ملخص
تُعدّ قاعدة الإحسان من القواعد الفقهية ذات التطبيقات الواسعة في الفقه والحقوق الإسلامية. وتدل آيات من القرآن وروايات كثيرة على هذه القاعدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن للتطبيق الفقهي والحقوقي لهذه القاعدة دورًا مؤثرًا ومهمًا في قسم الأخلاق والشؤون الاجتماعية. كما أن قاعدة لا ضرر تُعدّ من القواعد الكلية والتطبيقية في قسم الفقه والحقوق، ولا يمكن لأي فقيه أو حقوقي أن يهتدي إلى مبتغاه دون الإلمام بجميع القواعد الفقهية، وخاصة هاتين القاعدتين. إن نطاق قاعدة الإحسان ولا ضرر يشمل أمور حياتنا اليومية والاجتماعية كلها، فهو شمول وعام. والنسبة القائمة بينهما من النسب المنطقية، وكيفية رفع التعارض في مقام التطبيق – على فرض الاجتماع والتعارض -، وطريقة رفع التعارض الأصولي كالتخصيص والحكومة والورود وغيرها، هي من الموارد التي ستضاعف الجانب التطبيقي لهذه القواعد. في هذا المقال، بُذلت الجهود لتوضيح مكانة قاعدة الإحسان ونسبتها إلى قاعدة لا ضرر من منظور منطقي وأصولي.
المقدمة
من المباحث التي استأثرت بفصل واسع في الفقه والحقوق الإسلامية، بحث «القواعد الفقهية»؛ أي القانون الكلي الذي يكون منشأً لاستنباط قوانين أضيق نطاقًا أو أساسًا لقوانين متعددة أخرى. وبالطبع، يوجد في الحقوق غير الدينية، مثل حقوق أوروبا، مباحث مشابهة يُعبّر عنها بـ «norm»، وفي الحقوق الجديدة، يُطلق على الحكم الكلي القابل للانطباق على موارد ونماذج مختلفة. على أساس هذه القواعد الكلية، يستنبط الحقوقيون والفقهاء الأحكام الجزئية ويحددون التكليف بشأن الوقائع والأحداث الجارية (راجع: الناز رحيمي، 1395). اليوم، القوانين مشحونة بهذه القواعد، ونادرًا ما نجد مدونة لا تشير إلى هذه القواعد. لذا، يبدو الإلمام بهذه الأحكام الكلية ضروريًا؛ لأن دراسة القوانين وتحليلها دون السيطرة أو على الأقل الإلمام بمبادئ حقوق الإسلام والفقه، أمر غير ممكن. وما قيل آنفًا يوضح أهمية وضرورة بحث القواعد الفقهية جيدًا.
دراسة المفاهيم
مفهوم قاعدة الإحسان في اللغة: الإحسان، مصدر باب إفعال من جذر «حسن»، ويعني في اللغة الإحسان وعمل الخير (ابن منظور، 1376، 13: 117). والمحسن هو من يفعل الخير ويُحسن. الإحسان من جذر حسن، وهو ضد الإساءة، بمعنى إيصال الخير إلى الآخر. في الفقه والحقوق، يُطلق الإحسان على العمل العام أو الخاص لمساعدة الغير بقصد التبرع (أنصاري وطاهري، 1: 110). قاعدة الإحسان ودورها في قاعدة الإحسان، من القواعد المسلم بها شرعًا وفقهًا. وتدل الأسانيد المعتبرة شرعًا على اعتبارها، وقد استفاد منها فقهاء الإمامية وغير الإمامية بشكل واسع. ولا يقتصر وجود هذه القاعدة على المتون الفقهية؛ بل لها حضور في المتون الحقوقية والقوانين الوضعية مثل القانون المدني الإيراني ومجلة الأحكام العدلية. من تطبيقات هذه القاعدة التي أولاها بعض الفقهاء اهتمامًا، ما يتعلق بالمسؤولية المدنية أو الضمان. أساسًا، تؤدي قاعدة الإحسان إلى إباحة الفعل ونفي السبيل ورفع المؤاخذة عن الإنسان المحسن (مجلة تخصصي نور، 1398).
المبحث الأول: مدارك ومستندات القاعدة
أ) الكتاب
«لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التوبة، آية 91). ومعناها: ليس على العاجزين والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقونه (في سبيل الجهاد) إثم، إذا نصحوا لله ورسوله، وليس على المحسنين من مؤاخذة، والله غفور رحيم. شأن نزول هذه الآية يتعلق بأقوام أرادوا في زمن النبي (ص) المشاركة في غزوة تبوك؛ ولكن بسبب الفقر وعدم القدرة على تحصيل الزاد والراحلة، لم يتمكنوا من المشاركة في الحرب. في الواقع، روى المفسرون أنه بعد صدور الأمر العام من رسول الله (ص) بالمشاركة في هذه الغزوة، جاء ثلاثة إخوة يُدعون معقل وسويد ونعمان من بني مقرن إلى رسول الله (ص) وقالوا: ليس لدينا زاد وراحلة؛ ولكننا مستعدون للمشاركة في الحرب. فبكى هؤلاء الإخوة الثلاثة لعدم توفيقهم للمشاركة في الحرب، وعلى إثر هذه الحادثة، نزلت الآية المذكورة. بناءً على ذلك، يمكن الاستفادة من هذه الآية كضابطة كلية، وهي أن كل فرد يصدق عليه وصف المحسن، فلا سبيل عليه. مع الأخذ بعين الاعتبار شأن النزول هذا، نقول إن هذه النقطة ثابتة في محلها وهي أن خصوصية المورد أو شأن النزول لا تضر بعموم العام وإطلاق المطلق. لذلك، يُستفاد من هذه الآية كضابطة كلية، وهذا المورد، أي شأن النزول، هو أحد مصاديق الآية (البجنوردي، 1377، 1: 33). بالطبع، جميع مفردات الآية قابلة للتحليل؛ ولكن مورد بحثنا الذي هو في حدود مقال، لا يتسع لتحليل الآية بشكل مفصل. يمكن ذكر نقطتين: 1. كلمة «المحسنين» معرفة بالألف واللام، وهي تشمل كل نوع من أنواع الإحسان؛ سواء كان ضرريًا أو غير ضرري، وسواء كان يجلب منفعة أو في مقام دفع ضرر. في جملة «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»، عُلة رفع الحرج عن المحسنين هي رفع تكليف وحكم الجهاد؛ وذلك إذا كان هؤلاء الأفراد يقصدون النصح لله ورسوله (ص). من هنا، لا تكليف عليهم. 2. كلمة «سبيل» نكرة في سياق النفي، وهي تفيد العموم الذي يشمل كل نوع من الحرج، والضرر، والحجة، والمؤاخذة، وغيرها، مما يعني أنه في فرض الإحسان لا مؤاخذة ولا حرج عليهم (الطباطبائي، 1374، 9: 489 و490). الآية الأخرى التي استُدل بها هي الآية الشريفة «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» (الرحمن، آية 60). هذا الاستفهام هو استفهام إنكاري، ومعنى الآية هو أن جزاء الإحسان ليس إلا الإحسان، ولا يمكن تحميل من قام بعمل بنية الخير ضمان الآثار المترتبة على عمله، وهذا خلاف حكم العقل الصريح.
ب) السنة
في تأييد قاعدة الإحسان، استُدل ببعض الأحاديث والروايات، نشير هنا إلى موردين منها. نُقل عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «الجزاء على الإحسان بالإساءة كفران»؛ أي أن مكافأة الإحسان بالسوء هي كفران للنعمة (الخوانساري، شرح غرر الحكم ودرر الكلم، حرف الألف). الاستدلال على عدم ضمان المحسن من الرواية المذكورة يكون على هذا النحو: إن تحميل المحسن المسؤولية عن الأعمال التي قام بها بقصد الخير يُعد إساءة، وهو مشمول بهذا الحديث الذي يوضح بشاعة هذه الحالة وقبحها؛ كما قال سعدي الشيرازي في شعر له: مروت نباشد بدی با کسی / که احسان از او دیده باشد بسی (ليس من المروءة الإساءة إلى من / رأيت منه إحسانًا كثيرًا). وفي رسالة أمير المؤمنين علي (ع) إلى مالك الأشتر جاء: «وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ»؛ أي لا ينبغي أن يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فإن في ذلك تثبيطًا لأهل الإحسان على إحسانهم، وتشجيعًا لأهل الإساءة على إساءتهم (الدشتي، نهج البلاغة، الرسالة 53). الاستدلال بالحديث المذكور على قاعدة الإحسان يكون على هذا النحو: لو كان المحسن مسؤولًا عن عمله الحسن، لكان قد عُدَّ غير محسن؛ والحال أن هذه الحالة منهي عنها بموجب ذلك الحديث، ومن منظور منطقي أيضًا، فإن هذا الأمر خلاف الفرض وغير مقبول.
ج) العقل
إن حكم العقل بقبح مؤاخذة المحسن على عمله الحسن واضح جدًا، ويمكن القول إن لحن بيان آية «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» هو نفسه؛ لأن ما ورد في هذه الآية هو نوع من الاستفهام الإنكاري، وكأن جوابه من جميع العقلاء سلبي؛ أي أن جميع البشر يعترفون بأنه لا جزاء للإحسان إلا الإحسان. بعبارة أخرى، إن العمل الصالح الذي يقوم به شخص محسن هو مصداق للنعمة، والمحسن يُعد منعمًا. وشكر المنعم حسنٌ عقلاً وممدوح عند الحكماء. لذلك، فإن الشكر والتقدير للمحسن أمر لائق؛ كما أن كفران نعمته قبيح. من البديهي أن لوم الشخص المحسن وتحميله الضمان لأنه أحسن وفعل خيرًا هو كفران للنعمة في حقه. ومثال ذلك أن شخصًا يأخذ حيوانًا لآخر إلى منزله بغرض حمايته من الهلاك وخطر الحيوانات المفترسة، ثم ينهار الجدار على الحيوان فيموت. إن توبيخ هذا الشخص ولومه قبيح عقلاً؛ على الرغم من أنه تصرف في الحيوان دون إذن صاحبه؛ ولكن لأنه قصد الإحسان وبدافع خدمة صاحب الحيوان أقدم على ذلك، فليس بضامن.
د) الإجماع
الدليل الرابع على قاعدة الإحسان هو الإجماع. بالطبع، ليس للفقهاء إجماع بهذا المضمون، أي أن قاعدة الإحسان ناشئة عن الإجماع؛ بل ما يُلاحظ في الكتب الفقهية هو أن الفقهاء لم يعتبروا المحسن ضامنًا، وفي فتاواهم بشأن المحسنين أفتوا بعدم الضمان (فاضل اللنكراني، 1383: 258). مثلًا في باب الوديعة، إذا كان مالٌ أمانة عند شخص آخر، وقام الأمين بوضع ذلك المال في مكان خاص من أجل حراسة أفضل، حتى لو كان نقل المال إلى ذلك المكان دون إذن صاحبه وتلف المال، فإن الودعي ليس بضامن؛ لأنه في هذا الإجراء كان محسنًا وقصد الخدمة، وأقدم على نقله بهدف الحفاظ على المال؛ كما استدل صاحب الجواهر على قبول قول الودعي (مدعي الأمانة) الذي يدعي التلف، بهذه القاعدة نفسها، وقال إن الودعي بالنظر إلى كونه محسنًا، فإن إجماع الفقهاء على أنه ليس بضامن (النجفي، جواهر الكلام، 27: 96). كما لوحظ، فإن دلالة الآيات والروايات على قاعدة الإحسان واضحة؛ ولكن الدليل العقلي على القاعدة ناقشه بعض الفقهاء وذكروا أن هذه المسألة هي استحسان عقلي وظني لا يمكن من خلاله إثبات حكم شرعي أو نفيه صراحةً؛ بل يجب إقامة دليل وحجة قطعية على ثبوت أو نفي الحكم الشرعي. لذا، إذا تحقق سبب الضمان، كالإتلاف واليد العادية والتعدي والتفريط وغيرها، فإن الشخص يكون ضامنًا، وبمجرد هذا الاستحسان، لا يصح الحكم بعدم الضمان (البجنوردي، 1377، ج7: 234). ولكن يبدو أن مسألة وجوب شكر المنعم من مسلّمات الحكم العقلي التي بُحثت وأُثبتت في المباحث الكلامية، وهي أمر عقلاني وعمومي، بالإضافة إلى أن الآية الشريفة «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» مؤيدة لهذا الحكم العقلي والعقلائي. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أي شك أو تردد في أصل قاعدة الإحسان. لذا، يبدو أن الدليل العقلي في هذا الموضوع هو من سنخ الدليل القطعي لا الظني. بالطبع، ليس لدينا نزاع صغروي في الإجماع المذكور؛ لأنه إجماع واقعًا؛ ولكننا لا نعتبر هذا الإجماع إجماعًا أصوليًا ليكشف كشفًا قطعيًا عن رأي المعصوم (ع)؛ لأنه عندما نراجع مباحث هذا الباب، نرى أن أكثر الفقهاء تمسكوا بالآية الشريفة نفسها «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ». فإذا كان مدرك الإجماع هو هذه الآية، فهذا ليس إجماعًا أصوليًا؛ بل هو إجماع مدركي. الإجماع الأصولي يكون عندما لا يوجد دليل لفظي في خصوص الموضوع، وحينئذٍ يُطرح الإجماع كدليل مثبت. بناءً على ذلك، فإن مدرك هذه القاعدة هو الآيات الشريفة، والسنة، وحكم العقلاء، والعقل (راجع: رحيمي، 1395).
المبحث الثاني
بعد هذا البحث، هناك نقطة أكثر أهمية تُبحث في فهم قاعدة الإحسان ومضمونها، وهي كشف ماهية الإحسان؛ بمعنى هل يقتصر نطاق قاعدة الإحسان على موارد دفع الضرر أم يشمل موارد جلب المنفعة، أو كليهما؟ كذلك، هل القصد والنية في الإحسان شرط، أم يكفي مجرد العمل؟ بعبارة أخرى، في الإجابة على هذه الأسئلة: هل موضوع الحكم في هذه القاعدة هو قصد الإحسان واعتقاد الفاعل، وإن لم يكن إحسانًا في الواقع؛ أم هو الإحسان الواقعي، وإن لم يعتقد الفاعل أنه إحسان، أم كلاهما معًا؛ أي أن يكون العمل إحسانًا في الواقع، وأن يكون الفاعل قد أداه بقصد الإحسان؟ يجب القول إن هناك ثلاثة آراء للفقهاء في هذا الصدد: شخص يقوم بعمل يكون بموجب أدلة الضمان ضامنًا، مثلًا إذا تصرف في أموال الغير فضولًا، فهو ضامن؛ ولكن إذا كان هذا العمل بحسن نية من الفاعل وبقصد الحفاظ على الأموال وبدافع خدمة المالك، ثم تسبب بالاتفاق في ضرر وخسارة، فإن الفاعل ليس بضامن؛ لأنه في هذا العمل كان يقصد الإحسان. الآن يطرح هذا السؤال هنا: هل موضوع حكم عدم الضمان في القاعدة هو قصد الإحسان وإن لم يكن موجودًا، أم أن قصد الإحسان لازم والإحسان الواقعي للعمل أيضًا؟ يكتب المرحوم الميرزا حسن البجنوردي في إجابته على هذا السؤال: «الإحسان الواقعي شرط؛ حتى لو لم يقصد الفاعل الإحسان؛ لأنه حيثما كان عنوان موضوع الحكم الشرعي، فإن المقصود هو معناه الواقعي، ولا مدخلية للقصد والاعتقاد في مفاهيم الأشياء. الأشياء تابعة لواقعها. بناءً على ذلك، فإن قاعدة اليد أو ضمان اليد، التي تثبت الضمان، تتخصص بالنسبة لقاعدة الإحسان في موضع يكون الفعل في حاق الإحسان؛ سواء وُجد القصد أم لم يوجد (راجع: البجنوردي، 1377). الرأي الآخر هو أنه يجب الرجوع إلى الأصول العملية، والأصل العملي الموجود في هذه المسألة هو الاستصحاب؛ لأنه بموجب أدلة إثبات الضمان، فإن التصرف غير المأذون فيه في مال الغير موجب للضمان، ومع هذا، فإن اليقين السابق الذي هو أحد ركني الاستصحاب متحقق. الآن إذا شككنا في تأثير قاعدة الإحسان كمسقط للضمان، هل قصد الإحسان هو المسقط للضمان أم الإحسان الواقعي، فإن الركن الثاني للاستصحاب وهو وجود الشك متحقق. نتيجة لذلك، ما دام الشك موجودًا، فإن قاعدة الإحسان كمسقط للضمان لا تعمل ولا تتحقق. لذلك، للخروج من حالة الشك والتردد، يجب الاكتفاء بالقدر المتيقن والقول بأن كلًا من القصد والوصول إلى التحقق من الإحسان لهما دور، وكلاهما معًا عنصر مكون للقاعدة ومبين لمضمون قاعدة الإحسان (جستار فقه وحقوق، 1393). كما لاحظتم في الاستدلالين السابقين، كلا الرأيين يفصلان الإحسان الواقعي عن قصد الإحسان. يمكن تبني رأي ثالث؛ بحيث لا نفصل الإحسان الواقعي عن قصد الإحسان. مثلًا، شخص أراد إصلاح مكيفه، وبعد إجراءات، اكتشف أنه أصلح مكيف الجار. الرأيان المذكوران في هذا المثال يريان أن إحسانًا واقعيًا قد تحقق؛ ولكن قصد الإحسان لم يكن موجودًا. ثم الرأي الأول يعتبر الفاعل محسنًا ويبرئه من الضمان القهري؛ أما الرأي الثاني فلا؛ ولكن وفقًا للرأي الثالث، لم يتحقق هنا إحسان أصلًا لنعتبر فاعله غير مسؤول. إذا تسبب أثناء إصلاح المكيف في أضرار، مثلًا، لقش المكيف، فيجب عليه دفع تعويض؛ لأنه وفقًا للرأي الثالث، يتحقق الإحسان عند وجود القصد، وهو ما لم يكن موجودًا في هذا المثال. فقط الجزء الثالث هو الذي يبين مضمون القاعدة. السؤال الآخر هو: في قاعدة الإحسان، هل جلب المنفعة ودفع المفسدة كلاهما شرط أم يكفي أحدهما؟ الجواب: بالطبع، بالنظر إلى عموم الإحسان، لا فرق بين أن يكون الفعل المنجز لجلب منفعة أو لدفع ضرر، فكلاهما مشمول بالإحسان؛ أي كما أن جلب المنفعة للغير إحسان، فإن دفع الضرر عن نفس أو مال الغير هو إحسان أيضًا، بل يمكن القول إنه في بعض الأحيان من منظور العرف، يُعد دفع الضرر إحسانًا أكثر من جلب المنفعة؛ خاصة عندما يُدفع الضرر عن نفس شخص ما. مضمون القاعدة في هذه الحالة هو أنه إذا أدى العمل المحسن إلى وقوع ضرر، فلا ضمان على عاتق الفاعل. مثلًا، إذا حُبس شخص في غرفة وكان معرضًا للهلاك، وقام آخرون بكسر الباب لإنقاذه، فمن منظور منطق العقلاء، لا يُعتبر الفاعلون ضامنين؛ لأنهم أقدموا على التخريب بقصد الخدمة والإحسان، وعملهم لم يكن ناتجًا عن قصد إحداث ضرر (مير داماد، قواعد فقهية، 2: 299 و300). كما قيل، فإن نطاق القاعدة عام ويشمل القصد والنية والاعتقاد وإنجاز العمل كله، ويشمل أيضًا دفع الضرر وجلب المنفعة. وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء والأصوليين في هذا الصدد، فإن بعض الفقهاء يقولون بعدم عمومية القاعدة، وبعضهم يقول بالعمومية، وبعضهم يقول بكفاية أحدهما لا على التعيين، وبشكل عام يمكن القول إن هناك ثلاث نظريات في هذا الصدد:
1. نظرية دفع الضرر
يعتقد بعض الفقهاء أن قاعدة الإحسان تختص بموارد دفع الضرر ولا تشمل موارد جلب المنفعة؛ (ميرداماد، بالنقل عن العناوين بدون صفحة، وتقرير درس خارج أصول آية الله وحيد الخراساني)؛ ولكن هذه النظرية تعرضت للنقد؛ لأنه بالنظر إلى عموم جملة «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» وإلى تصريح أهل اللغة، والتبادر، وعدم صحة السلب، فإن جلب المنفعة من مصاديق الإحسان، فلا ينبغي حصر قاعدة الإحسان في موارد دفع الضرر، بل تشمل موارد الجلب أيضًا.
2. نظرية جلب المنفعة
خلافًا للمجموعة الأولى، يعتقد بعض الفقهاء أن قاعدة الإحسان تختص بموارد جلب المنفعة ولا تشمل موارد دفع المضرة. حسب رأي هذه المجموعة، المتبادر من كلمة «إحسان» هو جلب المنفعة لا دفع المضرة، وأقوال فقهاء أهل السنة مؤيدة لهذا المعنى، بالإضافة إلى أن في كلمة «إحسان» يكمن نوع من المفهوم الإثباتي والإيجادي، وهذا المعنى يتوافق مع جلب المنفعة لا دفع المضرة؛ لأن إيصال النفع يُعد من الأمور الإثباتية.
3. النظرية المختارة
يبدو أن الإحسان يشمل دفع الضرر وجلب المنفعة كليهما؛ لأن المتبادر من كلمة «إحسان» هو مفهوم أعم، وكذلك مضمون قاعدة الإحسان حكم عقلي، والأمور العقلية لا تقبل التخصيص، وفي هذا المورد الخاص لا يوجد دليل على وجود اختصاص. بناءً على ذلك، الإحسان إلى صاحب المال يكون أحيانًا بهدف دفع الضرر، وأحيانًا لإيصال المنفعة.
المبحث الثالث
السؤال: لماذا لا تُجرى قاعدة الإحسان في مورد الطبيب؛ أي إذا تسبب الطبيب في معالجته في جناية على المريض ولم يكن قد تبرأ؛ فهل هو ضامن، أم إذا كنا نعتبر الطبيب ضامنًا، فهل نقول بالضمان في مورد السبب أيضًا؟ بعبارة أخرى، هنا تم قياس المباشر (مسألة الطبيب) على السبب. في مورد الطبيب واللقطة وغيرها… تم نقض كلية هذه القاعدة.
المبحث الرابع: ما هي النسبة بين قاعدة الإحسان وقاعدة لا ضرر؟
لكي نعرف نسبة قاعدة الإحسان إلى قاعدة لا ضرر، لا بد لنا من أن نتناول مضمون ونطاق قاعدة لا ضرر. البحث في ماهية قاعدة لا ضرر وأدلتها ومستنداتها، وإن كان لا يمكن كتابته في بضع صفحات، إلا أنه يمكن القول إن قاعدة لا ضرر مع قاعدة الإحسان موضوع البحث، نتيجة للنسب الأربع المنطقية، هي نسبة العموم من وجه، حيث توجد مادتان للافتراق، ومادة واحدة للاجتماع. موارد الافتراق: قد تكون قاعدة لا ضرر جارية، ولكن قاعدة الإحسان غير جارية؛ مثل الأضرار التي وردت في قصص سمرة بن جندب وغيره في متوننا الروائية. وكذلك الأضرار التي تصيب أحدهم من الآخر في الأمور الاجتماعية. موارد افتراق قاعدة لا ضرر الأخرى، بتعبير كاشف الغطاء في تحرير المجلة (المجلد الأول، ص 140 فصاعدًا) هي من القواعد المحكمة والأساسية في الشريعة الإسلامية؛ مثل أختها «قاعدة رفع الحرج أو لا حرج»، بحيث تكون حكمة هاتين القاعدتين معًا هي التسهيل على عباد الله في الأمور الشرعية؛ بالنظر إلى قول النبي (ص): «جئتكم بالشريعة السهلة البيضاء». ورد هذا الحديث في صحيح البخاري بهذا اللفظ: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (البخاري، صحيح البخاري، 1: 82)، وفي الكافي بلفظ: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» ورد و…. (الكليني، الكافي، 5: 494). لقد اعتبر علماؤنا هذه الكلمة من جوامع الكلم، ومن معجزات النبي (ص) البلاغية، ولم يكتب في شرح هذه القاعدة إلا جمع من علمائنا (الشيعة) مثل الشيخ الأنصاري، والشيخ الشريعة الأصفهاني والنائيني وغيرهم. خلاصة القول إن هذه القاعدة دليل على حرمة الضرر، وحرمة مقابلة الضرر بالضرر، ووجوب تدارك الضرر؛ بل تدل على معنى أوسع، ولها بركة ونفع أكبر لنا، وهو النفع والبركة المتمثل في أن أي حكم في الشريعة الغراء يكون ضرريًا، سواء كان تكليفيًا أو وضعيًا، وأي نوع من الضرر ولأي شخص، فهو مرفوع. مثلًا، الوضوء واجب؛ ولكن إذا كان يسبب ضررًا للشخص، بسبب مرض أو شيء آخر، فإن الوجوب مرفوع. وكذلك في المعاملات، إذا كان لزوم البيع مع وجود عيب في الثمن أو المثمن يستلزم ضررًا نوعيًا، فإن لزوم البيع مرفوع. ربما تكون الخيارات في البيع من هذا القبيل. يتضح من هنا أن المادتين 20 و25 أيضًا ترجعان إلى هذه المادة 19 أو قاعدة لا ضرر. مثلًا، قاعدة التسليط تقول إن المالك له اختيار في ماله، فيمكنه بناء تنور فوق سطح منزله؛ ولكن إذا كان بناء هذا التنور يضر بالجار، فإن هذا الاختيار والتسليط يزولان بواسطة قاعدة لا ضرر. أو مثلًا مدلول «الضرر لا يزال بمثله» يرجع إلى هذه القاعدة نفسها، وهو أن شريكين في طاحونة، إذا أرادا القسمة، لحق الضرر بكليهما؛ لذا لا تقسم هذه الطاحونة. خلاصة القول إن هذه القاعدة أصل وعمود فقري لكثير من الفروع الفقهية، وهي مظلة على قواعد فقهية أخرى (كاشف الغطاء، تحرير المجلة، 1: 140-144). وكذلك ربما المادة 21 التي تقول «الضرورات تبيح المحظورات» وهي من قول الإمام (ع): «ما من شيء حرمه الله، إلا وقد أحله لمن اضطر إليه»، وأصلها في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ و﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾. عندما يكون بقاء حرمة مال الغير أو حرمة أكل الميتة معلقًا على تلف نفس محترمة أو تلف حيوان، ففي مثل هذا الوضع ترفع هذه الحرمة، ويمكنه التصرف في مال الغير دون إذن المالك وكذلك أكل لحم الميتة. أما في تفسير «لا ضرر»، فهناك على الأقل أربعة آراء: 1. نفي الحكم الضرري: وهذا له تفسيران: تفسير ورأي الشيخ الأنصاري الذي يرى أن المراد هو نفي نفس الحكم الضرري؛ بمعنى أنه إذا لزم من حكم ما ضرر، سواء كان وضعيًا أو تكليفيًا، فهو منفي وغير مجعول في الشريعة. نتيجة لذلك، إذا تُصور أن حكمًا يستلزم ضررًا على شخص، فيجب العلم أن مثل هذا الحكم لا وجود له. 2. رأي الآخوند: وهو أن المراد من «لا ضرر» هو نفي الموضوع الضرري؛ بمعنى أنه كلما أدى موضوع إلى ضرر، انتفى الحكم عنه. كلا الرأيين يؤديان إلى نفي الحكم الضرري؛ ولكن من طريقين مختلفين. في طريق الشيخ، نفي السبب يكون عن طريق المسبب، وفي طريق الآخوند، نفي المسبب يكون عن طريق السبب. 3. رأي الفاضل التوني: وهو أن نفي الضرر غير المتدارك يكون بقاعدة لا ضرر. 4. النهي السلطاني والحكومي: وهو رأي شيخ الشريعة والإمام الخميني (محقق داماد، همان: 307؛ مهرانكيز روستايي، مقايسه أصل ضرر با قاعده لاضرر، سال 7). كما قيل، بين هاتين القاعدتين عموم وخصوص من وجه، وتم بيان مادتي الافتراق. أما مادة الاجتماع، ففي حالة كون «لا ضرر» نفيًا للحكم، فما هي النسبة بين «لا ضرر» بمعنى نفي الحكم الضرري وقاعدة الإحسان؟ مضمون قاعدة الإحسان هو في الحقيقة نفي الضرر؛ ولكن هذان «اللا ضرر» من حيث التطبيق يتعارضان، والنسبة بينهما من حيث التطبيق هي عموم وخصوص من وجه: «لا ضرر» الإحساني في جانب المحسن، و«لا ضرر» المطلق في جانب المالك. كلاهما «لا ضرر»، يكشف عن أن الحكم الضرري لم يُجعل في الشريعة؛ وإن كان أحدهما يجري في جانب المحسن والآخر في جانب المالك. ولكن في صورتي الافتراق، تم بيان أنه قد تكون قاعدة الإحسان جارية؛ مثل الأمثلة التي قيلت في دراسة قاعدة الإحسان، وكذلك مثل المواضع التي يقدم فيها الناس اليوم في ظروف كورونا المساعدة للمحتاجين.
خلاصة ونتيجة
إذا تعارضت هاتان القاعدتان في حالة الاجتماع، فما هو طريق الحل؟ الجواب هو أنه في حالة الاجتماع والتعارض بين هاتين القاعدتين، يكون طريق الجمع من خلال الحكومة؛ وبالطبع حكومة قهرية تضييقية؛ أي كما قيل، قاعدة الإحسان مقدمة على «لا ضرر» وتضيق من نطاق توسعه، وفي مثل هذه الموارد التي يصدق فيها الإحسان، لا مجال لجريان «لا ضرر»، وقاعدة الإحسان مقدمة على «لا ضرر» من باب حكومة الأحسن على «لا ضرر»، وإن كان الضرر قد تحقق في العالم الخارجي؛ ولكن لأن الإحسان صادق على من صدر منه الضرر، وقاعدة الإحسان في مثل هذا المورد مقدمة وحاكمة على «لا ضرر». إذن، «لا ضرر» لا يجري، والشخص المحسن في مثل هذه الحالة لا يُعتبر ضامنًا.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. نهج البلاغة، ترجمة محمد دشتي، الناشر: مؤسسة فرهنگي تحقيقات أميرالمؤمنين، الطبعة الثالثة.
3. وسائل الشيعة، طبعة آل البيت.
4. تحرير المجلة، الأحكام، كاشف الغطاء، نشر مجمع جهاني تقريب بين مذاهب إسلامي، الطبعة الأولى.
5. قواعد فقهية، سيد حسن بجنوردي، نشر الهادي، الطبعة الأولى، قم، 1377.
6. قواعد فقهية، ميرداماد مصطفى، مركز نشر علوم إسلامي، الطبعة الثانية عشرة، طهران.
7. قاعدة فقهية، فاضل لنكراني، محمد، مركز فقهي أئمه اطهار (ع)، 1383.
8. جواهر الكلام، محمد حسن نجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
10. الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، محمد حسين، دفتر انتشارات إسلامي جامعه مدرسين حوزه علميه قم، الطبعة الخامسة، 1374.
11. ديدگاه نو در حقوق، الشوشتري، محمد، نشر ميزان، 1427ق.
12. إعمال قاعدة الإحسان في الحقوق المدنية، مقال الناز رحيمي، ماجستير حقوق، مؤسسة حقوقي طليعه عدالت و مهر إيران، العدد 21، مرداد 95.
13. تبيين قاعدة لا ضرر، دانشجويان نور، مهرانكيزي روستايي، مقالة مقارنة أصل الضرر بقاعدة لا ضرر، جامعة ملاير، إيران.
14. قاعدة الإحسان ودورها في الإعفاء من جبران الخسارة، مجلة تخصصي نور، السنة 5، العدد 3، خرداد 1398.
15. لسان العرب، ابن منظور، دار الصابر، بيروت، الطبعة الأولى، 1376.
16. فصلنامه حقوق پزشكي، نصوري، مزدك، السنة العاشرة، العدد 38، خريف 1395.
17. دانشنامه حقوق خصوصي، قاعدة الإحسان والأسباب الأصلية، ضمان، نشر محراب، الطبعة الأولى.
18. قاعدة الإحسان ومجراها في حقوق إيران، جستارهاي فقه وحقوق، السنة الأولى، العددان الثاني والثالث، 1393.
19. نسبة علاقة الاستناد وقاعدة الإحسان في إسقاط مسؤولية الطبيب، فصلنامه حقوق پزشكي، السنة العاشرة، العدد 38، خريف 1395.
الهوامش
1. باحث ماجستير في الحقوق والفقه المقارن: ashaqmohaqq@gmail.com