ملخص
من المسائل المستحدثة في علم أصول الفقه، والتي طرحها بعض المتأخرين، قاعدة المقتضي والمانع. وقد عُرّفت هذه القاعدة بأنها: «ترتيب آثار وجود المعلول في صورة اليقين بوجود المقتضي، مع عدم إحراز انتفاء المانع واحتمال وجوده بوصفه جزءاً آخر للعلة». ويرى بعض القائلين بحجيتها أن مردَّ جميع الكبريات الأصولية يرجع إلى هذه القاعدة. وكما سيتضح في ثنايا البحث، فإن للمقتضي صورتين: ثبوتية وإثباتية، وكلتا الصورتين محل جدل بين النفي والإثبات عند الموافقين والمخالفين للقاعدة المذكورة. لم يتم بحث وتحليل هذه القاعدة في علم الأصول بشكل مستقل، بل ذُكرت على نحو استطرادي في سياق المقارنة مع قاعدة الاستصحاب في التراث الأصولي. ولهذا السبب، بقيت القاعدة المذكورة في الحاشية ولم تحظَ بالدراسة الوافية لجميع جوانبها في كلمات الأصوليين. يتناول هذا المقال تدقيق وتحليل هذه القاعدة في ثلاثة فصول: الماهية، أدلة الحجية، والوظيفة العملية. وقد خلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد دليل على حجية قاعدة المقتضي والمانع، وأن الأدلة التي أُقيمت على حجيتها غير تامة.
مقدمة
لا شك أن مبحث الأمارات والأصول العملية من أهم وأساسى مباحث علم الأصول، وقد تكفل علماء الأصول ببيان حقيقتها وتمييز موارد هذين المبحثين أحدهما عن الآخر.
ولبحث الأمارات والأصول العملية مصاديقُ يتضح بعضها، ويُدرج تحت مبحث الأمارات أو الأصول العملية، بينما تكون بعض المصاديق الأخرى محل خلاف في تحديد موضعها تحت أي من هاتين المسألتين.
تُعد قاعدة المقتضي والمانع من القواعد المهمة التي يجب أولاً تنقيح ماهيتها بشكل دقيق وتحليلي، وتحديد وجه تمييزها عن سائر القواعد المشابهة، وثانياً دراسة أدلة حجيتها.
وقد ادُّعيت لهذه القاعدة تطبيقات متعددة في علم الفقه، وكما سيأتي، فإنها بحسب قول بعض الموافقين عليها، تمثل المرجع لجميع الكبريات الأصولية.
ولهذا السبب، فإن الفهم الصحيح لهذه القاعدة المتكررة في الكتب الأصولية مفيد جداً للمدرسين والباحثين في الفقه وأصول الفقه. إن الباحثين في أصول الفقه، إذا أهملوا تدقيق وتحليل هذه المسألة، قد يقعون في خطأ في عملية الاستنباط أو في تطبيقات غير صائبة لهذه القاعدة. ولكن نظراً إلى أن هذه القاعدة لم تُطرح في كلمات الأصوليين بشكل مستقل، وتُعد من المسائل المستحدثة التي لم يُجرَ حولها تحقيق وافٍ، فقد ارتأى الكاتب أن ينجز تحقيقاً حول قاعدة المقتضي والمانع.
وبالتأمل والفحص في كلمات الأصوليين، نجد أن تنقيح قاعدة المقتضي والمانع له جذور في كلمات الشيخ هادي الطهراني. فقد تمسك بهذه القاعدة مراراً في كتابه «محجة العلماء» (الطهراني، ١٣٢٠، ج٢، ص٦٦ و٩٢). وبعده، تناول تلميذه السيد علي البهبهاني دراسة هذه القاعدة (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص٦).
كما أشير، فإن هذه القاعدة من المباحث التي تظهر نتيجتها في عملية الاستنباط، وكلما كانت تحليلات المجتهد لهذه المسألة أكثر دقة، كان استنباطه أدق أيضاً. كما يجب على الباحثين في كل علم أن يكونوا على دراية بآراء مفكري ذلك العلم ليتمكنوا من جمع إبداعاتهم. ونظراً لهذه النقاط، وكذلك لضرورة دراسة التطبيقات التي ادُّعيت لهذه المسألة، فإن البحث الماثل يكتسب أهمية واضحة وجلية.
١. مفهوم المقتضي
١-١. المعنى اللغوي لـ«المقتضي»
أُخذت مفردة «المقتضي» من جذر «قضى». وقد فسر بعض اللغويين «قضى» بمعنى حكم (الفراهيدي، ١٤٠٩، ج٥، ص١٨٥)، بينما اعتبرها آخرون بمعنى انقطاع الشيء وتمامه (الأزهري، ١٤٢١، ج٩، ص١٦٩). وفي تحليل هذين المعنيين، يمكن القول إن المعنى الأول يرجع إلى المعنى الثاني؛ إذ إن في الحكم نوعاً من التمام، وهو تمام المخاصمة. وعليه، يكون المعنى الثاني هو الصحيح، وليس المعنى الأول معنى مستقلاً عنه، بل هو أحد مصاديقه.
«اقتضاء» مصدر ثلاثي مزيد من باب الافتعال. ومن معاني باب الافتعال الطلب، مثل: «اكتدّ زيدٌ بكراً» بمعنى طلب زيد من بكر أن يجتهد. ولهذا، فسر البعض هذه المفردة بمعنى المطالبة، وقالوا: اقتضاء الدين يعني طلب سداد الدين (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢، ص٦٧٥). وفسرها البعض الآخر بمعنى الدلالة. على سبيل المثال: «اقتضى الأمر الوجوب» أي دلّ الأمر على الوجوب (الفيومي، ١٤١٤، ص٥٠٧). والدلالة هي نوع من المطالبة أيضاً.
«المقتضي» اسم فاعل من «اقتضى»، ومعناه العرفي هو المؤثر والدليل. وبالطبع، للمؤثر صورتان: المؤثر الثبوتي والمؤثر الإثباتي.
المؤثر الثبوتي، كالنار التي هي مؤثر ثبوتي للحرارة. والمؤثر الإثباتي هو ما يدل على أمر آخر، وإن كان هو نفسه ثبوتاً متأثراً بمؤثر آخر. وبعبارة أخرى، في مقام الإثبات، نصل أحياناً من العلة إلى المعلول، وأحياناً من المعلول إلى العلة، وأحياناً من وجود أحد المتلازمين إلى وجود المتلازم الآخر.
ووجه ارتباط المعنى العرفي المتبادر إلى الذهن بالمعنى اللغوي، هو أنه في المؤثر أيضاً يحدث نوع من المطالبة من جانب العلة، بحيث إن تمامية العلة تطالب بوجود المعلول.
١-٢. مصاديق «المقتضي»
استُخدمت مفردة «المقتضي» في المصادر الفقهية والأصولية بمعناها العرفي بكثرة، وباعتبار أثرها، فإنها تشمل أحد المصاديق الثلاثة التالية:
أ. اقتضاء الأثر التكويني
المقتضي، وفقاً للمصداق الأول، هو جزء من أجزاء العلة التامة الثلاثة، والتي يعبر عنها بالسبب أيضاً. وأجزاء العلة التامة الثلاثة هي:
- المقتضي: وهو الشيء الذي ينشأ عنه المعلول، كالنار التي تنشأ عنها الحرقة.
- الشرط: وهو الشيء الذي يكون مؤثراً في فاعلية الفاعل أو قابلية القابل، كالتماس بين النار والحطب.
- عدم المانع: وهو ألا يوجد ما يمنع من تأثير المقتضي، كرطوبة الحطب. (النائيني، ١٣٧٦، ج٤، ص٣١٥)
ب. الأثر الشرعي
في القضية الشرعية التي تتضمن حكماً، وبناءً على جعل الشارع، يكون المقتضي هو موضوع الدليل، والقيود المعتبرة في التكليف تسمى شروط التكليف. ويُطلق على القيود العدمية اسم «المانع». وفي هذه الحالة، يكون كل من المقتضي والمانع شرعيين، ولتمييزهما يجب الرجوع إلى ما يُستظهر من الدليل. على سبيل المثال، في قضية «أوفوا بالعقود»، اعتبر الشارع العقد مقتضياً لترتيب الأثر الشرعي، وبالتالي فإن موضوع وجوب الوفاء بالعقد هو العقد نفسه؛ ولكن كون المانع موقوفاً عليه هذا الترتيب للأثر. (نفس المصدر)
ج. الملاكات
اعتبر البعض الملاكات، أي المصالح والمفاسد، أحد مصاديق المقتضي؛ لأنه بناءً على مبدأ تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، تكون الملاكات هي المقتضي لتشريع الحكم الشرعي. وعليه، إذا بلغت تلك المصالح حد الإلزام، كان المقتضي جعل الوجوب، وإذا كانت في حد غير الإلزام، كان المقتضي جعل الاستحباب. والمفسدة أيضاً إذا بلغت حد الإلزام، كان المقتضي جعل الحرمة، وإذا كانت في حد غير الإلزام، كان المقتضي جعل الكراهة والإباحة بالمعنى الأخص. (نفس المصدر)
وتجدر الإشارة إلى أن الفرق بين المصداق السابق لـ«المقتضي» وهذا المصداق يكمن في مراتب الحكم؛ فالمصداق السابق ناظر إلى مقام الجعل، وهذا المصداق ناظر إلى مقام الملاكات وإدراك المصلحة والمفسدة.
١-٣. المعنى اللغوي للمانع
كلمة «المانع» اسم فاعل من جذر «منع». وقد فسر البعض معنى المنع بأنه الحائل بين الإنسان وإرادته (الفراهيدي، ١٤٠٩، ج٢، ص١٦٣). وفسره البعض الآخر بضده، فقالوا: المنع خلاف الإعطاء (ابن فارس، ١٤٠٤، ج٥، ص٢٧٨). وأرجعه آخرون إلى معنى وجودي، فقالوا: الأصل الواحد في مادة المنع هو إيجاد شيء يتعذر معه على الفاعل القادر فعلُه، أو إيجاد شيء يتوقف به جريان عمل ما (المصطفوي، ١٤٣٠، ج١١، ص١٩٦).
ويمكن توضيح المعنى الثالث في قالب مثال كالتالي: مكلف استطاع مالياً ووجب عليه الحج، ولكنه يضيع أمواله. وبهذا السبب، يسقط عنه الوجوب. في هذا المثال، الشخص الذي كان قادراً على الفعل، أوجد المانع. أو بالنسبة للقسم الثاني، يمكن طرح فرضية أن نهراً يجري، فأُقيم له سد يمنع استمرار جريانه.
على أية حال، بالنظر إلى المعاني المذكورة لكلمة «منع»، يمكن استظهار أن المانع يمكن أن يكون أمراً عدمياً أو وجودياً، كما يمكن أن يكون المانع بالنسبة لفعل الشخص نفسه أو فعل غيره. وكذلك، يمكن أن يكون المانع مانعاً من وقوع فعل أو مانعاً من جريان فعل.
وبما أن مصاديق المانع قد مرت في مقابل المقتضي، فلا حاجة لتكرارها في هذا القسم.
١-٤. تعريف قاعدة المقتضي والمانع
عرّف بعض المفكرين قاعدة المقتضي والمانع كالتالي: «ترتيب آثار وجود المعلول في صورة اليقين بوجود المقتضي، وكذلك عدم إحراز انتفاء المانع [واحتمال وجوده بوصفه جزءاً آخر للعلة]». (صنقور، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٦)
فرض وجود المعلول له ثلاث صور: أحياناً يكون وجود المعلول محرزاً، وأحياناً يكون عدم وجوده محرزاً، وأحياناً يكون وجوده مشكوكاً.
الصورة الأولى بديهية، وهي معقولة حيث يكون كل من المقتضي محرزاً والمانع منتفياً.
الصورة الثانية لها أربعة فروض: ١. اليقين بعدم وجود المقتضي. ٢. اليقين بوجود المانع. ٣. العلم الإجمالي بخلل في أحدهما. ٤. اليقين بعدم المقتضي ووجود المانع.
الصورة الثالثة لها فروض أيضاً: ١. أن يكون المقتضي معلوماً والمانع مشكوكاً. يُطرح بحث قاعدة المقتضي والمانع في هذا الفرض، مثل: حالة عملية الاحتراق، حيث يكون وجود المقتضي، أي إشعال الكبريت، محرزاً، ولكن وجود المانع، أي رطوبة الخشب، مشكوكاً. في هذه الحالة، يُحكم بوجود المقتضَى (المعلول)، أي الاحتراق. ٢. أن يكون المقتضي مشكوكاً وعدم المانع معلوماً. ٣. أن يكون كل من المقتضي والمانع مشكوكاً.
١-٥. كون قاعدة المقتضي والمانع فقهية أو أصولية
الموضع الأصلي لطرح قاعدة المقتضي والمانع هو حول مباحث الاستصحاب في علم أصول الفقه، ولكن بغض النظر عن هذا المطلب، يجب دراسة المؤشرات المطروحة فيما يتعلق بمعايير التمييز بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية، وتحديد أي منهما تنتمي إليه القاعدة المذكورة.
ما يستفاد من كلمات علماء الفقه والأصول هو أنه في المجموع، طُرحت أربع نظريات فيما يتعلق بمعيار التمييز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية؛ وبالطبع، وُجهت انتقادات أساسية لهذه المعايير، وطرحها يخرج عن رسالة هذا المقال.
النظرية الأولى: المسألة الأصولية تبحث في حالات الأدلة الأربعة (الكتاب، السنة، العقل، والإجماع)، أما القاعدة الفقهية فهي قاعدة مستنبطة من السنة ولا تنظر إلى أحوال الأدلة الأربعة. (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٣، ص١٨)
بناءً على هذه الفكرة، تكون القاعدة المذكورة ذاتاً قاعدة فقهية؛ لأن هذه القاعدة لا تبحث في أحوال الأدلة الأربعة، وهي قاعدة مستنبطة من السنة.
النظرية الثانية: المسألة الأصولية هي التي يختص تطبيقها بالمجتهد، ولا نصيب للمقلد فيها، أما استعمال القاعدة الفقهية فمشترك بين المجتهد والمقلد. (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٣، ص١٨)
وفقاً لهذه النظرية، وبالنظر إلى أن إجراء قاعدة المقتضي والمانع في الشبهات الحكمية يختص بالمجتهد، فإن قاعدة المقتضي والمانع في الشبهات الحكمية تُعد من المسائل الأصولية وتخرج عن نطاق القواعد الفقهية؛ وإن كان الأمر بالعكس في الشبهات الموضوعية.
النظرية الثالثة: في المسألة الأصولية يُعتبر أمران: ١. أن تُطرح في عملية الوصول إلى الحكم من باب الاستنباط. ٢. أن تُطرح المسألة الأصولية بشكل مستقل ودون ضميمة مسألة أخرى في عملية الاستنباط، بخلاف القاعدة الفقهية التي يُفقد فيها كلا العنصرين؛ لأنها في المرحلة الأولى تُطرح من باب الانطباق، وفي المرحلة الثانية بضميمة مسألة أخرى. (الموسوي الخوئي، ١٤٢٢، ج١، ص١١)
بناءً على هذا الملاك، تكون قاعدة المقتضي والمانع مسألة أصولية؛ لأنه في حال إثبات حجيتها، فإنها تمتلك كلتا خصوصيتي المسألة الأصولية.
النظرية الرابعة: المسألة الأصولية هي التي تجري في جميع أبواب الفقه، بخلاف القواعد الفقهية التي يختص كل منها بباب معين. (الصدر، ١٤١٧، ج١، ص٢٦)
وبناءً على هذا الملاك أيضاً، تُعد قاعدة المقتضي والمانع من المسائل الأصولية؛ لأن جريانها لا يختص بباب فقهي معين، بل لها شأنية الجريان في جميع أبواب الفقه.
١-٦. الفرق بين قاعدة «المقتضي والمانع» و«الاستصحاب»
على الرغم من عدم وجود قدر جامع ماهوي بين قاعدة «المقتضي والمانع» و«الاستصحاب»، إلا أنه من حيث المجرى، فإن النسبة بين هاتين القاعدتين هي العموم والخصوص من وجه. ولهذا، يجب متابعة المقارنة بين قاعدة المقتضي والمانع والاستصحاب في مقامين.
المقام الأول: في علاقة الفرق الجوهري بين هاتين القاعدتين، يمكن بيان ثلاثة أوجه للفرق:
- تفاوت متعلق اليقين والشك: من البديهي أن اجتماع اليقين والشك في محل واحد محال؛ لأنه يستلزم التناقض. من هذا المنطلق، يجب أن يكون اجتماع اليقين والشك في موارد جريان هاتين القاعدتين مختلفاً من حيثية خاصة لكي لا يؤدي إلى المحذور المذكور.
متعلق اليقين والشك في الاستصحاب واحد، ولكنهما متغيران من حيث الزمان. على سبيل المثال، في استصحاب عدالة زيد، وإن كان متعلق اليقين والشك واحداً، إلا أن زمان المتيقن غير زمان المشكوك؛ فمثلاً، متعلق اليقين هو عدالة زيد يوم الجمعة، ومتعلق الشك هو عدالة زيد يوم السبت. بخلاف قاعدة المقتضي والمانع التي يختلف فيها متعلق اليقين والشك؛ فمثلاً، في عملية الاحتراق، متعلق اليقين هو وجود المقتضي كإشعال الكبريت، ومتعلق الشك هو وجود المانع كرطوبة الخشب. وبعبارة أخرى، ذات اليقين والشك في الاستصحاب واحدة وصفتهما متغايرة، بخلاف قاعدة المقتضي والمانع التي يتغاير فيها كل من ذات وصفة المقتضي والمانع. - تفاوت في الحكم: ما يحكم به الاستصحاب هو بقاء نفس الشيء الذي كان متيقناً في الزمان السابق. فمثلاً، نتيجة استصحاب عدالة زيد يوم السبت هي بقاء نفس العدالة المتيقنة يوم الجمعة. بخلاف قاعدة «المقتضي والمانع» التي تحكم بوجود المقتضَى الذي هو شيء غير المقتضي والمانع. فمثلاً، في الموارد التي يكون فيها وجود المقتضي محرزاً ووجود المانع مشكوكاً، تكون نتيجة قاعدة المقتضي والمانع هي وجود المقتضَى، الذي هو غير ضلعي القاعدة. ورسالة الاستصحاب في جميع الموارد هي الحكم ببقاء الوجود السابق، بخلاف قاعدة المقتضي والمانع التي لا تكون نتيجتها بالضرورة الحكم بالبقاء، بل هي أعم من هذه الجهة؛ بحيث إنها في بعض الموارد، كالحالة التي يكون فيها للمقتضي حالة سابقة، تحكم بالبقاء، وفي موارد أخرى، تحكم بحدوث المعلول (المقتضَى).
- تفاوت في مناط الحجية: مناط الحجية في الاستصحاب، إذا كان أمارة، هو غلبة وجود الوجود السابق، وإذا كان أصلاً عملياً، فهو التعبد بالبقاء. بخلاف قاعدة المقتضي والمانع التي يكون مناط حجيتها، إذا كانت أمارة، هو غلبة عدم المانع، وإذا كانت أصلاً عملياً، فهو التعبد بعدم المانع.
المقام الثاني: هو المقارنة بين قاعدة المقتضي والمانع والاستصحاب من حيث المجرى، وهذا المطلب له جهتان: الجهة الأولى، دراسة قاعدة المقتضي والمانع مع الاستصحاب بشكل كلي. والجهة الثانية، دراسة قاعدة المقتضي والمانع مع استصحاب عدم المانع بشكل خاص، والتي سنتناولها لاحقاً.
الجهة الأولى: المقارنة الكلية
العلاقة بين القاعدتين المذكورتين هي العموم والخصوص من وجه. ومادة الاجتماع هي الحالة التي يكون فيها للمشكوك حالة سابقة، ويكون وجوده مسلّماً والشك في عروض المانع؛ في هذه الحالة، كلتا القاعدتين قابلتان للجريان.
ومواد الافتراق هي كالتالي:
- أ. في الحالة التي يكون فيها المقتضي أمراً مشكوكاً، قد يجري الاستصحاب، ولكن قاعدة المقتضي والمانع لا تجري؛ لأن أحد أركان القاعدة المذكورة هو كون المقتضي مسلّماً.
- ب. في الحالة التي لا يكون للمشكوك حالة سابقة، يمكن جريان قاعدة المقتضي والمانع، ولكن الاستصحاب ليس له مجرى؛ لأن أحد أركان أصل الاستصحاب هو وجود حالة سابقة متيقنة، وهو مفقود في الفرض المذكور.
الجهة الثانية: المقارنة بين قاعدة المقتضي والمانع واستصحاب عدم المانع من حيث المجرى
الهدف من طرح هذا البحث هنا هو الإجابة على هذا السؤال: مع وجود أصل عدم المانع، هل هناك حاجة للبحث حول قاعدة المقتضي والمانع؟
العلاقة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، وقاعدة المقتضي والمانع أعم؛ لأنه في ثلاثة فروض لا يجري استصحاب عدم المانع: ١. الحالة التي يكون للمانع حالة سابقة وجودية. ٢. الحالة التي لا يكون للمانع حالة سابقة متيقنة. ٣. موارد توارد الحالتين على المانع.
فقط في مورد واحد يجري استصحاب عدم المانع أيضاً، وهو حيث يكون للمانع حالة سابقة عدمية. وتجدر الإشارة إلى أنه في كثير من الموارد التي يجري فيها استصحاب عدم المانع، فإنه يؤدي إلى الأصل المثبت. فمثلاً في مورد الاحتراق، لم يأمر المولى بأن الخشب إذا لم يكن رطباً يحترق، بل قال إذا احترق الخشب فله الأثر الفلاني. وبالطبع، في بعض الموارد يكون لاستصحاب عدم المانع أثر شرعي، مثل جريان استصحاب عدم المخصص.
٢. الأقوال في المسألة
قبل دراسة الأدلة التي ادُّعيت لحجية هذه القاعدة، من المناسب بيان وجهات النظر المطروحة حول الحجية وعدمها. بشكل عام، هناك ثلاث وجهات نظر فيما يتعلق بحجية قاعدة «المقتضي والمانع»:
- أ. رأي الإنكار: يرى بعض علماء أصول الفقه أنه لا يوجد أي دليل على حجية «قاعدة المقتضي والمانع»، لا من باب بناء العقلاء ولا من الروايات. (الأنصاري، ١٤١٥، ج٢، ص٤٥٢؛ السيستاني، بلا تا، ص٢٥)
- ب. رأي الإثبات: يرى بعض الأصوليين، مثل الشيخ هادي الطهراني، حجية هذه القاعدة. (هادي الطهراني، ١٣٢٠، ج٢، ص٦٦) وآخرون لا يكتفون بالقول بحجيتها فحسب، بل يرون أن مردَّ جميع الكبريات الأصولية يعود إلى هذه القاعدة. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص٦)
- ج. رأي التفصيل: فيما يتعلق بوجود سيرة العقلاء في العمل بالمقتضي وعدم الاعتناء بالمانع، اتخذ بعض المحققين، مثل آية الله الزنجاني، مسلكاً وسطاً، ويرون أن العقلاء يتمسكون بهذه القاعدة عندما يكون الشك في عنوان ثانوي، وسيأتي توضيح ذلك عند دراسة بناء العقلاء على هذه القاعدة. (الشبيري الزنجاني، ج٢، ص٢٢)
٣. دراسة أدلة حجية قاعدة المقتضي والمانع
٣-١. حكم العقل وبناء العقلاء
يعتبر المحقق البهبهاني الدليل الأول على حجية القاعدة دليلاً عقلياً يكشف عنه بناء العقلاء. وهو يعتقد أن اعتبار هذه القاعدة ثابت بحكم العقل؛ أي أنها جهة واقعية يدركها العقل. وهذا المطلب يتجلى في بناء العقلاء في جميع الأبواب؛ لأن بناء العقلاء على أمر ما هو لكونهم عقلاء فقط. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص١٣)
ويعلل سماحته هذا المطلب ببناء العقلاء على تقديم وترجيح العلم على الجهل ذاتياً؛ لأنه في الموارد التي تجري فيها هذه القاعدة، يكون المقتضي معلوماً بينما وجود المانع محتمل. في هذه الحالة، وبناءً على نفس الترجيح الذاتي للعلم على الجهل، لا يعتني العقلاء بالجهل. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص١٩)
نقد ودراسة
يجب دراسة استدلال سماحته من جهتين: صغروية وكبروية.
الدراسة الصغروية: المراد من الجهة الصغروية هو دراسة ما إذا كان مثل هذا البناء العقلائي موجوداً أم لا. إذا كان التمسك ببناء العقلاء على نحو الموجبة الكلية، أي بمعنى إجراء «قاعدة المقتضي والمانع» في جميع الموارد، فإن هذا الادعاء غير تام؛ لأن العقلاء في كثير من الموارد لا يجرون هذه القاعدة، مثل هذه الموارد:
- المورد الأول: إذا كان شخص مصاباً بمرض عضال بحيث إنه إذا لم يعالَج يموت، فمع تمامية أركان قاعدة المقتضي والمانع، هل يلتزم العقلاء بأن المقتضي موجود والمانع مفقود، وبالتالي فإنه ميت؟!
- المورد الثاني: أُطلق سهم نحو شخص، ويُحتمل وجود حاجز حال دون إصابة السهم لذلك الشخص. هنا أيضاً أركان القاعدة تامة، ولكن هل يحكم العقلاء بناءً على هذا بوجود المقتضى ويعتبرون هذا الشخص ميتاً ويدينون مطلق السهم بالقصاص؟!
بالنظر إلى ما ذُكر، أنكر بعض المحققين، مثل آية الله السيستاني وآية الله المروج، وجود مثل هذه السيرة، وقالوا إنه لا يوجد شاهد على السيرة المدعاة، ولا دليل على حجية هذه القاعدة. (السيستاني، بلا تا، ج١، ص٢٥؛ الجزائري المروج، ١٤١٥، ج٧، ص١٣٣)
كذلك، أنكر آية الله الزنجاني، ضمن مثال، شمولية بناء العقلاء، قائلاً: لو كانت غرفة مظلمة في ساعات من أول الليل ومضيئة في ساعات أخرى، وشككنا في المتقدم والمتأخر من هذين، وكانت الظلمة من الأمور التي تقتضي الاستمرار ولا تُرفع إلا برافع، فهل يمكن بمجرد احتمال وجود المقتضي أن نحكم بظلمة الغرفة؟ قطعاً ليس كذلك. (الشبيري الزنجاني، بلا تا، ج٢، ص٢١)
بعض الأصوليين، مثل الإمام الخميني، وإن أنكروا وجود السيرة مطلقاً، إلا أنهم على فرض قبول وجود السيرة، يجرونها في حالة الشك في وجود المانع، لا في حالة الشك في مانعية الموجود. (الموسوي الخميني، ١٤٢٢، ص١٩٧)
ولعل وجه التفصيل الذي يطرحه الإمام الخميني هو أنه في موارد الشك في وجود المانع، يوجد ظن نوعي بعدم المانع، بخلاف المورد الذي يُشك فيه في مانعية الموجود، حيث لا يوجد مثل هذا الظن النوعي.
وفيما يتعلق بوجود السيرة، طُرحت وجهة نظر ثالثة مقابل فكرتي الإنكار والإثبات، وهي التي تقبل السيرة على نحو الموجبة الجزئية وتفصل في وجودها بين الموارد.
يرى آية الله الزنجاني أن قاعدة المقتضي والمانع تجري حيث يوجد ملاك ذاتي للحرمة، ونشك في وجود عنوان ثانوي يزيل فعلية هذا الملاك أم لا. فمثلاً، الغيبة حرام ذاتاً، وفي حالات الاضطرار تجوز. الشك في حدوث الاضطرار لا يجيز الغيبة، وفي مثل هذه الموارد، بناء العقلاء على العمل بالمقتضي، ويجب إحراز العنوان الثانوي لمنع تحقق الملاك الذاتي. في هذه الموارد، تكون قاعدة المقتضي والمانع من الناحية الكبروية صحيحة. (الشبيري الزنجاني، بلا تا، ج٢، ص٢٢)
بناءً على ما سبق، يتضح أن ادعاء وجود السيرة على جريان قاعدة المقتضي والمانع على نحو الموجبة الكلية ادعاء غير تام، والحق أنه لا توجد مثل هذه السيرة بهذا الشكل.
الدراسة الكبروية: المراد من الجهة الكبروية هو دراسة حجية السيرة المدعاة على جريان قاعدة المقتضي والمانع.
في حجية سيرة العقلاء، المهم هو السلوك العملي للعقلاء بغض النظر عن منشأ تكوينه؛ ولهذا فإن سيرة العقلاء، حتى لو كانت ناشئة عن عاداتهم وأذواقهم، فهي حجة أيضاً؛ لأنه لو كانت علة حجية سيرة العقلاء منحصرة في كون سلوكهم الخارجي ناشئاً عن عقلانيتهم، لكان البحث عن حاجة بناء العقلاء إلى الإمضاء لغواً؛ لأن الاتفاق على أمر ناشئ عن العقلانية كاشف عن حكم العقل. بناءً على ذلك، فإن ما ذكره المحقق البهبهاني -بشأن وجود سيرة العقلاء من حيث إنهم عقلاء على تطبيق قاعدة المقتضي والمانع- غير تام.
بالإضافة إلى أنه لو سلمنا بصحة كبرى كلامه، فقد تبين في المناقشة الصغروية أن وجود مثل هذه السيرة بالشكل الذي ادُّعي في جميع الموارد محل تأمل.
٣-٢. صحيحة زرارة الأولى
يقول زرارة: عرضت على الإمام (ع): شخص ينام وهو على وضوء، فهل توجب النعسة والنعستان عليه أن يتوضأ مرة أخرى؟ فقال (ع): «يا زرارة، قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والأذن فقد وجب الوضوء». عرضت: فإن حُرِّك إلى جنبه شيء ولم يشعر به؟ [هل يجب عليه الوضوء مرة أخرى؟] فقال (ع): «لا، حتى يستيقن أنه قد نام، فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر». (الطوسي، ١٤٠٧، ج١، ص٨)
وتجدر الإشارة إلى أن الأصوليين في مواجهة الاستدلال بالصحيحة الأولى ينقسمون إلى فئتين رئيسيتين:
- الفئة الأولى: أصحاب الاستصحاب، القائلون بأن هذه الصحيحة ظاهرة في حجية الاستصحاب.
- الفئة الثانية: أصحاب قاعدة المقتضي والمانع، الذين يرون أن هذه الصحيحة ظاهرة في حجية القاعدة المذكورة.
منشأ الاختلاف يكمن أيضاً في أن النظرة الأولى لهذه الرواية تطرح ثلاثة احتمالات: أن يكون المراد من الرواية قاعدة اليقين، أو الاستصحاب، أو قاعدة المقتضي والمانع.
الاحتمال الأول مردود؛ لأن في قاعدة اليقين، يزول اليقين في ظرف وزمان المتيقن نفسه، بينما في هذه الرواية، اليقين بالوضوء لم يزل في ظرفه، بل الشك ناشئ عن النوم. بالإضافة إلى أن ظاهر الكبرى الكلية في ذيل الرواية «لا تنقض اليقين أبداً بالشك» هو أن اليقين موجود بالفعل، بينما في الشك الساري، اليقين غير موجود بالفعل.
أما بالنسبة للاحتمالين الثاني والثالث، فإن أصحاب الاستصحاب يستظهرون من الفقرتين اللتين بمنزلة الصغرى والكبرى (فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبداً بالشك) حجية الاستصحاب، وفي المقابل، يستظهر أصحاب قاعدة المقتضي والمانع من هاتين الفقرتين حجية قاعدة المقتضي والمانع.
تقريب الاستدلال بالرواية
للاستدلال بهذه الرواية يجب المرور بمرحلتين: ١. بيان مقربات ظهور الرواية في حجية قاعدة المقتضي والمانع. ٢. بيان مبعدات ظهور الرواية في حجية الاستصحاب.
أما بالنسبة للمرحلة الأولى، فيمكن ذكر مقربين يدلان على ظهور الرواية في حجية القاعدة المذكورة:
المقرب الأول: مفردة «نقض»
ما يُستظهر من مفردة «نقض» هو أن النقض يصدق عندما يكون المقتضي محرزاً، وإلا ففي حالة عدم إحراز المقتضي، يكون المقام من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ إذ لا يقين موجود حتى يصدق نقض اليقين.
فإذا قيل: إن القدر المتيقن من الروايات، بقرينة المورد، هو فرض العلم بحدوث الحالة السابقة، فيُجاب بأن في بعض الروايات، لم يكن هذا العلم بحدوث الحالة السابقة منظوراً. بالإضافة إلى أن الروايات مطلقة وتأبى التقييد؛ لأن المستفاد منها هو أن لليقين، من حيث هو يقين، إبراماً واستحكاماً لا يُنقض إلا بيقين آخر. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص٢١)
نقد:
- في هذا الاستدلال، وقع نوع من المصادرة على المطلوب؛ لأن صدق «النقض» بالنسبة لقاعدة المقتضي والمانع هو اللبنة الأولى، ولكن المستدل دخل ميدان الاحتجاج مع افتراض صدقه، إذ يُحتمل أن يكون متعلق اليقين هنا هو اليقين بالمقتضَى، لا اليقين بالمقتضي. وفي هذه الصورة، تفقد الرواية صلاحية الاستدلال بها على حجية قاعدة المقتضي والمانع.
- ادعاء أن في بعض الروايات لا يوجد علم بحدوث الحالة السابقة، هو ادعاء لا شاهد عليه؛ ففي جميع الروايات، الحالة السابقة الوجودية أو العدمية موجودة في المقام.
- لا يكون المورد منحصراً عندما يكون الإطلاق ثابتاً، ولكن في فرض إجمال مفاد الكلام وعدم وضوح دلالته على أي قاعدة، يصبح الكلام مجملاً ولا يمكن الإطلاق منه، كحالة يقول فيها المولى «جئني بعين» ولا يكون مراده من «عين» واضحاً. في هذه الحالة لا يمكن إطلاق «عين»، ولكن إذا كان المراد واضحاً، كمورد يقول فيه المولى «أكرم العلماء»، فإن مقتضى الإطلاق موجود.
المقرب الثاني: التطبيق على المقتضي والمانع
فقرة «لا حتى يستيقن أنه نام» ظاهرة في بيان قاعدة المقتضي والمانع؛ لأن الإمام (ع) طبق اليقين على اليقين بالوضوء والشك على الشك في النوم. اليقين بالوضوء هو مقتضٍ للطهارة، والشك في النوم هو شك في وجود المانع، وهذا تطبيق لقاعدة المقتضي والمانع، أي أن الوضوء ليس بواجب حتى يحصل اليقين بالمانع. وعليه، يتضح أن النقطة المحورية في البحث هي أن اليقين بالمانع يزيل بالتعبد أثر المقتضي. ولو كان السؤال متعلقاً بالاستصحاب، لكان على الإمام (ع) أن يقول: «لا حتى يستيقن أنه زال وضوؤه أي طهارته». (السيستاني، ج١، ص٣٣)
نقد:
أساس الاستدلال في هذا الوجه هو تعدد متعلق اليقين والشك، ولكن ما يُستظهر من هذه الرواية هو وحدة المتعلق، كما أن فقرة «فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبداً بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر» ظاهرة في هذا المطلب. وجه الظهور هو أن لا تنقض اليقين بشيء بواسطة الشك في ذلك الشيء نفسه. بناءً على هذا، لا يحدث تعدد لكي تنطبق على قاعدة المقتضي والمانع. بالإضافة إلى أنه عندما يقول الإمام (ع): «ولكن ينقضه بيقين آخر»، أي بيقين مرتبط باليقين الأول، لا بيقين حاصل بأمر آخر. (القوچاني، ١٤٣٠، ج٢، ص٣٨٠)
ونتيجة لذلك، فإن «اليقين الآخر» يعني حتى يحصل اليقين بارتفاع الوضوء، لا أن يحصل اليقين بالمانع؛ لأنه كما ذُكر، لا ارتباط لليقين بالمانع باليقين الأول، ويختلفان في الجهة.
أما بالنسبة للمرحلة الثانية، فيمكن ذكر مبعدين لظهور الرواية في حجية الاستصحاب:
المبعد الأول: عدم قابلية الوضوء للبقاء
للوضوء بمعنى الغسلات والمسحات وجود دفعي وآني لا يتصور له بقاء، ليصدق بالتبع الشك في البقاء الذي هو أحد أركان الاستصحاب. ومن هنا، لا يمكن للرواية أن تكون ظاهرة في الاستصحاب.
هناك فقرتان في هذه الرواية ظاهرتان في أن المراد من الوضوء هو الغسلات والمسحات. في الفقرة الأولى (أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء)، وجه الظهور هو أنه في حالة نقض الطهارة، يجب تحصيل سببها، وهو الغسلات والمسحات. وفي الفقرة الثانية (إذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء) أيضاً، وجه الظهور هو أنه إذا نامت العين والأذن والقلب، فإن ما يجب هو سبب الطهارة لا نفسها. (الإيرواني، ١٤٢٢، ج٢، ص٣٦٥)
نقد:
- للوضوء تارة معنى سببي، أي نفس الغسلات والمسحات، وتارة معنى مسببي، أي الطهارة. المرتكز في أذهان المتشرعة هو أن للوضوء بلحاظ أثره (الطهارة) حدوثاً وبقاءً، ومنبهه الوجداني هو أنه لو سُئل شخص توضأ: هل عندك وضوء؟ فإنه لا يقول: الوضوء الذي أخذته كان دفعياً وانتهى، بل جوابه هو نعم. في هذه الصحيحة، لدينا قرينة على أن المراد من الوضوء هو المعنى الثاني، وهي فقرة «الرجل ينام وهو على وضوء»؛ إذ ليس من المعقول أن يكون شخص مشغولاً بالغسلات والمسحات أثناء النوم. إذن، المراد هو الطهارة. بالإضافة إلى ما تقدم من ظهور الصحيحة الأولى في وحدة متعلق اليقين والشك، يجب أن يكون المراد من الوضوء المعنى المسببي؛ لأن المعنى السببي للوضوء آني ودفعي ولا يتصور له بقاء.
- على فرض أننا سلمنا بأن للوضوء معنى واحداً، ولكن في بعض الروايات نُسبت كلمة «النقض» إلى الوضوء، مما يكشف عن أن للوضوء باعتبار أثره نوعاً من البقاء الاعتباري الذي يحتاج إلى ناقض. ولهذا، فإن كلام المستدل حول الوجود الدفعي للوضوء غير تام؛ لأنه في الصحيحة الأولى يمكن تصور البقاء بلحاظ أثره.
- أجاب بعض الأعلام بجواب ثالث في المقام، وادعوا أن ظهور الفقرتين في المعنى السببي للوضوء وإن كان صحيحاً، إلا أنه لا يضر بما ذُكر، وسره أنه يجب التفكيك بين مقام الإفتاء والتعليم. في صدر الرواية حيث ذُكرت الفقرتان، كان الإمام (ع) في مقام الإفتاء بالوظيفة الفعلية، وفي مقام بيان الوظيفة الفعلية لا يلزم المفتي بيان حدود وقيود الكبريات الشرعية، بل يخبره بالنتيجة. ولكن في ذيل الرواية، كان الإمام (ع) في مقام بيان تعليم الكبريات الشرعية، وقد بُينت قيودها أيضاً. ومن هنا، فإن الوضوء في الكبرى هو بالمعنى المسببي. (السيستاني، ج١، ص٧١)
يبدو أن هذا الجواب محل تأمل؛ لأنه وإن صح أن أهل البيت (ع) كانوا تارة في مقام الإفتاء وتارة في مقام التعليم، إلا أن التفكيك بين المقامين في خطاب واحد ورواية واحدة ليس عرفياً؛ لأن في نظر العرف، في خطاب واحد، تصل قرينة السياق إلى حد الظهور، والنظرة تكون كلية لا تفكيكية، بحيث يكون الخطاب كله إفتائياً أو تعليمياً.
المبعد الثاني: عدم التناسب مع الصناعة الأصولية
بناءً على حكومة الأصل السببي على المسببي، لو كان مراد الإمام (ع) من ذيل الرواية هو الاستصحاب، لكان من المناسب بيان أصل عدم النوم؛ لأن منشأ الشك في الوضوء هو تحقق النوم من عدمه. وفي حالة وجود الأصل السببي، لا تصل النوبة إلى الأصل المسببي، كفرض الشك في طهارة الثوب بسبب الشك في طهارة الماء الذي غُسل به. في هذه الصورة، يجري أصل الطهارة في ناحية السبب ويُقدم على الأصل المسببي. وعليه، يتضح أن فقرة «فإنه على يقين من وضوئه» ليست في مقام بيان الاستصحاب. (السيستاني، ج١، ص٣٣؛ الصدر، ١٤١٧، ج٦، ص٣٥)
نقد:
في بحث حكومة الأصل السببي على المسببي، يوجد فرضان: ١. أن يكون الأصل السببي والمسببي متخالفين. ٢. أن يكونا متوافقين. ما يرتبط بالصحيحة الأولى هو الفرض الثاني، حيث إن كلا الأصلين يؤديان إلى نتيجة واحدة؛ لأن أصل عدم النوم وأصل بقاء الوضوء لهما مؤدى واحد. فيما يتعلق بحكومة الأصل السببي على المسببي في الفرض المتوافق، يوجد رأيان في تقديم الأصل السببي على المسببي:
- رأي الإنكار: يرى بعض الأصوليين هذا الرأي. (الصدر، ١٤١٧، ج٦، ص٣٧) وخلاصته أنه إذا كان الأصلان متوافقين، يمكن لكليهما الجريان ولا وجه للتقديم. بناءً على هذا المبدأ، لا محل للمبعد المذكور.
- رأي الإثبات: بناءً على هذا الرأي، وإن كان للمبعد المذكور قابلية الطرح، إلا أنه يمكن الإجابة عليه بأن الإمام (ع) عبّر عن نتيجة الاستصحاب بتعبير عرفي ولم ينظر بدقة إلى المستصحب. (الأنصاري، ١٤١٥، ج٥، ص٢٢)
وقد قدم بعض الأعلام جواباً آخر في هذا المجال، وهو أن العلاقة السببية والمسببية بين بقاء الطهارة وعدم النوم ليست علاقة شرعية ليُطرح بحث التقديم؛ إذ لا يوجد دليل شرعي مفاده أنه «إذا لم يتحقق النوم، فالطهارة باقية»، بل هاتان المقولتان بينهما تلازم واقعي. وفي هذه الصورة، يبتني جريان استصحاب عدم النوم على الأصل المثبت. (السيستاني، ج١، ص٧١)
هذا الجواب محل تأمل؛ لأنه يوجد بينهما ترتب شرعي، ومجرد التلازم الواقعي لا يكفي. وشاهد ذلك موثقة ابن بكير. ورد في هذه الموثقة أنه سُئل الإمام الصادق (ع) عن معنى «إذا قمتم إلى الصلاة»؟ فقال: يعني إذا قمتم من النوم. قلت: هل يبطل النوم الوضوء؟ قال: نعم، إذا غلب النوم على السمع حتى لا يُسمع صوت. (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج١، ص٥٤؛ الشهيدي، ١٣٩٤)
٣-٣. دراسة جامعة في صحيحة زرارة الأولى
بعد أن تبين أن الصحيحة الأولى ليس لها ظهور في حجية قاعدة المقتضي والمانع، بل إنها بفضل وحدة متعلق اليقين والشك ظاهرة فقط في الاستصحاب، فمن المناسب متابعة هذا المطلب من جهة أصحاب قاعدة المقتضي والمانع: هل يمكن أن يكون مفاد الرواية الشريفة دالاً على كلتا القاعدتين، الاستصحاب والمقتضي والمانع، أم لا؟
في الإجابة على هذا السؤال، يمكن تصور فرضين:
- إذا كانت الدلالة على كلتا القاعدتين بصورة استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فهذا الفرض ممتنع؛ لأنه كما ثبت في محله، مثل هذا الاستعمال ممتنع، وعلى فرض عدم امتناعه، فهو خلاف الظاهر ويحتاج إلى قرينة قوية. وإذا كانت الدلالة على كلتا القاعدتين بصورة لحاظ جامع، فللخروج من محذور الفرض الأول، يشترط أن يكون الجامع عرفياً. قد يبدو في النظرة الأولى أنه يمكن تسمية الجامع بـ«العمل باليقين»، وهو مشترك بينهما، ولكن هذا الجامع ليس عرفياً؛ لأن العمل باليقين في كل من القاعدتين يتم بجهة مختلفة عن الأخرى. ففي قاعدة الاستصحاب، يتم بلحاظ «الكون في السابق»، وفي قاعدة المقتضي والمانع، يتم بـ«عدم الاعتناء باحتمال وجود المانع»، وهذا التفاوت في الجهة يضر بعرفية الجامع.
وتجدر الإشارة إلى أنه على فرض قبول حجية قاعدة المقتضي والمانع واستظهارها من صحيحة زرارة الأولى، طُرح جواب آخر لعدم جريان قاعدة المقتضي والمانع، وهو بيان المعارضة. شرح المعارضة هو أن استصحاب عدم المقتضى يعارض في جميع الموارد قاعدة المقتضي والمانع، بالإضافة إلى أن الاستصحاب، بناءً على كونه أمارة، يُقدم. (الخوئي، ١٤١٣، ج٤، ص٢٠٨)
هذا البيان محل إشكال؛ لأنه أولاً، في كثير من الحالات، تكون الحالة السابقة العدمية التي تُتصور بالنسبة للمقتضى بصورة العدم الأزلي، وحجيتها مبنائية. ومن هنا، ليس الأمر كذلك أن تتعارض دائماً مع قاعدة المقتضي والمانع. ثانياً، تقديم الاستصحاب على قاعدة المقتضي والمانع ليس واضحاً؛ لأنه في رأي مشهور المتأخرين، الاستصحاب أصل عملي لا أمارة، والقائل بحجية القاعدة المذكورة يمكنه أيضاً أن يدعي أن هذه القاعدة أمارة.
٤. دراسة كون القاعدة أصلاً أو أمارة
بعد دراسة الأدلة المطروحة لحجية قاعدة المقتضي والمانع، يمكننا أن نتناول، كتنبيه في ختام هذا الفصل، دراسة كون القاعدة المذكورة أصلاً عملياً أو أمارة.
لتحليل هذا المطلب، من المناسب أولاً إجراء دراسة مختصرة ومناسبة لرسالة هذا المقال حول ماهية الأمارة والأصل.
تنقسم الحجج في كلمات الأصوليين إلى فئتين: الأمارات والأصول، وفي تعريف ماهيتها وتحليلها يوجد قولان مهمان: أحدهما منسوب إلى المشهور، والآخر نظرية الشهيد الصدر.
- النظرية المنسوبة إلى المشهور: الأمارة دليل له كاشفية، والكاشفية داخلة في ملاكها، ولكنها ليست بالضرورة علة تامة لها. وفي المقابل، الأصل دليل لا دور للكاشفية في ملاك حجيته، سواء كانت له كاشفية أم لم تكن. (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص١٢ و١٣؛ الأنصاري، ١٤٢٨، ج٣، ص٣١٨؛ النائيني، ١٣٥٢، ج٢، ص٨٨؛ الخوئي، ١٤٢٢، ج١، ص٢١)
- نظرية الشهيد الصدر: الأمارة دليل له كاشفية، والكاشفية هي العلة التامة لحجيته. وفي المقابل، الأصل دليل ليست الكاشفية علة تامة لحجيته، سواء كانت الكاشفية علة ناقصة لحجيته (الأصل المحرز) أو لم تكن علة ناقصة (الأصل غير المحرز). (الصدر، ١٤١٧، ج٥، ص١٢-١٧)
نتيجة هاتين النظريتين هي أنه بناءً على فكر المشهور، حجية اللوازم غير الشرعية للأمارات تحتاج إلى إثبات؛ لأنه كما ذُكر، قد تكون الكاشفية علة ناقصة لحجية الأمارة. أما بناءً على نظرية الشهيد الصدر، فإن حجية اللوازم غير الشرعية للأمارات قطعية؛ لأنه كما مر، يعتبر الكاشفية علة تامة لحجية الأمارات، وواضح أن نفس مقدار الكاشفية الموجود في الأمارة موجود في لازمها أيضاً.
بالنظر إلى المقدمة المذكورة، على فرض قبول اعتبار قاعدة المقتضي والمانع، تُعد القاعدة المذكورة من موارد الأمارات؛ لأن العلم بوجود المقتضي طريق لإحراز أثره، تماماً كما أن الأمارات طريق لإحراز مؤداها. بناءً على هذا، أولاً، لوازم هذه القاعدة، كغيرها من لوازم سائر الأمارات، حجة. ثانياً، قاعدة المقتضي والمانع، كسائر الأمارات، حاكمة أو واردة على جميع الأصول العملية. (الجزائري المروج، ١٤١٥، ج٧، ص١٣٤)
٥. تطبيقات قاعدة المقتضي والمانع
لقد ادعى القائلون بحجية قاعدة المقتضي والمانع تطبيقات في الفقه والأصول، وسيتم دراسة التطبيقات الأصولية للقاعدة المذكورة في هذا القسم.
أ. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص المنفصل
في مبحث العام والخاص، إحدى المسائل التي تُطرح وتُدرس هي مسألة إجمال مصداق المخصص. في هذه المسألة، يرى مشهور الأصوليين عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص؛ لأن الخاص يجعل العام حجة فقط في غير الموارد التي خُصصت.
في هذا الفرض، ذكر علماء الأصول طرقاً لتصحيح التمسك بالعام في الفرد المشتبه. (السبحاني، ١٣٩٦، ج٢، ص٣٤٥) إحدى هذه الطرق هي التمسك بقاعدة المقتضي والمانع. توضيح ذلك أن عنوان العام ظاهر في المقتضي، وعنوان الخاص ظاهر في المانع. ومن هنا، في الموارد التي بعد إحراز المقتضي (العام) يُشك في وجود المانع (الخاص)، يمكن بجريان قاعدة المقتضي والمانع إثبات حكم العام لهذا الفرد المشتبه. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص٢٣٢)
يفتي صاحب العروة في بعض الموارد بناءً على هذه القاعدة في موارد الشبهة المصداقية، مثل هذا الفرع: إذا اشتبه فرد يجوز النظر إليه بفرد لا يجوز النظر إليه، على نحو الشبهة المحصورة، وجب الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة. وكذلك في موارد الشبهة البدوية أو غير المحصورة، إذا شُك في أن من يُنظر إليه امرأة أم رجل، محرم أم غير محرم، فبسبب قاعدة المقتضي والمانع، لا يجوز النظر إليه. وعلة الحكم هي أن كون المنظور إليه إنساناً، بناءً على آية «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم» (النور: ٣٠)، مقتضٍ لحرمة النظر، وكونه مماثلاً أو محرماً هو مانع من حرمة النظر، وبحكم قاعدة المقتضي والمانع، يُحكم بعدم جواز النظر. (اليزدي، ١٤٠٩، ج٢، ص٨٠٦)
نقد
ادعاء ظهور عنوان العام في المقتضي وعنوان الخاص في المانع ادعاء غير صحيح، ودلائله كالتالي:
- ليس الأمر دائماً أن يُبين الخاص بصورة مانع، بل قد يكون المخصص أيضاً جزءاً من المقتضي، كفرض يقول فيه الشارع: «أكرم العلماء». ثم يقول: «يجب أن يكون أولئك العلماء عادلين». في هذا الفرض، الشك في وجوب إكرام الفرد المشتبه ليس بسبب وجود مانع، بل بسبب الشك في جزء المقتضي. (السبحاني، ١٣٩٦، ج٢، ص٣٥٠) وكمثال آخر، قد يكون التخصيص لعلة تلخيص العبارة؛ بحيث قد يكون للعام فردان: فرد له اقتضاء الحكم، وفرد ليس له اقتضاء الحكم أساساً. ولكن بما أنه لو أراد المولى أن يطرح جميع الأفراد المقتضية، لطالت العبارة، فإنه يستخدم أسلوب الاستثناء. مثلما لو قيل: جميع فوانيس الشارع مضيئة حتى الساعة العاشرة، إلا بعض الفوانيس الخاصة التي تكون أقل إضاءة. هنا قد تكون هذه الفوانيس الخاصة أقل إضاءة بسبب وجود ريح، وقد يكون ذلك بسبب قلة الوقود فيها، فتطفأ أسرع. بناءً على هذا، قد يكون الاستثناء أمراً وجودياً مع حفظ المقتضي بسبب وجود مانع في الأفراد المستثناة، وقد يكون بسبب عدم وجود أصل المقتضي في هذه الأفراد. النقطة هي أنه في الاستثناء لا يلزم أن يكون المستثنى حتماً من باب وجود المانع، ومع هذا الاحتمال، يكون ظهور الخاص في المانعية محل تأمل. (الشبيري الزنجاني، ج٤، ص١٠٢٣)
يعتقد المحقق النائيني أيضاً أن هناك طرقاً أخرى لبيان المخصص من قبل الشارع، حيث يُلقي الخاص بصورة شرط أو جزء، مثل رواية «لا صلاة إلا بطهور» (ابن بابويه، ١٤١٣، ج١، ص٣٣) أو «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (ابن أبي جمهور، ١٤٠٥، ج١، ص١٩٦). بناءً على هذا، فإن انحصار عنوان الخاص في المانعية محل خدشة. (النائيني، ١٣٥٢، ج١، ص٤٦٠)
ب. الأصول اللفظية
يرى بعض القائلين بحجية قاعدة المقتضي والمانع أن مردَّ جميع الأصول اللفظية يعود إلى القاعدة المذكورة. (البهبهاني، ١٤٠٥، ج١، ص١٤) وتقريب ابتناء الأصول اللفظية، مثل أصالة الحقيقة وأصالة الإطلاق وأصالة العموم، على هذه القاعدة هو أن اللفظ بناءً على الوضع يناسب في المقام الأول المعنى الحقيقي، وفي المقام الثاني، بالنظر إلى المعنى الحقيقي، يكون استعمال اللفظ في المعنى المجازي مناسباً، ولكن يجب ملاحظة أن إرادة المعنى المجازي من اللفظ تحتاج إلى قرينة صارفة. بناءً على هذا، فإن ما يمنع حمل الكلام على المعنى الأول هو القرينة الصارفة. فإذا شُك في وجود هذه القرينة الصارفة، أو بعبارة أخرى، في وجود المانع، فإن العقلاء بفضل قاعدة المقتضي والمانع لا يعتنون بهذا الشك ويحملون الكلام على المعنى الأول. ومن هنا، تبتني أصالة الحقيقة على القاعدة المذكورة، وكذلك أصالة الإطلاق وأصالة العموم تبتنيان على هذه القاعدة؛ لأن المخصص والمقيد مانعان من تعلق الحكم بطبيعة الموضوع، وإذا شُك في وجود المخصص والمقيد، يُتمسك بالمقتضي.
النتيجة
- بشكل عام، في مسألة كون أي قضية قاعدة فقهية أو مسألة أصولية، توجد أربع وجهات نظر، وقاعدة المقتضي والمانع، وفقاً لوجهتي نظر من بين الأربع المشهورة، تندرج ضمن القواعد الفقهية، ووفقاً لوجهتي النظر الأخريين، تندرج ضمن المسائل الأصولية.
- لا يوجد جامع ماهوي بين الاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع، ومن حيث المجرى أيضاً، تقوم بين هاتين القاعدتين علاقة العموم والخصوص من وجه. ولهذا، فإن التصور بأن قاعدة المقتضي والمانع تتعارض باستمرار مع استصحاب عدم المانع هو تصور خاطئ.
- لا يوجد بناء عقلائي على العمل بقاعدة المقتضي والمانع على نحو الموجبة الكلية؛ بل الحق هو عدم وجود مثل هذه السيرة بين العقلاء. كما أن صحيحة زرارة الأولى، التي تعد من أقوى أدلة المثبتين، لا يمكن، بالنظر إلى استظهار وحدة متعلق اليقين والشك، أن تكون دليلاً على حجية القاعدة، والنقاط التي طُرحت في الاستدلال بها على حجية قاعدة المقتضي والمانع محل إشكال.
- بعد أن اتضح أن صحيحة زرارة الأولى ليس لها ظهور في قاعدة المقتضي والمانع، تمت متابعة هذا المطلب: هل يمكن الأخذ بجامع مثل «العمل باليقين» في الرواية المذكورة لتكون الرواية دالة على كلتا القاعدتين أم لا؟ وقد وصل هذا الحل أيضاً إلى طريق مسدود؛ لأنه أولاً، بالنظر إلى استظهار وحدة متعلق اليقين والشك، لا علاقة للرواية أساساً بقاعدة المقتضي والمانع، وثانياً، الأخذ بمثل هذا الجامع ليس عرفياً.
- ذُكرت وظيفتان مهمتان طرحهما القائلون بحجية القاعدة المذكورة، ونوقش الحل الذي قدمته قاعدة المقتضي والمانع في التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأنه ليس الأمر دائماً أن يُبين الخاص بسياق المانع.
المصادر
- القرآن الكريم.
- ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين (١٤٠٥هـ). عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية. الطبعة الأولى. قم: دار سيد الشهداء للنشر.
- ابن بابويه، محمد بن علي (١٤١٣هـ). من لا يحضره الفقيه. الطبعة الثانية. قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
- الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١هـ). تهذيب اللغة. الطبعة الأولى. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- ابن فارس، أحمد (١٤٠٤هـ). معجم مقاييس اللغة. الطبعة الأولى. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
- الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨هـ). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- الأنصاري، مرتضى (١٤١٥هـ). كتاب الطهارة. الطبعة الأولى. قم: کنگره جهانی بزرگداشت شيخ اعظم انصاری.
- الإيرواني، علي (١٤٢٢هـ). الأصول في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم.
- البهبهاني، سيد علي (١٤٠٥هـ). الفوائد العلية: القواعد الكلّية. الطبعة الثانية. أهواز: کتابخانه دار العلم.
- الجزائري، محمدجعفر (١٤١٥هـ). منتهى الدراية في توضيح الكفاية. الطبعة الرابعة. قم: موسسه دار الکتاب.
- الموسوي الخميني، روح الله (١٤٢٢هـ). كتاب الطهارة. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی.
- الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢هـ). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الداوري.
- الخوئي، أبو القاسم (١٤١٧هـ). الهداية في الأصول. الطبعة الأولى. قم: موسسه صاحب الأمر.
- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٣٧٤ش). مفردات ألفاظ القرآن. الطبعة الأولى. طهران: مرتضوى.
- السبحاني التبريزي، جعفر (١٣٩٦ش). المبسوط في أصول الفقه. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
- السيستاني، سيد علي (بلا تا). الاستصحاب. بلا مكان: بلا ناشر.
- الشبيري الزنجاني، موسى (بلا تا). دروس خارج نكاح. قم: مرکز فقهی امام محمد باقر(ع) وابسته به دفتر آیت الله العظمی شبیری زنجانی.
- الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت(ع).
- الصدر، محمد باقر (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. الطبعة الأولى. بيروت: الدار الإسلامية.
- صنقور، محمد (١٤٢٨هـ). المعجم الأصولي. الطبعة الثانية. قم: منشورات الطيار.
- الطوسي، محمد بن الحسن (١٤٠٧هـ). تهذيب الأحكام. الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.
- الطهراني النجفي، هادي بن محمد أمين (١٣٢٠). محجة العلماء. الطبعة الأولى. بلا مكان: طهران.
- الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤٠٩هـ). كتاب العين. الطبعة الثانية. قم: نشر هجرت.
- الفيومي، أحمد بن محمد (١٤١٨هـ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة دار الهجرة.
- القوچاني، علي (١٤٣٠هـ). تعليقة القوچاني على كفاية الأصول. بلا مكان: قم.
- المصطفوي، حسن (١٤٣٠هـ). التحقيق في كلمات القرآن الكريم. بلا طبعة. بيروت، القاهرة، لندن: دار الكتب العلمية، مرکز نشر آثار علامه مصطفوی.
- النائيني، محمد حسين (١٣٧٦). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
- النائيني، محمد حسين (١٣٥٢). أجود التقريرات. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.
- الطباطبائي اليزدي، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). العروة الوثقى فيما تعم به البلوى. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.