ملخص
في مسألة إثبات هلال الشهر القمري، وهي من المسائل المثيرة للتحدي، يرى أكثر الفقهاء، استناداً إلى ظاهر الأدلة، أن الرؤية الحسية هي المعيار الوحيد. هذا في حين أنه مع الاكتشافات العلمية الجديدة، يمكن تحديد وقت ولادة القمر بدقة ويقين. تسعى هذه المقالة، من خلال المنهج التحليلي والاستفادة من المصادر المكتبية، إلى تحدي الرأي المشهور وكفاية الرؤية الحسية، وإثبات حجية الحسابات القطعية لولادة القمر وتوافقها مع الآيات والروايات. يعتقد الكاتب أن الشارع لم يقدم تعريفًا جديدًا للظرف الزماني للتكليف (الشهر)، وإنما عرّف الرؤية بأنها الطريق الأكثر تعارفًا لليقين بثبوت الهلال. كما أن نفي الطرق المنافسة للرؤية كان بسبب عدم حجية الظن والتخمين. يتناول هذا البحث، بعد طرح المباحث التمهيدية، إعادة قراءة الأدلة وتقييم أهم الإشكالات على نظرية ولادة القمر.
المقدمة
تُعد مسألة إثبات هلال الشهر القمري ورؤية الهلال من المسائل المهمة والمثيرة للتحدي في الفقه منذ القدم. وقد بيّن الفقهاء على مر القرون المتتالية زوايا متنوعة من هذا البحث، وساهم كل منهم في إيضاحه. ومع ذلك، لا تزال هناك زوايا خفية وإبهامات وتساؤلات حول آراء الفقهاء في هذا المجال.
من المباحث المطروحة في هذا المجال، والتي تُعتبر إلى حد ما من المسائل المستحدثة ولم يتم التطرق إليها كثيرًا، هي مسألة إثبات الشهر القمري عن طريق الحساب القطعي لولادة القمر. على الرغم من أن الفقهاء الماضين لم يُبدوا قبولًا للمنجمين وأهل الحساب في إثبات الهلال، إلا أنه مع التقدم العلمي وما أثمر عنه من منجزات بشرية جديدة، يُطرح هذا السؤال بقوة أكبر مجددًا: هل يمكن، من خلال إعادة النظر في الأدلة مع الحفاظ على الأطر الفقهية، إثبات حجية الحسابات القطعية لولادة القمر؟
النقطة الأساسية هي أن الحسابات في الماضي لم تكن يقينية، وبسبب كثرة الأخطاء، لم تكن موضع ثقة. فهل اليوم، حيث أصبحت الحسابات الرياضية والفلكية دقيقة إلى حد لا تترك مجالًا لأي شك أو تردد، لا يمكن أيضًا الاعتداد بها؟
تتضح ضرورة هذا البحث أكثر عند الأخذ في الاعتبار أن نظرية إثبات الشهر القمري عن طريق الحسابات القطعية أو الاطمئنانية لولادة القمر هي النظرية الأكثر فعالية في رفع الخلافات والنزاعات وحل مشكلات رؤية الهلال. فبقبول هذه النظرية، يكون أول الشهر وعيد الفطر متطابقًا في جميع أنحاء الكرة الأرضية، ولا يظهر أي تفاوت أو اختلاف بين أي من البلدان في أقصى نقاط العالم. هذه المسألة لا توضح تكليف الصوم فحسب، بل ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتكاليف ومناسبات دينية أخرى مثل أعمال الحج، ودية الأشهر الحرم، وليلة القدر، وغيرها.
بالنظر إلى ظواهر الأدلة، وخاصة الروايات، يميل مشهور الفقهاء إلى نظرية الرؤية بالعين المجردة (الرؤية الحسية). في هذا البحث، يتم تحدي رأي المشهور من خلال دراسة الاحتمالات والأسئلة التالية:
أ) هل لرؤية الهلال موضوعية، أم أنها مجرد طريق لتحصيل اليقين بثبوت الشهر؟
ب) هل المعيار الحقيقي لوجوب الصوم هو ثبوت الشهر الواقعي أم الشهر الشرعي؟ (إذا كانت مثل هذه الحقيقة الشرعية موجودة بشأن الشهر). أساسًا، هل عرّف الشرع ظرفًا زمنيًا جديدًا للصوم أم أنه أحال إلى الشهر الواقعي؟ وما هو موقع الفهم العرفي في هذه المسألة؟
ج) مسألة حجية رؤية الهلال وتأثيرها في التكاليف المتوقفة على ثبوت الشهر القمري، هل هي حكم تأسيسي أم إمضائي؟
يكمن اختلاف هذا البحث عن الدراسات السابقة في مجال حجية الحسابات، ومنها مقال «اعتبار قول الهيوي في رؤية الهلال» (مختاري، 1388، ج1، ص73)، في أن تلك الدراسات تناولت حجية الحسابات في إثبات قابلية الرؤية ودافعت عنها؛ بينما يسعى هذا البحث إلى دراسة وإثبات نظرية إثبات الهلال عن طريق الحسابات القطعية لولادة القمر، بالاعتماد على الاستدلالات الفقهية. يتكون هيكل المقال من مقدمة، ومفاهيم، وأقوال، وثلاثة أقسام رئيسية تشمل دراسة الآيات، ودراسة الروايات، وتقييم ونقد إشكالات هذه النظرية، وقد تم الاستفادة من المنهج التحليلي-الاجتهادي باستخدام المصادر المكتبية.
1. دراسة المفاهيم
قبل الدخول في صلب البحث، نوضح بإيجاز مفاهيم «ولادة القمر»، «الشهر»، و«الهلال»:
1-1. ولادة القمر
تُعرف ولادة القمر أو الولادة الظاهرية للقمر باللحظة التي يخرج فيها القمر من المحاق وتحت الشعاع، حيث يبدأ الشهر الجديد والحديث من تلك اللحظة. تحدث ولادة القمر بعد لحظة الاقتران التي يكون فيها القمر تحت شعاع الشمس وغير قابل للرؤية على الإطلاق (فاضل لنكراني، 1400ق، ص 14). من لحظة ولادة القمر حتى الساعة التي يمكن رؤيته فيها بالعين المسلحة، يستغرق الأمر من ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة، وحتى الوقت الذي يمكن فيه رؤيته بالعين المجردة، يستغرق الأمر ثماني عشرة ساعة على الأقل. لذلك، تحدث ولادة القمر عادةً قبل ليلة واحدة، وأحيانًا ليلتين، من الرؤية الحسية للهلال (راجع: مختاري، 1388، ج 5، ص 35 – 39).
1-2. الشهر
الشهر في اللغة يعني الشهر القمري الذي يضم 29 أو 30 يومًا. يقول بعض اللغويين إن أصل كلمة «شهر» هو «هلال»، ثم أُطلقت على الشهر بأكمله (ابن فارس، 1404ق، ج3، ص322). ولعل هذا هو السبب في أن أصل الشهر هو «الشهرة» و«الظهور»؛ إذ أُشير في وجه تسمية الهلال أيضًا إلى البروز والظهور (ابن الأثير، 1367، ج2، ص515). يعتقد الراغب الأصفهاني أن الشهر يُطلق على مدة معلومة تبدأ من هلال وتنتهي بهلال آخر (راغب الأصفهاني، 1412ق، ج1، ص468). يعتقد البعض أنه مقابل الشهر العرفي والواقعي، يوجد شهر شرعي حدد الشارع بدايته ونهايته بالرؤية؛ ولكن كما سيأتي، يبدو أن الشرع المقدس لم يتصرف في معنى الشهر واعتبر نفس المعنى اللغوي والعرفي معيارًا له. وقد صرح آية الله الخوئي بهذا الأمر (الخوئي، 1418ق، ج22، ص60). كما أن المحقق القمي يعتبر المعنى العرفي هو الملاك ولا يرى حقيقة شرعية للشهر (ميرزاي قمي، 1417ق، ج5، ص318). بالطبع، كلا الفقيهين يعتبران المعنى العرفي من الرؤية إلى الرؤية، وفي هذا الصدد يوجد شك وتأمل جدي سيأتي الحديث عنه لاحقًا.
1-3. الهلال
يُطلق الهلال في اللغة على الحالة الأولية للقمر. من وجهة نظر بعض اللغويين، منذ بداية تكون شكل القمر، يكون اسمه هلالًا (راغب الأصفهاني، 1412ق، ج1، ص843. ابن منظور، 1404ق، ج11، ص702). وقد أراد البعض، مثل آية الله الخوئي، إضافة قيد قابلية الرؤية إلى معنى الهلال (الخوئي، 1418ق، ج22، ص61)، والذي يبدو أن هذا القيد لا شاهد لغوي له.
2. آراء فقهاء الشيعة في إثبات الهلال
في مسألة الهلال وإثبات الشهر شرعًا، توجد أربع نظريات واحتمالات:
2-1. نظرية الرؤية الحسية
يعتقد مشهور الفقهاء من المتقدمين إلى المتأخرين أن هلال الشهر القمري يُثبت فقط عن طريق الرؤية بالعين المجردة، والأدوات الجديدة مثل التلسكوب والحسابات الفلكية لا حجية لها في إثبات ولادة القمر. أهم دليل للمشهور هو ظاهر الروايات التي صرحت برؤية الهلال. تعتقد هذه الفئة أن الرؤية تنصرف إلى الرؤية الحسية ولا تشمل الرؤية بالعين المسلحة. كما أن ولادة القمر لا حجية لها أساسًا؛ لأن الشهر الشرعي يتحقق ويثبت بالرؤية (القمي، 1415ق، ص179. الطوسي، 1407ق «ب»، ج2، ص169. الحلي، 1408ق، ج1، ص181. الحلي، 1414ق، ج6، ص117. الخميني، د.ت، ج2، ص638).
2-2. نظرية الرؤية التقديرية
يعتقد جمع من الفقهاء<sup>2</sup> أن معيار إثبات الهلال ليس فقط الرؤية الحسية؛ بل يثبت الشهر الجديد أيضًا بقابلية الرؤية بالعين المجردة. فمثلًا، إذا لم تكن رؤية الهلال بالعين المجردة ممكنة بسبب وجود مانع مثل السحاب، ولكن ثبت من طرق تبعث على الاطمئنان -حتى مثل الحسابات- أن قابلية الرؤية بالعين المجردة كانت موجودة، فيمكن على هذا الأساس الصوم. من وجهة نظر هذه المجموعة، لا حجية للعين المسلحة ولا لولادة القمر (الخوئي، 1418ق، ج22، ص61. بهجت، 1426ق، ص631).
2-3. نظرية الرؤية بالعين المسلحة
في مقابل المشهور، يعتقد بعض المعاصرين<sup>3</sup> أن أول الشهر القمري يثبت بالاستهلال بالأدوات الجديدة مثل الكاميرات القوية والتلسكوب والوسائل الأخرى. وقد قبل أتباع هذه النظرية هذا الأمر على أساس إطلاق الرؤية في الروايات وعدم قبول انصرافها. بعض الأدلة التي سنذكرها في هذا المقال لإثبات نظرية ولادة القمر، تصلح أيضًا لنظرية العين المسلحة (فاضل لنكراني، 1400، ص13. الخامنئي، 1424ق، ص173).
2-4. نظرية ولادة القمر
لم تجد هذه النظرية بعد مكانة كرأي فقهي بين الفقهاء كفتوى؛ لكن بعض المجتهدين المعاصرين يميلون إليها<sup>4</sup> (فاضل لنكراني، 1400، ص125). على أساس هذه النظرية، بإثبات ولادة القمر عن طريق الحسابات القطعية أو الاطمئنانية، يثبت هلال الشهر وأحكامه الشرعية.
3. دراسة الآيات المستدل بها في إثبات هلال الشهر القمري
3-1. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: 189)
مدلول الآية 89 من سورة البقرة هو أنه عندما سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن الأهلة، أجابهم الله: «قل لهم إنها مواقيت للناس وللحج». سعى المفسرون للإجابة عن إبهامين وسؤالين حول هذه الآية:
أ) ما هو سؤال السائلين في هذه الآية تحديدًا؟
ب) كيف يكون الهلال، وهو الحالة الأولية للقمر، ميقاتًا وظرفًا زمنيًا؟
في الإجابة عن السؤال الأول، يمكن لشأن النزول أن يكون مفيدًا. يكتب المرحوم الطبرسي أن اليهود كانوا يسألون عن فلسفة خلق الأهلة فنزلت هذه الآية (الطبرسي، 1395، ج2، ص283). يعتقد الشيخ الطوسي أن السؤال كان عن حال ووضع الهلال وحكمة زيادته ونقصانه (الطوسي، د.ت، ج2، ص141). أكد بعض المفسرين على الإجابة الواردة في الآية لكشف السؤال؛ فبناءً على رأي الفخر الرازي، بالنظر إلى الجواب، كان السؤال عن فائدة وحكمة تغير الأهلة (فخر الرازي، 1420ق، ج2، ص281). العلامة الطباطبائي يعتبر ذكر الأهلة (التي جاءت بصيغة الجمع) دليلًا على أن السؤال ليس عن ماهية وحقيقة القمر؛ بل مورد السؤال هو فائدة وسبب تغيرات القمر (الطباطبائي، 1393ق، ج2، ص55).
وهناك احتمال آخر وهو أن السؤال أساسًا لا علاقة له بالحكم الشرعي، وبناءً على السؤال، فإن الجواب أيضًا ليس في مقام بيان حكم شرعي؛ بل يبين فائدة وحكمة الهلال.
أما السؤال الثاني فقد دفع المفسرين إلى افتراض تأويل وتقديرات للآية؛ لأنه يمكن التصديق بوضوح أن الهلال، وهو حالة من حالات القمر، لا يمكن أن يكون ظرفًا زمنيًا. من وجهة نظر بعض المفسرين، فإن تغيرات الأهلة وزيادتها ونقصانها هي مواقيت لأعمال الناس. ويؤيد هذا القول ذكر الأهلة بصيغة الجمع (الطبرسي، 1412ق، ج1، ص107). وهناك احتمال آخر وهو أن جمع الأهلة ناظر إلى أهلة الشهور المختلفة؛ بعبارة أخرى، هلال كل شهر هو ميقات للحج والأمور الأخرى (فاضل لنكراني، 1400ق، ص133).
3-1-1. تقريب استدلال آية الله السيستاني وآية الله الشبيري
من بين الذين يعتبرون الاستدلال بهذه الآية كافيًا لإثبات نظرية الرؤية الحسية ونفي نظرية العين المسلحة، آية الله السيستاني وآية الله الشبيري؛ على الرغم من أن استدلالهما منظم لرد نظرية العين المسلحة، إلا أنه بطريق أولى ينفي نظرية ولادة القمر أيضًا.
يعتقد آية الله السيستاني أن الله جعل الأهلة «مواقيت للناس»، وهذا يدل على أن رؤية الهلال هي المعيار الشرعي الوحيد لإثبات الشهر القمري. يستند استدلاله إلى أن الهلال جُعل ميقاتًا للناس، فيجب أن يكون الملاك بحيث يتمكن عامة الناس من خلاله تحديد الشهر، وهذا ينحصر في الرؤية الحسية؛ لأنها الملاك الوحيد المتاح لجميع الناس (راجع: السيستاني، 1398). ويؤكد آية الله الشبيري الزنجاني أيضًا على هذه النقطة (الزنجاني، 1419ق، ص214).
3-1-2. نقد استدلال آية الله السيستاني وآية الله الشبيري
يمكن مناقشة هذا الاستدلال من عدة وجوه:
1. على فرض قبول أن الرؤية هي المقصودة في الآية، فإن الآية الشريفة في صدد بيان أن رؤية الهلال معتبرة للأمور الدنيوية والشرعية مثل الحج؛ ولكنها لا تنفي الطرق الأخرى مثل العين المسلحة والحسابات الفلكية. في الحقيقة، الآية الشريفة تمضي الطريقة التي كانت شائعة بين الناس في الماضي، ولا تتضمن حكمًا تعبديًا. فإثبات الهلال ليس ممكنًا فقط عن طريق الرؤية، بل ممكن بطرق أخرى أيضًا. في الواقع، رؤية الهلال طريق لإثبات الشهر وليست لها موضوعية. على الفرض الذي تعتبر فيه هذه الآية الرؤية هي الملاك – لأنه لا يوجد حصر في الآية ولا تنفي الملاكات الأخرى – لا يمكنها رد النظريات المنافسة لها.
2. أن يعتبر آية الله السيستاني وآية الله الشبيري تعبير «للناس» شاهدًا على أن طريق الإثبات يجب أن يكون عامًا وأن هذا منحصر في الرؤية الحسية، ليس صحيحًا؛ لأن الطرق الأخرى مثل العين المسلحة والحسابات الفلكية، بسبب أن منفعتها للناس، يمكن أن تكون مصداقًا لما هو للناس؛ بعبارة أخرى، ليس من الضروري أن يقوم الناس بالتشخيص بأنفسهم مباشرة؛ بل إذا أثبتت مجموعة خاصة الهلال من طرق أخرى، فإن ذلك أيضًا يستخدمه عامة الناس بشكل ما (راجع: سروش محلاتي، 1399).
3. بالنظر إلى سياق الآية وترتيبها، وأن المواقيت التي هي للناس وُضعت إلى جانب مسألة الحج التي هي أمر شرعي، يمكن استنتاج أن الرؤية وحدها ليست مقصودة في الآية الشريفة؛ لأن الناس في أعمالهم العادية، مثل الديون والأسفار، لا يعتبرون الرؤية ملاكًا، والآية ناظرة إلى العرف السائد بين الناس. يعتبر الفاضل المقداد «مواقيت» بمعنى ميزان لأمور الناس العادية والعبادية (فاضل المقداد، 1425ق، ص194).
3-1-3. التقريب الثاني للاستدلال بالآية ودراسته
استدلال آخر يمكن طرحه هو أن الهلال في أصل اللغة من مادة «هلل» بمعنى البروز والظهور (الجوهري، 1376ق، ج5، ص1851)، وما لم يكن القمر قابلًا للرؤية، لا يمكن تسميته هلالًا؛ ونتيجة لذلك، فإن طرق إثبات الهلال الواقعي الأخرى مرفوضة من وجهة نظر الآية.
نقد: في الجواب يجب القول إنه صحيح أن أحد معاني مادة «هلل» هو البروز والظهور؛ لكن هذا لا يسبب تضييقًا في معنى الهلال؛ لأن هذا من قبيل وجه التسمية، ووجه التسمية غير قابل للاستدلال والتعميم؛ بالإضافة إلى أن الكثير من اللغويين فسروا الهلال بمعنى أول الشهر ولم يدخلوا فيه البروز والظهور (ابن منظور، 1414ق، ج11، ص702).
3-1-4. انسجام الآية الشريفة مع نظرية ولادة القمر
في النهاية، يمكن طرح هذا الاحتمال وهو أنه دون أن يتصرف الشارع في معنى الهلال، فإن الهلال له ظهور في الهلال الواقعي، والهلال الواقعي هو الذي يتحقق في السماء؛ حتى لو لم يكن قابلًا للرؤية بالعين المجردة؛ ونتيجة لذلك، إذا ثبت الهلال الواقعي من طريق آخر، يثبت الشهر القمري، وبالتالي أحكام الشهر القمري الشرعية مثل الصوم والحج (راجع: سروش محلاتي، 1399). على الرغم من أن هذا الاحتمال غير متعين، إلا أنه بالنظر إلى ما سبق، فإن الآية لا تخرج عن حالتين: إما أنها ليست في صدد بيان حكم شرعي أساسًا، وتبين فائدة وحكمة تغير الأشهر، أو إذا كانت في صدد بيان حكم شرعي وتعتبر الهلال معيارًا، فإنها لا تبين طريق إثباته. بالطبع، إلى جانب الرؤية الحسية، فإن الرؤية بالعين المسلحة أو الحسابات الفلكية القطعية لولادة القمر يمكنها أيضًا إثبات الهلال الواقعي.
3-2. (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185)
معنى الآية 185 من سورة البقرة هو: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه». «الشهود» في اللغة يعني الحضور والشهادة. وقيل عن «الشهر» إن أصل هذه الكلمة غير عربي أو مأخوذ من «الشهرة» بمعنى الانتشار (الفيومي، د.ت، ج2، ص325). أراد البعض بناءً على هذه الآية تقوية نظرية الرؤية الحسية؛ بينما بالنظر إلى دراسة الاحتمالات التي ستأتي، لا يُستفاد مثل هذا الشيء من الآية؛ بل يمكن القول إن الآية تدل على خلاف ذلك. في تفسير الآية، توجد عدة احتمالات ندرسها:
1. الشهادة في هذه الآية بمعنى الحضور؛ أي كل من يكون حاضرًا عند دخول الشهر، يجب عليه أن يصوم.
على الرغم من أن بعض المفسرين قد طرحوا هذا الاحتمال (الطوسي، د.ت، ج2، ص122)؛ إلا أنه لا يبدو احتمالًا وجيهًا؛ لأن ذكر هذا الأمر لا فائدة ولا نكتة فيه. لا يخفى على أحد أن الذين هم حاضرون في هذا الشهر ولم يغادروا الدنيا، يجب عليهم الصوم؛ إلا أن يكون المراد تعميم الحكم؛ أي أن الآية تسعى إلى إزالة كل عذر وذريعة لعدم الصوم باستثناء الحالات المذكورة في الآية. على أي حال، بناءً على هذا الاحتمال، لا توجد في الآية أي دلالة على كيفية إثبات الشهر شرعًا.
2. مقصود الآية هم الذين يقيمون في البلد، حاضرون، وقادرون على الصوم؛ في الواقع، هذا التعبير يستثني المسافرين والمرضى (الزمخشري، 1407ق، ج1، ص228. الطبرسي، 1412ق، ج1، ص104. الأردبيلي، د.ت، ج1، ص222).
هذا الاحتمال أيضًا لا يتوافق مع المعنى اللغوي للشهادة والشهود ولا توجد قرينة عليه؛ فمن تتمة الآية التي تقول: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: 185)، يُفهم هذا المطلب بالضبط، والجملة الثانية هي بمثابة استثناء من الجملة الأولى، لا تأكيد وتبيين لها (الطباطبائي، 1393ق، ج2، ص24 و247). لذلك، فإن هذا الاحتمال أيضًا لا علاقة له بإثبات الشهر وكيفيته الشرعية.
3. «الشهود» بمعنى الرؤية، والمراد من «الشهر» هلال الشهر؛ لأن الشهر في أصل اللغة بمعنى الظهور؛ ولذلك سموا الهلال شهرًا (الثعالبي، 1418ق، ج1، ص380)؛ ونتيجة لذلك، تؤكد الآية بوضوح على حجية رؤية الهلال لوجوب الصوم؛ حتى يمكن الادعاء بأن شهود الشهر يعني الرؤية الحسية؛ لأن كلًا من الشهود والشهر في اللغة، يتضمنان الوضوح والظهور.
هذا الاحتمال أيضًا مردود؛ لأن أولًا، الشهر لا يستخدم بمعنى الهلال، ولكي يكون مجازًا يحتاج إلى قرينة؛ ثانيًا، كلمة «الشهر» في الآية هي مفعول فيه؛ لأنه بعد قوله «فليصمه»، يُبيّن حكم المريض والمسافر؛ بينما المسافر أيضًا شاهد بمعنى ما؛ ثالثًا، الظهور والوضوح ليسا متضمنين في معنى الشهر، بل هو وجه تسميته، ولا يمكن الاستناد إلى وجه التسمية؛ لأنه بعد التسمية، لا يكون لذلك الوجه استخدام آخر في الاستعمال.
4. شهادة الشهر بمعنى الحضور مع العلم بدخول الشهر، ولا علاقة لها بالرؤية؛ بل العلم بالشهر هو الملاك (الطباطبائي، 1393ق، ج2، ص24).
يبدو أن هذا الاحتمال أكثر انسجامًا مع المعنى اللغوي للشهود والشهر؛ بناءً على هذا الاحتمال، إما أن نقول إن الآية ليست في مقام بيان طريق إثبات الهلال على الإطلاق، وتبيّن مسألة العلم بدخول الشهر بشكل عام، أو أنها في مقام البيان ويمكن حتى الاستناد إليها كدليل للقائلين بنظرية ولادة القمر. بالنظر إلى أن الأصل في الشهر هو أن المراد به الشهر الحقيقي (الذي يبدأ من وقت ولادة القمر) وليس لدينا دليل على أن الشارع تصرف في معنى الشهر؛ فإذا علم شخص بطريق ما بدخول الشهر وحلول الشهر الواقعي، مثل الرؤية بالعين المجردة أو في حال الإمكان بالعين المسلحة أو حتى عن طريق الحسابات القطعية لولادة القمر -حتى لو لم يكن قابلًا للرؤية- فإنه يصبح مصداقًا لـ (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185) – لأن معنى الشهادة هو العلم – ويجب عليه أن يصوم. على هذا الأساس، هذه الآية لا تدل بأي حال من الأحوال على مبدأ الرؤية الحسية، بل بناءً على الاحتمال الأقوى يمكن أن تكون دليلًا على حجية نظرية ولادة القمر أو العين المسلحة.
4. دراسة الروايات المستدل بها في إثبات هلال الشهر القمري
إن ما دفع المشهور أكثر من أي شيء آخر إلى الإصرار على نظرية الرؤية الحسية ونفي حجية نظرية الحسابات الفلكية لإثبات ولادة القمر أو العين المسلحة، هو التعابير الواردة في بعض الروايات. لسهولة الدراسة والاختصار، نقسم هذه الروايات إلى عدة فئات، وفي كل فئة، ضمن ذكر نموذج من الروايات، ندرس هذه الروايات سندًا ودلالةً لتتضح إمكانية طرح احتمالات أخرى حولها.
4-1. روايات طريقية الرؤية لليقين ونفي الظن
في بعض الروايات، جُعل ملاك وجوب الصوم في بداية الشهر والإفطار في نهايته، هو رؤية ومشاهدة الهلال. يعتقد معارضو نظرية الحسابات الفلكية بناءً على هذه الروايات أن إثبات الشهر من طريق غير الرؤية معيب؛ لأنه في هذه الروايات يوجد التعبير الشائع «صم للرؤية وافطر للرؤية»، والذي من وجهة نظر المعارضين، بجعل الرؤية ملاكًا، تُنفى الطرق الأخرى.
الإشكال الذي يواجه هذا الاستدلال هو أن أقصى ما يُفهم من هذه الروايات هو حجية الرؤية؛ أما أن الرؤية هي الملاك الوحيد ولا يوجد طريق آخر، فلا يُستفاد من هذه الروايات. نحن لا ننكر أن هذه الروايات في صدد نفي أمر ما في مقابل الرؤية؛ ولكن ما يُنفى ليس بالضرورة الحسابات القطعية الفلكية. أساسًا، لا يُستفاد حصر طرق إثبات الهلال في الرؤية من هذه الروايات؛ لأن الفقهاء يقبلون أيضًا طرقًا مثل حكم الحاكم، ومضي ثلاثين يومًا، والشياع. إذن لا يمكن القول إن هذه الروايات تنفي أي طريق غير الرؤية.
الآن ندرس بعض هذه الروايات:
4-1-1. صحيحة أبي أيوب الخزاز
يقول أبو أيوب الخزاز: «سألت الإمام الصادق (عليه السلام) كم يكفي من الناس في رؤية الهلال؟ فقال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدوها بالظن، وليس رؤية الهلال أن يقوم الجماعة، فيقول واحد: قد رأيته، ويقول مائة: لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا تجوز في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علة شهادة أقل من خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من المصر»<sup>5</sup> (الطوسي، 1407ق، ج4، ص160).
التعبير الجدير بالاهتمام والمفيد في هذه الرواية هو عبارة «فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي» التي تغلق باب كل اعتماد على الظن والتخمين. على هذا الأساس يمكن استنتاج أن الملاك هو اليقين بحلول الشهر ويجب تجنب الطرق الظنية. من هذا البيان يتضح وجه حجية الرؤية أيضًا، حيث إن الرؤية لم تكن لها موضوعية وإنما اعتُبرت لأنها طريق يقيني لإثبات الشهر. مع أن في ذلك الزمان، لم يكن يوجد طريق يقيني آخر للإحالة إليه. ذكر شهادة خمسين شخصًا التي عادة ما تكون يقينية هو أيضًا شاهد على هذا المطلب. وحول الرؤية أيضًا، أُكد في هذه الرواية على أن الرؤية الظنية وغير الاطمئنانية لا تكفي.
4-1-2. صحيحة علي بن محمد القاساني
يقول علي بن محمد القاساني: «كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب: الشك لا يدخل في اليقين، صم للرؤية وأفطر للرؤية»<sup>6</sup> (الطوسي، 1407ق، ج4، ص159).
في هذه الرواية، يشير الإمام أولًا إلى عدم نقض اليقين بالشك، وهي نفس قاعدة الاستصحاب. في الواقع، إذا ظهر شك وظن في أواخر الشهر بأن الشهر قد انتهى، فلا ينبغي الاعتناء بالشك، والشك لا يزعزع اليقين؛ لكن رؤية الشهر الجديد – لكونها مصداقًا متعارفًا لليقين – تنقض اليقين السابق وتوجب رفع اليد عنه. على هذا الأساس، ليس للرؤية موضوعية، وما هو الملاك هو اليقين بثبوت الشهر الجديد؛ ولكن في حالة وجود إمكانية إثبات ولادة الشهر الجديد بالحسابات اليقينية، فسيكون ذلك مصداقًا آخر لليقين ويجب على أساسه الصوم أو الإفطار؛ لأنه في بداية الرواية جاء أن الشك لا يزيل اليقين؛ فالحسابات اليقينية التي هي مصداق لليقين، يمكنها إثبات دخول الشهر؛ ونتيجة لذلك، مدلول الرواية هو أنه لا يمكن صرف النظر عن اليقين بالشك؛ ولكن باليقين الجديد يمكن رفع اليد عن اليقين السابق والاستصحاب.
4-1-3. رواية إسحاق بن عمار
نُقل عن إسحاق بن عمار أنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): في كتاب [أمير المؤمنين] علي (عليه السلام): صم لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإياك والشك والظن<sup>7</sup> (الطوسي، 1407ق، ج4، ص158).
في هذه الرواية، بعد أن جعل الإمام الصادق (عليه السلام) الرؤية سببًا لوجوب الصوم والإفطار، يضعها في مقابل الشك والظن ويحذر من العمل بالشك والظن. السؤال الأساسي هنا هو: إذا كان هناك طريق يقيني غير الرؤية، في أي فئة يقع؟ من ذيل الرواية نستنتج أن ما هو ممنوع هو اتخاذ الظن والشك أساسًا، وما جُعل ملاكًا معتبرًا لوجوب الصوم والإفطار هو الوصول إلى اليقين؛ سواء كان ذلك عن طريق الرؤية أو عن طريق آخر مثل الحسابات القطعية. إذن، هذه الرواية أيضًا دليل واضح على طريقية الرؤية ونفي موضوعيتها.
4-1-4. صحيحة محمد بن مسلم
ينقل محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إذا رأيتم الهلال [شهر رمضان] فصوموا، وإذا رأيتموه [هلال شهر شوال] فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني»<sup>8</sup> (الكليني، 1407ق، ج4، ص77).
حول دلالة هذه الرواية يجب القول إنه لو لم يكن ذيل الرواية موجودًا، لكان من الممكن أن نقبل أن المعيار الوحيد هو الرؤية؛ ولكن بالنظر إلى الذيل، وأن الرؤية لا يمكن أن تقابل الظن والرأي، يُستنتج أن المعيار والملاك هو «اليقين»، و«ظن ورأي الشخص» ممنوعان. لذلك، فإن الحسابات القطعية التي هي مصداق لليقين، لا تُرد بهذه الرواية والروايات المشابهة لها فحسب؛ بل تُثبت. مع ذلك، يُطرح هذا السؤال: إذا كان المعيار هو اليقين بالهلال الواقعي، فلماذا طُرحت مسألة الرؤية في هذه الروايات؟
الجواب على هذا السؤال هو أنه أولًا، كانت الرؤية في الماضي الطريق الأكثر تعارفًا وعمومية لليقين بثبوت الهلال، والحسابات الفلكية والرياضية، إما لم تكن تُستخدم على الإطلاق أو إذا كانت موجودة، لم تكن معروفة كأداة عامة ومتاحة لجميع الناس. ثانيًا، نتيجة الحسابات بالشكل الذي كانت تُستخدم به في تلك الفترة، لم تكن يقينية ولم تكن تعطي أكثر من الظن والتخمين؛ ولكن اليوم توجد حسابات دقيقة وعلمية جدًا تُظهر ولادة القمر بدقة في الساعة واللحظة.
4-2. روايات اعتبار الرؤية على نحو الإطلاق
في مقابل روايات الطائفة الأولى التي، بالنظر إلى القرائن والقيود الموجودة فيها، تُعرّف الرؤية كطريق لليقين بثبوت الشهر، توجد روايات أخرى تُعتبر الرؤية ملاكًا لوجوب الصوم على نحو مطلق، وتضعها في مقابل الظن والشك ولا شيء آخر (الطوسي، 1407ق، ج4، ص164. الكليني، 1407ق، ج4، ص76).
قد يعتبر القائلون بنظرية الرؤية الحسية الطائفة الثانية شاهدًا على قولهم ويعتبرون للرؤية موضوعية. بالنظر إلى أن من الطائفة الأولى من الروايات يُفهم طريقية الرؤية لليقين، ومن الظاهر الأولي للطائفة الثانية يُفهم الموضوعية، الآن نتناول وجه الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات.
4-3. طريقة الجمع بين الطائفة الأولى والثانية
التعارض البدوي بين الاستنباط المذكور من روايات الطائفة الأولى ومدلول روايات الطائفة الثانية قابل للحل. الحل هو أنه كما في عملية الإطلاق والتقييد، فإن الروايات التي تتضمن قيودًا وقرائن تخرج الرؤية عن الموضوعية وتذكرها كطريق لليقين ومصداق سائد للعلم بثبوت أول الشهر، تُتخذ أساسًا، والروايات المطلقة التي لا تحتوي على هذه القيود، تُفهم إلى جانبها. في الواقع، روايات الطائفة الأولى تفسر مسألة الرؤية في روايات الطائفة الثانية وتكون قرينة لفهمها. هذا الحل مقبول بناءً على الفهم العرفي وحمل الظاهر على الأظهر. في روايات الطائفة الأولى، على الرغم من أن العنوان المطروح هو رؤية الهلال؛ ولكن بالنظر إلى القرائن الموجودة في هذه الطائفة من الروايات (مثل وضع الرؤية في مقابل الظن والشك وكذلك طرح قاعدة عدم نقض اليقين بالشك)، فإنها توسع الموضوع وتجعله شاملاً لكل يقين، وروايات الطائفة الثانية أيضًا تُفسر بهذا الفهم. هذه القرائن والقيود تقيد الروايات المطلقة بشكل ما وتعمم موضوعها (راجع: سروش محلاتي، 1399).
4-4. روايات منع العمل بالحساب وقول المنجمين
أحد أدلة معارضي حجية نظرية ولادة القمر القائمة على الحسابات القطعية هو النهي والذم الذي ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) بشتى الطرق عن قول المنجمين والعمل بالحساب. في هذه الطائفة من الروايات، طُرحت موضوعات متنوعة من هذا القبيل، والتي ندرسها باختصار مع الإشارة إلى بعض هذه الموارد:
4-4-1. النهي عن التنجيم وترتيب الأثر على قول المنجمين ودراسته
في بعض الروايات، يظهر نهي شديد ووعد بالعذاب للتنجيم والمنجمين والعمل وفقًا لقولهم؛ مثل ما نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «المنجم ملعون والكاهن ملعون والساحر ملعون والمغنية ملعونة ومن آواها ملعون ومن أكل كسبها ملعون» (القمي، 1362، ج1، ص297). بناءً على هذه الروايات، ذهب البعض إلى أنه يجب ترك الحسابات الفلكية والنجومية تمامًا ووضع منجزات العلم البشري جانبًا. يستند آية الله التبريزي إلى هذه الروايات والروايات التي ستأتي، ليعتبر الحسابات الفلكية باطلة تمامًا (التبريزي، 1427ق، ج7، ص298).
نقد ودراسة: بغض النظر عن ضعف سند هاتين الروايتين، فإن الاستدلال بهذه الروايات لرد الحسابات بشكل مطلق معيب لسببين:
1. بناءً على ما قاله فقهاء الإمامية والقرائن الموجودة في الروايات تؤيده أيضًا، فإن هذه الروايات ناظرة إلى المنجمين الملحدين والكافرين والبعيدين عن المعارف التوحيدية، الذين كانوا يعتقدون بتأثير النجوم والكواكب في حوادث العالم. يضيف الشيخ الصدوق في الخصال بعد نقل الرواية الأولى أن المنجم الملعون هو ذلك الذي ينكر الله (القمي، 1362، ج1، ص298).
2. يوجد فرق بين علم التنجيم والهيئة، والخلط بينهما هو منشأ النقد لنظرية ولادة القمر. لا ينبغي تصور أن ما ورد في ذم المنجم والفلكي، يشمل أهل الهيئة والحساب أيضًا (مختاري، 1388، ج1، ص73). علم الهيئة مبتنٍ على قواعد رياضية راسخة نتيجتها قطعية؛ ولكن أحكام النجوم (حسب المصطلح الذي كان شائعًا في الماضي) تتضمن مطالب من قبيل أوضاع وأحوال النجوم وارتباطها بالحوادث وسعد ونحس الأيام. نتيجة أحكام النجوم، أمور حدسية على أساس قواعد ظنية؛ لأن التأثيرات التكوينية للكواكب من الأمور الخفية والمستترة (حسن زاده آملي، 1371، ج2، ص758). يؤكد العالم الشيعي الكبير، المحقق الكركي، أيضًا على هذا التمييز.<sup>9</sup> (العاملي الكركي، 1404ق، ج3، ص31-32).
4-4-2. النهي عن العمل بوفق قول أهل الحساب في إثبات الهلال ودراسته
في رواية صحيحة السند، نُقل جواب الإمام الهادي (عليه السلام) على مكاتبة بخصوص الصوم، حيث إن ظاهر جواب الإمام في هذه المكاتبة، بالنظر إلى قرينة السؤال، ينفي بشكل ما الاعتداد برأي أهل الحساب واتخاذ الرؤية أساسًا (الحر العاملي، 1409ق، ج10، ص297).
نقد ودراسة: يبدو أن هذه الرواية والروايات المشابهة لا يمكنها نفي الحسابات القطعية؛ بل تؤيدها بشكل ما. الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية لا يبطل الحساب وقول أهل الحساب بشكل كلي؛ بل يرده في حالة الشك والتردد. على هذا الأساس، هذه الروايات على الرغم من أنها تنفي الحسابات الظنية التي ليست يقينية؛ إلا أنها تؤيد بشكل ما بعبارة «لَا تَصُومَنَّ الشَّكَ» الحسابات القطعية التي تؤدي إلى اليقين. هنا أيضًا، كما في روايات الطائفة الأولى، وُضعت الرؤية في مقابل الشك، مما يدل على طريقية الرؤية لليقين. لو كان الحساب وقول أهل الحساب باطلين تمامًا، لكان قد نهى عن الاعتداد بقول أهل الحساب مباشرة بدلًا من النهي عن صوم يوم الشك. أقصى ما يمكن استفادته من هذه الرواية هو أن الحسابات في زمن صدور الرواية كانت دائمًا أو غالبًا غير يقينية، حيث يقول الإمام الهادي (عليه السلام): «لا تعتنِ بالشك»؛ ولكن السؤال هنا هو: مع التقدم العلمي الهائل الذي تشكل اليوم والذي لا يترك مجالًا لأي تردد، هل لا يزال العمل بالحسابات عملًا على أساس الشك؟
4-4-3. نماذج من حجية الحسابات في الفقه
بمراجعة كلام كبار فقهاء الشيعة، نجد حالات أقر فيها الفقهاء حجية الحسابات.<sup>10</sup>
لقد قبلوا الحسابات وقول أهل الفلك في إثبات قمر في العقرب<sup>11</sup> (الأنصاري، 1415ق، ج1، ص203)، صلاة الآيات، مدة زمانها والخسوف والكسوف (الخميني، د.ت، ج1، ص181)، تحديد جهة القبلة<sup>12</sup> (اليزدي، 1419ق، ج2، ص298)، إثبات قابلية رؤية الهلال (مختاري، 1388، ج1، ص85 وج4، ص2659. بهجت، 1426ق، ص631) من بين هذه الحالات. صحيح أن الحالات المذكورة ليست دليلًا مقبولًا لإثبات هلال الشهر عن طريق الحسابات القطعية؛ ولكن يُستفاد من هذه المطالب أنه أولًا، لا يوجد مانع فقهي للحسابات؛ لأن الفقهاء في كثير من الحالات يقبلون إثبات الأمور عن طريق الحسابات الموثوقة؛ لذلك لا يمكن الادعاء بأن الشارع نهى عن العمل وفقًا للحسابات. ثانيًا، يمكن لهذه الأمور أن تكون مؤيدة في بحث إثبات الهلال وتؤخذ في الاعتبار.
5. دراسة إشكالات نظرية ولادة القمر
يمكن طرح إشكالات متعددة على نظرية ولادة القمر، والتي ندرسها واحدة تلو الأخرى:
5-1. عدم إطلاق الهلال على الحالة الأولى للقمر عند ولادته
على فرض أننا نقبل أن المراد بـ«الشهر» هو الشهر الواقعي الذي يبدأ من ولادة القمر، وليس الشهر الشرعي، فإن المشكلة الأساسية هي أن وجوب الصوم في الروايات لم يُطرح على أساس ثبوت الشهر والقمر؛ بل ما هو الملاك هو رؤية الهلال، وقبل الوقت الذي يكون فيه قابلًا للرؤية، لا يصدق عليه اسم الهلال أساسًا؛ لأن الهلال يُطلق في وقت يمكن رؤية الحافة المضيئة للقمر، وفي وقت الولادة، لا توجد إمكانية للرؤية. ووجه تسمية الهلال يؤيد هذا المطلب أيضًا.
الجواب: أولًا، بناءً على كلام اللغويين، يُطلق الهلال على أول الشهر (الزبيدي، 1404ق، ج15، ص808)، وعلى لحظة الولادة يصدق أول الشهر. بالطبع، صحيح أن الهلال مأخوذ من معنى الظهور والبروز؛ ولكن بشكل عام، الاستناد إلى وجه التسمية ليس صحيحًا؛ لأنه كما ذُكر سابقًا، في وجه التسمية، تكفي مجرد مناسبة، وليس من الضروري أن تكون مطابقة في جميع الحالات. ثانيًا، حتى لو قبلنا أن إطلاق الهلال على الحالة الأولية للقمر عند الولادة غير صحيح، فإن ذلك أيضًا لا يورِد إشكالًا على نظرية ولادة القمر؛ لأنه كما لم نكن نرى للرؤية موضوعية وكنا نعتبرها طريقًا، فإن وضع الهلال كذلك أيضًا؛ بالإضافة إلى أنه في الآية الشريفة (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185)، جُعل العلم بـ«الشهر» معيارًا لوجوب الصوم، وباليقين في وقت ولادة القمر، يوجد علم بثبوت الشهر؛ حتى لو لم تكن إمكانية الرؤية موجودة. هذه الروايات ليست مفسرة للآية ليُدعى أنه بناءً على الروايات، بداية الشهر من الرؤية؛ لأنه في أي من الروايات لا توجد قرينة تدل على أنها في مقام تفسير الآية، قد بُيّنت الرؤية.
5-2. استحالة التخيير بين الأقل والأكثر
لازمة قبول مبدأ ولادة القمر إلى جانب رؤية الهلال، هي التخيير بين الأقل والأكثر، والتخيير بين الأقل والأكثر غير معقول ومستحيل أساسًا؛ لأنه لا معنى لأن يضع الشرع المقدس ملاكين يتحقق أحدهما دائمًا قبل الآخر، على التوازي، ويخير المكلف بينهما. هذا الإشكال يُطرح أيضًا حول نظرية الرؤية بالعين المسلحة؛ لأن كلًا من ولادة القمر والرؤية بالتلسكوب والأدوات الجديدة يتحققان دائمًا قبل الرؤية الحسية (مختاري، 1388، ج5، ص44).
الجواب: التخيير بين الأقل والأكثر في حالة يكون فيها كلا العنوانين ظاهريين وللوصول إلى حقيقة واحدة، لا مانع منه، مثل «خفاء الأذان» و«خفاء الجدران». في البحث الحالي أيضًا، الرؤية والولادة طريقان لحقيقة واحدة. ما هو ممنوع هو التخيير بين الأقل والأكثر في أمرين واقعيين (فاضل لنكراني، 1400، ص129). المطلب الآخر هو أنه هنا في الحقيقة لا يوجد تخيير؛ بل كلا المعيارين يقعان على امتداد بعضهما البعض؛ أي إذا لم تكن الحسابات ممكنة لإثبات ولادة القمر، يُعمل على أساس رؤية الهلال، وإذا كانت ممكنة، يُشخص ثبوت الشهر على أساس الحسابات الدقيقة؛ فإذن لا يوجد تخيير في الواقع.
5-3. التنافي مع عمل النبي (ص) والأئمة (ع) والمسلمين في العصور الماضية
إذا كان مبدأ ولادة القمر هو بداية الشهر القمري -لأن ولادة القمر تحدث دائمًا قبل الرؤية الحسية- فكيف يمكن جمعه مع عمل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) والمسلمين في العصور الماضية؟ قبول مبدأ الولادة يلازم نفي الرؤية الحسية؛ وبالتالي تُخطّأ أعمالهم، وهذا غير قابل للالتزام. بالإضافة إلى أن لازمة هذا المبدأ هي أن يقضي الأبناء الذكور صيام أسلافهم (مكارم الشيرازي، 1384، ص14).
الجواب: هذا المطلب أبعد من مجرد استبعاد؛ ولكن هناك حلان لهذا الإشكال:
1. الحل الأصولي: في علم الأصول، قُبل الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بطرق مختلفة، ولا إشكال في أن يكون الحكم الواقعي لثبوت الشهر عن طريق إثبات ولادة القمر، والحكم الظاهري هو رؤية الهلال، والروايات مبينة للحكم الظاهري؛ لأنه في ذلك الزمان، لم تكن توجد أداة للوصول إلى الواقع. بناء النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) أيضًا لم يكن على الاستفادة من علم الغيب في هذه الموارد، والمكلفون كانوا ملزمين بالظواهر. بالإضافة إلى أن الأدوات الجديدة أساسًا لم تكن موجودة في ذلك الزمان ولم تكن مفهومة للناس. على هذا الأساس، لا يرد أي خلل على عمل المتقدمين. إذا طُرح استبعاد من جهة تفويت المصلحة الواقعية، يجب القول إنه بناءً على مبدأ الرؤية الحسية أيضًا، يقع خطأ في كثير من الموارد وتُفوت المصلحة الواقعية، ولا يمكن الادعاء بأن الواقع يتغير، في مدينة يرون الهلال وفي مدينة أخرى مجاورة لها لا يُرى الهلال.
2. الحل الفقهي: الحل الثاني الأكثر فعالية والذي لا يؤدي إلى تخطئة عمل السابقين ولا حتى تفويت المصلحة الواقعية هو أن نقول: إن متى يبدأ الشهر هو من قبيل الموضوع، لا الحكم، وتشخيص الموضوع على عهدة المكلفين؛ مثلًا، أمر الشارع المقدس بالصلاة باتجاه القبلة؛ ولكن تشخيص جهة القبلة على عهدة المكلف. السابقون الذين لم يكن تحديد القبلة الدقيق متاحًا لهم، كانوا يصلون باتجاه مكة تقريبيًا، وكانوا يؤدون واجبهم ولم يفوتوا الواقع أيضًا؛ لأنهم في تشخيص الموضوع، لم يكن لديهم طريق سوى ذلك؛ أما اليوم حيث يمكن إيجاد جهة القبلة الدقيقة عن طريق البوصلة، يقول الفقهاء يجب الصلاة بدقة باتجاه القبلة (همداني، 1416ق، ج10، ص38). أساسًا، ما الإشكال في أن يضع الشارع المقدس في مسألة إثبات الشهر، مثل القبلة، ملاكين مختلفين على امتداد بعضهما البعض؟ بمعنى أن يكون لأولئك الذين لم تكن لهم وسيلة لإثبات ولادة القمر، المعيار الواقعي هو الرؤية، وللأفراد الذين في الأزمنة اللاحقة، تتوفر لديهم إمكانية التشخيص الدقيق للموضوع، يكون المعيار هو ولادة القمر (راجع: سروش مولائي، 1399). بالطبع، هذا الإشكال لا يقتصر على بحث رؤية الهلال، ونحن نواجه هذا السؤال في مسائل كثيرة؛ على سبيل المثال، كان المسلمون في العصور الماضية في حالة الشك يعملون دائمًا بقاعدة «الولد للفراش»؛ بينما اليوم في بعض الحالات مع إجراء اختبار الحمض النووي (DNA) وزوال الشك، لا يبقى مجال لهذه القاعدة، ويمكن تحديد انتساب الولد بشكل قطعي. يقبل الفقهاء الـDNA؛ بينما نفس الحكم والسؤال عن عمل السابقين الذين لم تكن لديهم هذه الأدوات الجديدة، يُطرح في هذه المسألة أيضًا (فاضل لنكراني، 1400، ص141).
الخاتمة
بعد دراسة الأدلة وتقييم الإشكالات، ما يُستخلص من مجموع المطالب السابقة، يتلخص في الأمور التالية:
1. بناءً على الآية 185 من سورة البقرة، يكفي مجرد العلم بحصول الشهر وولادة الهلال في إثبات الشهر القمري. المراد بالشهر هو الشهر الواقعي، والشارع المقدس لم يتصرف في معنى الشهر. في الواقع، لا توجد حقيقة شرعية هنا.
2. بالنظر إلى القرائن الموجودة في الروايات، ليس لرؤية الهلال موضوعية، وهي طريق للوصول إلى واقع الشهر. من بين شواهد هذا المطلب يمكن الإشارة إلى وضع الرؤية في مقابل الشك والظن وطرحها كمصداق لليقين. التأكيد على الرؤية لم يكن لرد الحسابات، بل لنفي التسامح في الرؤية. الروايات المطلقة التي لا تتضمن هذه القرائن يجب حملها على الروايات المذيلة والمصدرة بالقرائن. على هذا الأساس، الروايات التي تبين طريقية الرؤية، هي مفسرة للروايات المطلقة التي لها ظهور في الموضوعية. حتى الهلال نفسه ليس له موضوعية؛ على الرغم من أن الهلال، حسب رأي الكاتب، يصدق أيضًا في وقت ولادة القمر.
3. في تقييم الروايات التي يُشم منها رائحة النهي عن الحسابات، توصلنا إلى نتيجة أن بعضها في مقام ذم التنجيم والأحكام النجومية التي تختلف عن الهيئة، والمقصود هو المنجم الكافر. والبعض الآخر ناظر إلى الحسابات التخمينية والظنية التي احتمال الخطأ فيها عالٍ. وهذا يدل على أن الحسابات القطعية والاطمئنانية ليست معيبة.
4. لم يتمكن أي من إشكالات نظرية ولادة القمر من زعزعة هذه النظرية. كما مر، إشكال استحالة التخيير بين الأقل والأكثر غير وارد؛ لأن كلا المعيارين يقعان على امتداد بعضهما البعض ولا يوجد تخيير هنا. إشكال تخطئة عمل السابقين أيضًا أُجيب عنه بحلين فقهي وأصولي.
لذلك، يُستفاد من مجموع المباحث السابقة أن نظرية ولادة القمر تتمتع بالإتقان الكافي وهي قابلة للإثبات من وجهة نظر الأدلة. مع أن إشكالًا أساسيًا لا يتوجه إليها.
الهوامش
1 باحث في مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، noormofidim@gmail.com.
2 من بين الكبار الذين يتبنون هذا الرأي: آية الله الخوئي، الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر، وآية الله بهجت.
3 من بين الذين التزموا بهذا المبدأ، المرحوم آية الله فاضل لنكراني وسماحة آية الله الخامنئي.
4 آية الله السيد محمد حسين فضل الله كان يتبنى هذا الرأي في البداية (مختاري، 1388، ج2، ص1085).
5 في سند هذه الرواية، تظهر أسماء هؤلاء الرواة الذين هم جميعًا ثقات، إماميون، وموضع اعتماد: سعد بن عبد الله القمي (الطوسي، 1420ق، ص216)، عباس بن موسى الوراق (النجاشي، 1407ق، ص281)، يونس بن عبد الرحمن (الكشي، د.ت، ص483)، وأبو أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز (النجاشي، 1407ق، ص20).
6 ثبتت وثاقة جميع رواة هذا الحديث: محمد بن الحسن بن أحمد الوليد (النجاشي، 1407ق، ص383)، محمد بن الحسن الصفار (النجاشي، 1407ق، ص354)، علي بن محمد القاساني (الطوسي، 1373، ص388).
7 أسماء الرواة الموثوقين والإماميين مثل حسين بن سعيد الأهوازي (الطوسي، 1420ق، ص150)، فضالة بن أيوب الأزدي (الكشي، د.ت، ص556)، سيف بن عميرة (النجاشي، 1407ق، ص189) تظهر في سند هذه الرواية. حول مذهب إسحاق بن عمار، هناك اختلاف في الرأي. النجاشي يعتبره ثقة وإماميًا (نفس المصدر، ص71). يعتقد البعض أن إسحاق بن عمار الساباطي وإسحاق بن عمار الصيرفي شخصان مختلفان، ويعتبرون الساباطي فطحي المذهب (النوري، د.ت، ج4، ص491؛ الطوسي، 1420ق، ص39). الظاهر أن إسحاق بن عمار لم يكن فطحيًا وكان شخصًا واحدًا؛ لأنه في الروايات وكثير من كلمات الرجاليين لم تتم الإشارة إلى لقبه، ومن البعيد أن يكونوا متعددين وأن يشير الشيخ إلى أحدهم والنجاشي إلى الآخر (الخوئي، 1372، ج3، ص62). على أي حال، لا يوجد تردد في وثاقة إسحاق بن عمار. إذا اعتبرناه إماميًا، تكون الرواية صحيحة، وإلا تكون موثقة، وفي كلتا الحالتين يمكن الاستناد إليها.
8 نقل هذه الرواية المشايخ الثلاثة في جميع الكتب الأربعة (الكليني، 1407، ج4، ص77؛ القمي، 1362، ج2، ص123؛ الطوسي، 1390ق، ج2، ص63؛ وهو، 1407ق، ج4، ص156). الشيخ المفيد، الذي لا يقبل حجية خبر الواحد، أورد هذه الرواية أيضًا في المقنعة، مما يدل على أنها كانت قطعية من وجهة نظره (المفيد، 1413ق، ص296). سلسلة أسانيد هذه الرواية، التي هي في غاية الاعتبار، من ابن أبي عمير ومحمد بن مسلم اللذين هما من أصحاب الإجماع (الكشي، د.ت، ص238 و556)، إلى أبي أيوب الخزاز الذي ثبتت وثاقته سابقًا، وعباس بن معروف (النجاشي، 1407ق، ص281)، وعلي بن مهزيار (نفسه، 1407ق، ص254)، جميعهم من الثقات الأجلاء الإماميين.
9 «والمراد من التنجيم الإخبار عن أحكام النجوم. وأما علم الهيئة فلا كراهية فيه بل ربما كان مستحباً لما فيه من الاطلاع على عظم قدرة الله».
10 بعض هذه الموارد من باب الرجوع إلى قول الخبير وقبوله، والبعض الآخر على أساس حجية العلم أو الاطمئنان؛ بمعنى أن الحسابات ليس لها موضوعية؛ ولكن على أي حال، هذا المطلب يدل على أنهم لم يقبلوا النهي عن الرجوع إلى الحسابات بشكل كلي. ينقل آية الله السيد أحمد الخوانساري بعد نقل إشكال المشهور في حجية قول أهل الفلك والحساب في رؤية الهلال قوله: «رفع اليد عن قولهم مع أنهم أهل خبرة، مشكل» (الخوانساري، 1405ق، ج2، ص200). الإشكال الذي ينقله هو مجرد الأخطاء واحتمال الخطأ وكذلك اختلاف المنجمين، وهو خارج عن فرضنا؛ لأنه كما مر، فرضنا هو يقينية أو اطمئنانية هذه الطرق، وفي حال لم تكن كذلك، نحن أيضًا نعتقد بعدم حجيتها.
11 بالطبع، الشيخ الأنصاري يشكك أولًا في الاعتماد على قول أهل الحساب – بسبب كثرة أخطائهم – ولكنه يقبل به لاحقًا في الأمور البديهية واليقينية. هذا الإشكال، لكونه صغرويًا، لا يخل باستدلالنا. على أي حال، المهم هو أن الشيخ في حالة اليقين، يقبل هذا المطلب.
12 يرد الشيخ البهائي ادعاء عدم الاعتداد بعلم الهيئة في تحديد القبلة، ويستند إلى كلام الشهيد الأول في الذكرى بأن أكثر أمارات تحديد القبلة مأخوذة من علم الهيئة. ثم يبحث مفصلًا في يقينية وإتقان هذه العلوم (العاملي، 1390ق، ج2، ص240-243). يصرح صاحب الجواهر في هذا الصدد بأنه في القبلة يمكن الرجوع إلى قواعد الهيئة وتقليد أهل الحساب؛ بل من وجهة نظره، هذه الأمارة أكثر اطمئنانًا من أي علامة أخرى (النجفي، 1404ق، ج7، ص343).