دراسة حجية مختلف أصناف الروايات عند الشيخ الصدوق

الملخص

تُعدّ الحجية أحد المعايير المهمة في اختيار الروايات ونقلها عند الشيخ الصدوق. إلا أنَّ مراعاة هذا المعيار في جميع رواياته ومؤلفاته محل خلاف بين علماء الحديث. تسعى هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى دراسة مدى حجية مختلف أنواع الروايات في آثار الشيخ الصدوق من وجهة نظره. وتُظهر النتائج أنه – باستثناء كتاب ‘من لا يحضره الفقيه’ الذي صرّح بحجية رواياته – قد اعتمد في سائر آثاره على معايير أخرى، كالمناسبة مع محتوى الكتاب وأسلوب التأليف، وربما كانت درجة حجية الرواية في أولويته التالية. وكذلك، بما أن موضوع الحجية في الروايات الطبية والعقائدية والتفسيرية والأخلاقية لم يكن بأهمية الروايات الفقهية، فلم يكن المعيار الأساسي في اختياره. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الشيخ الصدوق في معظم الحالات قد اختار روايات لم يثبت لديه ‘عدم حجيتها’، وفي بعض الأحيان عندما نقل رواية غير معتبرة، صرّح بعدم حجيتها وربما ببيان سبب نقلها.

١. طرح المسألة

تُعدّ السنّة بعد القرآن من أهم مصادر التعاليم الدينية، والحديث هو السبيل للوصول إلى السنّة. لذا، كان تدوين الحديث محط اهتمام المسلمين في مختلف العصور. وقد قام المحدّثون في جميع العصور باختيار الروايات وتدوينها في آثارهم الحديثية وفقاً لملاكات ومعايير محددة. وأحد هذه الملاكات هو حجية الروايات، والتي يمكن دراستها في مجالات علم الكتب (الببليوغرافيا)، والسند، والمتن (فقه الحديث). وتجدر الإشارة إلى أن حجية الآثار يمكن دراستها من جانبين: أحدهما مدى حجية الروايات من وجهة نظر المؤلف، والآخر من وجهة نظر العلماء الآخرين. في هذا البحث، كلما ذُكرت حجية الروايات، كان المقصود هو رأي مؤلف الآثار، لا ما يعتبره المتأخرون حجة بناءً على معاييرهم الخاصة. ومن ناحية أخرى، في هذا البحث، من بين ملاكات تقييم الحجية، ستتم دراسة الملاكات المتنية فقط.

يُعدّ الشيخ الصدوق من أنشط المحدّثين ونقّاد الحديث في القرن الرابع الهجري (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٩٠-٣٩٤؛ الطوسي، د.ت، ٢٣٧-٢٣٨)، وقد وصل إلينا من آثاره ما يقارب العشرين أثراً. إن دراسة آثاره المتبقية – نظراً لكثرتها – توفّر مادة غزيرة لعلماء الحديث حول أسلوب التأليف وتقييم الحجية في آثار القرن الرابع الهجري.

وفيما يتعلق باختيار الروايات وحجيتها عند المؤلف، نُسب إلى أصحاب الآثار الحديثية رأيان. يرى البعض أن اختيار رواية ونقلها يعني الاعتماد عليها وصحتها عند المؤلف (الحر العاملي، ١٤٠٩ق، ٣٠: ٢٤٤). وبعبارة أخرى، ما دام أصحاب الحديث ومشايخه لم يطمئنوا إلى مضمون الحديث أو صدوره عن المعصوم، فإنهم كانوا يمتنعون عن نقله (الطالقاني، ١٣٩٥ش، ٩١). أما في المقابل، يرى فريق آخر أن بناء القدماء لم يكن على نقل ما هو قطعي الصدور، بل ما يحتجون به ويتمسكون به يجب أن يكون قطعي الصدور. على سبيل المثال، أصحاب الكتب الأربعة قد ينقدون ويردّون ما أوردوه في قسم ‘زيادات’ كتبهم، فمجرد نقل الخبر ليس دليلاً على قبوله. بالطبع، لو علموا يقيناً أن خبراً ما موضوع، لما جاز لهم نقله إلا في مقام الرد عليه (الغفاري والمستفيد، ١٣٧٢ش، ٢: ٥٢-٥٣).

وفيما يتعلق بآثار الصدوق، يرى البحراني أن الصدوق كان قائلاً بصحة جميع الروايات الموجودة في آثاره، إلا في الموارد التي صرّح فيها بعدم حجيتها. وهو يكتب في هذا الصدد: «كانت طريقة الصدوق المعهودة وعادته المألوفة في آثاره ومصنفاته أن لا ينقل إلا الروايات المعتبرة ويحكم بصحة متنها وسندها ويفتي على أساسها. وفي الموارد التي ينقل فيها رواية غير صحيحة، يذكر سبب نقلها ويشير إلى الإشكالات الواردة على سند ومتن الرواية. ورغم أنه صرّح بذلك في كتاب من لا يحضره الفقيه فقط، إلا أنه من خلال التتبع في سائر آثاره يُعلم أن سيرته في تأليف سائر آثاره كانت كذلك» (البحراني، د.ت، ٢٣: ٥٧٤).

لقد بحث العلماء المتقدمون والمتأخرون في مسألة تقييم حجية الروايات من منظار المتقدمين والمتأخرين، ومن بينهم من تناول حجية روايات الشيخ الصدوق من وجهة نظر المؤلف والمتأخرين؛ ومن العلماء أمثال الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد، والشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة، والميرداماد في الرواشح السماوية، وصاحب المعالم في مقدمة منتقى الجمان في أحاديث الصحاح والحسان، والبحراني في الحدائق الناظرة.

وفي العصر الحاضر، أُجريت أبحاث مختلفة حول آثار الشيخ الصدوق، تناول عدد منها جانب الحجية وكيفية اختيار الروايات. ومن بين هذه الآثار «دراسة منهج فقه الحديث لدى الشيخ الصدوق في الترتيب الهندسي لروايات الثقلين» لناصح ومعارف ودياري بيدگلي، والذي تناول سبب اختيار الصدوق لنقل رواية شاذة عن الثقلين. وقد تناولت بعض هذه الأبحاث بيان ملاكات تقييم الحجية المتنية والسندية الموجودة في آثار الصدوق بشكل جزئي أو كلي، ملاكات مثل وثاقة الرواة، واتصال السند، وموافقة الروايات مع القرآن والسنة والعقل. في هذه الموضوعات، يمكن الإشارة إلى «مناهج فقه الحديث لدى الشيخ الصدوق في كتاب معاني الأخبار» للكرمي، و«منهج ابن بابويه في نقد الحديث» للجمالي، و«دراسة مكانة وأهمية وحجية كتاب كمال الدين وتمام النعمة» لآزادي، و«الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، وأسلوب المؤلف في تأليفه» لعبد الهادي عابد، و«تحقيق حول كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق» للنظري، و«العوامل المؤثرة على منهج اختيار ونقل الروايات التاريخية في أمالي الصدوق» لنويدفر، و«مباني ومناهج فقه الحديث في معاني الأخبار» لمعارف.

في هذه الأبحاث، أُجريت دراسات جزئية أو كلية على آثار الصدوق، واستُخرجت ملاكات نقد الحديث وفقه الحديث للشيخ الصدوق من بين آثاره، ولكن لم يتم دراسة الروايات الموجودة في آثار الشيخ الصدوق من حيث حجيتها عند المؤلف بشكل شامل. ولا تزال هناك نقاط غامضة، منها هل كان يتبع منهج النقد ويعتبر ملاك الحجية في اختيار جميع رواياته أم لا؟ وبعبارة أخرى، كيف كانت حجية الروايات الموجودة في آثار الشيخ الصدوق من وجهة نظره؟ هل اقتصر على اختيار ونقل الروايات المعتبرة فقط؟ هل تختلف حجية الروايات في آثار الصدوق المختلفة؟ هل كان يعتقد بحجية جميع روايات كتاب من لا يحضره الفقيه؟ هل اختلف تقييمه للحجية في الموضوعات الروائية المختلفة؟ وفي أي الحالات بادر إلى نقل الروايات غير الصحيحة؟

يهدف هذا البحث إلى دراسة آثار الصدوق من منظور محتوى الروايات ومع الأخذ بعين الاعتبار هدف المؤلف من تأليفاته، ليتخذ خطوة جديدة في دراسة أسلوب آثار الشيخ الصدوق. في دراسة أداء الصدوق، تُطرح ظاهرة حجية الروايات. ويتم دراسة مدى ارتباط حجية الروايات باختيارات الصدوق في مجالين: موضوعات الكتب وموضوعات الروايات بشكل منفصل. وبسبب أهمية كتاب من لا يحضره الفقيه وإقرار الصدوق بصحة رواياته، يُخصص قسم من المقال لحجية روايات هذا الكتاب عند الصدوق. وفي النهاية، تُبيَّن أسباب نقل الروايات غير المعتبرة في آثار الصدوق.

٢. حجية الروايات عند الصدوق بالنظر إلى أسلوب تدوين آثاره

هناك رأيان فيما يتعلق بحجية الروايات ونقلها من قبل الصدوق؛ أحدهما رأي المحقق البحراني الذي يرى أن جميع منقولات الصدوق معتبرة من وجهة نظره، والآخر رأي مخالف لهذا الرأي. لدراسة هذه الاحتمالات بشكل أدق ومن خلال نظرة جديدة لمجموعة آثار الشيخ الصدوق وتنبيهاته في طيات آثاره، عُثر على شواهد تؤيد رأي البحراني:

إحدى الروايات وردت في كتاب كمال الدين حول آداب النقل والكتابة. في هذا النقل، يطلب شخص من أحد أصحاب الحديث أن يكتب له ما نقله بخطه، ولأنه لم يستطع رد طلبه، كتبه على مضض. ولكنه يذكر أن صحة وسقم هذه القصة تقع على عاتق من حكاها (الصدوق، ١٣٩٥ش، ٢: ٤٥٣).

من هذا التنبيه يُستفاد أن الأفراد كانوا يتجنبون كتابة الحكايات التي يشكون في صحتها، على الرغم من نقلهم لها. ويبدو أن كتابة الحديث كانت تعني القبول الإجمالي بصحة الحديث، إلا في حالات نادرة حيث يُنبّه بعد الكتابة على عدم الصحة أو الشك فيها.

الشاهد الآخر هو امتناع الصدوق عن نقل روايات بعض أجزاء من كتابي ‘المنتخبات’ لسعد بن عبد الله و’نوادر الحكمة’ لمحمد بن أحمد بن يحيى (راجع: الطوسي، د.ت، ٢١٥-٢١٦: ش ٣١٦؛ ٤٠٧، ش ٦٢١)، مما يمكن أن يكون شاهداً على صحة هذا الرأي.

على الرغم من هذه الشواهد، فإن رأي الشيخ البحراني قابل للنقد من جوانب مختلفة على النحو التالي:

أ. لم يصرّح الصدوق بصحة جميع رواياته في غير كتاب من لا يحضره الفقيه (راجع: الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٣-٤)، كما أن أسلوب تأليفه لا يقتضي صحة جميع الروايات عند المؤلف. فكثير من آثار الصدوق غير الفقهية أُلّفت بأسلوب موضوعي، مثل كتاب الخصال، وعلل الشرائع، ومعاني الأخبار. ورغم أن الصدوق صرّح في مواضع بصحة وسقم بعض الروايات الموجودة فيها، إلا أنه يبدو أن مقتضى هذا الأسلوب في التأليف هو جمع الأحاديث دون تأكيد على صحة وسقم الروايات. وبالتالي، فإن سكوته في هذه الآثار لا يمكن أن يكون دليلاً على صحة الرواية.

ب. كذلك، لم تُستخدم بعض الروايات الفقهية المذكورة في آثار الصدوق غير الفقهية كـمستند لفتواه في كتاب من لا يحضره الفقيه. على سبيل المثال، أورد رواية صلاة النبي (ص) بنعليه في كتاب علل الشرائع (الصدوق، ١٣٨٥ش، ٢: ٣٣٦) ولم يذكر أي تنبيه على عدم صحتها، ولكنه في كتابه الفقهي لم يفتِ على أساسها (لمزيد من الأمثلة، راجع: المصدر نفسه، ٥٢٤). وهذا يدل على عدم صحة هذه الروايات عند الصدوق.

ج. الدليل الآخر هو وجود أخبار لا تتوافق مع معتقدات الصدوق. على سبيل المثال، يصرّح في كتاب ‘اعتقادات الإمامية’ بأن القرآن الخالي من النقص والزيادة هو هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين (المصدر نفسه، ١٤١٤ق، ٨٤، ٨٦)، ولكنه ينقل في ‘ثواب الأعمال’ أخباراً تصرّح بتحريف القرآن (المصدر نفسه، ١٤٠٦ق، ١١٠؛ ١٣٦٢ش، ٢: ٣٥٨). أو في مثال آخر، يورد الصدوق في علل الشرائع رواية مفادها أن الرجل لا يستطيع الزواج من امرأتين سيدتين (المصدر نفسه، ١٣٨٥ش، ٢: ٥٩٠)، ولكنه لم يورد هذا الحديث في كتاب من لا يحضره الفقيه، مما يعني أنه لم يفتِ بهذه الرواية. لم يظهر الصدوق في كتبه الأخرى أي اعتقاد بهذه الأخبار، بل رواها للباحثين وترك لهم مهمة تحديد مدى صحتها وسقمها. على سبيل المثال، فيما يتعلق بإثبات علم الغيب للأئمة، ينقل روايات تتعارض مع القرآن وتدل على الغلو (المصدر نفسه، ١٣٦٢ش، ١: ٢٠-٢١). بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الصدوق في هذه الآثار أشار ضمنياً إلى صحة بعض الروايات. على سبيل المثال، عندما ينقل أسانيد مختلفة لرواية واحدة، فإنه يؤكد ضمنياً على صحتها. وروايات مثل عدم خلو الأرض من حجة الله في كتاب علل الشرائع (المصدر نفسه، ١٣٨٥ش، ١: ١٩٥-٢٠١) وروايات عدد الأئمة (ع) في كتاب الخصال (المصدر نفسه، ١٣٦٢ش، ٤٦٦-٤٨٠) هي من هذا النوع. كذلك، في الحالات التي يورد فيها الصدوق بعد نقل رواية ما روايات أخرى كمؤيد ومصدق للرواية الأولى (راجع: المصدر نفسه، ١٣٩٨ق، ١١٦-١٢١، ١٥٧)، فإن ذلك يدل على اطمئنانه النسبي للرواية المذكورة عند الصدوق.

مع ذلك، يجب القول إنه على الرغم من أن الصدوق أبدى رأيه في صحة بعض الروايات الموجودة في سائر آثاره، إلا أن هذا لا يعني صحة الروايات التي سكت الصدوق عن صحتها وسقمها. ويرى الغفاري أيضاً أن الصدوق لم يضمن صحة جميع مروياته في غير كتاب من لا يحضره الفقيه (الصدوق، ١٣٩٥ش، ١: ٢٢٤)، ويمكن القول إن في بقية آثاره أخباراً صحيحة مخلوطة بالصحيح وغير الصحيح، والمؤلف لم يضمن صحة كل ما ورد فيها (الغفاري والمستفيد، ١٣٧٢ش، ٣١١).

الآن، إذا أخذنا بعين الاعتبار أدلة الفريق الذي يعتقد أن القدماء عندما كانوا يذكرون رواية ما، كانوا يعتقدون بتلك التعاليم الدينية والرواية، وكانوا يقبلونها بعد اجتياز مراحل تقييم حجية الكتاب والراوي والمحتوى، يجب القول إنهم كانوا يتصرفون هكذا في الروايات العملية والاعتقادية، ولكن في الروايات ذات الطابع التاريخي والفقهي في مجال المستحبات والمكروهات وثواب وعقاب الأعمال وما إلى ذلك، لم يكونوا يراعون هذه الملاحظات بهذه الشدة، إلا إذا اطمأنوا في تلك المجالات أيضاً إلى كون الرواية موضوعة، فعندئذ لم يعودوا يجيزون لأنفسهم نقلها. والآن، إذا كانوا ينقلون الروايات غير الصحيحة لأسباب ستأتي، كانوا يذكرون عدم صحتها.

٣. حجية الروايات الواردة في كتاب من لا يحضره الفقيه

بالنظر إلى مقدمة الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، يجب القول إن روايات هذا الكتاب كانت صحيحة ومعتبرة لدى المؤلف. يذكر الصدوق أن قصده من تأليف هذا الكتاب هو ذكر الروايات التي يفتي بها، ويعتبرها صحيحة وحجة بينه وبين الله، وهي روايات استخرجها من كتب مشهورة ومعتمدة (راجع: الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٣-٤). والآن، يجب أن نعرف هل هذا الادعاء يشمل جميع الروايات الموجودة في هذا الكتاب؟

١-٣. حجية الروايات المعلقة والمرسلة عند الصدوق

في عدد كبير من الروايات الموجودة في هذا الكتاب، توجد ظاهرة السقط والإرسال في السند. عدد من هذه الروايات معلقة، أي أن اسم راوٍ أو رواة من بداية السند قد حُذف. ورغم أن الشيخ الصدوق، بذكر طريقه في ‘المشيخة’، قد أخرج بعض الروايات من دائرة الإرسال، إلا أنه لم يُذكر في المشيخة طريق لعدد من الرواة. وفي بعض الأسانيد أيضاً، نشهد سقوط رواة من وسط السند بعبارة ‘رفع’ (على سبيل المثال، راجع: الصدوق، ١٤١٣ق، ٣: ٣٧، ٤٣٧) أو بألفاظ مبهمة مثل ‘الرجل’، ‘بعض أصحابنا’ و… في وسط السند (راجع: المصدر نفسه، ٢: ٣٩٣، ٣: ٢١٧، ٤: ٥١، ١٣٥).

في بعض الأحاديث أيضاً، حُذف السند بأكمله، واكتفى الشيخ بذكر اسم الإمام في نقل الرواية (على سبيل المثال، راجع: الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٦، ٩، ١٠، ٣٣). وفيما يتعلق بالروايات التعليقية في كتاب من لا يحضره الفقيه، قيل إنه لا حاجة لذكر الطريق بين الصدوق وتلك الكتب، وإذا ذكر هذه الطرق، فقد كان ذلك تبرعاً وتبركاً. وعلى هذا الأساس، لم يذكر في بعض الموارد طريقه إلى بعض هذه الكتب، أو ذكر طريقاً فيه ضعف. لأن هدفه لم يكن إثبات نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها. ولهذا السبب، لم يعتنِ بصحة وضعف هذه الطرق. فعندما تكون نسبة الكتاب إلى مؤلفه مشهورة ومعروفة بين العلماء، لا حاجة لذكر الطريق الصحيح (المجلسي، ١٤٠٦ق، ١: ١٤؛ السبحاني، ١٤١٤ق، ٣٨٥). هذا الكلام، بالنظر إلى مقدمة الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه التي صرح فيها باستخراج الأحاديث من الكتب المشهورة، سيكون صحيحاً، ولكنه لا يبدو كاملاً، لأن اسم الراوي الأول في أسانيد كتاب من لا يحضره الفقيه في الأحاديث التي وقع فيها التعليق لم يكن دائماً من مؤلفي كتب الحديث.(٥)

من جهة أخرى، بعض الطرق الموجودة في المشيخة تخص رواية معينة، مثل «بيان الطريق إلى جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (ص)» (الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٢٦)، و«بيان الطريق إلى أسماء بنت عميس في خبر رد الشمس على أمير المؤمنين (ع)» (المصدر نفسه، ٤٣٨)، و«بيان الطريق إلى جويرية بن مسهر في رد الشمس على أمير المؤمنين (ع)» (المصدر نفسه، ٤٣٩)، و«بيان الطريق إلى ما كان فيه من حديث سليمان بن داود (ع) في معنى آية» (المصدر نفسه)، و«بيان الطريق إلى خبر بلال وثواب المؤذنين» (المصدر نفسه، ٤٥٧). وكذلك، بالنسبة لبعض الرواة الذين وردوا في بداية أسانيد الصدوق، لم يُنسب إليهم أي كتاب في أي من كتب الفهارس (على سبيل المثال، راجع: المصدر نفسه، ١: ٤٧٥، ٢: ١٧٥، ٣: ١٨٤، ٤: ٤٧٠، ٤٧٦، ٤٩١، ٥٢٠). ففيما يتعلق بعلة اعتماد الصدوق على الروايات المرفوعة والمرسلة، يجب القول إن صحة هذه الروايات، على الأقل في كتاب من لا يحضره الفقيه، قد تحققت لدى المؤلف بواسطة ملاكات غير سندية. أما في سائر آثاره، فيمكن تصور وجهين: الأول أنه قبل هذه الروايات كشواهد على الروايات الصحيحة؛ والثاني أن الصدوق لم يصرح بصحة الروايات الموجودة في سائر آثاره، لذا اعتبر نفسه مجازاً في نقل هذه الروايات.

وفيما يتعلق بعلة ذكر الروايات بدون سند من قبل الصدوق، توجد آراء مختلفة. قال البعض إنه في بعض الحالات، لأن الصدوق وجد الرواية مرسلة في مصدره، وصاحب الكتاب كان معتبراً لديه، ذكرها في كتابه أيضاً بصورة مرسلة (الغروي النائيني وجاويداني، ١٣٨٤ش، ١٠٨). في بعض الأبحاث، من خلال مقارنة مرسلات الصدوق مع سائر كتب الحديث، توصلوا إلى نتيجة أن ٧٠ بالمائة من روايات الصدوق التي نُقلت بصورة مرسلة في كتاب من لا يحضره الفقيه، نُقلت في سائر المصادر أيضاً بصورة مرسلة (الحسيني، ١٣٨٣ش، ١١٨). هذا القول يعزز فرضية احتمال أن تكون روايات الصدوق قد وردت مرسلة.

لا يوجد دليل مطمئن على أن الصدوق وجد هذه الروايات مرسلة واعتمد على المرسلات. وبما أن العديد من مصادر الحديث المتقدمة قد فُقدت، فإن عدم وجود أسانيد الروايات المرسلة في الكتب الموجودة ليس دليلاً على عدم وجود أسانيد لهذه الروايات عند الصدوق. والاحتمال الأقوى فيما يتعلق بمرسلات كتاب من لا يحضره الفقيه هو أنه وجد هذه الروايات بسند، ولكنه نقلها بصورة مرسلة لأسباب. وفيما يتعلق بعلة هذا النوع من النقل، يمكن القول إنه في معظم الحالات، نقل هذه الروايات المرسلة كشاهد ومؤيد لروايات أخرى أو لترجيح أحد طرفي التعارض. لذا، يمكن القول إن العديد من هذه الروايات كانت مسندة، والصدوق، لأنه أوردها كشواهد، حذف سندها للاختصار أو لأي سبب آخر.

على الرغم من كل التفاصيل، فقد فرّق البعض بين الروايات المرسلة الموجودة في كتاب من لا يحضره الفقيه، وقالوا: حيثما استخدم الصدوق صيغة الجزم لنقل الرواية، فقد اطمأن إلى صحة الرواية، وصيغة غير الجزم تدل على عدم اعتماد الصدوق على صحة الرواية (الميرداماد، ١٤٢٤ق، ١٧٤). ولكن يبدو أن كلام الصدوق في المقدمة يشمل جميع أنواع الأحاديث المروية في الكتاب، ولا يوجد وجه أو دليل لهذا التفريق. وبعبارة أخرى، جميع روايات هذا الكتاب حجة عند الصدوق، سواء وردت بصيغة الجزم أو غيرها، وسواء كانت مسندة أو مرسلة؛ إلا إذا صرّح هو نفسه بردها في بعض الموارد.

٢-٣. حجية روايات أبواب النوادر في كتاب من لا يحضره الفقيه

يُستفاد من مقدمة كتاب من لا يحضره الفقيه أن الشيخ الصدوق قائل بصحة جميع الروايات الموجودة في هذا الكتاب، ولكن بالنظر إلى تفريق عدد من الروايات في كل باب ووضعها تحت عنوان أبواب النوادر، يُستفاد تضعيف هذه الروايات من قبل الشيخ الصدوق. وكما يرى الشيخ المفيد أن وجود رواية في أبواب النوادر دليل على رد الرواية وعدم العمل بها، فإن الشيخ المفيد يعتقد أن «والنوادر هي التي لا عمل عليها» (المفيد، ١٤١٤ق، ب، ٥). من كلامه يُستفاد أن روايات أبواب النوادر هي روايات شاذة لا يوجد متنها في أي من الأصول المصنفة (الغفاري، ١٣٦٩ش، ٤٤). الرواية الشاذة هي رواية ينقلها ثقة واحد وتخالف حديثاً نقله جماعة ويكون لها سند واحد فقط (البهبهاني، د.ت، ٣٤؛ الغفاري، ١٣٦٩ش، ٤٥).

يبدو أن الشيخ الصدوق كان يتبع دافعاً آخر غير ما قصده الشيخ المفيد في فصل الروايات ووضعها في أبواب النوادر. وكما اعتبر البعض الأحاديث الموجودة في أبواب النوادر مشتملة على أحاديث متفرقة مناسبة للأبواب السابقة، ولكنها لم تكن قابلة للإدراج في الأبواب السابقة بسبب بعض الاختلافات في الموضوع (الفيض الكاشاني، ١٤٠٦ق، ١: ٤٢؛ المجلسي، ١٤٠٦ق، ١: ١٥٤). كما قيل إنه يجب التفريق في صحة الروايات الموجودة في «أبواب النوادر» و«باب نادر». ورغم أن إدراج الروايات في «باب نادر» يدل على عدم العمل بتلك الروايات، إلا أن المقصود بأبواب النوادر هو الروايات التي لم تُدرج تحت باب مستقل بسبب قلة عددها. فلا يُستفاد منها عدم صحة الروايات الموجودة في هذه الأبواب. فهذه الأبواب في الحقيقة نوع من المستدركات لكل باب. حتى إنه يمكن الادعاء فيما يتعلق بالشيخ الصدوق أنه أدرج رواياته النفيسة التي أكد على العمل بها في هذه الأبواب. أي أنه أخذ النوادر جمع ‘نادرة’ بمعنى النفيسة، لا ‘نادر’ بمعنى الشاذ (الشوشتري، ١٤١٠ق، ١٢: ٣٧٣-٣٧٥). على سبيل المثال، فيما يتعلق برواية عدم نقصان عدد أيام شهر رمضان، على الرغم من أنه أدرجها في أبواب النوادر، إلا أنه يعتبر عدم الفتوى بها من قِبل العاملين بالتقية (الصدوق، ١٤١٣ق، ٢: ١٧١).

قال البعض أيضاً: عندما يستخدم مؤلف الكتاب في معظم الحالات طريقاً (سنداً) خاصاً لبيان الرواية، وفي الحالات التي ينقل فيها روايات بغير الطريق المذكور، يوردها تحت عنوان نوادر أو كتاب النوادر (الكني، ١٣٧٩ش، ٢٣٤). بالنظر إلى الأسانيد الموجودة في أبواب النوادر في آثار الصدوق، لا وجه لهذا الاحتمال، لأن بعض أسانيد باب النوادر تكررت في أبواب أخرى، وأسلوب الصدوق في تأليف آثاره لم يكن يعتمد على مصدر واحد لتكون أسانيد رواياته متطابقة، بل نقل الروايات بشكل متفرق من كتب وروايات رواة كوفيين، وقميين، وبغداديين، وخراسانيين وغيرهم في آثاره. ويبدو أن الاحتمال الأفضل لسبب وضع الرواية في أبواب النوادر يعود إلى الموضوعات المتفرقة التي لم يستطع الصدوق إدراجها في الأبواب السابقة. ورغم أن الموضوع الأصلي يتطابق مع عنوان الكتاب كعنوان لفصول الكتاب التي أُدرج فيها باب النوادر، إلا أنه لم يكن ضمن الموضوعات الجزئية لذلك الكتاب، على سبيل المثال باب نوادر كتاب الصلاة. أما فيما يتعلق بحجية روايات باب النوادر، فلا يمكن اعتبارها مرادفة للشاذ. فالشاذ رواية تخالف رواية مشهورة، بينما ليست كل روايات أبواب النوادر متعارضة؛ وإذا ورد هذا الإشكال بأن المقصود بالشاذ في كلام الشيخ المفيد ليس الشاذ الاصطلاحي بل الروايات غير القابلة للعمل، فبناءً على المعلومات الموجودة، هذا الادعاء ليس مقبولاً ولا مردوداً، بل يجب دراسة كل رواية من روايات هذه الأبواب من حيث الصحة والعمل الفقهي، وهذا الأمر يتطلب بحثاً مستقلاً.

٤. حجية الروايات عند الصدوق بالنظر إلى أنواعها المختلفة

كانت درجة حجية الروايات عند الصدوق متفاوتة في كل من الموضوعات التالية:

١-٤. حجية الروايات الطبية عند الشيخ الصدوق

يعرّف الشيخ الصدوق الروايات الطبية بأنواعها: فئة منها تحتوي على أخطاء بسبب سهو الراوي، وهي غير معتبرة وغير قابلة للعمل؛ وفئة أخرى، على الرغم من صحة صدورها، ليست قابلة للعمل للجميع، لأن بعض الروايات الطبية صدرت بالنظر إلى طبيعة السائل وبصرف النظر عن بيئة حياته، وهذه الروايات قابلة للعمل فقط لأولئك الذين لديهم نفس طبيعة الراوي من المعصوم (ع)، لأنه في بعض الأحيان مع اختلاف الطبائع، لا يؤدي ذلك إلى الشفاء فحسب، بل من المحتمل أن يكون له أثر عكسي. وفئة أخرى من الروايات لم تُنقل كاملة، على سبيل المثال، الرواية التي تعتبر العسل شفاءً لكل داء، على الرغم من صحتها، إلا أنها شفاء فقط في الأمراض الناتجة عن البرد، أو أن الباذنجان شفاء في فصل الرطب ولمن يأكل التمر، وليس للجميع (الصدوق، ١٤١٤ق، ١١٥). ويقول الشيخ المفيد أيضاً في تأييد وشرح كلام الصدوق إن الأمراض والشفاء والأدوية تختلف باختلاف طبائع الناس وعاداتهم الغذائية وبيئة حياتهم (المفيد، ١٤١٤ق، ١٤٤-١٤٥). ومع ذلك، لم يعتبر الشيخ الصدوق صحة الصدور في الروايات الطبية ملازماً للعمل بها.

٢-٤. حجية الروايات التاريخية عند الصدوق

إن أدلة إثبات الإمامة ومعجزات الأئمة (ع) وجميع الموضوعات التي ينقل الصدوق من أجلها التاريخ والحكايات، قد أُثبتت بواسطة الروايات الصحيحة. وقد نظر الصدوق في آثاره إلى نقل هذه الحكايات، لا إلى صحتها جميعاً (الغفاري والمستفيد، ١٣٧٢ش، ٦٩١).

من جهة أخرى، بعض النقول التاريخية الموجودة في آثار الصدوق تحتوي على تعارضات فاحشة، ولكن الصدوق، دون الاكتراث ببعض الاختلافات والمطالب غير الصحيحة الموجودة في هذه النقول، قام بتسجيلها وضبطها في كتابه، مثل النقول التي يوردها في إثبات وفاة الإمام موسى الكاظم (ع) وعدم كونه حياً في كتاب عيون أخبار الرضا (ع) (راجع: الصدوق، ١٣٧٨ق، ١: ٩٥-١٠٨). وفيما يتعلق بعلة هذا الأمر، يجب القول: بما أن المضمون المشترك في هذه الروايات قد حقق مقصود الصدوق، فقد توصل من خلال هذه الروايات إلى رد أدلة الواقفة القائلة بحياة الإمام الكاظم (ع). وبالتالي، فإن عدم صحة التفاصيل المطروحة في هذه الروايات لم يكن مانعاً من نقلها من قبل الصدوق. لذا، يمكن القول إن الصدوق لم يكن يرى صحة جميع النقول التاريخية الموجودة في كتابه.

وفيما يتعلق بوجود روايات وأخبار غير صحيحة في كتاب كمال الدين، قيل أيضاً: «ضمن أحاديث الكتاب، توجد مضامين ضعيفة وتواريخ غير منضبطة أو مخالفة للتواريخ المتداولة بدرجات متفاوتة… وقد ذكر الشيخ الصدوق الكثير من هذه الأخبار على سبيل الاستشهاد والاستدلال بالمضامين المشتركة فيها، والتي تتحد مع الأخبار المعتبرة الأخرى… منهج الشيخ في هذا الكتاب هو أنه يعنون باباً، ويجعل هدف ذلك الباب عنوانه، وكل ما يُدرج من أخبار تحت هذا العنوان، يكون على سبيل الاستفادة لإثبات هذا العنوان، وإذا نُقل في ضمن الخبر مطالب أخرى، فهي ليست مقصودة. وفي حال وجود خبر صحيح ومعتمد لإثبات العنوان، فإن ذكر باقي الأخبار يكون ذا طابع تأييدي، وبالإضافة إلى ذلك، تؤيد الأخبار بعضها البعض إلى حد كبير في المضمون المشترك، وفي ذلك المضمون المشترك تصل إلى حد القطع والتواتر. مع أنه في كل منها قد توجد مضامين خاصة أو غير صحيحة» (كمره‌اي، ١٣٧٧ش، ٧٠).

لإثبات عقائد الشيعة، يلجأ الصدوق، بالإضافة إلى الروايات، إلى نقل الحكايات التاريخية المقبولة لدى المعاندين. ولنقض أدلة المخالفين في رد طول عمر حضرة القائم (ع)، يتمسك بحكايات طول عمر شداد بن عاد بن إرم (الصدوق، ١٣٩٥ق، ٢: ٥٥١-٥٥٢)، وحبابة الوالبية (المصدر نفسه، ٥٣٥-٥٣٧)، وحديث الخضر (المصدر نفسه، ٣٩٢)، وغيبة الدجال الطويلة وطول عمره (المصدر نفسه، ٥٢٩-٥٣٢)، وسربانك ملك الهند (المصدر نفسه، ٦٤٣). وكذلك في أمر وقوع الغيبة فيمن مضوا، ينقل حكاية مثل بوذاسف وبلوهر (المصدر نفسه، ٥٧٧-٦٣٨). ويصرح في نهاية نقوله بأن النقول المذكورة وسائر أخبار المعمرين لم تكن أساس اعتقاد الصدوق، ولكنه نقلها ليقول: إذا كان طول العمر والغيبة في الحكايات المذكورة مقبولاً لدى المعاندين، فلماذا يشكلون على الروايات الصحيحة الواردة عن رسول الله (ص) ويعتبرون أمر غيبة وطول عمر حضرة الحجة (ع) دليلاً على إنكار الغيبة؟ (المصدر نفسه، ٥٣٦-٥٣٨). في الحقيقة، أورد هذه الأخبار للاستشهاد والاستدلال لأن مضامينها تؤيد الروايات الصحيحة عند الصدوق. وفي هذه الموارد أيضاً، لم يكن نقل الصدوق التاريخي دليلاً على صحة أصل الواقعة أو صحة تفاصيلها عند المؤلف.

٣-٤. حجية الروايات الاعتقادية عند الصدوق

فيما يتعلق بتقييم حجية الروايات الاعتقادية عند الصدوق، قيل: كان الشيخ في تقييم حجية الأحاديث الكلامية يعتمد على المحتوى المتوافق مع عقائد الشيعة؛ حتى لو كانت الرواية شاذة أو في سندها ضعف مثل انقطاع السند، أو راوٍ سني، أو راوٍ ضعيف وغير معروف. ولهذا السبب، فإن الكثير من انتقادات الشيخ المفيد لمحمد بن بابويه في الاعتقادات الإمامية تعود إلى شذوذ الرواية (حسين پوري، ١٣٩٣ش، ١٠٠-١٠٢)؛ هذا القول قابل للخدش، لأنه يبدو أنه عندما يلزم المحدث نفسه بأن ينقل في كتابه الفقهي، بتقييم دقيق للحجية، الروايات الصحيحة فقط في رسالته العملية، فمن المؤكد أنه يبذل صرامة أشد في عرض العقائد.

مع ذلك، يجب القول إنه في كتب التوحيد واعتقادات الإمامية، يورد روايات يعتقد بصحتها، وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن يكون تقييم حجية هذه الروايات أقل من الروايات الفقهية. بالطبع، تجدر الإشارة إلى أنه في هذه الآثار، توجد روايات غير اعتقادية كقرينة وشاهد، والتي بسبب خروجها عن الموضوع العقائدي، لم يُلحظ فيها الأصل في الدقة في صحة الروايات (على سبيل المثال، راجع: الصدوق، ١٣٩٨ق، ٢٧٥-٢٨٢).

٤-٤. حجية الروايات التفسيرية عند الصدوق

لم يتعرض محمد بن بابويه في الروايات التفسيرية، على الرغم من وجود رواة غير إماميين وغير معروفين وسنيي المذهب، لضعف السند أبداً. وهذا يدل على أنه قبل هذه الروايات الضعيفة في مجال التفسير؛ وإلا، لكان أشار إلى ضعف السند كما في الحالات المماثلة. وبالطبع، عندما يقبل الصدوق في المباحث الفقهية بعض الروايات الضعيفة بناءً على قرائن، فإنه يقبلها في الروايات التفسيرية من باب أولى. وكذلك، لا يمكن قبول الادعاء بأن الصدوق أورد الروايات الضعيفة للتأييد، لا كدليل مستقل في تفسير الآية؛ لأنه، من جهة، لم يقل الصدوق شيئاً في هذا الصدد، ومن جهة أخرى، في بعض الموارد، تحت موضوع واحد، يورد رواية أو اثنتين فقط، وأحياناً تكون كلتاهما أو إحداهما ضعيفة، فهي إذن دليل مستقل لا تأييدي (المصدر نفسه، ٩٨-٩٩).

٥-٤. حجية الروايات الأخلاقية وروايات الفضائل عند الصدوق

غالب موضوعات كتاب الخصال والأمالي أخلاقية وبيان فضائل الأئمة (ع). تُقَيَّم المطالب الأخلاقية من وجهة نظر العقل، ويُميَّز صحتها وفسادها بمعونة العقل. وأخبار الفضائل أيضاً، عندما تأتي على لسان المخالفين، تكون مقرونة بقرينة قطعية، ولا تحتاج إلى ذلك القدر من التنقيح وتصحيح أسانيد الخبر، بل صحة ومتانة المتن تجبر ضعف السند. ولهذا السبب، نشهد حضوراً واسعاً للرواة الضعفاء والعاميين في هذه الآثار. أسانيد هذا الكتاب، وإن كانت مهمة من وجهة نظر فن الحديث وبيان كثرة أساتذة وطرق رواية المؤلف؛ إلا أنها من وجهة نظر النقد وتصحيح الأخبار المذكورة، ليست بتلك الأهمية (كمره‌اي، ١٣٧٧ق، ١: ١٤؛ الصدوق، ١٣٧٦ش، ٩). ويقول الغفاري أيضاً فيما يتعلق بحجية روايات كتاب ثواب الأعمال: «حجية السند وعدمها في مثل هذه الكتب التي موضوعها الأخلاق والآداب ليست مؤثرة إلى هذا الحد، ويكفي أن يعلم الإنسان أن الحديث ليس موضوعاً (أي مختلقاً) ليكون العمل به جائزاً. وإذا حصل له علم من أي طريق موثوق بصدور خبر عن الإمام (ع)، فسيكون حجة عليه، وصحة وسقم السند في مثل هذه الموضوعات لن يكون لهما مدخلية كبيرة» (الغفاري، د.ت، ٣).

٥. أسباب نقل الصدوق للروايات غير المعتبرة

في بعض الموارد، يصرّح الصدوق بعدم صحة الرواية التي نقلها. وفيما يتعلق بعلة نقل هذه الروايات، يطرح أسباباً:

١-٥. قوة السند

بعد نقل رواية في أحكام ‘أم الولد’ بمعنى الأمة التي تلد من سيدها (الغفاري، ١٣٦٧ش، ٦: ٢٥٨)، يقول الصدوق: «هذا الخبر ورد هكذا، وقد أوردته هنا لقوة إسناده. والأصل عندنا هو أنه بما أن أحد الوالدين حر، فالولد حر. وأحياناً يصدر كلام من الإمام بلفظ خبر، ومعناه الإنكار والحكاية عن قائليه» (الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٣٤٠-٣٤١). وبالطبع، مع جملة ‘انتهى’، لا يستبعد احتمال صحة هذه الرواية.

٢-٥. قاعدة التسامح في أدلة السنن

كانت طريقة القدماء والمتأخرين ولا تزال هي أن نظرتهم إلى الروايات تختلف باختلاف موضوع الأحاديث. وأبرز مثال على ذلك هو الروايات الاستحبابية، التي يُشار إليها بقاعدة ‘التسامح في أدلة السنن’، ونتيجتها قبول روايات «من بلغ» (على سبيل المثال، راجع: البرقي، ١٣٧١ق، ١: ٢٥؛ الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٨٧؛ الصدوق، ١٤٠٦ق، ١٣٢؛ الشهيد الثاني، ١٤٠٨ق، ٩٤). الأصل في هذا الادعاء هو أنه إذا دلت رواية ضعيفة لا تستوفي شروط حجية خبر الواحد ولا تملك صلاحية إثبات الوجوب والحرمة، على استحباب عمل أو كراهته، ولم يكن هناك احتمال للحرمة والوجوب، فإن الأمر يدور بين الاستحباب والإباحة أو الكراهة والإباحة. وبمجرد ورود مثل هذه الرواية، يمكن الحكم باستحباب أو كراهة ذلك الفعل (الرباني، ١٣٨٩ش، ٢٥٢).

ينقل الصدوق رواية عن الإمام الصادق (ع) بهذا المضمون، مفادها أنه لا توجد صلاة في شهر رمضان أكثر من سائر الشهور، ولو كانت لكان رسول الله (ص) أولى بالعمل بها. ثم يشير إلى رواية معارضة لها، وهي رواية توصي بصلاة إضافية في شهر رمضان. ويصرّح الصدوق بأن هذه الرواية منقولة عن شخصين من الواقفة، ولكنه يقول في علة نقلها: «إنما أوردت هذا الخبر، مع عدولي عنه وتركي العمل به، في هذا الباب ليعلم المخاطب بهذا الكتاب كيف يُروى ومن يرويه، ولكي يعلم اعتقادي فيه، فإني لا أرى مانعاً من العمل به» (الصدوق، ١٤١٣ق، ٢: ١٣٧-١٣٩). وبعبارة أخرى، يعتبر عدم الإشكال في العمل بالعبادات المنقولة في هذه الرواية علة لنقلها.

وكذلك، فإن العديد من روايات ثواب قراءات سور القرآن، على الرغم من أنها مروية عن الحسن بن أبي حمزة البطائني (المصدر نفسه، د.ت، ٢٤٠)، إلا أن الصدوق أوردها في ‘ثواب الأعمال’. ويمكن اعتبار هذا الأمر ناشئاً عن قبول قاعدة التسامح في أدلة السنن وأخبار ‘من بلغ’.

٣-٥. المناسبة مع موضوع الكتاب وأبوابه

نُظّمت أبواب كتاب الخصال على أساس عدد الخصال والخصائص المطروحة في الروايات. على سبيل المثال، جمع الصدوق في الباب الأول روايات تذكر خصلة واحدة وفيها العدد واحد. وهذا الأمر أدى إلى أن يذكر بعض الروايات غير الصحيحة والمخالفة لفتواه بسبب مناسبتها لأبواب الكتاب، وفي بعض الموارد نبّه إلى هذا الأمر. وكذلك، بعد نقل رواية تعد أصحاب العقبة اثني عشر رجلاً، يذكر الصدوق أن الصحيح عندنا هو أربعة عشر رجلاً. وقد نقل هذا الخبر في كتاب الخصال لأنه يحتوي على العدد اثني عشر (المصدر نفسه، ٣٩٨؛ لمزيد من الأمثلة، راجع: المصدر نفسه، ٩٤، ١٧٥).

وهذا الوجه في كتاب علل الشرائع أيضاً سبب ورود روايات في هذا الكتاب لم تكن معتبرة عند المؤلف. وقد ذكر الصدوق هذه الروايات بسبب توافقها مع عنوان الباب. على سبيل المثال، في باب علة تسمية علي (ع) بأبي تراب، ينقل رواية، ولكنه فوراً يتحدث عن عدم اعتقاده بالرواية (راجع: المصدر نفسه، ١٣٨٥ش، ١: ١٥٦).

وكذلك يقول الصدوق بعد نقل رواية في جواز دخول القبر بالموزة (الحذاء): «لم أر في خبر غير هذا الخبر أنه أجاز الدخول في القبر بالموزة. إنما أوردت هذا الخبر للعلة التي ذُكرت فيه» (المصدر نفسه، ٣٠٥). وقد قال الصدوق ضمنياً: نقلي ليس دليلاً على صحة هذه الروايات.

في كتاب معاني الأخبار، يذكر روايات يُشرح فيها معنى كلمة أو عبارة أو عبارات في الروايات. ولهذا السبب، من المحتمل أن يذكر روايات لا يعتبر محتواها معتبراً. وفي بعض المواقع، يذكر عدم حجية محتوى الرواية؛ على سبيل المثال، بعد نقل رواية تخبر عن قبر حضرة الزهراء (س) بين منبر وقبر رسول الله (ص) (المصدر نفسه، ١٤٠٣ق، ٢٦٧)، يقول: «هذا الحديث هكذا رُوي، وأنا نقلته لأجل ذكر معنى الجملة فيه، ولكن اعتقادي في موضع قبر حضرة فاطمة (س) هو رواية صحيحة حدثني بها أبي رحمه الله» (المصدر نفسه، ٢٦٨). وفي رواية أبيه، بُيّن أن موضع قبر فاطمة (س) كان في بيتها، والذي بعد توسعة المسجد أصبح داخل المسجد.

٤-٥. قبول جزء من مضمون الرواية

في آثار الصدوق، نواجه روايات صرّح فيها بعدم صحة جزء من محتواها. ومع ذلك، قبل أجزاء من الرواية بل وجعلها أساساً لفتواه. على سبيل المثال، في الحديث ٤٤٢ من كتاب من لا يحضره الفقيه، رواية «إِنَّ عَلِيّاً (ع) لَمْ يُغَسِّلْ – عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ لَا هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ وَ هُوَ الْمِرْقَالُ وَ دَفَنَهُمَا فِي ثِيَابِهِمَا بِدِمَائِهِمَا وَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمَا» (المصدر نفسه، ١٤١٣ق، ١: ١٥٨) في كيفية دفن الشهيد، والتي ورد فيها أمران: أحدهما أن الشهيد يُدفن بثيابه، والآخر أنه لا يُصلى على الشهيد. ولكن بتنبيه يذكره بعد هذا الحديث: «هَكَذَا رُوِيَ لَكِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَتْرَكَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ»، يوصل إلى أنه لا يقبل عدم الصلاة على الشهيد في الرواية المذكورة. ورغم أنه سكت عن حجية الجزء الآخر من هذا الحديث – الجزء الذي يشير إلى عدم حاجة الشهيد إلى كفن – إلا أنه يبدو أنه قبل هذا الجزء من الحديث، وهذا الأمر هو الذي دفعه إلى نقل الرواية المذكورة في هذا الكتاب. والشاهد على هذا الأمر هو الروايات ٤٤٣-٤٤٥ بعد هذه الرواية، والتي تقول إن الشهيد يُدفن بثيابه (راجع: المصدر نفسه، ١٥٩).

في عدم إثبات أفضلية الملائكة على الأنبياء (ص) والأئمة (ع)، ينقل الصدوق كلام وحكاية محمد بن بحر الشيباني المعروف بالرهني من كتابه، ولكنه مع ذلك يشكل على فقرات من هذه الحكاية (راجع: المصدر نفسه، ١٣٨٥ش، ١: ٢٧).

في حجية هذا القسم من الروايات، يرى بعض الفقهاء والأصوليين المتأخرين أنه إذا اشتملت رواية على فقرات لا تتمتع بالحجية، أي أنها ساقطة عن الاعتبار بسبب مخالفتها للقرآن أو السنة أو العقل أو الإجماع، ولا يمكن الإفتاء على أساسها، ولكن في الوقت نفسه، هناك فقرات أخرى من نفس الرواية تتمتع بالحجية ولا يرد عليها إشكال، فإن الفقرات المقبولة من تلك الرواية يمكن أن تكون أساساً لحكم فقهي. وبتعبير الأصوليين، عدم حجية فقرة من الرواية لا يسبب سقوط سائر الفقرات عن الحجية (الرباني، ١٣٨٩ش، ١٦٦-١٦٧). ويرى الغفاري أيضاً أن المحدث لم يكن يستطيع أن يتجاهل كل حديث بدا له جزء منه غير صواب واحتمل فيه الدس والتحريف في أجزائه، ويمتنع عن نقله، بل كان يبادر إلى نقله بسبب فقراته العالية والقيمة (الغفاري، د.ت، ٦٧٥).

٥-٥. عدم سريان الحكم المنقول في روايات المعصومين (ع)

لا يشكل الصدوق في صدور بعض الروايات عن المعصومين (ع)، ولهذا السبب ينقلها، ولكنه لا يسري الحكم الموجود فيها على الشيعة، بل في الحقيقة يعتبر صدور تلك الرواية لإنقاذ العامة من المآزق التنفيذية لبعض الأحكام الصادرة بينهم. في تلك الروايات، جوّز المعصوم (ع) حلاً تنفيذياً للأحكام، مطابقاً لقوانين العامة، دون أن يقبل الحكم الموجود في تلك القضية. على سبيل المثال، ينقل الصدوق رواية عن الإمام (ع) بهذا المضمون: شخص حلف في جدال مع شخص آخر أنه إذا لم يكن وزن السلسلة في رجل فلان الغلام بهذا المقدار، فزوجته طالق ثلاثاً… ولكن مولى الغلام منعه من فتح السلسلة ووزنها وقال: زوجتي طالق إذا فتحت هذه السلسلة عن الغلام. رفعوا الأمر إلى علي (ع) لحل المشكلة، فعلمهم الإمام طريقة وزن السلسلة دون فتحها (الصدوق، ١٤١٣ق، ٣: ١٧-١٨). بعد هذا النقل، على الرغم من أن الصدوق لا يشكل في صدور الرواية عن المعصوم، إلا أنه لا يسري الحكم الموجود فيها على الشيعة، ويقول: «مراد ذلك حضرت آن بود که راه رهایی از حکم کسانی که طلاق را به چنین سوگندها جایز می‌دانند به مردم بیاموزد وگرنه طلاق به قسم از اساس باطل بوده است» (المصدر نفسه، ١٨).

٦-٥. توافق الروايات المختلفة في بيان النقطة المنشودة للصدوق

ينقل الشيخ الصدوق في الباب الثامن من كتاب عيون أخبار الرضا (ع) روايات في كيفية كفن ودفن الإمام موسى بن جعفر (ع)، والتي تُلاحظ فيها تعارضات فاحشة في بعض التفاصيل (المصدر نفسه، ١٣٧٨ق، ١: ٩٥-١٠٨). ويذكر المؤلف عذره في نقل الروايات المختلفة في هذا الباب هكذا: «إنما أثبتّ هذه الأخبار في هذا الكتاب لردّ عقائد الواقفة، لأنهم يعتقدون بحياة موسى بن جعفر وينكرون إمامة حضرة الرضا (ع) والأئمة بعده (ع)، فبإثبات وفاة الإمام موسى بن جعفر (ع) تبطل عقيدتهم» (المصدر نفسه، ١٠٥). هذه الروايات، على الرغم من الاختلافات بينها، كلها تتفق على وفاة موسى بن جعفر (ع)، ولهذا السبب بادر الصدوق إلى نقلها.

مثال آخر هو الروايتان الأولى والثانية في الباب الثلاثين من كتاب علل الشرائع. هاتان الروايتان، على الرغم من التعارضات في بيان التفاصيل، تشتركان في أصل الموضوع، وهو التكبيرات السبع في بداية الصلاة (المصدر نفسه، ١٣٨٥ش، ٢: ٣٣١). وبما أن هذا الموضوع يتوافق مع اعتقاد الصدوق، فقد نقل كلتا الروايتين، ولكنه لا يعتبر كلتيهما صحيحة، لأنه لم يورد إلا الرواية الثانية في كتاب من لا يحضره الفقيه (المصدر نفسه، ١٤١٣ق، ١: ٣٠٥).

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن الشيخ الصدوق في حالات نادرة لم يذكر سبب ذكر الروايات غير المعتبرة في آثاره، وفي هذه الحالات اكتفى بالإشارة إلى عدم اعتماده على الروايات. على سبيل المثال، بعد نقل رواية تعتبر ذا القرنين نبياً (ص)، يقول الصدوق: «هذا الخبر نُقل بهذه الصورة، ولكن ما هو صحيح عندي وأعتقده في ذي القرنين هو أنه لم يكن نبياً، بل كان عبداً صالحاً محباً لله». ويستشهد لإثبات صحة كلامه برواية عن الإمام علي (ع) في هذا الشأن (المصدر نفسه، ١٣٦٢ش، ١: ٢٤٨؛ المصدر نفسه، ١٣٧٨ق، ٢: ١٦٥-١٦٦).

٦. الخاتمة

١. كان لأسلوب الآثار المختلفة تأثير على تقييم الصدوق للحجية. بالنسبة للصدوق، لم يكن عامل الحجية الأقصى مطروحاً في اختيار الروايات الموجودة في آثار مثل علل الشرائع، ومعاني الأخبار، وثواب الأعمال. عوامل اختيار أخرى، مثل المناسبة مع موضوع الكتاب، قللت من تركيز الصدوق على عامل الحجية. ولكن يمكن القول إنه في آثاره غير الفقهية، لم يكن غافلاً عن حجية الروايات، وإن لم يضمن صحتها. ومع كل هذه الأحوال، يجب القول إنه نقل روايات كانت كفة الميزان في تقييم حجيتها أثقل نحو الصحة، لأنه في كثير من الحالات في سائر آثاره، صرح بعدم صحة أو احتمال ضعف بعض الروايات. ففي الحالات التي سكت فيها عن حجية الروايات، اعتبر حجيتها قريبة من الصحة.

٢. كلام الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب من لا يحضره الفقيه يصرح باعتبار جميع الروايات الموجودة في هذا الكتاب عنده. وهذا الكلام، بالإضافة إلى الروايات المسندة، يشمل أيضاً الروايات المرسلة والروايات الموجودة في أبواب النوادر.

٣. لقد أخذ الشيخ الصدوق في اختيار الروايات في موضوعات مختلفة معايير بعين الاعتبار. فملاك حجية الروايات في موضوعات مثل الفقه والعقائد كان ذا أهمية كبيرة في اختياراته. ولكن يبدو أن تقييمه للحجية في سائر الموضوعات الروائية كان مختلفاً، ولم يكن عامل الحجية هو المعيار الأول للاختيار. على سبيل المثال، لم يعتبر لبعض الروايات الطبية حجية عملية؛ ونظر إلى الروايات التاريخية كقضية تاريخية؛ واعتبر روايات المستحبات وثواب الأعمال قابلة للعمل بها وفقاً لقاعدة التسامح في أدلة السنن؛ وأعطى الأولوية لحجية المحتوى في الروايات الأخلاقية.

٤. في بعض الحالات، بادر الصدوق إلى نقل الرواية على الرغم من تحققه من عدم حجيتها أو قوة احتمال ذلك. ويشير في معظم الحالات إلى سبب ذلك. وفي الحالات التي يجد فيها الرواية قوية من حيث السند، على الرغم من عدم الإفتاء على أساسها، لا يترك نقلها ويحاول إعادة بناء حجية الحديث باحتمالات مثل تغيير دلالة الحديث. وفي الأمور الاستحبابية، يعتبر مثل هذه الروايات قابلة للعمل بها وفقاً لقاعدة أدلة السنن ويعتبر الثواب عاملاً لها. كما نقل بعض الروايات بسبب مناسبتها لأبواب وموضوع الكتاب. وفي بعض الحالات، بادر إلى نقل الرواية غير المعتبرة بسبب صحة جزء منها. وفي حالات أخرى، على الرغم من تصريحه بعدم صحة التفاصيل المطروحة في الرواية، فقد اعتبر الأصل الموضوعي الذي صدر الحديث بشأنه معتبراً ومقبولاً لديه، فنقل تلك الروايات حتى مع وجود الاختلافات. وفي حالات أخرى أيضاً، مع وجود عدم صحة الحكم الموجود في الرواية، لم ينفِ صدورها.

المصادر والمراجع

البحراني، المحقق، الحدائق الناضرة، قم، النشر الإسلامي، د.ت.

البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، تحقيق: جلال الدين المحدث، قم، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١ق.

البهبهاني، وحيد، الفوائد الرجالية، د.م، د.ن، د.ت.

الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع)، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٠٩ق.

الحسيني، علي رضا، «كيفية ارتباط مشيخة الفقيه بأسنادها»، حديث وانديشه، ١٣٨٣ش، العدد ٩ و ١٠، صص ١١٣-١١٨.

الرباني، محمد حسن، دراسة اعتبار الأحاديث المرسلة، قم، مؤسسة بوستان كتاب، ١٣٨٩ش.

السبحاني، جعفر، كليات في علم الرجال، قم، النشر الإسلامي، ١٤١٤ق.

الشهيد الثاني، زين الدين، الرعاية في علم الدراية، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال، قم، مكتبة آية الله المرعشي، ١٤٠٨ق.

الشوشتري، محمد تقي، قاموس الرجال، قم، النشر الإسلامي، ١٤١٠ق.

الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، النشر الإسلامي، ١٣٦٢ش.

ــــــــ الأمالي، طهران، كتابجي، ١٣٧٦ش.

ــــــــ عيون أخبار الرضا (ع)، تحقيق: مهدي لاجوردي، طهران، نشر جهان، ١٣٧٨ق.

ــــــــ علل الشرائع، قم، كتابفروشي داوري، ١٣٨٥ش.

ــــــــ كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق: علي أكبر غفاري، طهران، إسلامية، ١٣٩٥ق.

ــــــــ فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق: غلام رضا عرفانيان يزدي، قم، كتابفروشي داور، ١٣٩٦ق.

ــــــــ التوحيد، تحقيق: هاشم حسيني، قم، النشر الإسلامي، ١٣٩٨ق.

ــــــــ معاني الأخبار، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، النشر الإسلامي، ١٤٠٣ق.

ــــــــ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم، دار الشريف الرضي، ١٤٠٦ق.

ــــــــ كتاب من لا يحضره الفقيه، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، النشر الإسلامي، ١٤١٣ق.

ــــــــ اعتقادات الإمامية، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٤ق.

الطالقاني، حسن، أبحاث في مدرسة قم الكلامية، جمع من المؤلفين بإشراف محمد تقي سبحاني، بجهود معهد كلام أهل البيت (ع)، قم، دار الحديث، ١٣٩٥ش.

الطوسي، محمد بن حسن، الفهرست، النجف، المكتبة المرتضوية، د.ت.

الغروي النائيني، نهلة ونيره جاويداني، «نظرة إلى منهج تدوين السند في كتاب من لا يحضره الفقيه»، دراسات إسلامية، ١٣٨٦ش، العدد ٦٨، صص ٨٧-١١٦.

الغفاري، علي أكبر، دراسات في علم الدراية: تلخيص مقباس الهداية، طهران، جامعة الإمام الصادق (ع)، ١٣٦٩ش.

ــــــــ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال لمحمد بن علي بن بابويه، طهران، صدوق، د.ت.

ــــــــ ؛ حميدرضا مستفيد، ترجمة عيون أخبار الرضا (ع) لمحمد بن علي بن بابويه، طهران، نشر صدوق، ١٣٧٢ش.

ــــــــ ؛ محمد جواد بلاغي، كتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن بابويه، طهران، نشر صدوق، ١٣٦٧ش.

الفيض الكاشاني، محمد حسن، الوافي، أصفهان، مكتبة إمام أمير المؤمنين (ع)، ١٤٠٦ق.

كمره‌اي، محمد باقر، الخصال لمحمد بن علي بن بابويه، طهران، كتابجي، ١٣٧٧ش.

الكني، ملا علي، توضيح المقال في علم الرجال، تحقيق: محمد حسين مولوي، قم، دار الحديث، ١٣٧٩ش.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ق.

المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين، تحقيق: حسين موسوي كرماني وعلي پناه اشتهاردي، قم، مؤسسة فرهنگي إسلامي كوشانبور، ١٤٠٦ق.

المفيد، محمد بن محمد، تصحيح اعتقادات الإمامية، تحقيق: حسين درگاهي، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٤ق. ألف.

ــــــــ جوابات أهل الموصل، تحقيق: مهدي نجف، بيروت، دار المفيد، ١٤١٤ق. ب.

الميرداماد، محمد باقر، الرواشح السماوية، تحقيق: غلام حسين قيصريه‌ها ونعمت الله جليلي، قم، دار الحديث، ١٤٢٤ق.

ناصح، علي أحمد، زهرا معارف ومحمد تقي دياري بيدگلي، «دراسة منهج فقه الحديث للشيخ الصدوق في الترتيب الهندسي لروايات الثقلين»، حديث پژوهي، السنة العاشرة، ١٣٩٧ش، العدد ١٩، صص ٢٢٧-٢٥٠.

النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، تحقيق: موسى شبيري زنجاني، قم، النشر الإسلامي، ١٤٣٩ق.

الهوامش

١. خريجة دكتوراه في علوم القرآن والحديث من جامعة مازندران.

٢. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة مازندران.

٣. أستاذ في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة مازندران.

٤. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة مازندران.

٥. على سبيل المثال، وجود رواة مثل جهيم بن أبي جهم (النجاشي، ١٤٣٩ق، ١٣١؛ الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٥٨)، وحكم بن حكيم أبو خلاد الصيرفي (النجاشي، ١٤٣٩ق، ١٣٧؛ الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٢٨)، وعمر بن يزيد (الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٢٥؛ الطوسي، د.ت، ٣٢٤)، ومحمد بن قيس البجلي (الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٨٦؛ الطوسي، د.ت، ٣٢٣)، والنضر بن سويد (الصدوق، ١٤١٣ق، ٤: ٤٩٥، ٤٩٦؛ الطوسي، د.ت، ٤٨١) في بداية أسانيد كتاب من لا يحضره الفقيه يمكن أن يشير إلى أخذ الرواية من كتب هؤلاء الرواة.

٦. على سبيل المثال، يمكن ذكر حماد النواء (الصدوق، ١٤١٣ق، ٢: ٣٣٤)، وإدريس بن هلال (المصدر نفسه، ٢: ١١٦)، وعلي بن بجيل (المصدر نفسه، ١: ٢٧١)، وإسماعيل بن عيسى (المصدر نفسه، ٤: ٤٤٨).

Scroll to Top