد الحرام. وبناءً على ذلك، وبالنظر إلى هذا السياق، فإن الآيات تتسم بوحدة النزول، وقد نزلت جميعها بعد فتح مكة.

2-1-4. الروايات المكية والمدنية

ينقل الزركشي عن الجعبري قوله: لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي. فالسماعي هو ما وصلنا من نزول مكي أو مدني عن طريق الرواية، والقياسي هو قواعد نقلها علقمة عن عبد الله.18 وقد نظر العلامة الطباطبائي ودروزة إلى الروايات المكية والمدنية بعين الشك، وأوليا اهتماماً بالغاً بسياق الآيات لتمييز الصحيح من السقيم منها. وكما كتب العلامة، يوجد تناقض في الروايات المكية والمدنية وترتيب النزول، وهذا ما يسقطها عن درجة الاعتبار، ويبقى الطريق الوحيد المحدد للوصول إلى هذا الهدف هو التدبر في سياق آيات القرآن والاستعانة بالقرائن والدلائل الداخلية والخارجية.19 ومن الأمثلة على ذلك:

1- يورد العلامة الطباطبائي في ذيل آية «وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ…» (الأنفال: 30) ثلاث روايات من الفريقين حول كون الآية مكية، ثم ينقدها بقوله: سياق الآيات لا ينسجم مع هذه الروايات التي تعتبر الآية مكية.20 تتحدث هذه الآية عن مؤامرة قريش في مكة لتقييد النبي (ص) أو قتله أو إخراجه في سنوات وجوده في تلك المدينة، لذا نشأ وهم بأن الآية نزلت في مكة وأُدرجت في سورة الأنفال التي هي مدنية. ويرى العلامة الطباطبائي أن الروايات المتعلقة بهذه الرؤية لا تتوافق مع سياق الآيات، لأنه بمقتضى سياق الآيات، فإن «الواو» في بداية الآية هي للعطف، وهذه الآية معطوفة على الآية السابعة من السورة: «وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ»، و«إذ» متعلقة بـ «اذكر» أو «ليذكروا» المحذوفة، وهي تذكير بمكائد الكفار في مكة تجاه النبي (ص).21

2- يورد دروزة في ذيل الآيات 73 إلى 75 من سورة الإسراء: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَ إِذا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً …» ما يلي: المصحف الذي نعتمد عليه يذكر هذه الآيات على أنها مدنية، وهذا يتوافق مع مقتضى الروايات (المكية والمدنية). ثم يورد أربعة انتقادات قرآنية: 1- الآيات وردت في سورة مكية، 2- هي في سياق يحكي جدال الكفار وعداوتهم، 3- أسلوب هذه الآيات متطابق مع أسلوب الآيات السابقة التي لا شك في مكيتها، 4- يسود بين هذه الآيات والآيات التي قبلها وبعدها سياق منسجم.22

ومراد دروزة بـ «المصحف الذي نعتمد عليه» هو المصحف الذي طبعته وزارة الداخلية المصرية بإشراف مجموعة من العلماء والخبراء وفقاً لترتيب نزول الآيات والسور المكية والمدنية.23 وسورة الإسراء من السور المكية، وفي المصحف الذي يستشهد به دروزة، اعتبرت الآيات 73 إلى 75 من هذه السورة مدنية. وقد قدم دروزة أربعة أدلة قرآنية لنقد كون هذه الآيات مدنية. ويتضح من الدليل الأول لدروزة أنه لا يعتقد بالآيات المستثناة (أي إدراج آيات مكية في سور مدنية والعكس)، ويرفض وجود آيات مكية في آيات مدنية. ويشير الدليلان الثاني والثالث إلى الارتباط الموضوعي لسياق الآيات، فبناءً على ذلك، تحمل الآيات مضموناً كان مكان تحققه في مكة. أما الدليل الرابع، فيدل على الارتباط النزولي في سياق الآيات، بمعنى أنه من خلال الانسجام والاتصال الموجود في جميع آيات هذه السورة، يُفهم أن جميع آيات السورة مكية.

2-4. الروايات التفسيرية

المقصود بالروايات التفسيرية في هذا المقام، الروايات التي تبين مفهوم الآية وتوضح مدلولها. ويعد نقد أو تأييد الروايات التفسيرية بناءً على سياق الآيات من الوظائف الأخرى للسياق في الميزان والتفسير الحديث. ومن الأمثلة على ذلك:

1- يروي العلامة الطباطبائي في تفسير آية: «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ» (الرعد: 20) عن قتادة قوله: أوفوا بعهدكم ولا تنقضوا ميثاقكم، فإن الله نهى عن ذلك وحذر منه بتقديم (آيات الإنذار الشديد)، وذكره في بضع وعشرين آية لينصحكم ويتم الحجة عليكم. وقد روي لنا أن النبي (ص) قال: لا إيمان لمن لا أمانة له. وبعد نقل هذه الرواية، يضعها العلامة في بوتقة النقد ويكتب: في هذه الرواية، فُسّر العهد والميثاق في الآية بالعهد والميثاق الجاري بين الناس، بينما سياق الآية يخالف ذلك.24

ولتوضيح نقد العلامة، يجب القول إن ما ورد عن قتادة يتعلق بالحفاظ على العهد والميثاق الجاري بين الناس، كما أن بعض المفسرين البارزين فسروا الآية بعهد وميثاق بين الله والناس، وبين الناس بعضهم البعض.25 ويبدو أن هذا التفسير جاء بإلغاء الخصوصية ودون الالتفات إلى السياق الصحيح. ولكن في نظر العلامة، واستناداً إلى سياق الآيات، فإن الآية تتعلق فقط بعهد الله وميثاقه مع عباده. ويعتقد العلامة، بنظرته العميقة لسياق الآيات، أنه بقرينة الآية السابقة: «أَ فَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ» (الرعد: 19)، فإن المراد بالعهد والميثاق هو ما عقده الناس مع الله، والتزموا به بلسان الفطرة من الإيمان بوحدانيته والتعهد بلوازم التوحيد.26

2- يروي دروزة في ذيل آية: «وَ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ» (سبأ: 23) عن البخاري والترمذي وأبي داود في تفسير جملة «حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» أن النبي (ص) قال: إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان. فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، فينقلها إلى من تحته، ثم ينقلها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه. وبعد نقل الحديث، ينقده دروزة بقوله: إننا لنتعجب من هذا الحديث، فمضمون الآيات وسياقها وروحها يبين بوضوح أنها في صدد التحدي مع المشركين وشركائهم، وتشير إلى مشهد من مشاهد البعث في الآخرة أو نفي الشفاعة إلا بإذن الله، ولا علاقة لها – من قريب أو بعيد – باستماع الشياطين لكلام السماء وأوامر الله حين يقدر أمراً لمخلوقاته في الحياة الدنيا.27 إن الآيات السابقة واللاحقة للآية 23 من سورة سبأ تحتج على المشركين وتظهر عجز آلهتهم وضعفها بالاستدلال: «قُل ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ… » (22)، «قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ…» (24). وقد أخذ دروزة في نقده للرواية التفسيرية هذا السياق بعين الاعتبار بحصافة، واعتبر أن سياق الآيات هو تحدٍ للمشركين. وبناءً على ذلك، فإن المخاطب بالآية ليسوا الملائكة ولا من استرقوا السمع خفية وأوصلوه إلى السحرة والكهان. فالآية 23 تشير إلى مشهد من مشاهد القيامة، لذا فإن مضمون الرواية يتعارض مع سياق الآيات.

3-4. روايات الجري والتطبيق

الجري والتطبيق مصطلح مستفاد من كلام أهل البيت (ع).28 وتشكل روايات الجري والتطبيق جزءاً كبيراً من الروايات التفسيرية – خاصة عند الشيعة. ومن أفضل طرق تمييز صحتها من سقمها، الالتفات إلى سياق الآيات. ولهذا السبب، فإن من بين الوظائف المهمة للسياق في الميزان والتفسير الحديث تقييم روايات الجري والتطبيق، مع فارق أن دروزة قد انتقد بشكل كامل الروايات التي يكون مصداقها أهل البيت (ع). ومن الأمثلة على ذلك:

1- يكتب العلامة الطباطبائي في ذيل آية: «وَ الَّذِى جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (الزمر: 33) ما يلي: روي أن الذي جاء بـ«الصدق» هو جبريل، والذي صدّق بـ«الصدق» هو محمد (ص). وينقد العلامة هذه الرواية بقوله: على الرغم من أن هذه الرواية من باب الجري والتطبيق، إلا أن سياق الآيات لا يؤيدها، لأن الآيات في وصف النبي (ص) والمؤمنين، وتطبيقها على جبريل غريب عن السياق، ولا ذكر له في السياق.29

لقد سعى العلامة في الميزان أولاً إلى تعريف روايات الجري والتطبيق بأنها غير الروايات التفسيرية، وثانياً إلى حمل روايات الجري والتطبيق على الآيات – حتى لو لم تكن متوافقة مع السياق – ولكن هذا الحمل ليس بلا ضابط. فمثلاً، في آية «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (النحل: 43)، يعتقد أن المراد بـ«أهل الذكر» بناءً على السياق هم اليهود والنصارى، ولكن بصرف النظر عن السياق وإلغاء الخصوصية وعدم تخصيص الآية بموردها، فإن لـ«أهل الذكر» مفهوماً عاماً ومصداقاً خاصاً، وهو – بناءً على الروايات – أهل بيت النبي (ص).30 وفي هذا المثال، لم ينفِ العلامة المصداق الخاص – رغم تعارضه مع السياق – بسبب المفهوم العام للآية، بل حمله على الجري والتطبيق. أما في المثال السابق، فقد رجّح العلامة سياق الآيات على رواية الجري والتطبيق، ويبدو في نظره أن للآية نفسها مصداقاً محدداً، وليست كآية «أهل الذكر» ذات مفهوم عام يمكن حمل مصداق محدد عليه.

2- في تعامله مع روايات الجري والتطبيق الشيعية، كان لدروزة موقف سلبي فقط، حيث انتقدها بسياق الآيات وأظهر عدم اعتبارها. على سبيل المثال، في ذيل الآية 24 من سورة ق: «أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ» يكتب: مفسرو الشيعة – رغم أن الآية كلها وسياقها واضح – قدموا تأويلاً يتماشى مع أهوائهم، حيث رووا عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله (ص) سُئل عن هذه الآية، فقال: أنا وعلي (ع) نلقي كل أعدائنا في جهنم. وينقد دروزة الرواية، بالإضافة إلى نقدها بالسياق، من جهة عدم ورودها في الكتب الخمسة الحديثية (الصحاح)، وفي النهاية يعتبرها موضوعة.31

لقد خرج دروزة في مواجهته لهذه الرواية عن دائرة الإنصاف، لأنه أولاً نسب تأويل الآية إلى مفسري الشيعة، بينما هم في مثل هذه التأويلات يسلّمون للروايات ويتجنبون بشدة إقحام آرائهم. ثانياً، روى الحاكم الحسكاني هذه الرواية بأسانيد أهل السنة.32 ثالثاً، نقد دروزة بعدم ورود الرواية في كتب الصحاح غير وجيه، لأنه هو نفسه قبل في تفسيره روايات غير موجودة في الصحاح.33 رابعاً، اتخذ دروزة منهجاً خاطئاً في توظيف السياق لنقد هذا النوع من الروايات، لأن السياق ليس دائماً معياراً مناسباً للحكم على روايات الجري والتطبيق. وبالطبع، لا شك أن عدم الإيمان بالجري وتطبيق آيات القرآن على مر الزمان – وهي من الحقائق المصرح بها في روايات أهل البيت (ع) – قد جعل دروزة يرفض تطبيق حكم الآيات العام على مصاديق معينة، بينما الجري في القرآن – نقلاً عن الإمام الباقر (ع) – هو سر خلود هذا الكتاب الإلهي.

4-4. روايات أسباب النزول

نزلت آيات القرآن على نوعين: بعضها نزل بلا مقدمة ودون وقوع سؤال أو حادثة، وبعضها الآخر نزل إثر سؤال أو حادثة.34 وبناءً على ذلك، فإن القسم الثاني له أسباب نزول. وأهم طريق لمعرفة سبب النزول هو الروايات. يقول الواحدي: لا يصح القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها.35 وروايات سبب النزول من طرق أهل السنة كثيرة جداً وتصل إلى عدة آلاف، أما من طرق الشيعة فهي قليلة، وربما لا تتجاوز بضع مئات، وليست جميعها مسندة وصحيحة، فكثير منها غير مسند وضعيف.36 وأهم معيار لتقييم هذه الروايات هو آيات القرآن وسياقها. لذا يعتقد العلامة الطباطبائي: إذا كان سبب النزول متوافقاً مع مضمون الآية والقرائن المحيطة بها، فيمكن قبوله.37 وفي تفسيري الميزان والتفسير الحديث، انعكس بحث هذه الروايات بالسياق على نحوين: 1- تأييد روايات سبب النزول، 2- رد روايات سبب النزول.

1-4-4. تأييد روايات أسباب النزول

أيد العلامة الطباطبائي ودروزة في عدة مواضع روايات سبب النزول بالاستعانة بالسياق. ومن الأمثلة على ذلك:

1- يكتب العلامة في تفسير الآيات 33 إلى 41 من سورة النجم: «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَ أَعْطى قَلِيلاً وَ أَكْدى…» ما يلي: سياق الآيات التسع يؤيد سبب النزول المروي. فقد جاء في الرواية: أن أحد المسلمين كان ينفق أمواله في سبيل الله، فلامه شخص على كثرة إنفاقه، وحذره من هذا العمل، وخوّفه من ضياع ماله وخطر الفقر، وضمن له أنه إذا كان ترك الإنفاق ذنباً، فسيحمل هو ذنوبه وأخطاءه. وبهذا القول، امتنع ذلك المسلم عن الإنفاق، فنزلت هذه الآيات بهذه المناسبة.38

وقد نُقل سبب النزول هذا كاملاً في الكشاف39 ومجمع البيان.40 ووفقاً لأصل هذه الرواية، فإن المنفق هو عثمان بن عفان، الذي توقف عن الإنفاق بتحريض من سعد بن عبد الله بن أبي سرح. وفي نهاية الرواية جاء أن «تَوَلَّى» في «أَفَرَأيتَ الَّذِي تَوَلَّى» إشارة إلى أن عثمان قد ترك ساحة القتال في غزوة أحد. وقد ذكر العلامة في قسم «البحث الروائي» الرواية كاملة من المصدرين السابقين.41 ويبدو، خلافاً لرأي العلامة، أن سياق الآيات لا يؤيد الرواية المذكورة؛ لأنه أولاً، يُفهم من خاتمة الرواية أن الآيات مدنية، بينما جميع آيات هذه السورة مكية، والعلامة نفسه يعتبر أن كون كل آيات هذه السورة أو جزء منها مدنياً غير معتبر،42 وبناءً على ذلك، ينقد العبارة الأخيرة من الرواية ويقول: إن تطبيق «تَوَلَّى» على ترك القتال في غزوة أحد محل تأمل، لأن الآيات مكية.43 ثانياً، سياق الآيات اللاحقة، أي من الآية 41 إلى الآية 55 على الأقل، يفترض نزولاً منفصلاً للآيات التسع التي أشار إليها العلامة، مما يثير الشك. فالآيات من 42 إلى 50 تبدأ كلها بـ«وَ أَنَّ»، وهي كسابقتها معطوفة على آية «أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى» حيث «أَلا» مركبة من «أَنْ» المخففة من المثقلة و«لا» النافية. والآيات من 51 إلى 55 معطوفة أيضاً على المفعول به في الآية 50. لذا، لا يمكن القول إن الآيات التسع نزلت منفصلة عن هذه الآيات وفي فترة زمنية مختلفة وبسبب نزول خاص.

2- يورد دروزة في ذيل الآية 91 من سورة النساء: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فيها …» ما يلي: روى المفسرون أن المراد بالآية جماعة من قبيلتي أسد وغطفان، كانوا يأتون إلى المدينة ويتظاهرون بالإسلام والصداقة ليسلموا من المسلمين، وعندما يعودون إلى قومهم، يظهرون الشرك والعداوة للمسلمين بحجة الأمان من أذاهم. وفي بعض الروايات الأخرى، ذُكرت هذه الجماعة على أنها جماعة من المشركين أو من قبائل أخرى. ثم يكتب دروزة في تأييدها: لم ترد هذه الروايات في الصحاح، ومع ذلك فإن مفهوم الآية وروحها يؤيدان هذا القول، لأن له ارتباطاً بموضوع وسياق الآيات السابقة.44 ويبدو في هذا المثال أن تطبيق روايات سبب النزول على سياق الآيات صحيح.

2-4-4. رد روايات أسباب النزول

كما مر، فإن روايات أسباب النزول ليست كلها صحيحة، ووفقاً لرأي العلامة الطباطبائي، فإن الكثير منها غير مسند وضعيف.45 وقد انتقد كلا تفسيري الميزان والتفسير الحديث، مراراً، مضمون هذه الروايات استناداً إلى سياق الآيات، وسعيا إلى إظهار إشكالاتها. ومن الأمثلة على ذلك:

1- نقل العلامة الطباطبائي في سبب نزول آية «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عذابٍ أَلِيم» (الحج: 25) أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أنيس. فقد أرسله النبي (ص) مع رجلين، أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار، في مهمة. تفاخروا بأنسابهم، فغضب عبد الله بن أنيس وقتل الرجل الأنصاري وارتد وهرب إلى مكة، فنزلت الآية في شأنه. وينقد العلامة سبب النزول هذا بقوله: إن سبب النزول هذا لا ينسجم مع سياق الآية، لأن هذه الجملة في ذيل الآية مرتبطة ارتباطاً معنوياً بصدر الآية ومكملة لمعناها.46

في هذا المثال، نقد العلامة سبب النزول بالنظر إلى السياق الداخلي للآية والانسجام الموجود بين صدرها وذيلها. فالآية كاملة هي: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سواءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَ الْبَادِ وَ مَنْ يَرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ». صدر الآية عن مشركي مكة الذين كفروا في أوائل البعثة وقبل الهجرة بالنبي (ص)، وصدوا الناس عن الإسلام – الذي هو سبيل الله – والمؤمنين عن دخول المسجد الحرام للطواف وإقامة الصلاة وسائر العبادات. ونهاية الآية: «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ» بيان لجزاء من يسلب هذا الحق المشروع من الناس ويظلمهم.47 وبناءً على ذلك، لا علاقة للآية بمن قتل مسلماً ثم ارتد وهرب إلى مكة.

2- في ذيل آية: «يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (المائدة: 67)، وبعد نقل عدة روايات من تفاسير الشيعة – التي ورد فيها أن شأن نزول الآية هو ولاية الإمام علي (ع) – ينقدها ويكتب: إن السياق السابق واللاحق للآية والانسجام الشديد بينهما يدل على أن هذه الآية نزلت لتأمر النبي (ص) بتبليغ رسالة الله إلى أهل الكتاب دون خوف أو رهبة، لأنه في زمن نزول الآية، كان لليهود حضور قوي في المدينة. وبناءً على ذلك، فإن روايات الشيعة تفرض معنى غريباً على الآية وسياقها.48

ورغم أن دروزة تمكن في مواضع متعددة من خلال توظيف السياق من تشخيص ونقد روايات أسباب النزول، إلا أنه لم يوفق دائماً في عمله، خاصة عندما همّ بنقد روايات سبب النزول الشيعية. فقد قيّد انتمائه الفكري وتعصبه المذهبي حريته الفكرية وإنصافه، كما في المثال المذكور، حيث اعتبر الروايات الشيعية التي تذكر أن شأن نزول الآية هو ولاية الإمام علي (ع) فرضاً على سياق الآية. وقد وقع دروزة في هذا النقد في غفلة أو تغافل، لأن هذه الروايات لا تقتصر على مصادر الشيعة؛ فقد نقل الواحدي عن أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت يوم غدير وفي شأن علي بن أبي طالب (رض).49 وروى الحاكم الحسكاني عن ابن عباس: أن الآية نزلت في شأن علي (ع)، فلما نزلت، أُمر النبي (ص) بتبليغها، فأخذ بيد علي (ع) وقال: من كنت مولاه، فعلي مولاه.50 كما روى الحاكم رواية أخرى بنفس شأن النزول عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري.51

وفضلاً عن ذلك، وخلافاً لادعاء دروزة، لا علاقة للآية بنقل رسالة إلهية إلى أهل الكتاب. لقد ظن دروزة أنه بما أن الآيات السابقة واللاحقة تتحدث عن أهل الكتاب، فمن الطبيعي، وفقاً للسياق، أن تكون هذه الآية عنهم أيضاً. ولعل دروزة لو التفت إلى سياق الآية نفسها وأوضاع وأحوال أهل الكتاب مقارنة بنزول هذه الآيات، لما قال مثل هذا القول. وقد تنبه العلامة الطباطبائي في نقده لهذا التفسير إلى هذه المسألة وكتب: إن سياق هذه الآية لا يؤيد مثل هذا التفسير، لأن جملة «وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» تدل على أن الحكم الذي نزل على النبي (ص) وأُمر بتبليغه كان أمراً مهماً، بحيث كان يُخشى على حياة حضرته أو على دين الله. وفي تلك الفترة، لم يكن اليهود والنصارى يتمتعون بمثل هذه القوة ليكونوا تهديداً يدفع النبي (ص) إلى الامتناع عن التبليغ أو تأخيره، ويحتاج الأمر إلى أن يعده الله بالحفظ. حتى في أوائل الهجرة إلى المدينة حتى حرب خيبر، حيث كان لليهود قوة، لا يوجد مثل هذا التعبير في القرآن لنقل رسالة إلى اليهود. لذا، من المؤكد أنه عند نزول سورة المائدة – حيث كانت قوتهم قد انهارت – لن يكون هناك مثل هذا التعبير.52

5-4. روايات الناسخ والمنسوخ

في بعض الروايات، أشير إلى الآيات الناسخة والمنسوخة. وبعض هذه الروايات إما أنها لا تشير إلى النسخ الاصطلاحي، أو أنها ضعيفة أساساً. ومن طرق تقييم روايات الناسخ والمنسوخ، استخدام سياق الآيات. ومن بين التفسيرين، يُرى مثل هذا التوظيف للسياق في الميزان فقط. فقد روى العلامة الطباطبائي عن ابن عباس: أن آيتين من سورة المائدة نُسختا، إحداهما آية «قلائد»53 والأخرى الآية 42: «فَإِنْ جَاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ…»، حيث خُيّر رسول الله (ص) في البداية إن شاء حكم بين أهل الكتاب، وإن شاء أعرض عن الحكم بينهم وأحالهم إلى أحكامهم، ثم نزلت آية «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ …» (المائدة: 48)، وبنزول هذه الآية، أُمر رسول الله (ص) بأن يحكم بينهم وفقاً لأحكام القرآن.

وينقد العلامة هذه الروايات بقوله: مضمون الآيات لا يتوافق مع هذا النسخ، لأن الاتصال الظاهري لسياق الآيات يقتضي أنها نزلت دفعة واحدة، وفي هذه الحالة لا معنى لنسخ بعض هذه الآيات ببعضها الآخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن آية «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ …» ليس لها معنى مستقل، بل هي مرتبطة بما قبلها، لذا لا يوجد دليل على كونها ناسخة. كما أن مرجع الضمير في «بَینَهُمْ» ليس أهل الكتاب أو اليهود فقط، بل هو «الناس» بشكل عام.54

وفي هذا المثال، أخذ العلامة في الاعتبار، لنقد الرواية، الاتصال اللفظي والمحتوائي للآية الناسخة مع الآيات الأخرى التي تشكل سياقاً واحداً. وذلك أولاً، أن جملة «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ …» تتحد في المعنى وتختلف في المصاديق التي يجب الحكم فيها مع جملة «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه…» – التي وردت في منتصف الآية السابقة. وثانياً، «الواو» عاطفة وهذه الآية معطوفة على بداية الآية السابقة «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتَابَ…»،55 وعطف آيتين على بعضهما يدل على تزامن واتصال في النزول. لذا، فإن آية «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ …» لا تصلح للنزول بشكل منفصل. وثالثاً، بما أن المسلمين كانوا مخاطبين في الآيات السابقة إلى جانب اليهود والنصارى، فلا يمكن حصر مرجع الضمير في «بَینَهُمْ» بأهل الكتاب، وبالتالي لا يمكن طرح ادعاء النسخ المتعلق بهم.

6-4. روايات تحريف القرآن

المراد بروايات تحريف القرآن هو الروايات التي تدل بشكل عام56 أو خاص57 على تحريف القرآن. وقد أدرج المحدث النوري هاتين الفئتين من روايات التحريف في دليليه الحادي عشر والثاني عشر على تحريف القرآن.58

لم يُستخدم سياق الآيات في التفسير الحديث لنقد روايات التحريف، ولكن العلامة الطباطبائي استفاد منه. فبعد ذكره لبعض الروايات الخاصة بالتحريف، وباستدلاله بسياق الآيات، نقدها. ففي ذيل الآية 9 من سورة الحجر: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»، وبمناسبة مضمون هذه الآية التي تدل على صيانة القرآن من التحريف، أورد بحثاً مسهباً عن عدم تحريف القرآن، ومن جملة المباحث المطروحة نقد روايات التحريف. فبعد أن نقل العلامة روايات الفريقين في هذا الباب، نقدها بأدلة مختلفة، منها سياق آيات نفي التحريف. ويعتقد العلامة أن آيات كثيرة تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ، لا يأتيه الباطل، وهو قول فصل، وهداية ونور ومعجزة، وفرقان بين الحق والباطل، وغيرها. وسياق جميع هذه الآيات يدل على عدم تحريف القرآن بأكمله، وسياقها يأبى أن تكون مقصورة على نفي تحريف بعض آيات القرآن. لذا، فإن هذه الروايات تخالف القرآن مخالفة قطعية.59

وقد أجاب العلامة الطباطبائي، بالاستدلال بسياق آيات نفي التحريف، على إشكال مقدر. والإشكال هو أن الآيات المنسوخة التلاوة، أو آيات الولاية، أو آيات غير هذه الموارد، مستثناة من شمول آيات نفي التحريف. وبعبارة أخرى، فإن آيات نفي التحريف تدل على عدم تحريف القرآن كله ما عدا الموارد المذكورة. ويدل كلامه على أن العلامة في رده على هذا الإشكال، أشار إلى سياق آيات نفي التحريف. فبناءً على ذلك، في جميع هذه الآيات، لا توجد أي قرينة تدل على وصف بعض الآيات بالأوصاف المذكورة، بل إن سياقها – الذي اقترن بألفاظ وعبارات العموم المختلفة مثل النكرة في سياق النفي و«ال» الجنسية وغيرها – يدل على إطلاق الآيات في نفي التحريف عن كل القرآن.

7-4. روايات جمع القرآن

كان جمع القرآن على نوعين: 1- جمع الآيات في السور، وهو جمع توقيفي وبعهدة النبي (ص). 2- ترتيب الآيات في السور، كتقديم السبع الطوال ووضع المئين بعدها، وهذا الجمع تولاه الصحابة.60 وقيل: إن أبا بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وجماعة آخرين من الصحابة تولوا جمع القرآن.61 وحول جمع القرآن، وردت روايات كثيرة، وأحياناً متعارضة. ومن طرق تمييز الروايات المتعددة لجمع القرآن، الاستعانة بالسياق. وفي التفسير الحديث – خلافاً للميزان – يُرى مثل هذا التوظيف للسياق. فدروزة في ذيل الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (التوبة: 128-129)، وبعد عرض روايات مختلفة حول مكان وموضع هاتين الآيتين في القرآن، رد رواية زيد بن ثابت وقبل رواية أبي بن كعب باعتبارها متوافقة مع السياق. وكتب: نرد حديث زيد رغم أن البخاري رواه،62 ونعتبر حديث أبي صحيحاً ومقبولاً لتوافقه مع سياق الآيات، لأنه في نظرنا هاتان الآيتان هما آخر ما نزل من الآيات، وبما أن سورة التوبة هي آخر سورة نزلت، فإن الآيتين الأخيرتين منها هما آخر الآيات.63

ووفقاً لرأي دروزة، من بين الروايتين، لا تدل رواية زيد بن ثابت على أن الآيتين المذكورتين هما آخر ما نزل على النبي (ص)، خلافاً لرواية أبي بن كعب التي تصرح بهذا الأمر. وهذا في حين أنه يبدو أن أياً من الروايتين ليس لها حجية في تحديد آخر الآيات؛ فأولاً، روايات جمع القرآن بعد النبي (ص) وفي أيام الخلفاء موضع شك كبير.64 ثانياً، ليس فقط في روايات الشيعة، بل في روايات أهل السنة أيضاً، ورد أن آخر ما نزل على النبي (ص) هو سورة المائدة.65 حتى إن الفخر الرازي ادعى أن أكثر الأمة متفقون على ذلك،66 والقرطبي اعتبره أمراً لا خلاف فيه بين علماء الإسلام.67 ثالثاً، من العجيب جداً كيف توصل دروزة من سياق الآيات إلى هذه النتيجة، وهي أن الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة هما آخر ما نزل، فلا يوجد في هذه الآيات والآيات السابقة أي دلالة على هذا الأمر. وأقصى ما يمكن استنتاجه بناءً على السياق هو اتصالهما بالآيات السابقة.

8-4. الاستفادة من الروايات المؤيدة للسياق

المقصود هو الروايات التي يؤيد مضمونها فهم المفسر للسياق. وفي الميزان لا يُرى هذا التوظيف للسياق، ولكنه موجود في التفسير الحديث. ففي هذا التفسير، في ذيل آية: «يا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يَبَينُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ…» (المائدة: 19)، جاء: روي أن النبي (ص) قال: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار. وبعد نقل الحديث، يكتب دروزة: مضمون هذا الحديث متوافق مع سياق الآيات المذكورة، ويُستفاد من السياق أن أهل الكتاب هم المخاطبون، والمقصود هم اليهود والنصارى. ففي فترة انقطاع الرسل، أُرسل النبي الخاتم (ص) بشيراً ونذيراً إليهم، لئلا يقولوا ما جاءنا من بشير ونذير.68 وقد أحسن دروزة في هذا المثال في تأييد مضمون الرواية بسياق الآية، وأظهر حجية العمل بالرواية بشكل صحيح.

5. الخاتمة

من خلال ما سبق، تتلخص النتائج فيما يلي:

1- في تفسيري الميزان والتفسير الحديث، لسياق الآيات وظائف كثيرة ومتنوعة، ومن أهم وظائفه دراسة وتقييم الروايات المختلفة. وهذا أولاً، بسبب الاستخدام الكبير للروايات التفسيرية، وثانياً، بسبب الاستفادة من منهج تفسير القرآن بالقرآن وتطبيق قاعدة السياق.

2- تناول التفسيران المذكوران إجمالاً تقييم ثماني فئات من الروايات بالاستعانة بالسياق، وهي تتشارك في بعض الموارد وتختلف في أخرى: 1- روايات تأريخ الآيات، 2- الروايات التفسيرية، 3- روايات الجري والتطبيق، 4- روايات سبب النزول، 5- روايات الناسخ والمنسوخ، 6- روايات تحريف القرآن، 7- روايات جمع القرآن، 8- الاستفادة من الروايات المؤيدة للسياق. وقد أولى كلا المفسرين اهتماماً للفئات الأربع الأولى، بينما ورد الحديث عن الفئة الخامسة والسادسة في الميزان فقط، وورد الحديث عن الفئة السابعة والثامنة في التفسير الحديث حصراً.

3- في التقييمات التي جرت، رُفضت بعض الروايات بالسياق، وأُيدت أخرى، وإن كان نادراً ما تأتي الرواية في خدمة تأييد السياق. وفي عملية دراسة وتحليل أداء المفسرين، اتضح أولاً أن من أهم طرق التحقق من صحة وسقم الروايات هو عرضها على آيات القرآن وتوظيف سياق الآيات في تقييم محتواها، وهذا بحد ذاته يمكن أن يكون نموذجاً مناسباً للباحثين في القرآن. ثانياً، رغم أن كلا المفسرين حاولا توظيف سياق الآيات في تحليل الروايات، وكلاهما – بغض النظر عن بعض الانتقادات – كانا موفقين في عملهما، إلا أن العلامة الطباطبائي كان إجمالاً أكثر توفيقاً، وهذا يعود إلى نوع استدلاله وطريقة تحليله، وكذلك إلى مقارنة كيفية تعاملهما مع آية واحدة. ثالثاً، كان للمعتقدات العقدية لكل من المفسرين دور كبير في كيفية توظيف السياق في تقييم الروايات الكلامية، لدرجة أنه أدى أحياناً إلى استنتاجين متضادين.

4- أدى تعلق دروزة وتعصبه لمذهبه إلى اعتباره الروايات الشيعية الصحيحة موضوعة، وهي روايات لا يأبى سياق الآيات قبولها، ولا يقتصر ذكرها على المصادر الشيعية.

الهوامش

1. ابن الأثير، 1367هـ، 2: 424.

2. ابن فارس، 1404هـ، 3: 117.

3. الصدر، 1406هـ، 1: 90.

4. معرفت، 1415هـ، 5: 239.

5. رجبي، 1383ش، 91.

6. المصدر نفسه، 92.

7. الطباطبائي، 1417هـ، 6: 116.

8. دروزة، 1383هـ، 1: 189-198.

9. انظر: دروزة، 1383هـ، 1: 189.

10. الطباطبائي، 1417هـ، 14: 111.

11. المصدر نفسه، 19: 204.

12. دروزة، 1383هـ، 2: 268-269.

13. الطباطبائي، 1353ش، 78.

14. دروزة، 1383هـ، 1: 274.

15. الطباطبائي، 1417هـ، 3: 267-268؛ لمثال آخر انظر: المصدر نفسه، 9: 24.

16. المصدر نفسه، 3: 5-6.

17. دروزة، 1383هـ، 9: 376.

18. الزركشي، 1410هـ، 1: 276.

19. الطباطبائي، 1417هـ، 13: 235.

20. المصدر نفسه، 9: 76؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 11: 74؛ 11: 285؛ 12: 222؛ 20: 135.

21. المصدر نفسه، 9: 66.

22. دروزة، 1383هـ، 3: 414؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 1: 378 و 379؛ 3: 20، 35 و 141؛ 4: 259؛ 5: 31 و 213.

23. المصدر نفسه، 1: 12-13.

24. الطباطبائي، 1417هـ، 11: 348-349؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 11: 332؛ 15: 391.

25. الطوسي، د.ت، 6: 243؛ الزمخشري، 1407هـ، 2: 525؛ الفخر الرازي، 1420هـ، 19: 33.

26. الطباطبائي، 1417هـ، 11: 342.

27. دروزة، 1383هـ، 4: 281؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 3: 403؛ 5: 76؛ 8: 324؛ 9: 451.

28. الطباطبائي، 1417هـ، 1: 41.

29. المصدر نفسه، 17: 264؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 5: 144؛ 7: 57؛ 12: 177؛ 19: 114.

30. المصدر نفسه، 12: 284-285.

31. دروزة، 1383هـ، 2: 240؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 1: 310؛ 2: 131؛ 3: 453؛ 7: 29.

32. الحسكاني، 1411هـ، 2: 261-262.

33. دروزة، 1383هـ، 8: 201.

34. السيوطي، 1421هـ، 1: 120.

35. الواحدي، 1411هـ، 10.

36. الطباطبائي، 1353ش، 172-173.

37. المصدر نفسه، 157.

38. الطباطبائي، 1417هـ، 19: 44؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 5: 338؛ 19: 181-182؛ 20: 89.

39. الزمخشري، 1407هـ، 4: 427.

40. الطبرسي، 1372ش، 9: 270-271.

41. الطباطبائي، 1417هـ، 19: 51-52.

42. المصدر نفسه، 19: 26.

43. المصدر نفسه، 19: 51-52.

44. دروزة، 1383هـ، 8: 201؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 5: 366؛ 6: 445؛ 8: 30.

45. الطباطبائي، 1353ش، 173.

46. الطباطبائي، 1417هـ، 14: 376؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 1: 259؛ 2: 72؛ 11: 330؛ 19: 169؛ 20: 101.

47. المصدر نفسه، 14: 366.

48. دروزة، 1383هـ، 9: 184-185؛ لأمثلة أخرى انظر: المصدر نفسه، 2: 287؛ 3: 23، 111، 330؛ 4: 114؛ 5: 112؛ 6: 197؛ 7: 283.

49. الواحدي، 1411هـ، 204.

50. الحسكاني، 1411هـ، 1: 239.

51. انظر: المصدر نفسه، 1: 255-256.

52. الطباطبائي، 1417هـ، 6: 42-43.

53. المراد هو الآية الثانية من سورة المائدة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ …».

54. الطباطبائي، 1417هـ، 5: 361.

55. انظر: المصدر نفسه، 353-354.

56. المراد هو الروايات التي تتحدث بشكل عام وكلي عن النقص في القرآن الموجود، مثل القول بأن القرآن الذي نزل به جبريل على النبي (ص) كان سبعة عشر ألف آية. (انظر: ميرزاي نوري، د.ت، 183).

57. المقصود هو الروايات التي تشير بشكل محدد وموضعي إلى تغيير بعض كلمات وآيات وسور القرآن. (انظر: المصدر نفسه، 198).

58. انظر: ميرزاي نوري، د.ت، 381 و 891.

59. انظر: الطباطبائي، 1417هـ، 12: 116-117.

60. الزركشي، 1410هـ، 1: 331.

61. الباقلاني، 1422هـ، 1: 64.

62. روي عن زيد بن ثابت أنه بعد معركة اليمامة، كلفه أبو بكر وعمر بجمع القرآن. وأثناء جمع القرآن، وجد زيد الآيتين 128 و 129 من سورة التوبة فقط عند خزيمة الأنصاري، فوضعهما في نهاية سورة التوبة. (البخاري، 1401هـ، 5: 210-211).

63. روي عن أبي بن كعب أنه في خلافة أبي بكر، جُمع القرآن، وكان أبي يملي وجماعة يكتبون. فلما وصلوا إلى هذه الآية من سورة التوبة: «ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» (التوبة: 127)، ظنوا أنها آخر آية نزلت على النبي (ص)، فقال لهم أبي: إن رسول الله (ص) أقرأني بعدها آيتين «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ…» إلى نهاية السورة، فهما آخر ما نزل من الآيات. (ابن كثير، 1419هـ، 4: 214).

64. انظر: الخوئي، د.ت، 238-255؛ البلاغي، 1420هـ، 1: 19.

65. انظر: العياشي، 1380هـ، 1: 288؛ القرطبي، 1364ش، 6: 31.

66. الفخر الرازي، 1420هـ، 12: 452.

67. القرطبي، 1364ش، 6: 288.

68. دروزة، 1383هـ، 9: 88.

Scroll to Top