ملخص: تُعدّ ظاهرة الوضع والجعل في تاريخ الحديث من أخطر الآفات التي طالت الحديث النبوي، باعتباره المصدر الثاني لفهم الدين، والتي نشأت تارة من قِبَل المنافقين وأخرى من قِبَل الأصدقاء الجهلة. وقد حذّر النبي (ص) من هذه الظاهرة، كما سعى الأئمة (ع) من أهل البيت في هذا المجال، وكافحوا ظاهرة الجعل في مراجعاتهم وحواراتهم، ودعوا أصحابهم إلى بذل الجهد في هذا السبيل. وقد سار الإمام الرضا (ع) على نهج آبائه، فكافح الوضع والواضعين بأساليب مختلفة، وتعامل مع الحديث تعاملاً فعالاً ونقدياً. يسعى هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي وباستخدام المصادر المكتوبة، إلى الإجابة عن هذا السؤال: ما هي معايير الإمام الرضا (ع) لمعرفة الحديث الموضوع؟ وما هي أساليب مواجهته (ع) لظاهرة الجعل؟ وتشير النتائج إلى أنه من وجهة نظر الإمام الرضا (ع)، تُعدّ مخالفة الحديث للقرآن والسنة القطعية للنبي (ص) ومنقولات الأئمة الآخرين، ومخالفة الحديث للعقل والمسلّمات الدينية والواقعيات، وخلو الكلام من الحقيقة والنورانية، ونقل الحديث من مصادر غير معتبرة ورواة غير موثقين، من أهم علامات الوضع. وبناءً على ذلك، فإن إقامة الحلقات والجلسات الحديثية والمناظرات، ومكافحة القُصّاص، ومواجهة الأفكار الغالية، وسنة عرض الحديث، والدقة في أخذ مصدر الحديث، وإقامة حلقات المناظرات، ومواجهة تحريف الأحاديث، تُعتبر من أهم أساليب الإمام الرضا (ع) في تنقية الروايات.
1. طرح المسألة
“الوضع” في اللغة يعني الخفض والإنزال (ابن فارس، 1404هـ، 6: 117؛ الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 874)، والوضع مثل وضع الحمل على الأرض (الحج: 2)، وبمعنى الإيجاد والخلق (القرشي البنائي، 1412هـ، 7: 224)، والصنع، والتقرير، والإنشاء، وتحسين القبيح، والتبديل، والتغيير (معين، 1383ش، 1: 1231؛ الجعفري اللنكرودي، 1388ش، 2: 1554-1555). والوضع في الحديث يعني أن يختلق الراوي خبرًا وينسبه إلى المعصومين (ع) (البستاني ومهيار، 1375ش، 988). وعرّف الشهيد الثاني الحديث الموضوع بقوله: “هو المكذوب المختلق المصنوع” (1408هـ، 152)، أي المنسوب كذبًا واختلاقًا وصنعًا.
من الظواهر التي نشأت في ساحة الحديث على أيدي الأعداء المنافقين وأحيانًا الأصدقاء غير الحكماء منذ السنوات الأولى لظهور الإسلام في المجتمع الإسلامي، وتوسعت تدريجيًا، هي وضع الحديث، والتي شكا منها النبي (ص) وحذر الناس من عواقبها. كما ورد في الرواية: “أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ” (الهلالي، 1405هـ، 2: 621؛ انظر أيضًا: الكليني، 1407هـ، 1: 62؛ وأيضًا مع اختلاف طفيف، انظر: الطبري الآملي، 1415هـ، 232). اشتدت هذه الظاهرة بدوافع ودواعٍ مختلفة بعد وفاة النبي (ص)، واستفادت أقصى استفادة من قرار منع كتابة ونشر الحديث، وبلغت ذروتها في زمن معاوية. ترسخت هذه الحركة تدريجيًا على مدى قرن من الزمان لدرجة أنه حتى إلغاء قرار “المنع” لم يستطع إيقافها (انظر: المسعودي، 1389ش، 32-37)، ومع انتشار الأكاذيب وصناعة الحديث من قبل المتظاهرين بالعلم غير المتقين، تحولت إلى خطاب عام في المجتمع، وأصبحت ذريعة للقصاصين ورواة الأساطير، ومع تسرب الأحاديث المجهولة والإسرائيليات إلى مجموعات الحديث السنية، تمهدت الأرضية لتلوث الأحاديث (انظر: پاينده، 1382ش، 132).
وبالطبع، حدث مثل هذا الأمر بالنسبة للشيعة أيضًا. كما قال الإمام الصادق (ع): “في زمن كل واحد منا نحن الأئمة المعصومين (ع)، يوجد أشخاص يختلقون الأكاذيب ويروونها على ألسنتنا” (المجلسي، 1403هـ، 2: 217). لذلك، لا شك في دخول عدد من الأحاديث غير الصحيحة بين الروايات وكتب الروايات؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن عدد هذه الأحاديث قليل جدًا، لأنه خلافًا لرأي البعض القائل بأنه نظرًا لعدم كتابة الحديث لمدة قرن تقريبًا، كان بإمكان الرواة تقديم أي كلام على أنه حديث (انظر: السباعي، 1419هـ، 1: 92؛ ضياء العمري، 1972م، 1: 10)، فإن بحث نقد الحديث بدأ بالتزامن مع جعل الروايات في عصر رسول الله (ص)، وبعد ذلك، قام الأئمة المعصومون (ع) بمواجهته تأسياً به.
من هذا المنطلق، يمكن للمرء بسهولة، بإلقاء نظرة سريعة على كتب الروايات، أن يدرك أن أفرادًا بدوافع ودواعٍ مختلفة قد قاموا بوضع وجعل الحديث ونسبوا أمورًا باطلة إلى رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع). وقد نبه الرسول الكريم في حياته النورانية إلى خطر الكذب (انظر: أحمد بن حنبل، د.ت، 1: 78؛ الصدوق، 1413هـ، 4: 364؛ الطوسي، 1414هـ، 227؛ ابن إدريس الحلي، 1410هـ، 2: 154)، وبعد ذلك أيضًا، علّم الأئمة المعصومون (ع) معايير عامة لدراسة ومعرفة الحديث الصحيح من غير الصحيح، ووصلوا في مقام التعليم إلى حد أنهم قاموا شخصيًا بتنقيح الروايات ودعوا تلاميذهم إلى الاقتداء بهم (انظر: الكشي، 1409هـ، 224؛ المجلسي، 1414هـ، 6: 546؛ نفسه، 1403هـ، 2: 249). وبناءً على ذلك، قام العلماء وباحثو الحديث، بهدف منع انتشار الكذب والخرافات في مجموعات الحديث، بدراسة الأحاديث وتحديد الأحاديث الموضوعة، وقاموا بإحصاء أمثلتها. وفيما يتعلق بسابقة معايير معرفة الأحاديث الموضوعة بشكل عام، يمكن الإشارة إلى كتب مثل: “اللآلئ المصنوعة” لجلال الدين السيوطي ؛ “الموضوعات” (1386-1388هـ) لسبط ابن الجوزي ؛ “الغدير” (1372هـ) للعلامة عبد الحسين الأميني، الذي خصص جزءًا من المجلد الخامس منه لبحث الأحاديث المجعولة والموضوعة ؛ “الموضوعات في الآثار والأخبار” (1973م) لهاشم معروف الحسني ؛ “الوضع في الحديث” (1401هـ) لعمر فلاته ؛ “موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة” (1419هـ) لعلي حسن علي الحلبي وزملاؤه ؛ “الأخبار الدخيلة” (1369هـ) لمحمد تقي الشوشتري ؛ “الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنة” (1428هـ) للسيد علي الحسيني الميلاني ؛ “أصول نقد الحديث؛ دراسة تحليلية حول متن الحديث” (1397هـ) لمحمد حسن الرباني البيرجندي، الذي تناول بيان أصول وقواعد نقد متن الحديث وتحليل بعض الروايات الموضوعة. كما تناولت مقالات بموضوعات خاصة هذه المسألة. فمثلاً، تناول مهدي مهريزي (1375ش) في مقالة “مدخل إلى أساليب تقييم أسانيد الحديث” ؛ وشادي نفيسي (1378ش) في مقالة “معايير معرفة الأحاديث الموضوعة في الأخبار الدخيلة” طريقة نقد العلامة محمد تقي الشوشتري.
يشير التستري؛ وأيضًا مهدي أكبرنجاد (1396ش) في مقالة بعنوان “الإمام الرضا (ع) وجاعلو الحديث” إلى دراسة وتحليل سياقات جعل الحديث في زمن الإمام الرضا (ع)، وموقف ذلك الإمام تجاه هذه المسألة. بالطبع، يختلف توجه هذه الكتابة عن البحث الحالي إلى حد كبير. وذلك لأن الجزء الأكبر من مقالته يتناول دراسة وتحليل سياقات جعل الحديث في زمن الإمام الرضا (ع)، ويعد أمورًا مثل ظهور تيارات ومدارس فكرية مختلفة، والأفكار الغالية، ومعارضة الأئمة (ع)، والطمع المفرط لبني العباس في السلطة من أهم عوامل جعل الحديث في زمن الإمام الرضا (ع). ومن هذا المنظور، يختلف اتجاه تلك المقالة عن هذه الكتابة تمامًا. ولهذا، فإن البحث الحالي مبتكر في نوعه. ومن هنا، تسعى هذه الكتابة، بالاعتماد على سيرة الإمام الرضا (ع)، إلى الإجابة على هذا السؤال: ما هي معايير الإمام الرضا (ع) لمعرفة الحديث الموضوع، وبأي أساليب واجه ظاهرة الجعل؟
2. معايير وعلامات الوضع
ورد في بيانات الإمام الرضا (ع) معايير وعلامات لمعرفة الأحاديث المختلقة، أهمها ما يلي:
1-2. مخالفة الحديث للقرآن
بما أن القرآن هو أوثق سند مكتوب للمسلمين وصل إلينا دون تحريف، فهو معيار الاعتبار والقياس الذي يجب أن تقاس به صحة الحديث وسقمه. لذلك، فإن الكلام المخالف للقرآن يسقط من الاعتبار ولا يكتسب الحجية. روي عن الحسن بن الجهم أنه قال للإمام الرضا (ع): “تصلنا عنكم أحاديث مختلفة”، فقال: “مَا جَاءَكَ عَنَّا فَقِسْهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَ أَحَادِيثِنَا فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهُمَا فَهُوَ مِنَّا وَ إِنْ لَمْ يَشْبِهُهُمَا فَلَيْسَ مِنَّا…” (الطبرسي، 1403هـ، 2: 357؛ الحر العاملي، 1409هـ، 27: 121)؛ أي: ما يصلك عنا فقارنه بكتاب الله وأحاديثنا؛ فإن كان يشبههما فهو منا، وإن لم يشبههما فليس منا.
كما ورد في رواية أخرى عن يونس بن عبد الرحمن: “ذهبت إلى العراق، فرأيت عددًا من تلاميذ الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، وسمعت منهم روايات كثيرة، واستعرت كتبهم منهم، ثم قدمت على الإمام الرضا (ع) وعرضت عليه تلك الروايات، فأنكر الإمام عددًا كبيرًا منها أن تكون رواية الإمام الصادق (ع)، وقال: “إِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ كَذَبَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) لَعَنَ اللَّهُ أَبَا الْخَطَّابِ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ يَدُسُّونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي كتُبِ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، فَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثْنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَ مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ” (الكشي، 1409هـ، 224؛ الفيض الكاشاني، 1371ش، 61؛ المجلسي، 1403هـ، 2: 25)؛ أي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله (ع)، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحابه يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب الإمام الصادق (ع). ثم يخاطب يونس بن عبد الرحمن قائلاً: لا تقبلوا عنا الحديث المخالف للقرآن، فإننا إذا تحدثنا، تحدثنا بما يوافق القرآن والسنة.
يقول الإمام (ع) في الفقرة الأخيرة من الرواية: “فَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثَنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ…”. ومن ثم، فطبقًا لكلام الإمام (ع)، فإن شرط صحة الرواية واعتبارها هو عدم مخالفتها للقرآن وموافقة مضمون الحديث للقرآن الكريم وسنة النبي الأكرم (ص) وإثبات صدورها عن المعصوم (ع)، وتُعتبر مخالفة الحديث للقرآن شرطًا كافيًا لعدم قبوله وإثبات عدم صدوره عن المعصوم (ع). كما أن الإمام الرضا (ع) في معرض حديثه عن استحالة رؤية الله، مستندًا إلى آيات مثل “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ” (الأنعام: 103) و “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى: 11)، ردًا على قول أبي قُرَّة الذي قال له (ع): “إذًا أنتم تكذبون الروايات؟” فقال: “إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُهَا؛ إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن، فأنا أكذبها” (الكليني، 1407هـ، 1: 96).
بناءً على هذا، إذا خالفت رواية ما القرآن صراحةً، كان ذلك دليلاً على كونها مختلقة ومجعولة، وكما هو واضح في كلام الإمام (ع)، فإن عرض الروايات على القرآن يُعدّ أحد سبل تمييز الروايات الصحيحة من غيرها.
2-2. مخالفة الحديث لسنة النبي (ص) ومنقولات الأئمة الآخرين أحد معايير قياس الأحاديث الصحيحة من غير الصحيحة والمجعولة، هو عدم تعارض وتنافي الحديث مع الأحاديث الأخرى صحيحة السند أو السنة القطعية (اله دادي وزملاؤه، 1402ش، 152). السنة هي تراث النبي (ص) الذي وصل إلى الأئمة المعصومين (ع) جيلاً بعد جيل، ويمكن أن تكون معيارًا مستقلاً لقياس النقول الأخرى، وتسقط النقول غير المتوافقة معها من الاعتبار. يعتبر الإمام الرضا (ع) مخالفة الحديث للسنة من علامات اختلاق الحديث، كما تدل عبارة “فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا … مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ” في الحديث السابق على هذا الموضوع، وهو أن الحديث المخالف للسنة لا يمكن أن يكون من المعصوم (ع). ولهذا يقول الإمام الرضا (ع): “فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثَنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَ مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ إِنَّا عَنِ اللَّهِ وَ عَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ” (الكشي، 1409هـ، 224؛ المجلسي، 1403هـ، 2: 250)؛ أي: إذا تحدثنا، تحدثنا بما يوافق القرآن والسنة، فإننا نتحدث عن الله ورسوله. كما أن ما نُقل عن أئمة الهدى (ع) من حديث، هو إرث تلقاه كل إمام من آبائه الكرام عن الإمام علي (ع)، والإمام علي (ع) تعلم ما لديه من حديث من النبي (ص). كما ورد في رواية أن رسول الله (ص) ضمن دعائه له، طلب أن يعلّم هذه العلوم لأبنائه أيضًا (الصفار، 1404هـ، 1: 167؛ ابن بابويه، 1404هـ، 54؛ الطوسي، 1414هـ، 441). من هنا، فإن ما نُقل عن الأئمة المعصومين (ع) من حديث يشكل مجموعة مترابطة يؤيد بعضها بعضًا وتقدم مفهومًا واحدًا، ولا يوجد فيها تناقض أو عدم انسجام. ولهذا السبب يقول الإمام الرضا (ع): “فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثَنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَ مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ إِنَّا عَنِ اللَّهِ وَ عَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ، وَلَا تَقُولُ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَيَتَنَاقَضَ كَلَامُنَا إِنَّ كلَامَ آخِرِنَا مِثْلُ كَلَامِ أَوَّلِنَا وَ كَلَامَ أَوَّلِنَا مُصَادِقٌ لِكَلَامِ آخِرِنَا، فَإِذَا أَتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وَقُولُوا أَنْتَ أَعْلَمُ وَ مَا جِئْتَ بِهِ” (الكشي، 1409هـ، 224؛ الفيض الكاشاني، 1371ش، 61) ؛ أي: إذا تحدثنا، نتحدث بما يوافق القرآن والسنة. فإننا نتحدث عن الله ورسوله، ولا نقول قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا. بلا شك، كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصدق لكلام آخرنا. فإذا جاءكم من يحدثكم بخلاف ذلك، فردوه عليه وقولوا: أنت أعلم وما جئت به. بناءً على هذا، فإن انسجام منقولات الأئمة (ع)، إذا لم تصدر في ظروف التقية، يمكن اعتباره معيارًا لمعرفة الأحاديث المجعولة. وقد أكدت روايات العرض بشكل عام على ثلاث مسائل في تعامل الأحاديث مع القرآن والسنة: أ) موافقة متن الحديث للقرآن والسنة؛ ب) عدم مخالفة متن الحديث للقرآن والسنة؛ ج) مخالفة متن الحديث للقرآن والسنة. في الفرضين الأولين، يكون الحديث معتبرًا وقابلاً للعمل به، وفي الفرض الثالث، يجب طرحه ويعتبر حديثًا مجعولًا.
3-2. مخالفة الحديث للعقل
العقل هبة إلهية خاصة للإنسان لمعرفة الوجود وكشف الصلة بين الأشياء. ومن الواضح أنه بعد ختم النبوة وفي زمن غيبة الحجة، فإن الحجة الباقية هي العقل الذي يجب أن تُقاس به التعاليم المنسوبة إلى الحجة الأخرى، أي النبوة والإمامة. إن استخدام العقل كمعيار ثابت لطرح الأحاديث المختلقة أمر شائع، وقد استخدمه العلماء أيضًا تأسياً بالأئمة (المسعودي، 1389ش، 258-260). كما ورد في حديث ابن السكيت عن الإمام الرضا (ع): “الْعَقْلُ يَعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ وَ الْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ فَيكَذِّبُهُ” (الكليني، 1407هـ، 1: 25) ؛ أي: الحجة الحالية على الناس هي العقل الذي تميز به الصادق على الله من الكاذب على الله، فتصدق الصادق وتكذب الكاذب.
يعرّف الإمام (ع) في هذا الحديث العقل بأنه معيار لتمييز الخالص من المشوب والصادق من الكاذب، لأن التعاليم الدينية والعقل متوافقان في الإسلام ولا تعارض بينهما (انظر: صدر الدين الشيرازي، 1383ش، 1: 253). ومن هنا، فإن الكلام المخالف لحكم العقل غير مقبول في الروايات (انظر: أبو الفتوح الرازي، 1408هـ، 5: 368)؛ بالطبع، ليس المقصود بحكم العقل هنا الحكم البدائي الظني وغير المنهجي.
بناءً على هذا، فإن إحدى طرق معرفة الحديث الصحيح في مجال النقد المضموني هي الانتباه إلى نظرية المعرفة العقلية في المسائل القطعية العقلية؛ أي الموارد التي يصدر فيها العقل حكمًا قطعيًا لا يشك أحد في بداهته. من منظور العقل، يمكن تقسيم جميع الأمور إلى ثلاث فئات: الأمور العقلية (المعقولات)، والأمور فوق العقلية، والأمور المضادة للعقل. فيما يتعلق بالفئتين الأولى والثالثة، يجب القول إن العقل قادر على الحكم في كليهما، مع فارق أن إحداهما يؤيدها العقل ويقبلها، والأخرى ينكرها ويرفضها. أما الأمور فوق العقلية، فهي أساسًا ليست في متناول العقل، والعقل عاجز عن الحكم فيها. بما أن المعيار الوحيد في معرفة الأمور هو العلم الأولي الضروري أو العلم البديهي، وما ينتهي إلى هذا العلم. وهذا العلم البديهي لا يمكن معرفته إلا عن طريق العقل. وقد رُويت احتجاجات كثيرة عن الإمام الرضا (ع)، معظمها في مسألة التوحيد ثم الإمامة، وكانت سيرته العلمية (ع) هي إقامة البرهان على كل أصل كلي في المعارف الإلهية بالاستناد إلى المبادئ التصديقية العامة والخاصة. وكما كان يستخدم المبادئ البديهية التصديقية في الاستدلال العقلي، كان استخدام هذه المبادئ البديهية في الأسلوب المنطقي للكلام أيضًا، في القياس الاستثنائي وغيره، أمرًا مستحسنًا لديه، وهذا النظام واضح بشكل متداول في كلام الإمام الرضا (ع) (انظر: جوادي آملي، 1397ش، 19-24). من هنا، فإن الإمام الرضا (ع) بأسلوب استخدام الاستدلال في المبادئ العقلية، يقوم بتعليم أصحابه وأتباعه في موارد متعددة، ويعتبر الأفكار المخالفة للعقل من الأخبار المجعولة. كما في رده على الحسين بن خالد الكابلي الذي يقول إن البعض ينسب فكر الجبر والتشبيه إلى الشيعة، فيقول: “مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِك وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ يَا ابْنَ خَالِدٍ إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّا في التَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى”؛ أي: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن منه براء في الدنيا والآخرة. يا ابن خالد، إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله تعالى (الصدوق، 1378هـ، 1: 143). من هذا المنطلق، فإن أحد معايير معرفة الحديث المختلق هو مخالفته للبراهين العقلية والآيات المحكمة في القرآن. كما روي عن رسول الله (ص): “إِذَا أَتَاكُم عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ حُجَّةِ عُقُولِكُم فَإِن وَافَقَهُمَا فَاقْبِلُوهُ وَ إِلَّا فَاضْرِبُوا بِهِ عَرْضَ الْجِدَارِ”؛ أي: إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله وحجة عقولكم (الاستدلالات العقلية)، فإن وافقهما فاقبلوه، وإلا فاضربوا به عرض الجدار (أبو الفتوح الرازي، 1408هـ، 5: 368).
4-2. مخالفة الحديث للمسلمات الدينية والمذهبية
من المعايير الأخرى لمعرفة الحديث المجعول في سيرة الإمام الرضا (ع)، مخالفة الحديث للمسلمات الدينية، لأن مسلّمات أي دين، التي ثبتت عن طريق النقل وبأدلة قوية، لا تحتمل أي مخالفة أو إنكار. فمثلاً، فيما يتعلق بعصمة الأنبياء، لم تقبل الشيعة أبدًا أن يرتكب الأنبياء الإلهيون ذنوبًا. ولهذا السبب، فإن الإمام الرضا (ع) في نقده للأفكار الخاطئة لعلماء اليهود والنصارى والفرق المختلفة بشأن زواج النبي داود (ع) بزوجة أوريا في مجلس المأمون، يذكّر بعصمة الأنبياء (ع)، ثم يبيّن حقيقة الأمر قائلاً: “إِنَّ الْمَرْأَةَ فِي أَيامِ دَاوُدَ (ع) كَانَتْ إِذَا مَاتَ بَعْلُهَا أَوْ قُتِلَ لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ أَبَداً وَ أَوَّلُ مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قُتِلَ بَعْلُهَا كَانَ دَاوُدُ (ع) فَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أُورِيا لَمَّا قُتِلَ وَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ فَذَلِكَ الَّذِي شَقَّ عَلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ أوريا”؛ أي: في زمن النبي داود (ع)، كان حكم الله أن المرأة إذا مات زوجها أو قُتل، لا تتزوج بعده أبدًا. وأول من أباح الله له أن يتزوج بامرأة قُتل زوجها كان داود (ع). فتزوج بزوجة أوريا بعد مقتله وانقضاء عدتها منه، وهذا هو الأمر الذي شق على الناس من جهة أوريا (الصدوق، 1378هـ، 1: 194؛ البحراني، 1374ش، 4: 649؛ المجلسي، 1403هـ، 11: 72-74).
مثال آخر في هذا الصدد هو رد الإمام الرضا (ع) على سؤال إبراهيم بن أبي محمود بشأن رواية عن رسول الله (ص) يُشم منها شبهة تجسيم الله، فقال: “لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَرِّفِينَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَاللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا كلَّ لَيْلَةٍ فِي الثلث الأخير”؛ أي: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه. والله ما قال رسول الله (ص) كذلك. بل قال رسول الله (ص) إن الله تعالى ينزل ملكًا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير، وفي ليلة الجمعة في الثلث الأول من الليل (الصدوق، 1378هـ، 1: 126).
من هذا المنطلق، فإن أحد معايير النقد الداخلي أو المضموني هو عدم مخالفة مضمون الحديث للأصول الموضوعة والمسلمات في الدين الإسلامي والمذهب الإمامي. وبناءً على هذا، فإن المسلمات المذهبية التي ثبتت بأدلة عقلية ونقلية قوية، لا يجوز لأتباع المذهب الإمامي أي شك أو إنكار فيها، والأحاديث المخالفة لها محل تأمل وغير صحيحة.
5-2. خلو الكلام من الحقيقة والنورانية
من الخصائص الأخرى لكلام المعصومين (ع) أن نورانية وحقيقة ترافقه، مما يميزه عن كلام غير المعصوم. ومن ثم، فإن الكلام الذي لا يتمتع بالنورانية والحقيقة لم يصدر عن الأئمة وهو مجعول. بما أن الأئمة (ع) هم نور الله في العالم، كما نقل أبو خالد الكابلي عن الإمام الباقر (ع) رواية سُئل فيها الإمام (ع) عن الآية الشريفة “فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا” (التغابن: 8)، فقال: “يا أبا خالد، والله هذا النور هم أئمة آل محمد (ع) إلى يوم القيامة” (الكليني، 1407هـ، 1: 371).
لكلام الأئمة نور أيضًا يمكن لكل ذي فطرة سليمة أن يميزه. ومن ثم، فكل ما لا حقيقة له ولا نور فيه لم يصدر عن الأئمة وهو كلام غيرهم.
في الرواية التي وردت في مبحث مخالفة الحديث للقرآن عن يونس بن عبد الرحمن، أشار الإمام الرضا (ع) لتمييز الروايات المجعولة، بالإضافة إلى عدم مخالفة الكلام الصادر عن أهل البيت (ع) للقرآن وسنتهم، في الفقرة الأخيرة من الرواية إلى نقطة مثيرة للاهتمام، قائلاً: “فَإِنَّ مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَّا حَقِيقَةً وَ عَلَيْهِ نُوراً ، فَمَا لَا حَقِيقَةً مَعَهُ وَلَا نُورَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ” (الكشي، 1409هـ، 225؛ المجلسي، 1403هـ، 2: 250)؛ أي: إن مع كل قول منا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان.
ما يُفهم من هذه الفقرة هو أن طريق تمييز الروايات الخالصة من المشوبة عند الشيعة يختلف كثيرًا عنه عند أهل السنة؛ فعند الشيعة، الاهتمام بمضمون الرواية وفقه الحديث أكثر فائدة من الاهتمام بالرجال. وبالطبع، من الواضح أن هذه المعايير، بأصالتها، لا تترك أي شك في قبول الكلمات النورانية للأئمة الأطهار (ع)، وقوة متن هذا النوع من الروايات وإتقانه هو أفضل طريق لمكافحة الروايات المجعولة. وقد وصل يونس بن عبد الرحمن، بالانتباه إلى هذه النقطة، إلى درجة أن كتابه الحديثي أصبح خالصًا ونقيًا من جميع الروايات المجعولة (نفس المصدر).
6-2. نقل الحديث من مصادر غير معتبرة ورواة غير موثقين من العلامات الأخرى للحديث الموضوع نقل الروايات التي وردت عن طريق مصادر ورواة غير موثقين. ومن هنا، أوصى الإمام الرضا (ع) بالدقة في تلقي الحديث من مصدره ومجراه الأصلي، للتعرف على الوضع ومنعه. ذلك أن من المسائل المهمة في زمن الإمام الرضا (ع) انتشار حلقات الحديث العامة والجماعات الكلامية المنحرفة في تلك الفترة. ولذلك، أوصى الإمام (ع) الشيعة بهذا الأمر المهم. كما ورد في حديث أبي الصلت: “سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَن عَلَى بْنَ مُوسَى الرِّضَاعِ يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ عَبْداً أَحْيا أَمْرَنَا فَقُلْتُ لَهُ وَكيفَ يحيى أَمْرَكُمْ قَالَ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَا تَّبَعُونَا قَالَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ رُوِي لَنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيمَارِى بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَبَاهِي بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ فَقَالَ ع صَدَقَ جَدِّى ع أَفَتَدْرِي مَنِ السُّفَهَاءُ فَقُلْتُ لَا يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ عِ هُمْ قُصَّاصُ مُخَالِفِينَا أَوَ تَدْرِي مَنِ الْعُلَمَاءُ فَقُلْتُ لَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ص فَقَالَ هُمْ عُلَمَاءُ آلِ مُحَمَّدِعِ الَّذِينَ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُمْ وَ أَوْجَبَ مَوَدَّتَهُمْ ثُمَّ قَالَ أَ وَ تَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ لِيَقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ عَ يَعْنِي وَ اللَّهِ بِذَلِكَ ادْعَاءَ الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ حَقَّهَا وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِک فَهُوَ فِي النَّار» (صدوق، ۱۳۷۸ش، ۱: ۳۰۷-۳۰۸).
يُفهم جيدًا من سياق الرواية اللغوي أن الإمام (ع) يحذر أصحابه مما يقوله القصاص المتظاهرون بالرواية “قُصَّاصُ مُخَالِفِينَا” والمتكلمون البعيدون عن مدرسة أهل البيت (ع)؛ لأنهم سفهاء. ولهذا يقول لأبي الصلت: يجب أخذ العلم من العلماء الحقيقيين، ويعرّف العلماء بقوله: “هُمْ عُلَمَاءُ آلِ مُحَمَّد الَّذِينَ فَرَضَ اللهُ طَاعَتَهُمْ وَ أَوْجَبَ مَوَدَّتَهُمْ”. بناءً على هذا، فإن الدقة في أخذ الحديث من مصدر معتبر وصحة صدور الحديث عن طريق معرفة الرواة هي إحدى طرق معرفة وضع الحديث في سيرة الإمام الرضا (ع)، والتي أُشير إليها في التقارير الحديثية. كما أنه بناءً على روايات الأئمة (ع)، كان الكاذبون في الأحاديث يُعرّفون بوجود صفات مثل الانحرافات المذهبية أو الأخلاقية فيهم. وفي كثير من الحالات، كانوا يعرّفون الناس بالرواة الموثوقين لديهم ليأخذوا الأحاديث منهم. كما ورد في رواية عن علي بن المسيب: “قُلْتُ لِلرِّضَاعِ شُقَّتِي بَعِيدَةً وَ لَسْتُ أَصِلُ إِلَيْكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَمِمَّنْ أخُذُ مَعَالِمَ دِينِي فَقَالَ مِنْ زَكَرِيا بْنِ آدَمَ الْقُمِّى الْمَأْمُونِ عَلَى الدِّينِ وَ الدُّنْيا” (المفيد، 1413هـ، 87؛ الكشي، 1363ش، 2: 858) ؛ أي: سألت الإمام الرضا (ع): مسكني بعيد ولا أستطيع الوصول إليك في كل وقت. فممن آخذ معالم ديني؟ فقال: من زكريا بن آدم القمي، المأمون على الدين والدنيا. من هذا المنطلق، فإن الأمانة والثقة من الصفات التي اعتُبرت في هذه الرواية أساسًا لقبول مصدر الحديث ومنبعه.
3. طرق مكافحة الواضعين من أهم طرق مواجهة الواضعين في سيرة الإمام الرضا (ع) ما يلي:
1-3. إقامة جلسات المناظرة وحلقات الحديث من إجراءات الإمام الرضا (ع) في منع جعل ووضع الحديث، إقامة حلقات الحديث وجلسات المناظرات في المسائل الفكرية والعقائدية، والتي كانت تتم في مواجهة المعتقدات المنحرفة للفرق الموجودة، بما في ذلك الواقفية. وتشير التقارير التاريخية والحديثية إلى جلسات متعددة في هذا المجال. كما وردت نتائج هذه الجلسات في كتاب “صحيفة الرضا (ع)” نقلاً عن أحمد بن عامر الطائي، وكذلك نقل الطبرسي في كتاب “الاحتجاج” 38 مناظرة عن الإمام الرضا (ع) (انظر: الطبرسي، 1403هـ، 2: 396 وما بعدها). رُويت احتجاجات كثيرة عن الإمام الرضا (ع) في مسائل مختلفة، منها التوحيد والإمامة، وكذلك مناظرته مع الزنادقة، وأيضًا احتجاجه مع أشخاص مثل سليمان المروزي، وبحثه مع أنصار أفكار المرجئة والمعتزلة والثنوية، في المصادر الحديثية (انظر: الصدوق، 1378هـ، 1: 124، 149؛ نفسه، 1398هـ، 441-254؛ ابن شعبة، 1404هـ، 423)، وكلها تهدف إلى التنوير ومكافحة الأفكار المنحرفة. كما ورد في تقرير أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي بشأن عيد الغدير: “كُنَّا عِنْدَ الرِّضَا وَالْمَجْلِسُ غَاصٌ بِأَهْلِهِ فَتَذَاكَرُوا يَوْمَ الْغَدِيرِ فَأَنْكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ…” (الثقفي، 1395هـ، 2: 858؛ الطوسي، 1407هـ، 6: 24؛ ابن طاووس، 1376ش، 2: 269).
وفي بعض الحالات، ذُكر عدد الحضور، مما يدل على الحضور الحاشد لأفراد مختلفين، وحتى المعارضين، في جلسات الإمام (ع) الحديثية. كما نقل ابن طاووس عن الشيخ الصدوق: “كَانَ عَلَى بْنُ مُوسَى الرِّضَاعِ بِمَدِينَةِ مَرْوَ وَ مَعَهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَ سِتُّونَ رَجُلًا مِنْ شِيعَتِهِ مِنْ بِلَادٍ شَتَّى” (1411هـ، 23).
وفي مدن أخرى أيضًا، منها المدينة المنورة والكوفة ومنى وخراسان، كانت تُعقد جلسات وحلقات حديث ومناظرات (الحميري، 1413هـ، 200؛ الصدوق، 1398هـ، 419؛ الكليني، 1407هـ، 4: 23؛ الطوسي، 1407هـ، 6: 24؛ الطبرسي، 1403هـ، 2: 416)، والتي تُعتبر بحد ذاتها أسلوبًا لتنقية الأحاديث وطرح الأحاديث المختلقة والأفكار الخاطئة. ومن هذا المنطلق، كان الإمام (ع) بإقامة حلقات الحديث والمناظرات، ضمن نقد وطرح الأحاديث المختلقة، ينقل إليهم الأفكار الإسلامية الأصيلة بهذا الأسلوب الحكيم.
2-3. مكافحة الأفكار الغالية يُعد الغلو في شأن الأئمة (ع) من الآفات التي أصابت تيار الإسلام المحمدي الأصيل، وأدت في بعض الحالات إلى تشويه المذهب الشيعي وصورة أهل البيت (ع). وعادةً ما تُعرف هذه الآفة بأمور مثل اعتبار الأئمة (ع) شركاء لله في الخلق أو الرزق، وحلول الله في الأئمة (ع)، وعلم الغيب للأئمة (ع) دون إلهام إلهي، ونبوة الأئمة (ع)، وتناسخ أرواح الأئمة (ع)، وكفاية معرفتهم عن التكاليف الدينية (خاني مقدم ودياري بيدگلي، 1398ش، 194). في زمن الإمام الرضا (ع)، بالإضافة إلى انتشار تيار الواقفية الذي كان يطرح أحيانًا معتقدات غالية، نواجه غلاة مشهورين مثل يونس بن ظبيان ومحمد بن فرات، الذين كانوا ينشرون أفكارهم المنحرفة في المجتمع. بالإضافة إلى هذا، كانت تُلاحظ في أرجاء الدولة الإسلامية، خاصة في الكوفة وأحيانًا في خراسان، أفكار غالية بين بعض المنتسبين إلى الشيعة، مما أدى إلى تشويه سمعة الشيعة. هذه الظروف دفعت الإمام الرضا إلى مكافحة هذا التيار بجدية، وبالإضافة إلى فضح الغلاة المشهورين، قام بمواجهة أفكار الغلاة (حاجي زاده، 1393ش، 50). من هذا المنطلق، قام الإمام الرضا (ع) بتعريف الغلاة مثل بيان بن سمعان، والمغيرة بن سعيد، وأبي الخطاب محمد بن بشير، وادعاءاتهم الكاذبة بشأن الأئمة (انظر: الكشي، 1409هـ، 302-303)، وكذلك بتعريف غلاة زمانه، أي يونس بن ظبيان (انظر: نفس المصدر، 363) ومحمد بن فرات (نفس المصدر، 554).
بناءً على هذا، فإن أحد الجهود التي بُذلت في سيرة الأئمة (ع) في مجال الرد والنقد، ومنعت الوضع والجعل، هي مكافحة الأفكار الغالية والروايات المجعولة للغلاة، والتي تتمثل في إعطاء الأئمة أفضلية كاذبة ورفعهم من مكانتهم الحقيقية إلى مرتبة الألوهية والنبوة. كما يوضح ذلك رواية عبد السلام بن صالح الهروي عن الإمام الرضا (ع): “قَالَ أَبو الصَّلْتِ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص مَا شَيْءٌ يحكيه عَنْكُمُ النَّاسُ قَالَ وَ مَا هُوَ قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَدَّعُونَ أَنَّ النَّاسَ لَكُمْ عَبِيدٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ شَاهِدٌ بِأَنِّي لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ قَطَّ وَ لَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنْ آبَائِي ع قَالَهُ قَطُّ وَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِمَا لَنَا مِنَ الْمَظَالِمِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِنَّ هَذِهِ مِنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ السَّلَامِ إِذَا كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيدَنَا عَلَى مَا حَكَوْهُ عَنَّا فَمِمَّنْ نَبِيعُهُمْ…” (الصدوق، 1378هـ، 2: 183-184؛ البحراني، 1374ش، 4: 361-362) ؛ أي: قال أبو الصلت: قلت له: يا ابن رسول الله، ما هذا الشيء الذي يحكيه الناس عنكم؟ قال: وما هو؟ قلت: يقولون إنكم تدّعون أن الناس لكم عبيد. فقال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط، ولا سمعت أحدًا من آبائي (ع) قاله قط. وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة، وإن هذه منها. ثم أقبل عليّ فقال لي: يا عبد السلام، إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا، فممن نبيعهم؟.
في رواية أخرى في مجلس المأمون، نُقل أن المأمون سأل الإمام الرضا (ع) عن أن البعض يغلون في شأن الإمام وينسبون إليهم مقامًا يتجاوز حدهم، فقال الإمام (ع) نقلاً عن النبي (ص): “لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني نبيًا”. وفي القرآن الكريم أيضًا يقول: “ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ” (آل عمران: 79-80). ونقلاً عن علي (ع) قال: “يهلك فيّ رجلان ولا ذنب لي: محب مفرط، ومبغض مفرط. ونحن براء ممن غلا فينا ورفعنا فوق حد العبودية لله” (الحر العاملي، 1409هـ، 5: 378-379). كما يُلاحظ، فإن أحد الإجراءات الأساسية للإمام الرضا (ع) في حماية الأفكار الإسلامية النقية هو مكافحة الانحرافات الفكرية والعقائدية في المجتمع الإسلامي، حيث كان الإمام (ع) يتعامل مع هذه الانحرافات في مناسبات مختلفة، ويعلن مواقفه ويبين الرأي الحق والصواب، وينهى الآخرين عن المعتقدات الخاطئة.
3-3. المواجهة ومكافحة القُصّاص كانت صناعة القصص واختلاق الأساطير من قِبَل القُصّاص إحدى الآفات التي هددت الحديث النبوي، مستهدفةً أسس الدين القائمة على العقل والفطرة السليمة للإنسان. وكانت رواية القصص إحدى أدوات الخلفاء الجائرين الذين سعوا، من خلال تعيين علماء تابعين للبلاط، إلى مواجهة أهل البيت (ع) والقضاء على الحديث النبوي. ولهذا السبب، نشهد دائمًا في تاريخ الحديث مواجهة الأئمة (ع) للقُصّاص ورواية القصص. فمثلاً، أخرج الإمام علي (ع) بعد دخوله البصرة رواة القصص من المسجد (انظر: المجلسي، 1403هـ، 81: 17). بل ونُقل ما هو أشد من ذلك، وهو أن الإمام (ع) رأى قاصًا في المسجد، فضربه وأخرجه: “إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) رَأَى قَاصّاً فِي الْمَسْجِدِ فَضَرَبَهُ بِالدَّرَّةِ فَطَرَدَهُ” (الطوسي، 1407هـ، 10: 149). اعتبر الإمام الباقر (ع) رواة القصص من الخائنين (العياشي، 1380هـ، 1: 362)، ووصفهم الإمام الصادق (ع) بالغاوين (العروسي الحويزي، 1415هـ، 4: 71) ولعنهم (الصدوق، 1414هـ، 109)؛ لأن وجود الروايات القصصية المختلقة في أذهان الناس يؤدي إلى الضلال وسلب الثقة، ودخول هذه القصص في مجموعات الحديث يؤدي إلى عدم اعتبار الكثير من الرواة ومجموعات الحديث، لأن الكثير من القصاصين كانوا يلجؤون إلى صناعة الأسانيد لإضفاء القدسية على عملهم.
وقد غضب الإمام الرضا (ع) أيضًا بشدة عند حديثه مع أرباب المذاهب المختلفة بشأن عصمة الأنبياء، ومن ذلك قصة داود وأوريا، فضرب يده على جبهته المباركة، وضمن رده لهذه الرواية قال: “إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَقَدْ نَسَبْتُمْ نَبِياً مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِلَى التَّهَاوُنِ بِصَلَاتِهِ حَتَّى خَرَجَ فِي أَثَرِ الطَّيرِ ثُمَّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ بِالْقَتْلِ؟!” (الصدوق، 1378هـ، 1: 194؛ البحراني، 1374ش، 4: 649)؛ أي: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيًا من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل؟!. بما أن رواية القصص هي إحدى سياقات الكذب لدى القصاصين، فقد واجهها الأئمة المعصومون (ع) بحزم دائمًا، والإمام الرضا (ع) أيضًا كان يتعامل مع القصاصين والقصص التي لا أصل صحيح لها، وينفي المسائل الخرافية. كما ورد في رواية علي بن محمد بن الجهم: “أن الإمام الرضا (ع) ردًا على سؤال المأمون العباسي بشأن قصة يقولها الناس عن كوكب الزهرة ونجم سهيل، وهي أن هذا الكوكب كان في الأصل امرأة عشقها هاروت وماروت، وأوقعت هذين الملكين في الخطيئة، وأن نجم سهيل كان في الحقيقة جابي ضرائب في اليمن، وأن الله مسخهما بسبب الذنوب التي ارتكباها وجعلهما جرمين سماويين؛ فقال: كذبوا في قولهم هذا… إن الله عز وجل لا يمسخ أعداءه أنوارًا ساطعة تبقى ما بقيت السماوات والأرض، والمسوخ لا تبقى أكثر من ثلاثة أيام وتموت ولا يبقى منها نسل، ولا يوجد حاليًا أي مخلوق ممسوخ، وما يطلقون عليه اسم المسوخ مثل القردة والخنازير والدببة وما شابهها، هي في الحقيقة تشبه مخلوقات مسخها الله عندما غضب عليها ولعنها. وسبب ذلك أنهم أنكروا وحدانية الله وكذبوا أنبياءه. أما هاروت وماروت فكانا ملكين يعلمان الناس السحر ليتمكنوا من اتقاء سحر السحرة وإبطال مكر سحرهم، ولم يكن هذان الملكان يعلمان أحدًا شيئًا من السحر إلا قالا له: “إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَكَفَرَ قَوْمٌ بِاسْتِعْمالِهِمْ لِما أُمِرُوا بِالاحْتِرازِ مِنْهُ وَ جَعَلُوا يُفَرِّقُونَ بِما تَعَلَّمُوهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ” (البقرة: 102)؛ أي: إنما نحن للابتلاء الشديد نعلمكم السحر، فإياكم أن تسلكوا به طريق الكفر. فكفر قوم باستخدامهم له في الطريق الذي أُمروا بالاحتراز منه، وجعلوا السحر الذي تعلموه وسيلة للتفرقة بين الزوج وزوجته… (الصدوق، 1378هـ، 1: 271).
كما يُلاحظ، فإن من المجالات الأخرى التي أدت إلى جعل الحديث ونشر الثقافة الخرافية بين الناس، رواية القصص وبيان القصص الخرافية، والتي كان الإمام الرضا (ع) يواجهها بالتنوير ووصفها بالجعل وتكذيب رواة هذا النوع من القصص، ويبين الحقيقة.
4-3. تعريف وفضح جاعلي الحديث من الطرق الأخرى لمكافحة الوضع والجعل من قبل أئمة الهدى، وخاصة الإمام الرضا (ع)، هو الفضح الصريح للواضعين وجاعلي الحديث. هؤلاء الواضعون الذين تسللوا إلى صفوف أصحاب الأئمة بأسماء رواة ومحدثين ومحبين وأحيانًا ممثلين، وربما كان لهم مظهر متدين وتقي، لذا كان فضحهم أمرًا صعبًا للغاية، ولم يكن فضح هويتهم الحقيقية ممكنًا إلا عن طريق الأئمة (ع). في هذا الجو، كان الأئمة (ع) كشخصيات رجالية، يقومون بصراحة بتعريف الواضعين والكذابين حتى لا يبقى شك أو شبهة. ولهذا، قام الإمام الرضا (ع) بفضح جاعلين مثل “يونس بن ظبيان” (انظر: نفس المصدر، 363) و”محمد بن فرات”. فمثلاً، قال عن “محمد بن فرات” ليونس بن عبد الرحمن: “أَمَا تَرَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ وَ مَا يَكذِبُ عَلَىَّ فَقُلْتُ أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَ أَسْحَقَهُ وَ أَشْقَاهُ فَقَالَ : قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ، أَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ كمَا أَذَاقَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَيْنَا، يا يُونُسُ إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِتُحَذِّرَ عَنْهُ أَصْحَابِي وَ تَأْمُرَهُمْ بِلَعْنِهِ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْه” (الكشي، 1409هـ، 554). ولهذا السبب، وصفه الرجاليون أيضًا بأنه ضعيف (النجاشي، 1365ش، 363؛ ابن الغضائري، 1364ش، 92) ومن أهل الغلو (الكشي، 1409هـ، 554). كما نُقل عن الإمام (ع) في كلام آخر قوله: “آذَانِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ آذَاهُ اللَّهُ وَ أَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، آذَانِي لَعَنَهُ اللَّهُ أَذًى مَا آذَى أَبُو الْخَطَّابِ لَعَنَهُ اللَّهُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) بِمِثْلِهِ، وَ مَا كَذَبَ عَلَيْنَا خَطَّابِى مِثْلَ مَا كَذَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَ اللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ يَكْذِبُ عَلَيْنَا إِلَّا وَيُذِيقُهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ” (الكشي، 1409هـ، 555).
كما نقل أبو يحيى الواسطي عن الإمام الرضا (ع) بشأن بيان بنان بن محمد، والمغيرة بن سعيد، ومحمد بن بشير، وأبي الخطاب، ومحمد بن فرات، قوله: “قَالَ أَبو الْحَسَنِ الرِّضَا (ع): كَانَ بيان بُنَانٌ يَكذِبُ عَلَى عَلَى بْنِ الْحُسَينِ (ع) فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ يكذِبُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، وَ كانَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ يكذِبُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (ع) فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، وَكَانَ أَبُو الْخَطَّابِ يَكذِبُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، وَالَّذِي يَكذِبُ عَلَىَّ مُحَمَّدُ بْنُ فُرَاتٍ” (الكشي، 1409هـ، 302-303). بناءً على هذا، فإن أحد الأساليب الأخرى لمكافحة الإمام (ع) لظاهرة الوضع هو تعريف جاعلي الحديث وفضح طبيعتهم الخبيثة. وكما يُلاحظ، فإن الإمام الرضا (ع) يقوم بجرح وتعديل الرواة كأحد علماء الرجال.
5-3. مواجهة ظاهرة التحريف في الأحاديث
من الطرق الأخرى لمكافحة ظاهرة جعل الحديث المشؤومة في سيرة الإمام الرضا (ع)، مواجهة ظاهرة تحريف الأحاديث النبوية النقية، حيث كان الإمام (ع) يمنع تحريفها بمعرفته بالسنة النبوية. كما روى الشيخ الصدوق في كتاب “عيون أخبار الرضا (ع)” بإسناده عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للإمام الرضا (ع): يا ابن رسول الله، ما رأيكم في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (ص) أنه قال: “إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنْزِلُ كلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْیا”؛ أي: إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا؟ فقال: “لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَرِّفِينَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ”؛ أي: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه. والله ما قال رسول الله (ص) كذلك. بل قال (ص): “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا كلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَأْمُرُهُ فَيَنَادِي هَلْ مِنْ سَائِلِ فَأُعْطِيهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ فَلَا يَزَالُ يَنَادِى بِهَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ مِنْ مَلَكوتِ السَّمَاءِ”؛ أي: إن الله تبارك وتعالى يُنزل ملكًا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة، وفي ليلة الجمعة من أول الليل، فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشر أقصر. فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء. “حَدَّثَنِي بِذَلِک أَبِي عَنْ جَدِّى عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ الله ص؛ حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه (ع) عن رسول الله (ص)” (الصدوق، 1378هـ، 1: 126).
بالنظر إلى السياق اللغوي للرواية، يبدو أن محرفي الحديث النبوي الذين يقولون بالتجسيم والأوصاف المادية والحسية مثل الحركة والانتقال لله، كانوا من فرقة المشبهة الذين عاشوا في زمن الإمام (ع). لقد قاموا، بحذف جزء من متن الحديث، بمحاولة إثبات معتقدهم الباطل، فارتكبوا التحريف اللفظي، وارتكبوا الجعل من نوع التحريف. ومن هنا، قام الإمام الرضا (ع)، بمعرفته بالسنة النبوية النقية، بتقديم المتن الأصلي للحديث، وبهذه الطريقة، بالإضافة إلى مكافحة ظاهرة التحريف، أشار إلى الاعتقاد التوحيدي الصحيح المستند إلى الحديث.
4. الخلاصة مما سبق يتضح ما يلي:
1- كان وضع وجعل الحديث من الآفات التي هددت السنة – وهي الدعامة الثانية لاستنباط الأحكام والمعارف الإسلامية – في القرون الأولى للإسلام، وقد تم ذلك بدواعٍ وأسباب مختلفة. 2- في هذا السياق، وعلى إثر تحذير النبي الإسلام (ص)، سعى أئمة الشيعة، ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، اقتداءً به في هذا المجال، وكافحوا ظاهرة الجعل في مراجعات الناس لهم وحواراتهم العلمية مع طالبي الحقيقة والفقهاء وكاتبي الحديث وحتى جهاز الخلافة وعلماء اليهود والنصارى، ودعوا أصحابهم أيضًا إلى بذل الجهد في هذا السبيل. وبنظرة عميقة وثاقبة، وتقديم حلول لمعرفة الحديث الموضوع، قاموا بأساليب مختلفة بمكافحة وضع وواضعي الحديث وتنقية الروايات والمجامع الحديثية. 3- من خلال هذا البحث، يمكن اعتبار أهم معايير وعلامات الوضع هي: مخالفة الحديث للقرآن والسنة القطعية للنبي (ص) ومنقولات الأئمة (ع) الآخرين، وكذلك مخالفة الحديث للمسلمات الدينية والواقعيات والمسائل اليومية، ومخالفة الحديث للعقل، وخلو الكلام من الحقيقة والنورانية، وأخذ الحديث من مصادر غير معتبرة ورواة غير معتبرين. 4- من أهم طرق مكافحة الإمام الرضا (ع) لظاهرة وضع الحديث والواضعين: إقامة حلقات الحديث وعقد المناظرات المختلفة بين مفكري الفرق المختلفة، والمواجهة ومكافحة القصاصين، ومكافحة الأفكار الغالية، وتعريف وفضح جاعلي الحديث، ومواجهة ظاهرة التحريف في الأحاديث.
المصادر
- القرآن الكريم.
- ابن إدريس الحلي، محمد بن أحمد. السرائر. تصحيح: حسن بن أحمد الموسوي. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1410هـ.
- ابن بابويه، علي بن الحسين. الإمامة والتبصرة من الحيرة. قم: مدرسة الإمام المهدي (ع)، 1404هـ.
- ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي. تحف العقول. قم: جامعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1404هـ.
- ابن طاووس، علي بن موسى. الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرة في السنة. تحقيق وتصحيح: جواد القيومي الأصفهاني. قم: دفتر التبليغات الإسلامي، 1376ش.
- —. المجتنى من الدعاء المجتبى. تحقيق/تصحيح: أبو طالب الكرماني ومحمد حسن محرر. قم: دار الذخائر، 1411هـ.
- ابن الغضائري، أحمد بن الحسين. الرجال لابن الغضائري. قم: دار الحديث، 1364ش.
- ابن فارس، أحمد بن فارس. معجم مقاييس اللغة. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
- أبو الفتوح الرازي، الحسين بن علي. روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن. تحقيق: محمد جعفر ياحقي ومحمد مهدي ناصح. مشهد: مؤسسة البحوث الإسلامية بالآستانة الرضوية المقدسة، 1408هـ.
- أحمد بن حنبل. مسند أحمد. بيروت: دار صادر، د.ت.
- إله دادي دستجردي، رضا، وسيد علي حسين بور، ومحمد جواد ياوري. “تحليل فقه الحديثي روايات فطرس ملك”. دراسات فهم الحديث 9، 18 (1402ش): 141-157. doi:10.30479/mfh.2023.17139.2120.
- البحراني، السيد هاشم. البرهان في تفسير القرآن. طهران: مؤسسة البعثة، 1374ش.
- البستاني، فؤاد أفرام؛ ورضا مهيار. فرهنگ ابجدي. طهران: إسلامي، الطبعة الثانية، 1375ش.
- پاينده، أبو القاسم. نهج الفصاحة (مجموعة كلمات قصار حضرت رسول (ص)). طهران: دنياي دانش، الطبعة الرابعة، 1382ش.
- الثقفي، إبراهيم بن محمد. الغارات أو الاستنفار والغارات. تحقيق وتصحيح: جلال الدين المحدث. طهران: انجمن آثار ملي، 1395ق.
- الجعفري اللنكرودي، محمد جعفر. ترمينولوژي حقوق. طهران: كتابخانه گنج دانش، 1388ش.
- جوادي آملي، عبد الله. فلسفه الهي از منظر امام رضا (ع). ترجمة: زينب كربلائي. قم: إسراء، 1397ش.
- حاجي زاده، يد الله. “غاليان دوره امام رضا (ع) و چگونگي برخورد آن حضرت (ع) با آنها”. تاريخ إسلام 15، 57 (1393ش): 49-90.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1409هـ.
- الحميري، عبد الله بن جعفر. قرب الإسناد. قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1413هـ.
- خاني مقدم، مهيار؛ ومحمد تقي دياري بيدگلي. “تحليل سندي و محتوائي حديث قُولُوا فينا ما شئتم…” با رويكردي به نفي غلو از ساحت اهل بيت (ع)”. دراسات فهم الحديث 5، 10 (1398ش): 193-210. doi:10.30479/mfh.2019.1674.
- الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: دار القلم، 1412هـ.
- السباعي، مصطفى. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. بيروت: دار الوراق، 1419هـ.
- الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي. الرعاية في علم الدراية. تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال. قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، الطبعة الثانية، 1408هـ.
- صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم. شرح أصول الكافي. طهران: مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، 1383ش.
- الصدوق، محمد بن علي. اعتقادات الإمامية. قم: المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، الطبعة الثانية، 1414هـ.
- —. التوحيد. تحقيق وتصحيح: هاشم الحسيني. قم: جامعة المدرسين، 1398هـ.
- —. عيون أخبار الرضا عليه السلام. تحقيق وتصحيح: مهدي اللاجوردي. طهران: جهان، 1378هـ.
- —. من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، الطبعة الثانية، 1413هـ.
- الصفار، محمد بن الحسن. بصائر الدرجات. تحقيق: محسن كوچه باغي. قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، الطبعة الثانية، 1404هـ.
- ضياء العمري، أكرم. بحوث في تاريخ السنة المشرفة. بغداد: مطبعة الإرشاد، 1972م.
- الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج. تحقيق: محمد باقر الخرسان. مشهد: مرتضى، 1403هـ.
- الطبري الآملي الكبير، محمد بن جرير. المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام. تحقيق/تصحيح: أحمد المحمودي. قم: كوشانبور، 1415هـ.
- الطوسي، محمد بن الحسن. الأمالي. قم: دار الثقافة، 1414هـ.
- —. تهذيب الأحكام. تحقيق/تصحيح: حسن الموسوي الخرسان. طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
- العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة. تفسير نور الثقلين. تحقيق/تصحيح: رسولي محلاتي، هاشم. قم: إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1415هـ.
- علي بن موسى، الإمام الثامن (ع). صحيفة الإمام الرضا عليه السلام. المؤتمر العالمي للإمام الرضا (ع)، مشهد، 1406هـ.
- العياشي، محمد بن مسعود. كتاب التفسير. تحقيق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي. طهران: المطبعة العلمية، 1380هـ.
- الفيض الكاشاني، محمد محسن. نوادر الأخبار فيما يتعلق بأصول الدين. تحقيق/تصحيح: مهدي الأنصاري القمي. طهران: مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، 1371ش.
- القرشي البنائي، علي أكبر. قاموس قرآن. طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة السادسة، 1412هـ.
- الكشي، محمد بن عمر. رجال الكشي – اختيار معرفة الرجال. تصحيح: حسن المصطفوي. مشهد: جامعة مشهد، 1409هـ.
- الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمد الآخوندي. طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
- المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1403هـ.
- المجلسي، محمد تقي. لوامع صاحبقراني. قم: مؤسسة إسماعيليان، الطبعة الثانية، 1414هـ.
- المسعودي، عبد الهادي. وضع ونقد الحديث. طهران: سمت، الطبعة الثانية، 1389ش.
- معين، محمد. فرهنگ فارسي. طهران: أمير كبير، 1383ش.
- المفيد، محمد بن محمد. الاختصاص. قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.
- النجاشي، أحمد بن علي. رجال النجاشي. قم: جامعة المدرسين، الطبعة السادسة، 1365ش.
- الواسطي البغدادي، أحمد بن الحسين. الرجال لابن الغضائري. مصحح: محمد رضا الحسيني. قم: دار الحديث، 1364ش.
- الهلالي، سليم بن قيس. كتاب سليم بن قيس الهلالي. تحقيق: محمد الأنصاري الزنجاني الخوئيني. قم: الهادي، 1405هـ.