الملخص
تُعدّ نظرية الولاية العامة للفقيه إحدى النظريات الفقهية المطروحة حول ولاية الفقيه. وفي عصر الغيبة، طُرحت ثلاث نظريات بشأن ولاية الفقيه: 1. ولاية الفقيه المقيدة في أمور خاصة، كشؤون الصغار والأمور الحسبية. 2. ولاية الفقيه المطلقة، وتعني أن شؤون الفقيه في الأمور الحكومية هي ذاتها شؤون المعصومين عليهم السلام. 3. ولاية الفقيه العامة. يُعتبر صاحب الجواهر من القائلين بالولاية العامة للفقيه، والمقصود بها أن نطاق الولاية واسع جداً ولا ينحصر في باب فقهي أو موضوع فقهي معين، بل يشمل جميع الأبواب الفقهية، مثل الحدود، والقصاص، والديات، والشهادات، والجهاد، والخمس، والزكاة، وغيرها. على الرغم من تقديم العديد من المقالات والكتب حول ولاية الفقيه، إلا أن هذه الدراسة تتناول، بأسلوب وصفي-تحليلي، أدلة الولاية العامة للفقيه من منظور صاحب الجواهر، وهو أمر ضروري في محله. وتجيب على السؤال المهم: ما هي المباني الفقهية للولاية العامة للفقيه من منظور صاحب الجواهر؟ نتيجة هذه الدراسة هي أن صاحب الجواهر يطرح أحد عشر دليلاً على مشروعية الولاية العامة للفقيه في زمن الغيبة، وهي: 1 و 2. مقبولة عمر بن حنظلة وأبي خديجة؛ 3. التوقيع الشريف للإمام الزمان (عج)؛ 4. آية أولي الأمر؛ 5. عمومات وإطلاقات أدلة الفقهاء؛ 6. مذاق الشارع؛ 7. عمومات وإطلاقات أدلة مكانة الفقيه؛ 8. الإجماع؛ 9. عدم تعطيل كثير من الأحكام؛ 10. دلالة الاقتضاء؛ 11. فحوى خطاب ولاية المولى والأب. ولكن، توجد بعض النواقص في كتابات صاحب الجواهر حيث لم يشر إلى هذه المباحث، مثل عدم تحديده حداً لولاية الفقيه، وعدم إشارته إلى حل لمسألة تعدد الفقهاء، وعدم بيانه لدور الناس في الحكومة الإسلامية.
مقدمة
إن أهمية ومكانة ولي الفقيه السامية في النظام السياسي لفقه الشيعة لا تخفى على أحد. وقد أذعن فقهاء كل عصر وزمان بهذا الأمر؛ إلا أن هناك اختلافاً في وجهات النظر حول حدود وصلاحيات وكيفية انتصابه. بحكم الآية الشريفة، تكون الولاية لله ولرسوله ولأهل البيت عليهم السلام. يقول الله تعالى في سورة المائدة، الآية 55: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ». كذلك ورد في روايات متعددة عن المعصومين عليهم السلام فيما يتعلق بالولاية: «أعلى مراتب أمر الدين ومفتاحه الذي به رضا الرحمن في كل شيء هو طاعة الإمام بعد معرفته. ولو أن رجلاً تعبّد لياليه وصام أيامه وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان». (نفس المصدر) لقد أكد المذهب الشيعي باستمرار على أن مسألة الإمامة والولاية لا تقتصر على زمن حضور المعصوم عليه السلام، بل إن فقهاء الشيعة في زمن الغيبة يمتلكون أهلية الولاية والقيادة على المسلمين، ليتمكنوا من تنفيذ أحكام الله وأوامره في بلاد الإسلام، حتى لا يُحرموا من نعمة الولاية. هذه الولاية التي يمارسها الفقيه في زمن غيبة المعصوم عليه السلام تسمى ‘ولاية الفقيه’.
فيما يتعلق بولاية الفقيه، تُطرح ثلاث نظريات عامة:
أ) الولاية المقيدة للفقيه: والمقصود بها الولاية في الأمور الحسبية؛ أي أن الفقيه له ولاية في الأمور الجزئية والشخصية، كحفظ ورعاية أموال وأرواح الأيتام والمجانين والمفقودين، وله شأن في الأمور المتروكة للمؤمنين والفتوى والقضاء. (الأنصاري، 1390، ج3، ص 544 – 560)
ب) الولاية المطلقة للفقيه: بناءً على هذا الرأي، يمتلك الفقيه العادل ولاية وتصرفاً في جميع شؤون المسلمين، وهو الأجدر بمنصب قيادة المجتمع الإسلامي؛ لأن توفير الأمن الاجتماعي وتحقيق الاستقرار وتجنب الفتن ومخاطر الفاسقين والكافرين من أهم المصالح العامة والإسلامية. والشخص المؤهل الذي يستطيع تحقيق هذا الأمر المهم ونيل رضا الشارع في ولايته هو الفقيه العادل أو من يأذن له الفقيه العادل، ليتولى شؤون المجتمع الإسلامي الاجتماعية والسياسية والعسكرية. ومن هنا، يجب على جميع المؤمنين دعم قائدهم الفقيه العادل والدفاع عن حكومته الإسلامية. (الإمام الخميني، 1410، ج2، ص497؛ التبريزي، 1399، ج3، ص39)
ج) الولاية العامة للفقيه: مصطلح الولاية العامة له معنى مشابه للولاية المطلقة للفقيه، والمقصود به أن ولاية الفقيه ليست محصورة في باب خاص أو شأن شخصي، بل للفقيه دور في جميع الأبواب الفقهية وفي الجوانب الفردية والاجتماعية للإنسان، وله حق الولاية والتصرف.
أهم الأبحاث التي أُجريت حول موضوع هذا المقال هي:
1. ‘ولاية الفقيه في الفكر الفقهي – السياسي لصاحب الجواهر’ بقلم محمد علي قاسمي؛ أشار الكاتب في هذا المقال، ضمن تصنيفه لأدلة ولاية الفقيه إلى الأدلة النقلية والعقلية، وهي: مقبولة عمر بن حنظلة وأبي خديجة والتوقيع الشريف وتعطيل كثير من الأحكام والحدود الإلهية الذي ينشأ عن إنكار ولاية الفقيه، وتوصل إلى أن ولاية الفقهاء في فكر الجواهري في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي المحور المركزي لتدبير وقيادة المجتمع. ميزة المقال الحالي هي الاستفادة من ذلك المقال والنظر بشكل أعمق في كتاب جواهر الكلام، حيث يطرح الكاتب 11 دليلاً فقهياً على نظرية ولاية الفقيه لصاحب الجواهر، ويركز هذا المقال على بيان الأدلة من قبل صاحب الجواهر ونقد موجز لهذه النظرية.
2. ‘ولاية الفقيه من وجهة نظر صاحب الجواهر’ بقلم يعقوب علي برجي؛ سعى الكاتب في هذا المقال إلى الإشارة إلى ولاية الفقيه في طيات الكتب الفقهية وضمن المسائل المتعلقة بشؤون وصلاحيات الحاكم الإسلامي. كما عرض آراء هذا الفقيه الكبير حول ولاية الفقيه العامة الانتخابية، وأدلة ولاية الفقيه، وشؤون وصلاحيات الفقيه، من خلال جمع وتنظيم مطالبه. ميزة المقال الحالي هي التركيز على أدلة صاحب الجواهر في مسألة ولاية الفقيه، وشمولية الأدلة فيه. بناءً على رأي صاحب الجواهر، من منظور كلي، ينقسم الحكام السياسيون إلى فئتين: الحاكم العادل والحاكم الجائر. من وجهة نظره، مصداق الحكام العادلين هم رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، وفي زمن الغيبة، الفقهاء هم نوابهم العامون. من منظوره، عندما تكون الحكومة والزعامة السياسية للمجتمع بواسطة حاكم عادل، فإن طاعة الناس له واجبة. (النجفي، 1404هـ، ج 22، ص 155 – 156) من وجهة نظر صاحب الجواهر، ولاية الفقيه من البديهيات ولا تحتاج إلى دليل. (نفس المصدر، ج21، ص397) قسم كبير من الأحكام الإسلامية مثل القصاص والديات والقضاء والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبشكل عام الأحكام الاجتماعية للإسلام في زمن الغيبة، تعتمد على صحة نظرية ولاية الفقيه. وإذا كان الفقيه لا يؤمن بولاية الفقيه، فعليه أن يقتصر على الأحكام الفردية للإسلام؛ في حين لا نجد فقيهاً يقتصر على الأحكام الفردية للإسلام فقط. نتيجة لذلك، من منظور صاحب الجواهر، وُضعت ولاية الفقيه من أجل تنظيم الشؤون الفردية والاجتماعية للشيعة في زمن الغيبة، ويجب أن نرى ما هي أدلة صاحب الجواهر على حجية ولاية الفقيه، وفي أي حدود يمارس الفقهاء ولايتهم.
1. الولاية العامة للفقيه
يشير صاحب الجواهر في مباحثه المتعددة إلى مسألة عموم النيابة والولاية العامة للفقهاء، ومن وجهة نظره، فإن نيابة وولاية الفقيه عن المعصومين عليهم السلام لا تقتصر على باب أو فرع فقهي خاص، بل تشمل كثيراً من شؤون حياة البشر:
أ) «قوله عليه السلام: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص كذلك إلى أهل الأطراف الذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أمور المنصوب عليهم فيه». (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 395). من هذا المقطع من الرواية «فإني قد جعلته عليكم حاكماً»، يُفهم عموم ولاية الفقيه على الناس في جميع الأمور التي نُصبوا لها. يستخدم صاحب الجواهر تعبير الولاية العامة للفقيه، والمقصود به عموم الولاية على أرواح وأموال المسلمين في الأمور السيادية، وهو ما يُفهم من روايات أخرى، مثل التوقيع الشريف.3
ب) «فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم المراد به نائب الفقيه في سائر المواضع» (نفس المصدر، ج 21، ص 396) «كتب فقهاء الشيعة مليئة بالرجوع إلى الحاكم الإسلامي، والمراد به نيابة ولاية الفقيه في سائر الموارد».
ج) «هو المتيقن من النصوص والإجماع بقسميه، بل الضرورة من المذهب نيابته في زمن الغيبة عنهم عليهم السلام على ذلك ونحوه». (نفس المصدر، ج 21، ص 399). ويذكر في موضع آخر أن نيابة الفقهاء في زمن الغيبة هي بنفس صورة ولاية واختيارات المعصوم عليه السلام.
د) «… لو لا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة». (نفس المصدر، ج 21، ص 397 – 395). إذا لم تكن الولاية العامة للفقيه موجودة، لبقيت كثير من أحكام ومسائل حياة الشيعة معطلة على الأرض. بناءً على ذلك، فإن ولاية الفقيه من منظور صاحب الجواهر هي نفسها ولاية أهل البيت عليهم السلام التي تدل على عموم الولاية في الأبواب الاجتماعية والسياسية والفردية.
2. أدلة ولاية الفقيه من منظور صاحب الجواهر
لقد اعتبر صاحب الجواهر هذه المسألة من المسلّمات والضروريات عند الفقهاء. (نفس المصدر، ج 21، ص 397) وقد تعرض في مباحث متعددة لأدلة ولاية الفقيه، وعلى هذا الأساس، يتم في المباحث التالية عرض أهم النقاط والمباني لولي الفقيه من منظور صاحب الجواهر من خلال تنظيم أدلة ولاية الفقيه.
2-1. مقبولة عمر بن حنظلة
من الأدلة التي يستند إليها صاحب الجواهر لإثبات مشروعية ولاية الفقيه، مقبولة عمر بن حنظلة. جاء في هذه المقبولة: «نقل عمر بن حنظلة أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام: عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال عليه السلام: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قلت: فكيف يصنعان؟ قال عليه السلام: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله». (الكليني، 1407هـ، ج 7، ص 412، ح 5). من حيث السند، هذه الرواية مقبولة بتعبير صاحب الجواهر. (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 394). محمد بن يحيى العطار إمامي ثقة (النجاشي، 1365، ص 353)، ومحمد بن حسين الصفار (نفس المصدر، ص 354)، ومحمد بن عيسى بن عبيد (الكشي، 1409هـ، ص 538)، وصفوان بن يحيى البجلي (الطوسي، 1373، ص 338) إمامي ثقة جليل. داود بن الحصين الأسدي واقفي (نفس المصدر، ص 336) وثقة (النجاشي، 1365، ص 160). يبدو أن عمر بن حنظلة من الرواة الذين ليس لهم توثيق خاص، ولهذا السبب اعتبر صاحب الجواهر الرواية مقبولة بناءً على قرائن التوثيقات العامة؛ ولكن نظراً لكثرة رواية الأجلاء عنه، مثل صفوان وزرارة وعبد الله بن مسكان وعلي بن رئاب ومنصور بن حازم، فإنه يُعتبر إمامياً ثقة. لذلك، لا مانع من التعبير عن هذه الروايات بالصحيحة؛ ولكن بما أن هذه الدراسة في مقام بيان آراء صاحب الجواهر، فسيُستخدم نفس تعبير صاحب الجواهر (مقبولة) في المباحث القادمة. من حيث الدلالة، فإن الجزء الأخير من الرواية يدل على ولاية الفقهاء. يذكر صاحب الجواهر أنه يُفهم من هذه الرواية عموم ولاية الفقيه على الناس في جميع الأمور المنصوبين لها. ويستخدم تعبير ‘الولاية العامة للفقيه’ الذي يُراد به عموم الولاية على أرواح وأموال المسلمين في الأمور الحكومية، وهذه التعابير تُفهم من روايات أخرى مثل التوقيع الشريف. (النجفي، 1404هـ، ج21، ص 395). كما أن جملة «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» مطلقة وتشمل أي حالة خاصة مثل الولاية على الأطفال وغيرها، ونهاية الرواية تجعل طاعة ولاية الفقيه بمثابة طاعة أهل البيت عليهم السلام والله، وعدم اتباع ولي الفقيه بشكل عام بمثابة عدم اتباع الله والشرك. على هذا الأساس، يرى صاحب الجواهر في بحث خصائص القاضي أن منصب القضاء نوع من الولاية، وفي زمن الغيبة يكون النصب العام للفقيه من قبل المعصوم عليه السلام في كل الأمور التي للمعصوم عليه السلام فيها شأن. (نفس المصدر، ج 40، ص 18).
2-2. مقبولة أبي خديجة
ينقل أبو خديجة أن الإمام الصادق عليه السلام قال له: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه». (الكليني، 1407هـ، ج 7، ص 412، ح 4). في نظر صاحب الجواهر، سند الرواية ليس صحيحاً؛ بل هو في مرتبة أدنى، وقد عبّر عن هذه الرواية أيضاً بـ’مقبولة’. حسين محمد بن عامر إمامي ثقة. (النجاشي، 1365، ص66). معلى بن محمد البصري لم يرد له توثيق أو تضعيف خاص في كتب الرجال. بل يكتب النجاشي عنه: «مضطرب الحديث والمذهب، وكتبه قريبة» (نفس المصدر، ص418). وكذلك يقول ابن الغضائري عنه: «يعرف حديثه وينكر، ويروي عن الضعفاء ويجوز أن يخرج شاهداً». (ابن الغضائري، 1364، ج 1، ص 96). ولكن في رأي آية الله الشبيري، هو ثقة ورواياته معتبرة؛ لأن أحد الرواة الذين يكثرون النقل عنه هو حسين بن محمد، وهو نفسه حسين بن محمد بن عامر وكنيته أبو عبد الله الأشعري. أبو عبد الله الأشعري، وهو من أجلاء الثقات، يروي كتاب معلى بن محمد. راوٍ آخر ينقل عن معلى بن محمد هو أحمد بن إدريس، وهو أيضاً من مشايخ الكليني ومن أجلاء الأشعريين. هذان الجليلان يكثران الرواية عن معلى بن محمد. من ناحية أخرى، فإن رواية الكليني لأحاديثه في كتبه، وفي رأي آية الله الشبيري، فإن روايات الكافي معتبرة، والكليني نفسه كان رجاليًا متبحراً. وبالنظر إلى هذه النقطة، أنه لم يكن من المعتاد بين الرواة نقل الحديث عمن لا يثقون به. مع الأخذ في الاعتبار كل هذه الأمور، يُعلم أن معلى بن محمد كان شخصاً ثقة، خاصة وأن النجاشي يستخدم تعبير «كتبه قريبة»، وكأن معناه أن كتبه قريبة من الصواب؛ أما القول بأنه مضطرب الحديث أو تعبير «يعرف وينكر»، فإن هذه الأنواع من التعابير لا تضر بوثاقته الشخصية. على سبيل المثال، إذا لوحظ في زماننا الحاضر أن السادة الذين جمعوا جامع الأحاديث، قد جمعوا ضمن رواياته روايات غير معروفة ومنكرة، مع أنهم أنفسهم من الثقات. لذلك، مجرد نقل شخص لبعض الروايات غير المقبولة لا يدل على عدم وثاقته. (الزنجاني، 1419هـ، ج11، ص3929). نتيجة لذلك، معلى بن محمد إمامي ثقة. حسن بن علي الوشاء (النجاشي، 1365، ص55) وأبو خديجة (نفس المصدر، ص 39) إماميان ثقتان جليلان. ونتيجة لذلك، من حيث السند، يرى الكاتبان أنها صحيحة؛ ولكن بتعبير صاحب الجواهر هي مقبولة. على أي حال، بناءً على كلا الرأيين، الرواية معتبرة ولا يرد خدش على سندها. التعبير الموجود في هذه الرواية «فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ» له قابلية الإطلاق، واستمرار كلام الإمام عليه السلام «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً» يشير إلى جواب سؤال الراوي بأن الشيعة ليس لهم الحق في الرجوع إلى قضاة الجور، وعليهم الرجوع إلى الفقيه الشيعي الذي يعرف أحكام ومعارف الشيعة. من منظور صاحب الجواهر، وضوح هذا الدليل على ولاية الفقهاء ووجوب اتباعهم واضح جداً. (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 395). ولهذا السبب، لم يقدم أي نقطة استدلالية أو استنباطية من هذه الرواية.
2-3. التوقيع الشريف
ينقل إسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري أنه طلب منه أن يوصل رسالة تتضمن مسائل صعبة، فصدر توقيع بخط مولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف: «أرشدك الله وثبتك… وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم». (ابن بابويه، 1396هـ، ج2، ص 483 – 484؛ ترجمة بهلوان، ج 2، ص 237 – 238). سند الرواية ضعيف؛ شخصان هما «مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامِ الْكُلَيْنِيُّ وَ إِسْحَاقُ بْنِ يَعْقُوب» من سلسلة الأسانيد مجهولان، ولم يتم التطرق إلى أحوالهما في كتب الرجال. بالطبع، ضعف السند ليس دليلاً على عدم اعتبار الرواية؛ لأنه من منظور صاحب الجواهر يوجد إجماع قولي وعملي على مضمون هذا الخبر. (النجفي، 1404هـ، ج 11، ص190). التعبير الموجود في هذه الرواية الذي يُفهم منه عموم الولاية للفقهاء هو: «فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ الله»، والمقصود به أن كل ما أنا حجة به عليكم، فإن الفقيه أيضاً بنفس الأساس حجة عليكم؛ إلا في الموارد التي لا يكون للفقيه فيها ولاية بدليل خاص. (نفس المصدر، ج 40، ص 18). كما أن صاحب الجواهر في مبحث الزكاة، بعد بحث وجوب قبول مطالبة الإمام المعصوم عليه السلام، يتطرق إلى تأثير هذا البحث في عصر الغيبة. بما أن تعيين نائب الإمام هو وظيفة الإمام نفسه، فإن تعيين وظيفة المجتهد في عصر الغيبة يمكن أن يكون له أثر؛ ومن هنا يُطرح سؤال وهو: هل مطالبة الزكاة من قبل الفقيه واجبة كما هي من الإمام المعصوم عليه السلام؟ ويستعرض آراء بعض الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال، وبسبب كونه نائباً عاماً للفقيه، خاصة توقيع حضرة ولي العصر عجل الله فرجه الشريف، يعتبر الفقيه من ‘أولي الأمر’ الذين تجب طاعتهم واتباعهم. ولهذا يكتب صاحب الجواهر: «نعم من المعلوم اختصاصه في كل ما له في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية توليه كثيراً من الأمور التي لا ترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك مما هو محرر في محله، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشد من مسيسها في الأحكام الشرعية». (نفس المصدر، ج 15، ص 422). «نعم، من الواضح أن اختصاص النيابة العامة للفقهاء يشمل جميع الموارد التي يمكن للشرع أن يتصرف فيها حكماً أو موضوعاً. وادعاء اختصاص ولاية الفقهاء بالأحكام الشرعية باطل؛ لأنهم في كثير من الموارد التي لا تتعلق بالأحكام الفقهية، يمتلك الفقهاء ولاية عليها؛ مثل حفظ أموال الأطفال والمجانين والغائبين وغيرها من الموارد المثبتة في محلها، والتي يمكن تحصيل إجماع الفقهاء عليها في هذا الحكم؛ لأن الفقهاء مارسوا ولاية الفقيه في موارد متعددة لا يوجد دليل عليها سوى إطلاق أدلة الولاية. بالإضافة إلى ذلك، فإن حاجة القائد للمجتمع الإسلامي أشد من حاجة الفقيه في الأحكام الشرعية».
2-4. عمومات وإطلاقات أدلة مكانة الفقيه
يعتبر صاحب الجواهر إطلاقات وعمومات أدلة مكانة الفقهاء من أدلة الولاية العامة للفقهاء. ولهذا يكتب: «إطلاق أدلة حكومته خصوصاً رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر روحي له الفداء صيّره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم». (نفس المصدر). «إطلاق أدلة حكومة ولاية الفقيه، خاصة رواية النصب التي وردت في التوقيع الشريف لحضرة ولي العصر روحي له الفداء، تجعل الفقهاء في زمرة أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم». من منظور صاحب الجواهر، مكانة العلماء كمكانة أنبياء بني إسرائيل، ودائماً ما يكون العلماء ورثة الأنبياء، وإذا لم يوجدوا، لا يمكن تمييز الحق من الباطل. (نفس المصدر، ج 21، ص 395 – 396). أي أن صاحب الجواهر يعتبرهم، من عموم الروايات التي وردت في أهمية ومكانة الفقهاء في المجتمع، بمنزلة خلفاء وورثة للأنبياء والأئمة عليهم السلام. وأهم شاهد لصاحب الجواهر هو: «بسبب ظهور حديث المعصوم عليه السلام القائل: «إني جعلتهم عليكم حكاماً» (الكليني، 1407هـ، ج7، ص 412، ح5)، في إرادة الولاية العامة للفقهاء كنائب خاص للإمام عليه السلام، لا شك فيه ولا شبهة؛ كما أن شأن الولاية العامة للفقيه في تفويض جميع المهام إليه هو كنائب خاص؛ بل في بعض الروايات ورد: «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» (ابن بابويه، 1395هـ، ج2، ص 483-484)، وهذا له دلالة أكبر على أن الفقهاء كالأئمة عليهم السلام حجة على جميع الناس. بالإضافة إلى ذلك، ورد في الرواية: «خليفتي عليكم»،4 وهو أشد (أكثر) ظهوراً في أن المراد من الخليفة هو عموم الولاية عرفاً». (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 395).
2-5. مذاق الشارع
يستنبط الفقهاء الإمامية الأحكام الإسلامية ويجتهدون فيها بالاستعانة بمصادر وأدلة إسلامية معتبرة. في بعض الحالات، لا يوجد دليل صريح يمكن طرحه بالكامل كمسند للحكم للوصول إلى الأحكام الشرعية؛ ولكن عدم وجود دليل صريح لا يعني عدم وجود حكم؛ بل أحياناً يُستحصل على الحكم بمراعاة مجموع الأحكام وجهاز الفقه. مذاق الشارع أو مذاق الشريعة أو ذوق الفقيه، هو أحد عوامل الوصول إلى الأحكام الشرعية التي لا وجود لها صراحة في الأدلة المعتبرة. صاحب الجواهر هو أول من استخدم كلمة ‘مذاق’ بشكل واسع، وباستخدام تعابير مركبة، صاغ مصطلحات مختلفة كان محورها جميعاً كلمة ‘مذاق’. (حكمت نيا، 1385). المرحوم كاشف الغطاء في توضيح ذوق المجتهد ومذاق الشارع يكتب: «كذا ما ينقدح في ذهن المجتهد من تتبع الأدلة بالانبعاث عن الذوق السليم والإدراك المستقيم؛ بحيث يكون مفهوماً له من مجموع الأدلة؛ فإن ذلك من جملة المنصوص؛ فإن للعقل على نحو الحس ذوقاً، ولمساً، وسمعاً، وشماً، ونطقاً، من حيث لا يصل إلى الحواس» (النجفي، 1422هـ، ج 1، ص188)؛ كذلك ما ينقدح في ذهن المجتهد من خلال تتبع الأدلة ومصاحبة الذوق السليم والفهم المستقيم منها، لا إشكال فيه، وهذا النوع من الفهم الاجتهادي قد نشأ من النصوص الشرعية. وكما أن للإنسان إدراكات حسية من تذوق وشم وسمع ولمس وكلام لا يمكن رؤيتها بالحواس الظاهرة؛ فإن العقل أيضاً يصل في الأمور غير الحسية إلى نتائج لا يمكن الوصول إليها بالحواس الظاهرة». وبما أن هذه الفقرة من الدراسة لا تقدم عرضاً شاملاً لحجية وماهية المذاق، فإنه لن يتم التطرق إلى مباني حجيته أو عدم حجيته، ويكتفى بذكر أن صاحب الجواهر يعتبر مذاق الشارع حجة، حيث يرى أن الفقيه الملم بلسان الشارع لا يليق به أن يأتي بدليل روائي مستقل ومماثل لكل حكم شرعي على حدة (النجفي، 1404هـ، ج 2، ص 52). يبدو أن صاحب الجواهر يعتبر مذاق الشريعة حجة بشكل عام، وبسبب تتبعه للآيات والروايات، يبني سنداً علمياً للمذاق؛ ولكن هل هناك حاجة لوجود دليل معين لحكم خاص معين؟ بناءً على مبنى صاحب الجواهر، يكفي مذاق الشارع في هذه الموارد. من وجهة نظره، مذاق الشارع رزق من عند الله يُمنح لمن يأنسون بمعارف أهل البيت عليهم السلام. (نفس المصدر، ج 8، ص 52 – 53). ربما يمكن القول إن صاحب الجواهر يريد أن يقول إن كلام الأئمة عليهم السلام له لحن ورمز؛ مثلاً عندما يقول أهل البيت عليهم السلام: «يا شيعتنا لا تراجعوا الطاغوت»، فهذا القول كان في مقام التقية؛ لأنه لم يستطع أن يقول صراحة: ارجعوا إلى الإمام المعصوم أو الفقيه الجامع للشرائط. فالجو الحاكم والمجتمع الإسلامي آنذاك لم يكن حراً ليقول كل من شاء ما شاء له أو عليه. لذلك، يُستفاد من لحن الكلام ما هو مقصود الإمام. عندما تقول لابنك: لا تذهب هنا، إذا كان الجو حراً وابنك لا يخشى، يمكنه أن يسأل: فأين أذهب؟ نفس هذا اللحن وأدبيات الكلام التي يقول بها الإمام عليه السلام: «لا تراجعوا الطاغوت»، يثير سؤالاً: فأين نذهب وإلى من نرجع؟ ربما لم يتمكن الإمام في بعض المواضع من الإجابة صراحة على «أين نذهب»؛ ولكنه قال بالرمز والإشارة، ويجب على الإنسان أن يفهم لحن الكلام. (درس خارج آية الله يعقوبي؛ ولاية الفقيه. تاريخ الوصول: 99/12/15 http://vasael.ir/fa/news/492). من رموز كلمات أهل البيت عليهم السلام في تعابير مثل «إني جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة» وأمثالها، يُفهم أن المعصومين عليهم السلام قد خططوا لنظام حياة الشيعة في زمن الغيبة ولم يتركوا شؤون حياتهم المهمة. لذلك، فإن ولاية الفقيه في زمن الغيبة أمر لا يمكن إنكاره. (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 397).
2-6. آية أولي الأمر
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» (النساء: 59). بناءً على النصوص الواردة (الصدوق، 1378، ج 2، ص131) في ذيل الآية الشريفة وقول علماء الشيعة (الطوسي، بلا تاريخ، ج 2، ص236)، فإن المراد من أولي الأمر هم أهل البيت عليهم السلام. وبناءً على مبنى صاحب الجواهر، فإن الفقهاء قد جُعلوا قضاة وحكاماً وخلفاء وحججاً من قبل المعصومين عليهم السلام (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 397)، وهم يُعتبرون نوابهم العامين (نفس المصدر، ص 395) والخاصين (نفس المصدر، ج 15، ص 421). والدليل الفقهي على هذه النيابة هو إطلاق أدلة حكومة ولاية الفقيه، خاصة توقيع صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف الذي يضع الفقهاء في زمرة أولي الأمر ويجعل طاعتهم واجبة. (نفس المصدر، ص 422). بناءً على ذلك، من منظور صاحب الجواهر، فإن شمول آية أولي الأمر يشمل فقهاء الشيعة أيضاً؛ ببيان أن أولي الأمر يشمل أهل البيت عليهم السلام والفقهاء نوابهم، إلا في الموارد التي يُستثنون فيها بدليل خاص. (نفس المصدر، ج 40، ص 18). لذلك، كل ما يثبت للمعصوم عليه السلام يثبت للفقهاء أيضاً.
2-7. ضرورة ومسلمة ولاية الفقيه عند الفقهاء
من الأدلة التي يطرحها صاحب الجواهر بشأن مسألة ولاية الفقيه، هو كونها بديهية وضرورية عند الفقهاء. فبحسب رأيه، تُستفاد الولاية من ظاهر فتاوى الفقهاء وبشكل عملي في أبواب فقه الشيعة؛ بل ربما يمكن الادعاء بأنها من ضروريات ومسلمات فقه الشيعة. (نفس المصدر، ج16، ص178). من وجهة نظره، حكم هذه المسألة لمن درس روايات ولي الفقيه في أبواب كتاب وسائل الشيعة وسائر كتب الروايات بدقة، واضح وجلي؛ بل هو من القطعيات (نفس المصدر، ج 40، ص 19) والواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة شرعية. (نفس المصدر، ج 21، ص397). يبدو أن كون حكم ما ضرورياً عند الفقيه واعتباره مسلماً، لا يُعد دليلاً مستقلاً كاملاً؛ ولكن هذا النوع من البيان من فقيه له إحاطة كاملة بمباني فقه وأصول الشيعة، يمكن أن يكون شاهداً ومؤيداً قوياً على دعوى الحكم الفقهي لولي الفقيه.
2-8. الإجماع
الدليل الآخر الذي يطرحه صاحب الجواهر على مشروعية ولاية الفقيه هو قبول النيابة العامة للفقهاء، ويدعي الإجماع على ذلك. (نفس المصدر، ج16، ص178). من وجهة نظره، مسألة ولاية الفقيه والنيابة العامة للفقهاء يمكن الوصول إليها بيقين من النصوص الشرعية والإجماع بقسميه بسهولة في زمن الغيبة؛ بل هي من ضروريات المذهب الإمامي: «هو المتيقن من النصوص والإجماع بقسميه، بل الضرورة من المذهب نيابته في زمن الغيبة عنهم عليهم السلام على ذلك ونحوه» (نفس المصدر، ج21، ص399). ويذكر في موضع آخر أن الفقهاء يذكرون ولاية الفقيه في موارد متعددة ومواضع شتى. ونتيجة لذلك، من الممكن تحصيل الإجماع على الولاية العامة للفقيه، حيث لا يوجد دليل عليها سوى إطلاقات الأدلة التي ذكرناها. (نفس المصدر، ج 15، ص 422). وفي موضع آخر، لإثبات دعوى عمومية ولاية الفقيه، يتمسك بكون هذه المسألة إجماعية، حيث إن كتب الفقهاء متاحة: «فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم المراد به نائب الفقيه في سائر المواضع» (نفس المصدر، ج 21، ص 396). «كتب فقهاء الشيعة مليئة برجوع الناس إلى الحاكم الإسلامي الذي يُراد به نيابة ولاية الفقيه في سائر الموارد». حجية الإجماع أو عدم حجيته مسألة مهمة، ولتنقيح واستدلال إجماع الفقهاء في مسألة الولاية العامة للفقيه، لا بد من عرض أقوال الفقهاء أو نقل إجماعاتهم. المحقق الأردبيلي في ‘مجمع الفائدة والبرهان’ ضمن بحث القضاء، أشار إلى مسألة ولاية الفقيه وكتب: «عن صاحب الأمر عليه السلام، وإذنه معلوم بالإجماع أو بغيره، مثل أنه لو لم يأذن يلزم الحرج والضيق، بل اختلال نظم النوع، وهو ظاهر… فيكون الفقيه حال الغيبة حاكماً مستقلاً. نعم ينبغي الاستفسار عن دليل كونه حاكماً على الإطلاق وعن رجوع جميع ما يرجع إليه… فيمكن أن يقال: دليله الإجماع». (الأردبيلي، 1403هـ، ج 12، ص28)؛ «من وجود ولي العصر المبارك عليه السلام وإذنه، تُعلم مسألة ولاية الفقيه بالإجماع أو بغيره، مثل أنه لو لم يوجد مثل هذا الإذن للفقيه لحصل حرج ومرج واضطراب في الحياة الاجتماعية… فيكون الفقيه في زمن الغيبة حاكماً مستقلاً. نعم، ينبغي السؤال عن دليل إطلاق ولاية الفقيه وكل ما هو ثابت للأئمة عليهم السلام، كيف يثبت للفقهاء؟… يمكن أن يُقال في الجواب: دليله الإجماع». كما يُلاحظ، فإن صاحب ‘مجمع الفائدة’ استند إلى الإجماع لإثبات إطلاق حكومة ولاية الفقيه ونيابتهم عن الأئمة عليهم السلام في جميع الأمور المتعلقة بشؤون الإمامة. المحقق الكركي ادعى اتفاق فقهاء الشيعة على نيابة الفقهاء عن المعصوم عليه السلام في جميع الأمور المتعلقة بشؤون الإمامة (العاملي، 1409هـ، ج 1، ص 142). الاتفاق وعدم الخلاف هما لفظان من حيث المفهوم في مرتبة أدنى من الإجماع؛ ولكن هذا التأخر في الرتبة يمكن التغاضي عنه مع ادعاء إجماع فقهاء آخرين، مثل صاحب الجواهر والمحقق الكركي. الملا أحمد النراقي يعتبر إجماع الفقهاء أحد الأدلة الواضحة على ولاية الفقيه. كثير من الفقهاء يصرحون بولاية الفقيه، مما يُعلم منه كون هذا الأمر مسلماً به. (النراقي، 1417هـ، ص536). وكذلك السيد المراغي في كتاب ‘العناوين’، تمسك بكلا قسمي الإجماع (المحصل والمنقول). (المراغي، 1417هـ، ج2، ص 563).
2-9. عدم تعطيل كثير من أحكام الإسلام الاجتماعية
أحد أدلة ولاية الفقيه الأخرى هو عدم تعطيل أحكام الإسلام الاجتماعية. (النجفي، 1404هـ، ج21، ص 397). يعني لو لم تثبت مسألة ولاية الفقهاء في الإسلام، فإن كثيراً من الأحكام اليقينية في الإسلام، مثل القضاء والقصاص والديات والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و… يجب ألا تُنفذ؛ لأن غير الفقهاء لا علم ولا وعي له بهذه الأحكام. توضيح الكلام أن عدم تعطيل الأحكام الإسلامية يُعد من الأدلة العقلية على ولاية الفقيه. بالإضافة إلى النصوص الشرعية التي أُشير إليها في الأقسام السابقة، يمكن التمسك بعمومات وإطلاقات تنفيذ الأحكام الشرعية؛ أي يُستفاد من ظاهر الأدلة أن الأحكام الإلهية قابلة للتنفيذ في زمن حضور وغيبة المعصوم عليه السلام. صاحب الجواهر في مبحث إقامة الحدود من قبل الفقهاء في زمن الغيبة يكتب: «الفقهاء ورثة الأنبياء وهم كأنبياء بني إسرائيل، وإن لم يكونوا، لما عُرف الحق من الباطل. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «إن الله قال لرسوله صلى الله عليه وآله: يا محمد من عطل حداً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي». (الحر العاملي، 1409هـ، ج 28، ص 13، ح6). ظاهر هذا الخطاب يشمل جميع الأزمنة… بل أمر الله بجلد الزاني وقطع يد السارق عام، وتعطيل الحدود يسبب ترويج الأمور الحرام والمفسدة التي تُركت من قبل الشارع المقدس. فمقتضى ثبوت الحد يجري في زمن الحضور والغيبة. حكمة وفائدة تنفيذ الحدود تعود إلى الناس، لا إلى من يقيمونها. الفقهاء منصوبون لإقامة حدود الله، ولا فرق بين هذا المنصب، أي إقامة الحدود، وبين المناصب الأخرى. ونتيجة لذلك، تثبت نيابة الفقيه عن الإمام والرجوع إلى الحاكم في كثير من الموارد… لو لم تثبت الولاية العامة للفقهاء، لتعطلت كثير من أمور حياة الشيعة». (النجفي، 1409هـ، ج 21، ص 397 – 395).
2-10. دلالة الاقتضاء
كما مرّ في المباحث السابقة، فإن الإفتاء والقضاء للفقيه أمر لا مفر منه ولا يمكن إنكاره. من هذا الأمر يمكن إثبات الولاية العامة للفقهاء بدلالة الاقتضاء. على الرغم من أن صاحب الجواهر لم يصرح بدلالة الاقتضاء؛ ولكن بسير موجز في مباحث القضاء والحدود والجهاد و… يمكن إثبات هذا الادعاء بسهولة. توضيح المطلب أنه من وجوب الإفتاء وبيان الأحكام الإلهية ورسالة الإرشاد والتبليغ، وكذلك وجوب القضاء بين الناس، يُعلم أن الشأن الأصلي للفقيه هو تنفيذ وتطبيق الأحكام والأوامر الإلهية. لذلك، تتضح هذه الملازمة العقلية بين مقام الإرشاد والتبليغ ومقام التنفيذ والمساواة. (الحسيني، ولاية مطلقة فقيه، https://jf.isca.ac.ir/article_3773.html، تاريخ الوصول 99/12/9). كما استُدل في علم الأصول بآيات الكتمان والسؤال على حجية خبر الواحد: إذا كان كتمان الحقائق حراماً، فإظهارها واجب، وإذا كان بيان الحقائق والأوامر الإلهية واجباً على علماء الدين، فإن قبول كلامهم واجب على الناس. وكذلك بالنسبة لآية السؤال، إذا كان سؤال المسائل الدينية من العلماء واجباً، فإن قبول والعمل بإجاباتهم واجب أيضاً؛ لأنه لو لم يكن القبول والعمل بكلام المجيبين واجباً، لكان هذا الأمر لغواً وبلا أثر. (الآخوند الخراساني، 1409هـ، ص 299-301). ونتيجة لذلك، وبسبب إبعاد الأمر الإلهي عن العبث، يحكم العقل بواسطة دلالة الاقتضاء بملازمة ولاية الفقهاء مع أدلة ومكانة القضاء والإفتاء. هل كل هذا الاهتمام من الشارع المقدس ببيان وتبليغ أحكام الإسلام وضرورة وجود هيئات قضائية في المجتمع الإسلامي هو فقط لإعلام الناس أو لحفظ الأحكام من التقادم والنسيان وإتمام الحجة؟ هل كل هذه الأحكام خاصة بزمن حضور المعصوم عليه السلام، وفي كل زمن الغيبة، الذي يعلم الله إلى متى سيستمر، ليس تنفيذها لازماً؟ من الواضح أن قبول عدم تنفيذ الأحكام والانصياع لها في زمن الغيبة لا ينسجم مع روح الإسلام وفلسفة الأحكام وإطلاق وعموم الآيات والروايات، ويترتب عليه هرج ومرج وتفكك النظام أو قبول حكومة الظالمين، وكلاهما غير مقبول. لذلك، فإن الملازمة العقلية للولاية على الإفتاء والقضاء هي امتلاك ولاية على المساواة والتنفيذ؛ لأنه بعد بيان وتبليغ الأحكام والقضاء وإصدار الحكم، إذا لم يكن الناس مستعدين للعمل والالتزام به، فلن يكون هناك فائدة، وسيكون الأمر ناقصاً وغير تام. لذلك، يجب أن يتمتع الفقيه بسلطة حكومية، حتى تكون لسيادة وجريان أحكام وقضاء الله في المجتمع سند تنفيذي. وإلا، يجب القبول بأن الإسلام لا يريد جريان الحدود والسنن والسياسات الإسلامية والاجتماعية! (الحسيني، ولاية مطلقة فقيه، https://jf.isca.ac.ir/article_3773.html، تاريخ الوصول 99/12/6).
2-11. فحوى خطاب ولاية المولى والأب
من الأدلة الأخرى التي أشار إليها صاحب الجواهر في كلامه على ولاية الفقيه؛ هي فحوى خطاب ولاية المولى والأب والزوج. من وجهة نظره، فإن فحوى الخطاب والأدلة التي تثبت شأن المولى في إقامة الحد على عبده، وكذلك بالنسبة للزوج والأب بناءً على معتقداتهم بالولاية في هذه المسألة، يمكنهم إقامة الحد؛ وهذا الشأن والمكانة نفسها تثبت للفقيه قطعاً؛ لأن الفقيه قد عُين حاكماً وخليفة لهم من قبل المعصومين عليهم السلام. (النجفي، 1404، ج 21، ص297). في الواقع، يبدو أن صاحب الجواهر قد توصل إلى إثبات شؤون الولاية لولي الفقيه من خلال فحوى خطاب ولاية المولى وإثبات شؤون الولاية للمولى، عن طريق قياس الأولوية.
3. إشكالات على أدلة صاحب الجواهر
3-1. عدم تقديم دليل مستقل على الولاية العامة للفقيه
الأدلة التي استند إليها الكاتبان في هذا البحث قد تكون في المرحلة الأولى قُدمت للدفاع عن الولاية العامة؛ ولكن بعض الأدلة الموجودة مثل الإجماع وتعطيل الأحكام ومذاق الشريعة وفحوى الخطاب، قابلة للنقاش في دعوى صاحب الجواهر، وهي تسعى لإثبات أصل مسألة ولاية الفقيه؛ ولكنها لا تقدم بياناً حول كيفية الولاية ونيابة الفقهاء. لذلك، فإن ولي الفقيه ونيابة الفقهاء عن الإمام المعصوم عليه السلام في زمن الغيبة، بالنظر إلى الأدلة المقدمة من قبل صاحب الجواهر، أمر لا يمكن إنكاره؛ ولكن بالنسبة لتطبيق الولاية العامة للفقيه على الناس أو كيفية تشكيل الحكومة الإسلامية أو الحكم العام للفقيه، لا يُفهم دليل مستقل. وجه عدم ثبوت عمومية الولاية والنيابة للفقهاء بالنسبة للأدلة غير اللفظية هو أن هذا النوع من الأدلة يُعتبر من الأدلة اللبية، وفي الأدلة اللبية يُكتفى بالقدر المتيقن، وهو إثبات الولاية والنيابة للفقهاء. ويُحرز في المقابل بالنسبة للأدلة اللفظية مثل الروايات الواردة في مقام (مقبولة عمر بن حنظلة) إمكانية ثبوت نظرية عموم ولاية الفقيه؛ كما أن صاحب الجواهر باستخدام بعض الألفاظ الموجودة في الرواية مثل: «فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةٌ الله» اعتبر وزان ولاية الفقيه كوزان ولاية الأئمة؛ إلا في الموارد التي لا يكون للفقيه فيها ولاية بدليل خاص. (نفس المصدر، ج 40، ص18).
3-2. دور الناس وحدود صلاحيات الولاية العامة للفقيه
الإشكال الآخر هو أنه بالنظر إلى تتبع الكاتبين في كلام صاحب الجواهر، لم يُعثر على حكم أو نظرية بخصوص دور الناس في كيفية ولاية الفقيه أو حدود وصلاحيات الفقيه. ربما يمكن القول إنه على الرغم من أن صاحب الجواهر لم يصرح بدور الناس في الولاية العامة للفقيه؛ ولكن بالنظر إلى كلامه ومبانيه في علاقة نوع الولاية في الفقيه التي هي كولاية الأئمة، يمكن استنتاج أن الدور في ولاية الفقيه هو من باب ولاية أهل البيت عليهم السلام. (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 395). الإشكال الآخر هو أنه دائماً في بلاد الشيعة كانت الحوزات العلمية قائمة، وفي معظم الأوقات كان يوجد فقهاء جامعون للشرائط في زمن واحد وبشكل متعدد؛ ولكن صاحب الجواهر لم يشر إلى المشكلات التي تنشأ من تعدد الفقهاء. وأحياناً يؤدي تعدد آراء الفقهاء إلى مشكلات يمكن ذكر أمثلة كثيرة عليها في هذا المجال. بالطبع، لا يمكن الادعاء بأن وجود عدة فقهاء جامعين للشرائط في وقت واحد هو مثل وجود عدة معصومين عليهم السلام في زمن واحد؛ لأن بالنسبة لولاية المعصومين عليهم السلام يوجد دليل وقرينة خارجية على أن معصوماً واحداً هو حجة الله وباقي المعصومين تابعون له. لذلك، يبقى الإشكال على نظرية الولاية العامة للفقيه قائماً.
الخاتمة
بشكل عام، من وجهة نظر صاحب الجواهر، الولاية العامة للفقيه، أي عمومية الولاية للفقيه في جميع شؤون حياة المسلمين من جهاد وخمس وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر و… ثابتة. وقد ذكر صاحب الجواهر، بناءً على إحصاء الكاتبين، أحد عشر دليلاً على ولاية الفقهاء العامة. مقبولة عمر بن حنظلة ومقبولة أبي خديجة والتوقيع الشريف للإمام الزمان عجل الله فرجه الشريف كانت مستندات روائية للولاية العامة للفقيه، كما ذكر آية أولي الأمر كمستند قرآني. بالإضافة إلى الآيات والروايات، استند أيضاً إلى أدلة أخرى وهي: عمومات وإطلاقات أدلة مكانة الفقيه، مذاق الشارع، الإجماع، ضرورة ومسلمة ولاية الفقيه عند الفقهاء، عدم تعطيل كثير من أحكام الإسلام الاجتماعية، دلالة الاقتضاء، فحوى خطاب ولاية المولى والأب. كما ادعى صاحب الجواهر، من مجموع الأدلة القرآنية والروائية والأحكام المختلفة الاجتماعية والسياسية في الإسلام، يمكن الوصول بسهولة إلى مسألة الولاية العامة للفقيه. بالطبع، نظرية الولاية العامة للفقيه تحتاج إلى إشكالات في مقام التنفيذ وهي: أ) تجاهل دور الناس في ماهية وكيفية ولاية الفقيه العامة. ب) حدود وصلاحيات الولاية العامة للفقيه في كلام صاحب الجواهر لم تُذكر بشكل جامع. كما يوجد إشكال آخر من وجهة نظر الكاتبين في مسألة الولاية العامة للفقيه، وهو عدم صراحة الأدلة على الولاية العامة للفقيه؛ بل الأدلة المطروحة ذكرت ولاية الفقهاء في بعض أبواب الفقه وهي صريحة في ذلك.
الهوامش
1. أستاذ مشارك، كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، جامعة قم، قم، إيران، الكاتب المسؤول؛ omidifard.f@gmail.com
2. باحث في الحوزة العلمية بقم، المستوى الرابع؛ mehdimeghdadi69@gmail.com.
3. قوله: «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» أشد ظهوراً في إرادة كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكم… بل ما عن بعض الكتب «خليفتي عليكم» أشد ظهوراً، ضرورة معلومية كون المراد من الخليفة عموم الولاية عرفاً، نحو قوله تعالى «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» أو لما سمعته من»؛ (النجفي، 1404هـ، ج 21، ص 395).
4. تعبير صاحب الجواهر عن مصدر هذه الرواية هو «بعض كتب الرواية»، ولم يتمكن الكاتب من العثور على مصدر هذا القول بخصوص الفقهاء.