المستخلص
كل نص يتأثر بمصادر متنوعة، ولمعرفة هذه المصادر وتأثيراتها فوائد جمة. من هذا المنطلق، نهدف من خلال كشف ودراسة التأثير والتأثر المتبادل بين شرحين لكتاب الكافي كُتبا في العصر الصفوي، إلى الإسهام في فهم أفضل لهذين الأثرين. وقد خلص البحث إلى أن كتاب مرآة العقول قد أفاد كثيرًا من حاشية الميرزا رفيعا. فقد استعان المجلسي بحاشية الميرزا في مجالات شتى، كتبيين معاني المفردات، والمباحث الصرفية والنحوية والبلاغية، واختلاف النسخ، وتحليل الروايات. ويكشف نقل المجلسي الواسع عن المكانة الرفيعة التي كانت تحتلها حاشية الميرزا في نظره. ومن الأسباب الأخرى لهذا النقل الواسع يمكن الإشارة إلى أمور من قبيل نزعة المجلسي النقلية والاحتياطية، وميله إلى نقل الأقوال المختلفة، وكثرة اشتغالاته، واختصار حاشية الميرزا، وكون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي، والتقارب الفكري بينهما. ورغم أن المجلسي اكتفى في بعض الموارد بنقل كلام الميرزا، إلا أنه أولى اهتمامًا كبيرًا لوجوه وأقوال أخرى. كما أنه أبدى رأيه في بعض المواضع ورجّح بعض الوجوه، وفي مواضع أخرى أورد إشكالات على الميرزا. وهذه الأمور تدل على أن المجلسي لم يكن مجرد ناقل.
۱. طرح المسألة
يستقي كل نص من مصادر متنوعة. والاستخدام المكثف من قبل مؤلف ما لمصدر معين يدل على أهمية ذلك المصدر لديه. ومن ناحية أخرى، فإن عدم الاستفادة من مصدر ما – شريطة توفره – أو الاستفادة المحدودة منه، يشير إلى عدم أهميته أو قلة أهميته بالنسبة للمؤلف. كما يمكن لكمية النقل وكيفيته من مصدر معين أن تكشف عن نقاط جديرة بالاهتمام. على سبيل المثال، النقل الكثير من مصدر ما قد يدل على تعلق المؤلف الشديد بذلك المصدر؛ فإذا ما قبل المؤلف كل تلك المنقولات وأقرها دون أن يوجه إليها أي إشكال، فقد يدل ذلك على التوافق الفكري أو التقارب بينه وبين صاحب المصدر، أو على تقليده الأعمى له. أما إذا عني المؤلف بنقد كل تلك المطالب أو غالبها، فيمكن أن نستشف على وجه الخصوص موقفه النقدي تجاه ذلك المصدر، وبشكل عام روحه النقدية. وفي بعض الأحيان، قد نحتاج إلى الرجوع إلى النص الأصلي لفهم المطلب المنقول بشكل أفضل أو أسهل.
في هذه الدراسة، نعتزم من خلال دراسة تأثير وتأثر شرحين لكتاب الكافي ببعضهما البعض، الإسهام في فهم أفضل لهذين الأثرين. وهذان الشرحان هما: الحاشية على أصول الكافي للميرزا رفيعا النائيني (ت. ۱۰۸۲هـ)، ومرآة العقول لمحمد باقر المجلسي (ت. ۱۱۱۱هـ). وقد كُتب هذان الشرحان في العصر الصفوي. الميرزا رفيعا من العلماء البارزين في العصر الصفوي، وكان متكلمًا وفيلسوفًا وفقيهًا، وهو من مشايخ محمد باقر المجلسي. وقد طُبع شرحه بعنوان الحاشية على أصول الكافي في مجلد واحد. وقد اقتصر الميرزا رفيعا في هذا الشرح على شرح قسم أصول الكافي، ولم يوفق من هذا القسم إلا لشرح كتاب «الحجة، بَابُ أَنَّ الْمُتَوَسِّمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ هُمُ الْأَئِمَّةُ (ع) وَالسَّبِيلُ فِيهِمْ مُقِيمٌ» حتى الحديث الثالث. ومن الأمور التي تدل على المكانة الرفيعة لهذا الشرح أن الملا خليل القزويني (ت. ۱۰۸۹هـ)، صاحب الشرحين الفارسي والعربي على كتاب الكافي، كان من نُسّاخ شرح الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۱).
ومن الأمور الأخرى التي تدل على أهمية هذا الشرح استفادة الشارحين الآخرين منه؛ فقد أشار محقق الكشف الوافي، وهو الشريف الشيرازي (ت. ۱۰۸۱هـ)، إلى أن الشريف الشيرازي قد استفاد كثيرًا في شرحه من الميرزا رفيعا (الشريف الشيرازي، ۱۴۳۰هـ، ۲۶). كما نقل عنه الملا صالح المازندراني (ت. ۱۰۸۱هـ) (۱۳۸۲هـ، ۳: ۵۰) بتعبير «قال بعض المحققين رفع الله تعالى قدره»، والمجذوب التبريزي (ت. ۱۰۹۳هـ) (۱۳۸۷ش، ۱: ۲۲۵، ۲۶۸) بتعبير «قال السيد الأجل النائيني رحمه الله»، والجيلاني بتعبير «في حواشي السيد الجليل الرفيع رفع الله شأنه» (۱۴۲۹هـ، ۱: ۱۲۵) و«في حاشية السيد الجليل الرفيع» (۱۴۲۹هـ، ۱: ۲۶۸) في شروحهم على الكافي من الميرزا رفيعا.
مرآة العقول هو أثر محمد باقر المجلسي، المحدث غزير الإنتاج والشهير في الطائفة الشيعية. وهذا الشرح من الشروح القليلة التي وُفقت لشرح كتاب الكافي بأكمله – أصولًا وفروعًا وروضة. وقد حظي هذا الأثر باهتمام كبير من قبل باحثي الحديث، لدرجة أن البعض اعتبره أفضل شرح لكتاب الكافي (رباني، ۱۳۸۳ش، ۳۳)، واعتبره البعض الآخر إلى جانب ملاذ الأخيار – شرح المجلسي على تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي – أكبر خطوة في تفسير الحديث (مسعودي، ۱۳۸۴ش، ۴۵).
استفاد المجلسي في مرآة العقول من مصادر كثيرة، منها الشروح التي كُتبت على كافي الكليني. فقد استفاد المجلسي من شروح مثل الحاشية على أصول الكافي للآسترابادي (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۳۵۱؛ قس: الآسترابادي، ۱۴۳۰هـ، ۱۳۱)، والتعليقة على أصول الكافي للميرداماد (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۱؛ قس: الميرداماد، ۱۴۰۳هـ، ۲۵۰-۲۵۱)، وشرح أصول الكافي للملا صدرا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۶۶-۲۶۷؛ قس: الملا صدرا، ۱۳۸۳ش، ۲: ۴۰۴: «فقيل: معناه أن العقل والوهم… حقيقة الأمر فيها»)، والكشف الوافي للشريف الشيرازي (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۹۵؛ قس: الشريف الشيرازي، ۱۴۳۰هـ، ۲۴۱: «قيل: قوله: من نظر برأيه هلك… من نظر برأيه كفر»)، وشرح الكافي للملا صالح المازندراني (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۴۳؛ قس: المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۱: ۱۳۵: «قوله تعالى «يريكم البرق»: الفعل مصدر بتقدير… كلمة شفاها»)، والوافي للفيض الكاشاني (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۹۱؛ قس: الفيض الكاشاني، ۱۴۰۶هـ، ۱: ۲۵۰: «قيل: أي بما استدل… غير السمع»).
كما نقل المجلسي حجمًا كبيرًا من الحاشية على أصول الكافي لأستاذه الميرزا رفيعا في مرآة العقول. ولم يذكر المجلسي اسم الميرزا رفيعا في المرآة، بل نقل عنه بتعابير مثل «قال بعض الأفاضل»، و«قال بعض المحققين»، و«قيل». وفي مورد واحد، نقل عنه بتعبير «قال بعض مشايخنا» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۱-۶۲). وفي بعض الموارد، نقل المجلسي عنه دون أن ينسب القول إليه. واستخدم المجلسي أحيانًا تعابير دعائية للميرزا مثل «رفع الله مقامه» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۵۵)، و«قدس الله روحه» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۱)، و«ره» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۱). للتعرف بشكل أفضل على كيفية تأثير شرح الميرزا رفيعا على مرآة العقول وفهم هذين الشرحين بشكل أعمق، سنستعرض بالتفصيل الأنواع المختلفة لهذا التأثير، وسنحاول في ضمن ذلك أن نبين أساليب تعامل المجلسي مع أقوال الميرزا.
۲. أهمية مصادر مرآة العقول في تصحيح هفوات القلم
لا يخفى على أهل التحقيق أن في مرآة العقول هفوات كثيرة، سواء تلك التي تؤدي إلى إبهام في المتن أو التي لا تؤدي إليه. وقد تكون هذه الهفوات قد وقعت من المجلسي نفسه مباشرة؛ وقد تكون أيضًا من فعل النساخ. في الحالة الأخيرة، من المحتمل أن يكون الخطأ قد وقع في بعض النسخ بينما سجلت نسخ أخرى المتن بشكل صحيح. إذا كان الأمر كذلك، فيمكن استخدام النسخة الصحيحة لتصحيح المتن؛ وقد يحدث السهو أيضًا أثناء الطباعة والتنضيد الحرفي، وفي هذه الحالة توجد نسخة صحيحة ويمكن تصحيح الخطأ بالرجوع إليها.
في الحالة الثانية (عند توفر نسخة صحيحة) والحالة الثالثة، يمكن استخدام النسخة الصحيحة لتصحيح متن مرآة العقول. أما إذا كان السهو من المجلسي نفسه وسرى هذا السهو إلى جميع النسخ، أو كان السهو من غيره ولكن لا تتوفر نسخة صحيحة، فلا بد من استخدام طرق أخرى لتصحيح المتن. ومن هذه الطرق الرجوع إلى المصادر التي نقل عنها المجلسي. ومن المصادر التي نُقل عنها في مرآة العقول حاشية الميرزا رفيعا، وقد وقعت سهوات في مرآة العقول أثناء النقل من حاشية الميرزا في بعض الموارد، نذكر نماذج منها فيما يلي:
– يقول المجلسي في شرح «خُلُق»: «الخُلُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَينِ: الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ لِلنَّفسِ بِصِفاتِها، وَيُقالُ لَها السَّجيَّةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْها الآثارُ وَالأفعالُ الدَّالَّةُ عَلَيْها تَسمِيَةً لِلدّالِّ بِاسمِ المَدلولِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۷). نقل المجلسي هذه التوضيحات من الميرزا رفيعا؛ وفي متن المرآة يوجد سقط، من المحتمل أنه من النساخ أو أثناء الطباعة والتنضيد الحرفي. ففي حاشية الميرزا رفيعا، بعد عبارة «يُقالُ لها السجيَّةُ» ورد ما يلي: «وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الآثارُ وَالأفعالُ. وَقَد يُطلَقُ عَلَى الآثارِ وَالأفعالِ الدَّالَّةِ عَلَيْها تَسمِيَةً لِلدّالِّ بِاسمِ المَدلولِ» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۰). العبارة التي تحتها خط قد سقطت في مرآة العقول وجعلت المتن مبهمًا.
– ينقل المجلسي عن الميرزا بتعبير «قيل» ما يلي: «يَحتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ بِالأمرِ الذي كانَ مَعَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهَ وَآلِهِ وَسَلَّمَ والأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلام كَما قالَ تعالى «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا»» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۳۱-۱۳۲). في هذا الموضع، سقطت كلمة «الروح» قبل «الذي كان»، وهذه الكلمة موجودة في شرح الميرزا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۲۶). وقد يجعل هذا السقط الكلام مبهمًا في الوهلة الأولى لبعض القراء.
– في عبارة «وَنَبَّهَ عَلى أَنَّهُ لا يُمكنُ أنَّ الفاعِلَ المُختارَ لَها هُوَ المَوصوفُ بِالذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَبِقَولِهِ: القومُ مَضطَرّونَ، أي في الذهابِ وَالخُروجِ مِنَ الوُجودِ وَالرُّجُوعِ وَالدخولِ فيهِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۳)، حرف «و» قبل «بقوله» زائد، وهو غير موجود في حاشية الميرزا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۴۲). إن إضافة هذا الحرف في مرآة العقول قد أحدثت بعض الإبهام، ولكن بحذفه يزول الإبهام ويتضح أن «بقوله» متعلق بالفعل «نبه».
– في مرآة العقول، جاءت عبارة «وَمُشارَكَةٌ لِلكُلِّ فيها» وعبارة «وَكُلَّما يَكُونُ كَذلِكَ يَكُونُ محتاجاً إلى مبدء مُغايرٍ له» متتاليتين (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۵۴). ولكن في حاشية الميرزا، وردت بين هاتين العبارتين عبارة «وَكُلُّ ما يَكونُ كَذلِكَ يَكُونُ ذا مَهِيَّةٍ وَوجودٍ يَصِحُّ عَلَيْهَا الخُلُوُّ عَنهُ» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۵۵). من المحتمل أن هذه العبارة قد سقطت في المرآة، وأن الحذف لم يكن مقصودًا.
– يقول المجلسي في التوضيح النحوي لعبارة «فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ مُعْجِزَةُ الصَّفَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ وَلَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ»: «وقالَ بَعضُ الأفاضل: المُرادُ بقوله: إقرارُ العامَّةِ إذعانُهُم، أو الإثباتُ، وَعَلَى الأول… وأمّا عَلَى الثَّانِي فَمُعْجِزَةُ الصَّفَةِ مِن إضافةِ الصَّفَةِ إلى الموصوف، أي الصَّفَةُ التي هِيَ مُعجِزَةٌ لَهُم (…)» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۵۴-۵۵). المراد بـ«بعض الأفاضل» هو الميرزا رفيعا، وهذه المطالب منقولة عنه (قس، النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۰۵). والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه في كلام الميرزا، بين تعبير «عَلَى الثاني» و«فَمُعجِزَةُ الصَّفَةِ مِن إضافَةِ الصَّفَةِ إلى الموصوف» ورد ما يلي: «فَمُعجِزَةُ الصَّفَةِ مفعولُ الإقرارِ، أو صِفَةٌ لِلإقرارِ، أو بَدَلٌ عَنهُ وَالمَفعولُ محذوفٌ، وَعَلى تقديرِ كَونِهِ مفعولاً». هذه العبارة موجودة في بحار الأنوار (المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۴: ۱۸۰)، وليس من الواضح ما إذا كان المجلسي قد حذفها عمدًا في مرآة العقول، أم أن الحذف ناتج عن سهو النساخ.
الجدير بالذكر أنه في بعض الموارد، لا يكون المصدر الذي نقل من مصدر آخر قد وقع في السهو، ولكنه يواجه إبهامًا طفيفًا أو كبيرًا في المطلب المنقول، ويمكن إزالة هذا الإبهام بالرجوع إلى المصدر الأصلي. ولعل هذا المثال يصلح لهذا المورد: يقول المجلسي في توضيح «مَجْلَبَة» في عبارة «حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّة»: «هِيَ إِمّا مَصدَرٌ ميميٌّ حُمِلَ مُبالَغَةً، أو اسمُ مكانٍ أو اسمُ آلَةٍ وَالأَوَّلُ أوفَقُ بنظائره» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۶). ويقول الميرزا رفيعا في هذا الصدد: «المَجْلَبَةُ إِمَّا مَصْدَرٌ ميميٌّ حَمَلَهُ عَلى حُسنِ الخُلقِ، كَما حَمَلَ سائِرَ المَصادِرِ السَّابِقَةِ عَلَى سَائِرِ الصَّفاتِ مُبالِغَةً، أو اسمَ مَكانٍ، وَالأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِره» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۹). إن تطابق عبارة «وَالأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِرِهِ» في كلام الميرزا والمجلسي يعزز احتمال أن المجلسي قد اعتمد على كلام الميرزا في التوضيح الذي قدمه. والنقطة الجديرة بالذكر هي أنه قد يبدو مراد «نظائر» في كلام المجلسي مبهمًا لبعض القراء، ولكن بالرجوع إلى كلام الميرزا يتضح أن المراد بها هو سائر المصادر التي حُملت على الصفات الأخرى في هذه الرواية من قبل.
وبناءً على ذلك، فإن معرفة مصادر مرآة العقول لها أهمية في تصحيحها وفهم المطالب التي نُقلت من مصادر أخرى بشكل أفضل.
۳. تبيين معاني المفردات
تطرق المجلسي في مواضع متعددة إلى نقل التوضيحات اللغوية للميرزا رفيعا. يقول المجلسي في توضيح كلمة «النُّكْرَاء» في إحدى الروايات: «يعني الدهاءَ وَالفِطْنَة، وَهِيَ جودَةُ الرَّأيِ وَحُسنُ الفهم، وإذا استُعمِلَت في مُشتَهَياتِ جُنودِ الجَهْلِ يُقالُ لَهَا الشَّيْطَنَةُ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ بِقَولِهِ: تِلكَ الشَّيطَنَةٌ بَعدَ قَولِهِ: تِلكَ النُّكْرَاء» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۳۳). يورد المجلسي هذه التوضيحات دون أن ينسبها إلى مصدر؛ وهي تمثل كلام الميرزا رفيعا بنفس الألفاظ (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۶).
وقد فسر بعض الشارحين مثل الميرزا رفيعا «النُّكْرَاء» بمعنى الفطنة والذكاء (ميرداماد، ۱۴۰۳هـ، ۲۲؛ الجيلاني، ۱۴۲۹هـ، ۱: ۱۲۷؛ الفيض الكاشاني، ۱۴۰۶هـ، ۱: ۷۹)، بينما فسرها آخرون بمعنى الأمر المنكر (الشريف الشيرازي، ۱۴۳۰هـ، ۴۴؛ المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۱: ۸۱؛ القزويني، الشافي، ۱: ۱۶۹) والبلاء (القزويني، الصافي، ۱: ۱۸۵-۱۸۶؛ هو نفسه، الشافي، ۱: ۱۶۹). وقد اتبع المجلسي الميرزا رفيعا في معنى هذه الكلمة وتطرق إلى ذكر توضيحاته.
مثال آخر يتعلق بعبارة «إِنَّ الْكَيْسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ» (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۱: ۱۶). قام المجلسي بتعبير «قالَ بَعضُ الأفاضل»، والمراد به الميرزا رفيعا، بتبيين معنى «الكيس» و«يسير» وشرح العبارة المذكورة؛ فبناءً على ما نقله المجلسي عنه، فإن «الكيس» و«الكياسة» تعنيان الذكاء والفطنة، و«الكَيْس» يعني الغلبة بالذكاء. والاحتمال الأول هو أن يكون «يسير» بمعنى القليل، و«الكيس» بالمعنى الأول، والاحتمال الثاني هو أن يكون «يسير» بمعنى السهل، و«الكيس» بأحد المعنيين المذكورين، فيكون مراد العبارة المذكورة أنه عند ظهور الحق، يكون إدراكه ومعرفته سهلاً بالذكاء، أو أن المراد أنه عند قول الحق والإقرار به، تكون الغلبة سهلة بالذكاء. والاحتمال الآخر هو أن يكون «الكيس» بتشديد الياء، وبهذا المعنى يكون الفرد الذكي صاحب الكياسة الذي عند ظهور الحق يتذاكى ويقر به، قليلاً (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۵۵).
نقل المجلسي هذه المطالب من الميرزا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۲). وبالطبع، لم يكتف المجلسي بهذه المطالب من الميرزا، بل طرح احتمال كون «يسير» فعلاً. كما نقل تبيينًا آخر للعبارة المذكورة عن آخرين. بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى أنه في بعض النسخ وردت كلمة «أسير» بدلاً من «يسير»، وكذلك في بعض النسخ كُتبت «لذى الحق» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۵۵).
ذكر الشريف الشيرازي (۱۴۳۰هـ، ۷۱) والملا خليل القزويني (الشافي، ۱: ۲۱۷) لـ«يسير» معنى الذليل أيضًا، لكن المجلسي لم يهتم بذكر هذا المعنى.
مثال آخر؛ شرح المجلسي مفردات «غطاء»، «ستير»، «فضل»، و«جمال» دون أن يشير إلى أنه نقلها عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۵؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۹). بالطبع، في شرح معنى «الستير»، أشار النائيني فقط إلى معنى المستور، لكن المجلسي أضاف إليه معنى الساتر. كذلك، أضاف المجلسي في شرح «الفضل» معنى «خصوص الإحسان إلى الخلق» إلى كلام النائيني. وقد أورد المجلسي في تتمة كلامه توضيحات حول الرواية، وهي أيضًا منقولة في الواقع عن الميرزا.
مثال آخر؛ نقل المجلسي عن الميرزا رفيعا معنى «جند» ولماذا أُطلق على كل من الأمور الخمسة والسبعين في الرواية اسم «جند»، حيث إن تطابق عباراتهما يدل على ذلك (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۷؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۱).
مثال آخر؛ في مقطع من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، ورد: «الرَّأْفَةُ وَضِدُّهَا الْقَسْوَةُ وَالرَّحْمَةُ وَضِدُّهَا الْغَضَبُ» (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۱: ۲۱). يعتقد المجلسي أنه بسبب التقارب بين معنى الرحمة ومعنى الرأفة، من المحتمل أن تكون كلمة الرحمة مكررة. كما يحتمل أن يكون المراد بالرأفة الحالة، والمراد بالرحمة نتيجتها؛ أي أن الرأفة حالة نتيجتها الرحمة. ثم يتابع المجلسي بتعبير «قال بَعضُ الأفاضل»، والمراد به الميرزا رفيعا، بنقل تبيين «رأفة» و«رحمة» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۹؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۲).
مثال آخر؛ يبدو أن المجلسي نقل شرح «رفق» من الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۹؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۳).
مثال آخر؛ في رواية، فسر المجلسي «الاستسلام» بمعنى طاعة أوامر الله ونواهيه، و«التسليم» بمعنى طاعة أئمة الحق والإذعان لما يصدر عنهم وقبوله وإن كان صعبًا. كما نقل المجلسي في هذا الصدد قولًا آخر عن «بعض الأفاضل» وهو الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۰؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۳).
مثال آخر؛ في مقطع من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، ورد: «الْقُنُوعُ وَضِدُّهُ الْحِرْصُ» (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۱: ۲۲). أورد المجلسي عن القنوع والحرص ما يلي: «الْقُنُوعُ: هُوَ الرِّضا بِالكَفافِ وَعَدَمُ طَلَبِ الزِّيادَةِ، وَلَمّا كانَ الحِرصُ زيادةُ السَّعيِ في الطَّلَبِ، وَيَشتَمِلُ عَلَى شَيئَينِ الإفراطِ في الطَّلَبِ، والاعتِمادِ عَلَى الطَّلَبِ الَّذِي يُلازِمُهُ جَعَلَهُ بِاعتِبارِ اشتِمالِهِ عَلَى الأَوَّلِ مُقابِلَ القُنُوعِ، وَبِاعتِبارِ اشتِمالِهِ عَلَى الثّانِي مُقابِلَ التَّوَكُّلِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۰). نقل المجلسي هذه المطالب من الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۴).
مثال آخر؛ في مقطع من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، ورد: «الْمَوَدَّةُ وَضِدُّهَا الْعَدَاوَةُ» (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۱: ۲۲). يقول المجلسي في شرح «المودة» و«العداوة»: «قيلَ هِيَ الإتيانُ بِمُقتَضَياتِ المَحَبَّةِ وَالأُمورِ الدَّالَّةِ عَلَيْها وَمُقابِلُها العَداوَةُ، وَهِيَ الإتيانُ بِمُقتَضَياتِ المُباغَضَةِ، وَفِعلُ ما يَتَّبِعُها» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۰). نقل المجلسي هنا بتعبير «قيل» عن الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۴).
يحتمل المجلسي في تتمة كلامه أن يكون القائل قد قدم هذا التوضيح فقط للتمييز بين المودة والعداوة وبين الحب والبغض – اللذين وردا أيضًا كضدين في نفس الرواية. ويحتمل المجلسي أن يكون الفرق بينهما بتخصيص أحدهما بالخالق والآخر بالمخلوقات، أو بتخصيص أحدهما بالأشخاص والآخر بالأفعال. كما يحتمل المجلسي أن يكون أحدهما (المودة والعداوة أو الحب والبغض) مكررًا ولا يوجد اختلاف في المعنى (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۰-۷۱).
مثال آخر؛ نقل المجلسي شرح «خضوع» و«تطاول» من الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۱؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۶۴).
مثال آخر؛ يبدو أن المجلسي نقل شرح كلمتي «حباء» و«أدب» من الميرزا رفيعا؛ خاصة وأن التوضيحات التي أوردها المجلسي لاحقًا منقولة عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۷؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۰-۷۱).
مثال آخر؛ يقول المجلسي في شرح «خُلُق»: «الخُلُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَينِ: الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ لِلنَّفسِ بِصِفاتِها، وَيُقالُ لَها السَّجيَّةُ، وَيَدُلُّ عَلَيها الآثارُ وَالأفعالُ الدَّالَّةُ عَلَيها تَسمِيَةً لِلدّالِّ بِاسمِ المَدلولِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۷). نقل المجلسي هذه التوضيحات من الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۰). وبالطبع، كما ذكرنا سابقًا، يوجد سقط في متن المرآة. كما أشار المجلسي بعد ذكر توضيحات الميرزا رفيعا إلى أن «خُلُق» يُطلق غالبًا على حسن المعاشرة.
مثال آخر؛ يقول المجلسي في شرح «فلاح»: «الفَلاحُ: الفَوزُ وَالنَّجاةُ». وما يدل على أن المجلسي نقل هذا المطلب من الميرزا رفيعا هو أنه يتابع بنقل توضيحات ذكرها الميرزا في حاشيته؛ وإن كانت هناك احتمالات أخرى أُضيفت إلى كلام الميرزا. كما يقول المجلسي في شرح «سَوفَ يَنجُبُ»: «النَّجيبُ: الفاضِلُ النَّفيسُ في نَوعِهِ، وَالمُرادُ أَنَّهُ مَن يَكونُ ذا فَهمٍ فَهُوَ قَريبٌ مِن أن يَصيرَ عالِماً، وَمَن صارَ عالِماً فَقَريبٌ مِن أن يَستَوليَ عقلُهُ عَلَى هَوى نَفْسِهِ». هذه المطالب منقولة أيضًا عن الميرزا رفيعا. وفي شرح «الْعِلْمُ جُنَّةٌ» أورد المجلسي: «أي وِقايَةٌ مِن غَلَبَةِ القُوَى الشَّهوانِيَّةِ وَالغَضَبِيَّةِ وَالدَّواعِي النَّفسانِيَّةِ وَمِن أن يَلتَبِسَ عَلَيْهِ الأمرُ وَتَدخُلُ عَلَيْهِ الشُّبهَةُ». هذه المطالب منقولة أيضًا عن الميرزا؛ بالطبع، أضاف المجلسي وجهًا آخر في شرح «الْعِلْمُ جُنَّةٌ».
يقول المجلسي في شرح «الصِّدْقُ عِزٌّ»: «أي شَرَفٌ أو قُوَّةٌ وَغَلَبَةٌ، وَقِيلَ: المُرادُ بِالصِّدقِ هُنا الصِّدقُ فِي الاعتِقادِ وَلِذا قابَلَهُ بِالجَهْلِ، فَإِنَّ الاعتِقادَ الكاذِبَ جَهلٌ، كَما أَنَّ الاعتِقادَ الصَّادِقَ عِلمٌ». يشير تعبير «قيل» إلى الميرزا رفيعا، وإن كان مقطع «أي شَرَفٌ أو قُوَّةٌ وَغَلَبَةٌ» منقولاً أيضًا عن الميرزا دون أن ينسبه المجلسي إليه. ويقول المجلسي في شرح «مجد»: «المَجدُ نَيلُ الشَّرَفِ وَالكَرَمِ»، وفي شرح «نُجح»: «النُّجحُ بِالضَّمِّ: الظَّفَرُ بِالحَوائِجِ». هذه التوضيحات منقولة أيضًا عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۵-۸۶؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۸-۷۹).
مثال آخر؛ يقول المجلسي في شرح كلمة «خَتُور»: «هُوَ مِنَ الخَتْرِ بِمَعنَى المَكْرِ وَالخَديعَةِ، وَقِيلَ: بِمَعنَى خَبَاثَةِ النَّفْسِ وَفَسادِها، قالَ الفَيروزآبادي: الخَترُ: الغَدرُ وَالخَديعَةُ، وَخَتِرَت نَفْسُهُ خَبُثَت وَفَسَدَت» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۹۰). يبدو أن المجلسي بتعبير «قيل» أشار إلى الميرزا النائيني. ويبدو أن المعنى الذي قبله منقول أيضًا عن الميرزا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۸۲). النقل عن الفيروزآبادي ليس في حاشية الميرزا، وقد أورده المجلسي لتوثيق المعنيين اللذين ذكرهما.
مثال آخر؛ أرجع المجلسي بعد شرح «خاطر» بتعبير «كذا قيل» الذي جاء في نهاية المطلب المذكور، القول إلى الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۸؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۵۱).
مثال آخر؛ في مقطع من إحدى الروايات، ورد: «تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ وَفِضَّةٌ ذَائِبَةٌ» (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۱: ۸۰). في هذه العبارة، استُخدم للذهب صفة «مائعة» وللفضة صفة «ذائبة». يقول المجلسي في شرح هاتين الصفتين: «الذَّوبُ ضِدُّ الجُمودِ وَيُقارِبُهُ المَيَعانُ… فَلِذا خَصَّ الذَّوبَ بِها» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۶۹). هذه المطالب منقولة عن الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۶۱).
مثال آخر؛ يقول المجلسي في شرح «يُعاني الأشياء»: «مُعاناةُ الشَّيءِ مُلابَسَتُهُ وَمُباشَرَتُهُ، وَتَحَمُّلُ التَّعَبِ في فِعْلِهِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۹۴). يبدو أن المجلسي نقل هذا الشرح من الميرزا رفيعا، خاصة وأن تتمة توضيحات المجلسي منقولة أيضًا عن الميرزا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۸۰).
من الواضح أن المجلسي قد استفاد كثيرًا من الميرزا رفيعا في تبيين معاني المفردات. وبالطبع، أشار المجلسي في بعض الموارد، بالإضافة إلى كلام الميرزا، إلى وجوه أخرى. الجدير بالذكر أن نقل معاني المفردات من الميرزا لا يعني أن المجلسي لم يكن يعرف معاني تلك المفردات أو لم تكن لديه القدرة على الرجوع إلى مصادر اللغة، بل من المحتمل أن يكون المجلسي قد تطرق إلى نقل كلام الميرزا لأسباب مثل توفير الوقت.
۴. المباحث الصرفية والنحوية والبلاغية
استفاد المجلسي في المباحث الصرفية والنحوية والبلاغية من الميرزا. نبدأ أولاً بالمباحث الصرفية. يقول المجلسي في شرح «فَلا تُباهوا به»: «مِنَ المُباهاةِ بِمَعنَى المُفاخَرَةِ، وَقالَ بَعضُ الأفاضل: يَحتَمِلُ أن يَكونَ مِنَ المَهموزِ فَخُفِّفَ، أي لا تُؤانِسوا بِهِ حَتّى تَنظُرُوا كَيفَ عَقْلُهُ، قالَ الجوهري: بَهَأتُ بِالرَّجُلِ وَبَهَتُّ بِهِ بِالْفَتْحِ وَالكَسْرِ بَهاءً وبُهوءاً: أنِستُ به» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۵). احتمل المجلسي للكلمة المعنية جذرين، وبيّن معنى الكلمة بناءً على كل منهما. وقد نسب المجلسي الاحتمال الثاني إلى «بعض الأفاضل»، ويبدو أن المراد به الميرزا رفيعا، على الرغم من أن الاحتمال الأول موجود أيضًا بنفس الألفاظ في حاشية الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۷). ونقطة أخرى هي أنه لم يُستشهد بالجوهري في حاشية الميرزا، لكن المجلسي فضّل توثيق الاحتمال الثاني بالرجوع إلى الجوهري.
مثال آخر؛ ذكر المجلسي في شرح «مَجْلَبَة» في عبارة «حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّة» ثلاثة احتمالات: ۱. أن يكون مصدرًا ميميًا وللمبالغة. ۲. أن يكون اسم مكان. ۳. أن يكون اسم آلة. واعتبر المجلسي الاحتمال الأول أكثر انسجامًا مع نظائره في الرواية المعنية (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۶). وقد احتمل الميرزا رفيعا لهذه الكلمة وجهين: ۱. أن يكون مصدرًا ميميًا وللمبالغة. ۲. أن يكون اسم مكان. وهو أيضًا اعتبر الاحتمال الأول أكثر انسجامًا مع نظائره في الرواية. ويقول: «المَجْلَبَةُ إِمّا مَصْدَرٌ ميميٌّ حَمَلَهُ عَلى حُسنِ الخُلقِ، كَما حَمَلَ سائِرَ المَصادِرِ السَّابِقَةِ عَلَى سَائِرِ الصِّفاتِ مُبالِغَةً، أو اسمَ مَكانٍ، وَالأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِرِهِ» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۷). إن تطابق عبارة «وَالأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِرِهِ» في كلام الميرزا والمجلسي يعزز احتمال أن المجلسي قد اعتمد على كلام الميرزا في التوضيح الذي قدمه.
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي «مَساءَة» في عبارة «الحَزمُ مَساءَةُ الظَّنِّ» مصدرًا ميميًا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۷). ومن المحتمل أن المجلسي في نقله لهذا التوضيح قد اعتمد على كلام الميرزا رفيعا، لأن ما ورد قبل هذه العبارة وبعدها في مرآة العقول موجود في كلام الميرزا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۸۰).
مثال آخر؛ ذكر المجلسي في إحدى الروايات وجهين لـ«ها»؛ الوجه الأول أن «ها» حرف تنبيه وإشارة إلى السكوت. والوجه الثاني، الذي جاء بتعبير «قيل» وهو منقول عن الميرزا رفيعا، هو أن «ها» اسم فعل بمعنى خذ (بگیر)، ويكون معنى الرواية أنه عند مواجهة ما لا تعرفونه، خذوه من أفواهنا. وقد اعتبر المجلسي الوجه الأول أظهر ورجحه على الوجه المنقول عن الميرزا. كما أُشير في الكلام المنقول عن الميرزا إلى أن حرف الباء في «بِيَدِهِ» استُعمل للتعدية (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۹۶؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۰۲).
مثال آخر؛ طرح المجلسي حول فعل «عرفناه» في إحدى الروايات احتمالين: مجرد ومزيد من باب تفعيل، وبيّن الرواية بناءً على هذين الاحتمالين (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۳۱۸). هذا التوضيح وما قبله من مطالب منقول عن الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۶۲). وبالطبع، طرح الميرزا هذين الاحتمالين على قدم المساواة ولم يرجح أحدهما على الآخر، لكن المجلسي بالإشارة إلى أن هذا الفعل مجرد ظاهرًا، رجح الوجه الأول.
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي فعل «يُعبَد» في إحدى الروايات معلومًا، ثم أشار بتعبير «قيل» إلى أن احتمال كونه مجهولاً مطروح أيضًا، واعتبره بعيدًا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۲۵). نظرًا لأن احتمال كونه مجهولاً قد طُرح بالإضافة إلى شرح الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۲۰) في بعض الشروح الأخرى مثل شرح الملا صالح المازندراني (المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۲: ۱۰۳) أيضًا، لا يمكن الجزم بأن تعبير «قيل» يشير إلى الميرزا، ولكن يمكن احتمال أن المجلسي كان ينظر إلى الميرزا وغيره. وفي كلتا الحالتين، لم يقبل المجلسي هذا الاحتمال من الميرزا واعتبره بعيدًا، ولم يتردد في مخالفته.
مثال آخر؛ نقل المجلسي عن آخرين، بتعبير «قيل»، حول فعل «تَعْمَدُ» في إحدى الروايات، احتمالين: مجرد ومزيد من باب إفعال. ويقول: «قيل: يجوزُ أن يكونَ مِنَ المُجَرَّدِ يُقالُ: عَمَدتُ الشَّيءَ فَانعَمَدَ، أي أقَمْتَهُ بِعِمَادٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ، أو مِن بابِ الأفعالِ يُقالُ أعمَدتُهُ أي جَعَلتَ تَحتَهُ عِماداً، وَالمَعنى فِي الصُّورَتَينِ أَفَتَضُمُّ إِلَيْهِ شَيئاً مِن عِندِكَ تُقِيمُهُ وَتُصلِحُهُ بِهِ، كَما يُقامُ الشَّيءُ بِعِمادٍ يُعتَمَدُ عَلَيْهِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۷۵). هذه المطالب هي كلام الميرزا في حاشيته (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۸۲). وقد أورد الملا صالح المازندراني هذه المطالب أيضًا في شرحه (المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۲: ۲۵۸). في الواقع، نقل المجلسي هذه المطالب للميرزا عن الملا صالح، حتى أن تعبير «قيل» موجود أيضًا في كلام الملا صالح؛ ومما يؤيد أن المجلسي نقل هذه المطالب عن الملا صالح هو أن المجلسي نقل مطالب سابقة أيضًا عن الملا صالح، كما أن كلمتي «فَانعَمَدَ» و«مُعتَمَدٍ عَلَيهِ» ليستا في كلام الميرزا ولكنهما في نقل المجلسي والملا صالح، ومن المحتمل أن الملا صالح قد أضاف هاتين الكلمتين بالرجوع إلى كتاب اللغة الصحاح للجوهري الذي يحتوي على هذه الإضافات (الجوهري، ۱۴۰۷هـ، ۲: ۵۱۲). كما ورد في كلام الميرزا بدلاً من «وَالمعنى فِي الصُّورَتَينِ» الذي جاء في كلام المجلسي والملا صالح، تعبير «وَيَكونُ المَعنى» بدون إضافة «فِي الصُّورَتَينِ»، أي أنه على الرغم من تطابق المعنى، إلا أن ألفاظ المجلسي والملا صالح تختلف قليلاً، وقد اتبع المجلسي الملا صالح. وبالطبع، من الممكن أن يكون المجلسي قد رأى هذا المطلب في حاشية الميرزا ولكنه فضّل نقله عن الملا صالح.
من الواضح أن المجلسي قد استفاد من الميرزا حتى في المباحث الصرفية. وبالطبع، نقل المجلسي أحيانًا احتمالين من الميرزا ورجح أحدهما، وأحيانًا رجح بعض الوجوه على قول الميرزا، وأحيانًا اعتبر قول الميرزا بعيدًا. وهذا الأمر يدل على أن المجلسي لم يكن مجرد ناقل، بل كان يرى لنفسه حق إبداء الرأي.
أما المباحث النحوية؛ فقد طرح المجلسي حول «باطنًا» في إحدى الروايات احتمالين: أن يكون مصدرًا أو تمييزًا؛ «باطِناً إِمَّا بِمَعنَى المَصدَرِ كَقَولِكَ قُمتُ قائماً، أو تَمييزٌ مِن يَتَرَوَّحُ، أي كَونُهُ روحاً صِرفاً، مِن جِهَةِ أَنَّهُ باطِنٌ مَخفِيٌّ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۶). نقل المجلسي هذه المطالب من الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۴۹). وبالطبع، طرح المجلسي لاحقًا احتمالات أخرى، وأشار إلى أن احتمال كونه حالاً قد يكون أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۶).
مثال آخر؛ يقول المجلسي في التوضيح النحوي لنعت «الله» و«الرحمن» في إحدى الروايات: «فَقَولُهُ: وَنَعتُ، مُبتَدَأٌ مُضافٌ إلى قَوْلِهِ هَذِهِ، وَخَبَرُهُ الحُروفٌ، وَالمَعنى أنَّ نَعتَ هذِهِ الحُروفِ التي فِي اللهِ وَرَبِّ، إِنَّها حُروفٌ، وَأَنَّها أَلِفٌ، لامٌ، هاءٌ، راءٌ، باءٌ، وَهُوَ أي المَقصودُ إثباتُهُ المَعنى سُمِّيَ بِهِ أي سُمِّيَ المَعنى بِالاسمِ الَّذي هُوَ هَذِهِ الحُروفُ، فَتَذكيرُ الضَّميرِ بِاعتِبارِ الاسمِ، وَقَولُهُ: اللهُ وَالرَّحمنُ، مُبتَدَأٌ خَبَرُهُ مِن أسمائِهِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۸۷). نقل المجلسي هذه المطالب من الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۷۵-۲۷۶). وبالطبع، طرح المجلسي لاحقًا وجوهًا أخرى.
مثال آخر؛ يقول المجلسي في التوضيح النحوي لعبارة «فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ مُعْجِزَةُ الصَّفَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ وَلَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ»: «وقالَ بَعضُ الأفاضل: المُرادُ بِقَولِهِ: إقرارُ العامَّةِ إذعانُهُم، أو الإثباتُ، وَعَلَى الأَوَّلِ مُتَعَلَّقُ الإذعانِ إِمّا مُعجِزَةُ الصَّفَةِ بِحَذفِ الصِّلَةِ، أو مَحذوفٌ، أي إقرارُ العامَّةِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُعجِزَةُ الصَّفَةِ صِفَةٌ لِلإقرارِ، أو بَدَلٌ عَنهُ أي إقرارُ العامَّةِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعجِزَةُ الصَّفَةِ، أي صِفَةُ الخالِقيَّةِ لِكُلِّ شَيْءٍ، أو صِفَةُ القِدَمِ، لا يَسَعُ أحداً أن يُنكِرَهُ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَمُعجِزَةُ الصَّفَةِ مِن إضافَةِ الصَّفَةِ إلى المَوصوفِ، أي الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ مُعجِزَةٌ لَهُم عَن أن لا يُثبِتوا لَهُ خَالِقيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ أَوِ المُعجِزَةُ بِمَعناهُ المُتَعارَفِ وَالإضافَةُ لاميَّةٌ، أي إثباتُهُمُ الخالِقيَّةَ لِلكُلِّ مُعجِزَةُ هَذِهِ الصَّفَةِ، حَيثُ لا يَسَعُهُم أن يُنكِروها وَإن أرادوا الإنكارَ، وَيَحتَمِلُ أن يَكونَ مُعجِزَةُ الصَّفَةِ فاعِلَ بانَ وَيَكونَ قَولُهُ: أَنَّهُ لا شَيْءَ قَبلَ اللهِ، بَياناً أو بَدَلاً لِمُعجِزَةِ الصَّفَةِ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۵۴-۵۵). المراد بـ«بعض الأفاضل» هو الميرزا رفيعا، وهذه المطالب منقولة عنه (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۰۵). وبالطبع، أشار المجلسي قبل النقل عن الميرزا إلى بعض الوجوه الأخرى.
بناءً على ذلك، أشار المجلسي في المباحث النحوية، بالإضافة إلى قول الميرزا، إلى بعض الوجوه الأخرى، وأحيانًا طرح احتمال رجحان بعض الوجوه على وجه الميرزا. وهذا الأمر يدل على أن المجلسي في هذا النوع من المباحث أيضًا، إلى جانب اهتمامه بقول الميرزا، لم يغفل عن الوجوه الأخرى، وكان يرى لنفسه حق إبداء الرأي.
أما المباحث البلاغية؛ فقد نقل المجلسي في إحدى الروايات بتعبير «كذا قيل» عن آخرين أن كلمة «لي» في تلك الرواية استُعملت باعتبار تضمينها معنى الثبوت أو ما شابه ذلك (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۹۲). ويشير تعبير «قيل» إلى الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۸۴)، حيث إن المطلب الذي يسبق هذا التوضيح منقول أيضًا عن الميرزا. وبالطبع، أشار المجلسي بعد هذا التوضيح من الميرزا إلى احتمال آخر، ثم عاد مرة أخرى إلى نقل كلام الميرزا.
مثال آخر؛ أشار المجلسي إلى تضمين معنى الشيوع في «بَيْنَهُم» في إحدى الروايات (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۰۷). ومن المحتمل أن المجلسي نقل هذا المطلب من الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۱۱).
مثال آخر؛ أشار المجلسي في شرح إحدى الروايات إلى أن الفعل قد تعدى بحرف «على» بسبب توهم تضمينه معنى الكذب والافتراء (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۵). ويبدو أن هذا الشرح منقول عن الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۴۸).
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي حرف «إلى» في إحدى الروايات بمعنى اللام أو «من» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۹۱). ويبدو أن هذا المطلب منقول عن الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۷۷).
۵. التصحيف واختلاف النسخ
أشار المجلسي إلى أن كلمة «تَسْتَعْلِقُهَا» وردت في بعض النسخ بصورة «تَسْتَقْلِقُهَا»، وفي نسخ أخرى بصورة «تَسْتَغْلِقُهَا»، وشرح كلًا منها (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۷). ونظرًا للتشابه بين التوضيح الذي قدمه المجلسي لكل من هذه الصيغ والتوضيح الذي قدمه الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۰)، ولكون التوضيحات التي ذكرها المجلسي قبل هذه المطالب منقولة أيضًا عن الميرزا، فمن المحتمل أن المجلسي قد نقل هذا الاختلاف في النسخ عن الميرزا. ونقطة أخرى جديرة بالذكر هي أن الميرزا اعتبر صيغة «تَسْتَقْلِقُهَا» هي الأصل، ثم أشار إلى وجود صيغ أخرى في نسخ أخرى، لكن المجلسي اعتبر صيغة «تَسْتَعْلِقُهَا» هي الأصل؛ بمعنى آخر، على الرغم من احتمال أن يكون المجلسي قد نقل اختلاف النسخ عن الميرزا، إلا أنه لم يتبعه في تحديد أي صيغة هي الأصل.
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في رواية أن «تَقُولُونَ» بصيغة الخطاب، ثم أشار إلى أن «بعض الأفاضل» قرأها بصيغة الغيبة، ونقل شرح «بعض الأفاضل» بناءً على هذا الوجه (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۰۹). المراد بـ«بعض الأفاضل» هو الميرزا رفيعا (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۱۳).
مثال آخر؛ أشار المجلسي في شرح رواية إلى أنه في بعض النسخ وردت «أَقْرَبُ مَا تَكُونُ» بلفظ الخطاب، وشرح العبارة بناءً على ذلك (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۷۶). نقل المجلسي هذا الاختلاف في النسخة وشرحها من الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۳۵). كما أن المطالب التي أوردها المجلسي قبل هذا المطلب منقولة أيضًا عن الميرزا، وهذا شاهد آخر على أن المجلسي نقل اختلاف النسخة من الميرزا.
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في رواية تعبير «يُشَدِّدُهُ» هو الأصل وشرح العبارة بناءً عليه، ثم أشار إلى أنه في بعض النسخ ورد «يُسَدِّدُهُ»، وشرح العبارة بناءً على هذا الوجه (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۰۸). نقل المجلسي التوضيحات التي قدمها في شرح كل من هذين الوجهين من الميرزا رفيعا، وليس من المستبعد أن يكون في ذكر اختلاف النسخ متأثرًا بالميرزا أيضًا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۰۱). وبالطبع، اعتبر المجلسي «يُشَدِّدُهُ» هو الأصل والميرزا «يُسَدِّدُهُ»؛ بمعنى آخر، لم يتبع المجلسي الميرزا في تحديد أصل «يُسَدِّدُهُ».
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في رواية أن «جَلَاؤُهُ الحَدِيدُ» هو الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ ورد «جَلَاؤُهَا الحَدِيثُ»، واعتبره أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۳۲). وقد اعتبر الميرزا أيضًا «الحَدِيدُ» هو الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ استُعملت بدلاً منه «الحَدِيثُ» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۲۸). من المحتمل أن المجلسي نقل هذا الاختلاف في النسخة من الميرزا؛ لأن مطالب المجلسي التي سبقت هذا منقولة أيضًا عن الميرزا. وبالطبع، لم يحدد الميرزا الوجه الأظهر؛ لكن المجلسي حدده. ونقطة أخرى جديرة بالذكر هي أن المجلسي، على الرغم من أنه كان يرى «الحَدِيثُ» هي الوجه الأظهر؛ إلا أنه، مثل الميرزا، لم يعتبرها الأصل.
مثال آخر؛ أشار المجلسي في شرح إحدى الروايات إلى أنه في بعض النسخ ورد «يُسَخَّى» وهو فعل مزيد من باب تفعيل، وفي نسخ أخرى ورد فعل «تَسْخَى» وهو مجرد. ثم قدم توضيحات نحوية بناءً على كل من هاتين النسختين (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۲۶-۱۲۷). ويبدو أن المجلسي نقل هذه المطالب من الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۲۲).
مثال آخر؛ أشار المجلسي في رواية إلى أنه في معظم النسخ وردت كلمة «يَجْتَازُ»، وأشار إلى أنه في بعض النسخ وردت «يَحْتَازُ» وفي نسخ أخرى «يَخْتَارُ» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۰۷). وقد اعتبر الميرزا رفيعا «يَخْتَارُ» هي الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ وردت «يَحْتَازُ»، ولم يذكر شيئًا عن «يَجْتَازُ» (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۱). لا يمكن الجزم بأن المجلسي نقل بعض اختلافات النسخ هنا من الميرزا؛ لكن كون المجلسي قد اعتبر «يَجْتَازُ» هي الأصل ولم يتبع الميرزا في هذا الأمر، أمر جدير بالاهتمام.
مثال آخر؛ أشار المجلسي إلى أن كلمة «نَجِس» في عبارة «حَيُّهُمْ أَعْمَى نَجِسٌ» وردت في بعض النسخ بصورة «نَحْس»، وربما تُقرأ هذه الكلمة بصورة «بَخْس»، واعتبر الوجه الأخير تصحيفًا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۰۷). وقد أورد الميرزا رفيعا هذه الكلمة بصورة «بَخْس» ولم يشر إلى اختلاف النسخ (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۱۲). لا يمكن القول إن المجلسي نقل هذا الوجه من الميرزا؛ لكن كون المجلسي قد اعتبر الوجه الذي أورده الميرزا تصحيفًا ولم يتبعه في هذا الصدد، أمر جدير بالاهتمام.
لقد استفاد المجلسي في بحث اختلاف النسخ كثيرًا من الميرزا، ولكنه أحيانًا لم يتفق معه في تحديد أي كلمة هي الأصل، وأحيانًا رجح إحدى نسخ الاختلاف، وأحيانًا اعتبر الوجه الذي استخدمه الميرزا بعيدًا.
۶. تحليل الروايات
استفاد المجلسي في تحليل كثير من الروايات من الميرزا. وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الموارد:
في مقطع من الحديث الثاني عشر من كتاب العقل والجهل، أُشير إلى ثلاث خصال للشخص العاقل. وقد تطرق المجلسي إلى شرح هذا المقطع بتعبير «قيل» نقلاً عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۳؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۷-۵۸). واكتفى المجلسي في تبيين هذا المقطع بنقل كلام الميرزا ولم يذكر قولاً آخر.
روي عن الإمام الصادق (ع): «ضَلَّ عِلْمُ ابْنِ شُبْرُمَةَ عِنْدَ الْجَامِعَةِ إِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَخَطِّ عَلِيٍّ (ع) بِيَدِهِ». تطرق المجلسي إلى تبيين هذه الرواية بتعبير «قيل» نقلاً عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۹۷؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۰۳). واكتفى المجلسي في شرح هذه الرواية بنقل هذا التبيين من الميرزا ولم يذكر قولاً آخر.
يشير المجلسي إلى ستة معانٍ اصطلاحية للعقل. ويبدو أن المجلسي نقل المعنيين الأول والثاني من الميرزا؛ وإن كان المعنى الأول الذي نقله المجلسي هو المعنى الثاني الذي نقله الميرزا، والمعنى الثاني للمجلسي هو المعنى الأول للميرزا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۵؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۱).
يشير المجلسي في شرح مراد «العزيمة» في إحدى الروايات إلى احتمالين: ۱. الرسوخ في الدين. ۲. الاعتقاد اليقيني بالإمامة الناشئ عن دليل وبرهان (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۳۳). والاحتمال الثاني منقول عن الميرزا رفيعا (قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۷).
تطرق المجلسي نقلاً عن «بعض الأفاضل»، والمراد به الميرزا رفيعا، إلى شرح سبب وجود حرف العطف «و» في عبارة «وَالْآخِرَةُ طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ» وتركه في عبارة «الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ» في إحدى الروايات (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۵۹-۶۰؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۴-۵۵).
تطرق المجلسي في إحدى الروايات نقلاً عن «بعض المحققين»، والمراد به الميرزا رفيعا، إلى تبيين مراد «أحكم» و«أكبر» (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۲؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۴۱).
تطرق المجلسي نقلاً عن «بعض الأفاضل»، والمراد به الميرزا رفيعا، إلى تبيين استدلال الإمام (ع) في الرواية الثانية من باب حدوث العالم وإثبات المحدث (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۴۸-۲۴۹؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۵۰).
طرح المجلسي في شرح إحدى الروايات سبعة وجوه نقلاً عن آخرين. وقد نقل الوجه الأول عن الميرزا (انظر: المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۶۴-۲۶۵؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۶۳-۲۶۵).
أشار المجلسي إلى خمسة وجوه في بيان المراد بـ«الأبواب الأربعة» في الحديث السادس من باب معرفة الإمام والرد إليه، ونقل الوجهين الرابع والخامس عن الميرزا رفيعا (انظر: المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۳۰۵-۳۰۶؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۵۴).
في بعض الموارد، ينقل المجلسي في تبيين الرواية احتمالات مختلفة من الميرزا رفيعا لم يرجح الميرزا أيًا منها على الآخر، لكن المجلسي رجح بعضها. على سبيل المثال، في إحدى الروايات، يسأل السائل الإمام (ع) بتعبير «فَأَخْبِرْنِي مَتَى كَانَ؟» عن زمن وجود الله تعالى. طرح الميرزا رفيعا في تبيين مراد السائل احتمالين ولم يرجح أيًا منهما؛ والمجلسي أيضًا طرح هذين الاحتمالين، لكنه ذكر الوجه الأول بتعبير «ظاهر هذا» ورجحه بذلك (النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۵۶؛ قس: المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۵۴-۲۵۵).
مثال آخر؛ تطرق المجلسي في تبيين الرواية الحادية والعشرين من كتاب العقل والجهل بتعبير «كذا قيل» إلى نقل احتمالين من الميرزا رفيعا لم يفضل الميرزا أيًا منهما على الآخر، لكن المجلسي بعد نقلهما اعتبر الوجه الأول أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۸۰؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۳؛ لرؤية موارد أخرى اعتبر فيها المجلسي أحد الوجوه المنقولة عن الميرزا أظهر، انظر: المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۱۸؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۱۲؛ المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۴۲-۱۴۳؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۴۳).
مثال آخر؛ طرح الميرزا رفيعا في شرح الحديث الأول من باب «أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ» أربعة احتمالات ولم يرجح أيًا منها على الآخر. والمجلسي أيضًا ذكر هذه الاحتمالات الأربعة. وبالطبع، لم يقل المجلسي عند ذكر الوجه الرابع إن هذا هو الوجه الرابع، بل ذكره فقط بعد الوجه الثالث. وقد نسب الميرزا الوجه الرابع إلى الشيخ الصدوق وأورد عليه إشكالاً، ثم قدم بنفسه توجيهًا له. والمجلسي أيضًا نقل هذا الإشكال والتوجيه للميرزا واعتبره تحقيق «بعض الأفاضل»، والمراد به الميرزا رفيعا. لم يرجح الميرزا أيًا من هذه الوجوه، لكن المجلسي اعتبر الوجه الثالث أقرب، واعتبر خبر ابن حازم ورواية الشيخ الصدوق في التوحيد مؤيدين له (انظر: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۸۱-۲۸۳؛ قس: المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۹۶-۲۹۹).
في بعض الموارد، يرجح المجلسي بعد نقل قول الميرزا رفيعا وبعض الأقوال الأخرى أحدها. على سبيل المثال، في شرح الحديث الثامن عشر من كتاب العقل والجهل، بعد أن يذكر قول الميرزا رفيعا – بالطبع دون الإشارة إلى أنه منقول – يشير إلى وجه آخر بتعبير «قيل»، لكنه يعتبر القول الأول، وهو قول الميرزا، أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۷۷-۷۸؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۷۰-۷۱).
مثال آخر؛ يتطرق المجلسي في شرح الحديث الثاني من باب «الرَّدُّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» بتعبير «قيل» إلى نقل توضيح الميرزا رفيعا، وبعد ذلك ينقل وجهًا اعتبره أظهر، ويرجحه على قول الميرزا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۰۳؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۰۸).
مثال آخر؛ ذكر المجلسي في تبيين جواب الإمام الصادق (ع) عن إمكانية وضع الله الدنيا في بيضة دون أن تكبر البيضة وتصغر الدنيا، أربعة وجوه، الوجه الأول منها من الميرزا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۵۶-۲۵۷؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۵۸). واعتبر المجلسي الوجه الرابع أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۵۷). والوجه الرابع يبدو أنه قول الملا صالح المازندراني (المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۳: ۴۹-۵۰). والملا صالح أيضًا أورد هذه الوجوه الأربعة في شرحه (وإن كان قد ذكر وجهه هو أولاً ووجه الميرزا أخيرًا) (المازندراني، ۱۳۸۲هـ، ۳: ۴۹-۵۱).
مثال آخر؛ أشار المجلسي في شرح استدلال الإمام الصادق (ع) في الحديث الأول من باب حدوث العالم وإثبات المحدث إلى وجهين؛ واعتبر الوجه الثاني «أظهر معنى»، والوجه الأول «أظهر لفظًا»، وتطرق إلى ذكر توضيح الوجه الأول نقلاً عن «بعض المحققين»، والمراد به الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۳۹-۲۴۱؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۴۶-۲۴۷).
مثال آخر؛ اعتبر المجلسي الحديث الرابع من باب «الاضطرار إلى الحجة» دالاً على أن الكلام الذي لا يستند إلى القرآن والسنة باطل، وأن الاعتماد على الأدلة العقلية في أصول الدين غير جائز. ثم يتابع بتعبير «قيل» بنقل كلام الميرزا رفيعا بأن المناظرة كانت حول الإمامة، ولذلك قال الإمام (ع) ذلك. كما يحتمل المجلسي أن يكون كلام الإمام (ع) حول الكلام في الفروع مثل الفقه والإرث؛ ولكنه في النهاية يعتبر التعميم أظهر (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۶۸-۲۶۹؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۲۹).
مثال آخر؛ يذكر المجلسي في ذيل الحديث الثاني من باب «بذل العلم» وجهين، الوجه الثاني الذي نُقل بتعبير «قيل» منقول عن الميرزا رفيعا. وبعد نقل هذين الوجهين، يعتبر المجلسي الوجه الأول أَوْجَه (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۳۴-۱۳۵؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۳۰).
كما أورد المجلسي في بعض الموارد إشكالاً على قول الميرزا. وبالطبع، إشكالات المجلسي مختصرة ومجملة. على سبيل المثال، في شرح الحديث الثاني عشر من كتاب العقل والجهل، تطرق بتعبير «قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ» إلى نقل كلام الميرزا رفيعا، وفي النهاية اعتبر كلام الميرزا ذا إشكال واضح (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۶۱-۶۲؛ الكلام المنقول عن الميرزا، قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۵-۵۶).
وكذلك، في الحديث الرابع من باب «الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ وَالْمُحَدِّثِ»، تطرق بتعبير «قيل» إلى نقل كلام الميرزا رفيعا، وفي النهاية اعتبره ذا إشكال (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۹۲؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۴). وفي شرح الحديث السادس من باب «معرفة الإمام والرد إليه»، تطرق إلى نقل كلام الميرزا واعتبر كلامه متكلفًا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۳۱۰؛ الكلام المنقول، قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۵۷). وفي بعض الموارد، اعتبر المجلسي كلام الميرزا رفيعا غير متين إلا بتكلف بعيد (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۱۳؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۰۶). وكذلك، في بعض الموارد، اعتبر كلام الميرزا رفيعا بعيدًا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۱۱؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۰۴؛ المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۳۱-۱۳۲؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۱۲۶-۱۲۷).
في مثال آخر، تطرق المجلسي في تبيين الحديث العاشر من باب «اختلاف الحديث» بتعبير «قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ» إلى نقل كلام الميرزا، وفي النهاية اعتبره متينًا، لكنه رأى أن المناقشة في كثير من أقسامه ممكنة، وأخبر عن عزمه على تحقيق المسألة محل البحث في رسالة مستقلة (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۲۲۳-۲۲۴؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۲۲۴-۲۲۶).
مثال آخر؛ نقل المجلسي وجوهًا في تبيين مسألة «البداء»، أحدها أورده بتعبير «مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ» نقلاً عن الميرزا رفيعا (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۱۳۰-۱۳۱؛ قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۴۷۵). يعتقد المجلسي أن بعض هذه الوجوه خارجة عن معنى البداء، وبعضها الآخر مبني على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادُّعي أن إجماع المسلمين على خلافها. ويعتبر المجلسي كل هذه الوجوه مشتملة على تأويل غير ضروري لنصوص كثيرة، ويلفت النظر إلى أن تفصيل الكلام في كل من هذه الوجوه يطول، ثم يتابع ببيان وجهة نظره (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۱۳۱).
مثال آخر؛ في الحديث الأول من باب «الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ وَالْمُحَدِّثِ»، بعد آية «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ» (الحج: ۵۲)، أُضيف تعبير «وَلَا مُحَدَّثٍ». يطرح المجلسي بتعبير «قيل» – ويبدو أنه يشير إلى الميرزا رفيعا – احتمال أن تكون هذه الإضافة لبيان مراد الآية. ويعتبر المجلسي هذا الاحتمال بعيدًا جدًا. ويلفت النظر إلى أنه على الرغم من أن هذا الاحتمال قابل للتوجيه، إلا أننا أوردنا في بحار الأنوار روايات أصرح من هذه الرواية في وجود هذه الكلمة في القرآن، ولا يوجد أي بُعد في سقوط جزء من القرآن من جمع عثمان (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۸۸؛ الكلام المنقول، قس: النائيني، ۱۳۸۲ش، ۵۴۳).
۷. أسباب كثرة نقل المجلسي عن الميرزا
من المناسب هنا أن نشير إلى بعض الأسباب التي يمكن ذكرها لكثرة نقل المجلسي عن الميرزا. تُظهر دراسة مرآة العقول أن المجلسي في هذا الشرح نقل كثيرًا من أقوال العلماء المختلفين، ويمكن اعتبار مرآة العقول دائرة معارف لأقوال وآراء المفكرين. في الواقع، يمكن القول إن آثار النزعة النقلية لدى المجلسي تظهر من جهة في تمسكه بالروايات، ومن جهة أخرى في نقله وجمعه لأقوال وآراء الآخرين. كما يستعين المجلسي في تبيين كثير من الروايات بالاحتمالات المختلفة وقيود التردد، وهذا الأمر يظهر بوضوح في مرآة العقول، وهو يعكس نزعة الاحتياط لدى المجلسي. وهذه النزعة الاحتياطية أيضًا تدفع المجلسي إلى نقل الأقوال والوجوه المختلفة. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار النزعة النقلية والاحتياطية لدى المجلسي وميله إلى نقل الأقوال المختلفة من بين أسباب كثرة نقله عن العلماء المختلفين – بشكل عام – وعن الميرزا رفيعا – بشكل خاص.
الجدير بالذكر أن الملا خليل القزويني أشار في شروحه إلى أن التوضيح الذي يقدمه حول الآيات المتشابهة إما نقل عن الآخرين أو مجرد إبداء احتمال، لأن معناها لا يعلمه إلا الله تعالى والنبي (ص) والأئمة (ع). ويشير إلى أن بيان شرح الأحاديث أيضًا يتم بنفس الطريقة (القزويني، الصافي، ۱: ۹۹ و۱۸۱؛ القزويني، الشافي، ۱: ۸۲).
بناءً على ذلك، فإن إحدى طرق رفع المسؤولية عن النفس هي النقل عن الآخرين، ومن الممكن أن يكون المجلسي قد تطرق في بعض الموارد إلى النقل عن الآخرين لهذا السبب. كما يبدو أن أحد الأسباب المهمة لاهتمام المجلسي الشديد بنقل أقوال الآخرين هو إطلاع المخاطب على الأقوال المختلفة؛ كما أن المجلسي في ذيل إحدى الروايات، بعد نقل بعض الأقوال حول الآلام واستحقاق العوض، اعتبر أن سبب نقلها هو إطلاع المخاطب على أقوال أصحاب الإمامية تبعًا لأصحاب الاعتزال (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۸: ۱۳).
أشار المجلسي في بعض الموارد إلى كثرة اشتغاله وعجلته (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۵۵)، وهو ما يمكن اعتباره من الأسباب الأخرى لكثرة نقله عن الميرزا وغيره. ومما يؤيد هذا السبب أنه في بعض الموارد، لم يكن من الصعب الاطلاع على المطالب التي نقلها المجلسي عن الميرزا، وسبب ذلك يمكن أن يكون توفير الوقت. وكون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي يمكن أن يكون قد أثر أيضًا في كثرة نقل المجلسي عنه. وعلمية وقوة شرح الميرزا من الأسباب الأخرى. كما أن اختصار شرح الميرزا قد يكون أحد أسباب رغبة المجلسي الشديدة في هذا الشرح، حيث أشار المجلسي في مقدمته على مرآة العقول إلى أنه قصد الاختصار في شرح الروايات (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۳)، على الرغم من أن المجلسي أولى اهتمامًا كبيرًا للشروح المفصلة مثل شرح الملا صدرا والملا صالح المازندراني. ويمكن اعتبار التقارب الفكري والعقائدي بين المجلسي والميرزا سببًا آخر، على الرغم من وجود اختلافات بينهما.
ونقطة أخرى جديرة بالذكر هي: لماذا كانت إشكالات المجلسي على الميرزا مختصرة وليست تفصيلية؟ الجواب هو أنه، كما قال المجلسي في مقدمة المرآة، لم يكن بصدد نقد أقوال أصحاب الحواشي ومشايخه الذين نقل عنهم (المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۳).
۸. الخاتمة
۱- استفاد المجلسي في مرآة العقول كثيرًا من حاشية الميرزا رفيعا.
۲- استعان المجلسي في مجالات مختلفة مثل تبيين معاني المفردات، والمباحث الصرفية والنحوية والبلاغية، واختلاف النسخ، وتحليل الروايات من الميرزا.
۳- يدل النقل الواسع للمجلسي على المكانة الرفيعة لحاشية الميرزا لديه. كما يمكن اعتباره دليلاً على التقارب الفكري والعقائدي بين المجلسي والميرزا، على الرغم من وجود اختلافات بينهما.
۴- بالإضافة إلى المكانة الرفيعة لحاشية الميرزا لدى المجلسي وغيره من المفكرين، يمكن ذكر أسباب أخرى لكثرة نقل المجلسي عن الميرزا، وهي: النزعة النقلية والاحتياطية لدى المجلسي وميله إلى نقل الأقوال المختلفة، وكثرة اشتغال المجلسي، واختصار حاشية الميرزا، وكون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي، والتقارب الفكري بين المجلسي والميرزا.
۵- على الرغم من أن المجلسي اكتفى في بعض الموارد بنقل كلام الميرزا، إلا أنه أولى اهتمامًا كبيرًا لوجوه وأقوال أخرى، وفي الموارد التي رأى فيها ضرورة، تطرق إلى ذكر أقوال ووجوه أخرى. كما أبدى المجلسي رأيه في بعض الموارد ورجح بعض الوجوه، وفي بعض الموارد أورد إشكالاً على الميرزا؛ وإن كانت إشكالاته مختصرة، وسبب ذلك هو أن المجلسي لم يقصد التفصيل في نقد أقوال مشايخه وغيرهم من أصحاب الحواشي.
۶- وجود هفوات قلم كثيرة في مرآة العقول يدل على ضرورة تصحيح هذا الشرح مجددًا وبشكل محقق.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الآسترابادي، الملا محمد أمين، الحاشية على أصول الكافي، تحقيق: المولى خليل القزويني وعلي فاضلي، قم، دار الحديث، ۱۴۳۰هـ.
الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ۱۴۰۷هـ.
الجيلاني، رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن، الذريعة إلى حافظ الشريعة، تحقيق: محمد حسين درايتي، قم، دار الحديث، ۱۴۲۹هـ.
رباني، محمد حسن، أصول وقواعد فقه الحديث، قم، مؤسسة بوستان كتاب، ۱۳۸۳ش.
الشريف الشيرازي، محمد هادي بن معين الدين محمد (آصف الشيرازي)، الكشف الوافي في شرح أصول الكافي، تحقيق: علي فاضلي، قم، دار الحديث، ۱۴۳۰هـ.
الفيض الكاشاني، محمد محسن، الوافي، أصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (ع)، ۱۴۰۶هـ.
القزويني، الملا خليل بن غازي، الصافي في شرح الكافي، تحقيق: محمد حسين درايتي وحميد أحمدي جلفائي، قم، دار الحديث، ۱۴۲۹هـ.
القزويني، الملا خليل بن غازي، الشافي في شرح الكافي، تحقيق: محمد حسين درايتي، قم، دار الحديث، ۱۴۲۹هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ۱۴۰۷هـ.
المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي، تحقيق: أبو الحسن شعراني، طهران، المكتبة الإسلامية، ۱۳۸۲هـ.
المجذوب التبريزي، محمد، الهدايا لشيعة أئمة الهدى، تحقيق: محمد حسين درايتي وغلام حسين قيصرية ها، قم، دار الحديث، ۱۳۸۷ش.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ۱۴۰۳هـ.
____، مرآة العقول، تحقيق: هاشم رسولي محلاتي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ۱۴۰۴هـ.
المسعودي، عبد الهادي، روش فهم حديث، طهران، سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم إنساني دانشگاهها (سمت) ودانشكده علوم حديث، ۱۳۸۴ش.
الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، شرح أصول الكافي، تصحيح: محمد خواجوي، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، ۱۳۸۳ش.
الميرداماد، محمد باقر بن محمد، التعليقة على أصول الكافي، تحقيق: مهدي رجائي، قم، الخيام، ۱۴۰۳هـ.
النائيني، رفيع الدين محمد بن حيدر (الميرزا رفيعا)، الحاشية على أصول الكافي، تحقيق: محمد حسين درايتي، قم، دار الحديث، ۱۳۸۲ش.
الهوامش
[1] خريج دكتوراه في علوم القرآن والحديث، مجمع الفارابي، جامعة طهران. mohammadfarrahi2011@gmail.com