الملخص
يُعدّ «الحق» و«الحكم» من المفردات الأساسية والمؤثرة في فقه المعاملات وفي نطاق القانون الخاص. وقد اختلف الفقهاء في حقيقة ماهية الحق وتعريفه الدقيق. وفي هذا السياق، تحظى تحليلات المحقق النائيني بأهمية بالغة، حيث ترتبت عليها آثار خاصة متعددة. توصل هذا البحث، مستعيناً بالمنهج الوصفي التحليلي ومصادر المكتبات، إلى أن رؤية المحقق النائيني في ماهية الحق هي نظرية «السلطنة الضعيفة». وتقدم هذه النظرية رؤية جديدة ومهمة لمقولات مثل «الحق» و«الملك» و«السلطنة». ولإثبات هذه النظرية، تم الاستشهاد ببعض الأدلة الروائية، بالإضافة إلى التحليلات والارتكازات العقلائية. كما تترتب على هذه النظرية آثار فقهية وحقوقية خاصة، سيشار في هذا البحث إلى أربعة نماذج منها. ومن المباحث المهمة الأخرى في هذا المجال، الفرق بين الحق والحكم. ففي نظر المحقق النائيني، يوجد فرق ثبوتي وإثباتي بين الحق والحكم. ومن ثمرات هذا التحليل، نظرة خاصة للعقود الجائزة واللازمة، وظهور مفهومي «اللزوم الحقي» و«اللزوم الحكمي»، اللذين يعدان من تجديدات المحقق النائيني.
المقدمة
من الواضح جداً أن لبحث ماهية الحق وآثاره فوائد جمة في الفقه والحقوق الإسلامية؛ إذ إن للحق آثاراً فقهية مهمة كقابلية النقل والإرث، وإن اعتبار أي مجعول حقاً أو عدم اعتباره كذلك يتوقف على المعرفة الدقيقة لماهية الحق. ومن فوائد هذا البحث بيان الضابطة لتمييز موارد الحق عن الحكم، وكذلك ضابطة ترتيب الآثار. على سبيل المثال، إن مسألة كون حق الحضانة أو التولية حقاً بالمعنى الاصطلاحي الفقهي الدقيق أم لا، وإن كانت حقاً فهل لها قابلية الإسقاط والنقل والإرث أم لا، كل ذلك رهين بتوضيح ماهية الحق. وقد أقر كثير من الفقهاء بأن تمييز الحق عن الحكم أمر عسير (الموسوي الخوانساري، 1355، ج3، ص206؛ الإمامي الخوانساري، دون تاريخ، ص599؛ اليزدي، 1410، ج1، ص56؛ الرشتي، 1407، ص7).
إن البحث في تعريف الحق وماهيته بحث مهم وتحليلي يسهم إسهاماً كبيراً في فهم أفضل لموقع الحق والفروق بينه وبين المفاهيم المشابهة. فضلاً عن أن لهذا البحث تأثيراً مباشراً في بحث آثار وأحكام الحق. على سبيل المثال، وكما سنوضح، استفاد المحقق النائيني من تحليل ماهية الحق أثر قابلية الإسقاط، وذهب من هذا المنطلق إلى أن كل ما هو حق له هذا الأثر، وكل ما ليس له هذا الأثر فليس بحق.
وبعد توضيح هذه المباني يأتي دور البحث في الفروع الفقهية التي تُطرح تحت عنوان المصاديق المشتبهة بين الحق والحكم في كلمات بعض الفقهاء (بحر العلوم، 1362، ج1، ص20). وتوجد موارد متعددة يكثر فيها البحث والخلاف حول كونها حقاً أو حكماً؛ بل وحتى على فرض ثبوت كونها حقاً، يقع البحث في ترتب جميع الآثار الثلاثة (قابلية الإسقاط، قابلية النقل، وقابلية الإرث) أو بعضها. وقد اعترف بعض الفقهاء المتعمقين بأن تمييز الحق عن الحكم أمر عسير يتطلب فطنة وذوقاً فقهياً (اليزدي، 1410، ج1، ص160).1
في هذا البحث، بعد تبيين «المعنى اللغوي» و«المعنى الاصطلاحي للحق»، سنتناول «آراء المحقق النائيني حول ماهية الحق» و«ثمراتها»، ثم «رؤيته بشأن الحق والحكم» و«آراء سائر الفقهاء بخصوص نظراته».
1. دراسة مفهوم الحق في اللغة
ذُكرت في كتب اللغة لكلمة «حق» وبشكل عام لمادة «ح ق ق» معانٍ متعددة. بعض هذه المعاني ذُكرت بوصفها موارد استعمال لهذه المادة ومشتقاتها، وبعضها الآخر بوصفه المعنى الأصلي والجامع الذي ترجع إليه سائر المعاني. والأمر المهم في البحث اللغوي هو التفكيك بين المعنى الأصلي وموضوع له المادة وبين موارد استعمالها.
أحد المعاني المذكورة لهذه المادة هو الوجوب. فالأزهري، كما نُسب إليه في لسان العرب، يرى الحق بمعنى الوجوب ويقول: «حقَّ الشيءُ حقاً بمعنى وجب وجوباً» (الأزهري، 1421، ج3، ص241). معنى آخر ذُكر لكلمة الحق هو أنه بمعنى ضد الباطل أو نقيضه. وفي كثير من كتب اللغة كالعين (الفراهيدي، 1410، ج3، ص7)، والصحاح (الجوهري، 1404، ج4، ص1460)، ولسان العرب (ابن منظور، 1414، ج10، ص49)، والمصباح المنير (الفيومي، دون تاريخ، ص143)، والنهاية (ابن الأثير، 1367، ج1، ص413)، فسروا الحق بهذا المعنى. المعنى الثالث الذي قيل لمادة الحق هو الثبوت أو الإثبات. في أساس البلاغة، يُنقل عن أبي زيد أنه فسر الحق بمعنى الإثبات والإيجاب وذكر أن «حق الله الأمر» بمعنى «أثبته وأوجبه» (الزمخشري، 1399، ج1، ص35). وبالطبع، في كلام القائلين بالرأي السابق، فُسر الحق بهذا المعنى أيضاً؛ ولكن بمعنى لازمي أي الثبوت، لا متعدٍّ (الإثبات).
معنى آخر قيل لهذه المادة وهو المطابقة والموافقة. ففي مجمع البحرين يكتب: «المعنى الأصلي للحق هو المطابقة والموافقة، ويستعمل في معانٍ أخرى ترجع جميعها إلى هذا الأصل» (الطريحي، 1375، ج5، ص148). الراغب أيضاً اعتبر المعنى الأصلي للحق المطابقة والموافقة وضرب مثالاً بـ«حق الباب». وهو الحفرة التي يستقر فيها محور الباب ويدور فيها بشكل صحيح ومستقيم، فيقال له حق الباب (راغب الأصفهاني، 1412، ص246). معجم مقاييس اللغة اعتبر المعنى الأصلي لهذه المادة هو الإحكام وصحة الشيء، ورأى هذا المعنى أصلاً واحداً لهذه المادة (ابن فارس، 1404، ج2، ص15). وفي الختام، ورد في كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم أن المعنى الأصلي لهذه المادة هو الثبوت مع قيد المطابقة للواقع، وهذا القيد مأخوذ في جميع موارد استعمال هذه المادة (المصطفوي، 1374، ج2، ص306).
وهناك معانٍ أخرى أيضاً في كتب اللغة لكلمة «حق»، بعضها يقيناً من قبيل موارد الاستعمال لا من باب المعنى الأصلي للكلمة. على سبيل المثال، ورد في لسان العرب أن الحق هو اليقين بعد الشك أو صدق الحديث (ابن منظور، 1414، ج10، ص52). وفي كثير من الكتب المذكورة، طُرح معنى الجدارة والاستحقاق، وفسرت كلمة «حقيق» بمعنى «حري». وفي تاج العروس، يذكر موارد كثيرة لاستعمال كلمة «حق»، وواضح أنه في مقام بيان موارد الاستعمال والمراد من هذه الكلمة في استعمالاتها، لا بيان معنى الكلمة. ومن هذه الموارد يمكن الإشارة إلى «القرآن»، «الأمر المقضي المنجز»، «العدل»، «الإسلام»، «المال»، «الملك»، «الموجود الثابت الذي لا يجوز إنكاره»، «صدق الحديث»، «الموت»، و«الحزم». ثم يذكر أن الحق في العرف يعني الحكم المطابق للواقع (المرتضى الزبيدي، 1414، ج13، ص80).
الراغب أيضاً بعد بيان أن أصل وجذر هذه الكلمة هو المطابقة والموافقة، يذكر لها أربعة موارد استعمال: المورد الأول «الموجد بحسب مقتضى الحكمة»، والمورد الثاني «الموجود بحسب مقتضى الحكمة». ويستشهد بآيات مثل ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (يونس: 30)2 و﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ (يونس: 32)3 للمورد الأول، وبآيات مثل ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (يونس: 5)4 و﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (يونس: 53)5 وجملة «الموت حق» للمورد الثاني. المورد الثالث للاستعمال هو «الاعتقاد المطابق للواقع»، كأن يقال اعتقاد فلان حق، أو كآية ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ (البقرة: 213).6 المورد الرابع هو «الفعل والقول بمقدار اللزوم وفي وقت اللزوم». ويستشهد بآيات مثل ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ (يونس: 33)7، و﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (السجدة: 13)8 لهذا المورد. وفيما يتعلق بآية ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المؤمنون: 71)9، يقول إنه من الممكن أن يكون المراد بالحق هو الله تعالى، أو حكمٌ يكون حسب مقتضى الحكمة (راغب الأصفهاني، 1412، ص248). بين الفقهاء، يرى المحقق الأصفهاني أن المعنى اللغوي الأصلي والواحد لكلمة «حق» هو الثبوت، وأن سائر المعاني المذكورة في كتب اللغة هي من باب اشتباه المفهوم بالمصداق، وترجع إلى هذا المعنى. وفي استعمال «فلان حقيق بكذا»، يرى أن هذه الكلمة، خلافاً لما هو شائع، ليست بمعنى «حري» و«جدير»، بل باعتبار أن الشخص هو طرف هذا الثبوت وفاعله. وكما أن «فلان أحق بكذا» يعني أنه من حيث امتلاك الثبوت أجدر من غيره؛ إذن معنى الثبوت محفوظ فيه. بالطبع، يستفاد من عبارته أنه ليس جازماً بأن الحق بمعنى الثبوت، أو أنه يرى معنى الحق مفهوماً قريباً من مفهوم الثبوت (الأصفهاني، 1418، ص38).10 المحقق الحكيم أيضاً يرى أن الحق في المعنى اللغوي والعرفي هو بمعنى الأمر الثابت (الحكيم، 1374، ج4، ص46)؛ ولكن المرحوم شيخ الشريعة الأصفهاني اعتبر المعنى اللغوي والعرفي للحق هو اللياقة والجدارة (شريعت أصفهاني، دون تاريخ، ص218).
يبدو أن المعنى الأصلي لهذه المادة، الذي اشتُقت منه سائر المعاني، هو الثبوت، وبقية المعاني تعود إلى الثبوت؛ ولكن ليس مطلق الثبوت. ففي آيات مثل ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: 71)11، و﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ (يس: 7)12، و﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (الزمر: 19)13، و﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ (الأنفال: 8)14، استُعملت هذه المادة بمعنى الثبوت. في الآية الأولى، التي استُعملت بصيغة الثلاثي المجرد، المعنى هو أن العذاب ثبت على الكافرين، وفي الآية الثانية بمعنى إثبات، وهو معنى متعدٍّ؛ لكن المعنى الأصلي لهذه المادة ليس مطلق الثبوت والتحقق، بل هو ثبوت يكون على وجه صحيح وسليم (ينبغي أن يكون)، وإلا فإن كثيراً من الأمور ثابتة ومتحققة لكنها ليست حقاً.
لذا، يجب أن نعتبر المعنى الأصلي والجامع هو «الثبوت على الوجه الصحيح» أو «الثبوت على وجه ينبغي أن يكون على ذلك الوجه»، بحيث تعود إليه سائر المعاني والاستعمالات. على سبيل المثال، إطلاق كلمة الحق في مقابل الباطل أو الضلال هو من باب أن الباطل والضلال لا ثبوت لهما ومنحرفان عن الطريق المستقيم والثابت. والمعاني الأخرى التي قيلت لهذه الكلمة، مثل المطابقة والموافقة أو الصحة والإحكام، فإن إطلاق كلمة الحق عليها هو باعتبار الثبوت والقرار الصحيح المأخوذ في مفهومها.
إن نوعاً من الثبوت في موارد الاستعمال التي ذُكرت لهذه الكلمة، كاليقين والأمر المقضي وصدق الحديث وغيرها، موجود في ذاتها؛ ولكن في مورد معنى الوجوب الذي ورد في تهذيب اللغة، يجب القول إن إحدى المعاني اللغوية للوجوب (بل كما قال البعض، المعنى الأصلي لكلمة وجوب (المصطفوي، 1374، ج13، ص31))، هي هذا المعنى نفسه، أي الثبوت. ولهذا السبب في آية ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (الحج: 36)15، ليس بعيداً أن يكون الوجوب بهذا المعنى، أي الثبوت والسقوط. ولكن يبدو أن إضافة قيد المطابقة للواقع، الذي أضيف في كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم لمفهوم الحق، لا وجه له؛ لأن هذا المفهوم موجود في معنى الثبوت نفسه. ففي الموارد التي لا يكون فيها الشيء مطابقاً للواقع، لا يستخدم تعبير الثبوت، وهذا شاهد على هذا الادعاء. لذا، يبدو أن إضافة قيد المطابقة للواقع إلى الثبوت الصحيح ليس صحيحاً؛ إلا إذا كان المراد من المطابقة للواقع ما قلناه، أي المطابقة للوجه الصحيح (الوجه الذي ينبغي أن يكون عليه)، لا مطلق المطابقة للواقع.
في رأي الكاتب، في التحليل اللغوي لمعنى الحق، إذا كان لا بد من إضافة قيد آخر لمفهوم الثبوت، فليس بعيداً أن نقول إن المعنى الأصلي للحق هو الثبوت مع نوع من الإحكام والتأكيد. ففي الآيات الشريفة ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: 71)16 أو ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ (فصلت: 25)17 أو ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (السجدة: 13)18، ظاهراً، هذه الاستعمالات ليست بمعنى مطلق الثبوت والتحقق؛ بل هي نوع من الثبوت والتحقق المصحوب بالتأكيد والتغليظ. ولهذا، لو استخدمت مادة «ثبت» بدلاً من مادة «حق»، لما حملت هذا البعد المعنائي.
على أي حال، المعنى اللغوي الأصلي لهذه المادة هو الثبوت على وجه صحيح، أو الثبوت الصحيح المصحوب بنوع من الإحكام والتأكيد. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن معنى كلمة الحق في اللغة هو «الشيء الثابت على الوجه الصحيح». وفي نظر المحقق النائيني أيضاً، المعنى اللغوي للحق هو الثبوت، والاستعمالات التي استخدمت فيها كلمة «حق» ولكنها ليست مصداقاً للحق الاصطلاحي، هي من هذا الباب؛ مثل «حق الجار»، «حق الأب». هذه الاستعمالات هي باعتبار أن هذه الأحكام من الأمور الثابتة. وفي نظر المحقق النائيني، الحق بالمعنى العام (في مقابل الحق بالمعنى الاصطلاحي) له مفهوم عام يشمل مفاهيم مثل العين والمنفعة وحتى ملكية العين والمنفعة؛ ولكن الحق بالمعنى الاصطلاحي هو في مقابل كل هذه المفاهيم، وهو ما يعبر عنه بالحق بالمعنى الأخص (النائيني، 1373، ج1، ص41).
2. دراسة مفهوم الحق في الاصطلاح
كما مر، أفاد المحقق النائيني بأن «الحق يُستعمل بمعنيين، أحدهما الحق بالمعنى الأعم والآخر الحق بالمعنى الأخص. الحق بالمعنى الأعم هو كل ما وضعه الشارع وجعله». وبموجب هذا المعنى للحق، تدخل عناوين مثل الحكم، والعين، والمنفعة، والحق بالمعنى الأخص تحت عنوان الحق؛ فكما أن ملكية العين والمنفعة من مصاديق الحق بالمعنى الأعم (النائيني، 1373، ج1، ص41)، ثم يتناول دراسة مفهوم الحق بالمعنى الأخص الذي يقابل الحكم.
وكما أن المبحوث عنه في الملك هو أن الملكية اعتبار لأي مفهوم وعنوان: الواجدية، السلطنة، أم غيرها، ففي الحق أيضاً يوجد نفس هذا النزاع. وفي هذا القسم، نذكر بعض الآراء المستقصاة حول ماهية الحق:
الرأي الأول: أن اعتبار الحق هو بمعنى اعتبار السلطنة. المحقق النائيني يتبنى هذا الرأي (النائيني، 1373، ج1، ص41)، والمحقق الأصفهاني ينسب هذا القول إلى المشهور (الأصفهاني، 1418، ص41). وحسب فهم المرحوم الإمام، فإن ظاهر كلام الشيخ الأنصاري هو أنه يرى الحق بمعنى السلطنة وفي مقابل الملك (الخميني، 1379، ج1، ص39).
الرأي الثاني: أن الحق هو ملكية ضعيفة. طبقاً لهذا الرأي، لا فرق بين الحق والملك من حيث الماهية؛ فكما فسرنا الملك، يكون اعتبار الحق أيضاً من حيث الماهية هو نفس الاعتبار، والاختلاف يكمن في الشدة والضعف فقط. في ملك الأعيان، تكون الملكية تامة؛ ولكن في الحق، تكون الملكية ضعيفة. وقد تبنى البعض، مثل المرحوم السيد اليزدي، هذا الرأي (اليزدي، 1410، ج1، ص57؛ الخراساني، دون تاريخ، ص28). والبعض الآخر، بدلاً من الشدة والضعف، استخدم تعبير العموم والخصوص، واعتبر ماهية الحق هي نفس الملك؛ مع فارق أن الاستيلاء والتسلط في الحق يكون في دائرة أضيق مقارنة بالملك (الإيرواني، 1406، ج1، ص73).
تجدر الإشارة إلى أنه إذا اعتبر شخص حقيقة الملك سلطنة، فبطبيعة الحال لن يكون هناك خلاف بين الرأي الأول والثاني؛ ولهذا السبب، فإن المرحوم السيد اليزدي قد قال أحياناً إن الحق ملك، وأحياناً اعتبره سلطنة (اليزدي، 1410، ج1، ص55)؛ ولكن على أي حال، هذان الرأيان مطروحان كنظرين مستقلين، وفي كلمات الفقهاء في مقام نقل الأقوال، اعتُبرا رأيين مختلفين ووُضعا في عرض بعضهما البعض (الأصفهاني، 1418، ص41)19 (الخميني، 1379، ج1، ص43).20
وهناك آراء أخرى مطروحة؛ مثل أن البعض يعتبر الحق بمعنى اعتبار الأهلية (الميلاني، 1395، ص28)، والبعض الآخر بمعنى الأولوية والاختصاص (التبريزي، 1399، ج2، ص13؛ الشهيدي، 1388، ص189). ورأي آخر هو أن الحق في مصاديقه المختلفة لا يملك مفهوماً واحداً، وفي كل مورد هو اعتبار خاص يختلف عن المورد الآخر. حاصل هذا الرأي، الذي تبناه المحقق الأصفهاني أيضاً، هو إنكار الاشتراك المعنوي بين مصاديق الحق (الأصفهاني، 1418، ص44). في مقابل هذه الآراء، يرى البعض أن اعتبار الحق هو نفسه اعتبار الحكم، وخلافاً للآراء السابقة، لا يوجد فرق ماهوي أساسي بين الحق والحكم. فكما أن حقيقة الحكم ليست سوى جعل واعتبار من الشارع، فإن حقيقة الحق ليست سوى اعتبار وجعل من الشارع؛ ولكن المجعولات الشرعية لها أقسام مختلفة. بعض المجعولات الوضعية الترخيصية غير قابلة للإسقاط، كجواز الرجوع في الهبة، وبعضها قابل للإسقاط، كجواز الفسخ في باب الخيارات. القسم الأول يُعبّر عنه بالحكم، والقسم الثاني يُعبّر عنه بالحق. المرحوم السيد الخوئي وبعض تلامذته يتبنون هذا الرأي (الخوئي، 1417، ج2، ص45؛ الطباطبائي القمي، 1372، ج2، ص11).
3. اعتبارية الحق وانتزاعيته أو حقيقيته
المحقق الأصفهاني، في معرض بحثه عن مفهوم الملك، بعد أن ردّ احتمال واقعية وانتزاعية الملك، سعى لإثبات اعتباريته، ثم تساءل عن المقولة التي يمكن أن تكون الملكية الاعتبارية اعتباراً لها؛ لكن في موضوع الحق، قلّما نجد هذا النوع من المباحث. ويبدو من المسلّم به أن الحق أمر اعتباري وتابع لجعل واعتبار المشرّع؛ لذا فالحق ماهية تحتاج في تحققها إلى اعتبار من معتبر (شرع أو عرف)، وما لم يُعتبر الحق ويُجعل، فلن يكون له وجود.
وفي كلمات كثير من الفقهاء، ذُكر أن الحق أمر اعتباري وجعلي (العراقي، 1414، ج5، ص301؛ الميلاني، 1395، ص26؛ البجنوردي، 1377، ج1، ص152؛ حسين آبادي جرقويه اي، 1423، ص61؛ الخميني، 1379، ج4، ص202 وج5، ص23)، وفي كلمات بعضهم، ترتبت فوائد ونتائج على اعتبارية الحق. على سبيل المثال، استُفيد من اعتبارية الحق لإسقاط الحق استقبالاً قبل حدوثه. فقد قال بعض الفقهاء: «الحق أمر اعتباري وإنشائي، واعتبار وجود أو سقوط أمر استقبالي أمر ممكن، ونفوذه يحتاج فقط إلى دليل إمضاء. وعليه، لا إشكال في إسقاط خيار الرؤية قبل أن يحصل بالرؤية» (التبريزي، 1399، ج4، ص266). كما استند آخرون إلى هذا الأمر لردّ رأي القائلين بأن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، معتقدين أن كلاً من الحق والملك أمر اعتباري، وفي الاعتباريات لا مجال للشدة والضعف والحركة (الأصفهاني، 1418، ص43؛ الروحاني، 1412، ج16، ص458). ويجب بحث صحة أو عدم صحة هذا الإشكال في محله. وفي نظر المحقق النائيني أيضاً، يُعتبر الحق، كسائر المجعولات الشرعية، من الأمور الاعتبارية. الأمور الاعتبارية هي أمور يتقرر وجودها في عالم الاعتبار وبيد المعتبر. وتحصيل الأمور الاعتبارية للأصالة يكون بالاعتبار والجعل؛ تماماً كما يحصل تحصيل الأمور الحقيقية للأصالة بالإرادة التكوينية. كل المجعولات الشرعية هي من الأمور الاعتبارية وتقابل الأمور الحقيقية والأمور الانتزاعية (النائيني، الكاظمي الخراساني، 1376، ج4، ص384).
إذن، اعتبارية الحق أمر مسلّم به عند الفقهاء، والاختلاف والبحث يكمن في ماهية اعتبار الحق. فهل هو اعتبار السلطنة، أم اعتبار الأولوية، أم أمر آخر؟
4. رؤية المحقق النائيني حول ماهية الحق
أشرنا إلى أن الحق في نظر المحقق النائيني يُستعمل بمعنيين: معنى أعم ومعنى أخص. الحق بالمعنى الأعم هو كل ما جعله الشارع، فيشمل الحق بهذا المعنى الحكم والعين والمنفعة وما شابهها. ووجه ذلك أن الحق في اللغة يعني الثبوت، وبهذا الاعتبار يُستخدم في موارد ليست حقاً بالمعنى الاصطلاحي، مثل «حق الجار» الذي هو من الأحكام، وبهذا الاعتبار فإن ملكية العين والمنفعة هي من الحقوق والأمور الثابتة؛ فإذن تعبير المرحوم الشيخ الأنصاري بعد بيان العين والمنفعة بـ«الحقوق الأخر» (إذا كانت كلمة الأخر صحيحة في النسخة) هو من باب المعنى الأول للحق (النائيني، 1413، ج1، ص92).21 ثم يتطرق إلى بيان ماهية الحق بالمعنى الأخص، أي الحق الاصطلاحي.
في نظر المحقق النائيني، الحق الاصطلاحي هو عبارة عن إضافة ونسبة ضعيفة قائمة بين صاحب الحق ومتعلق الحق، وهذه العلاقة هي أضعف مراتب السلطنة. ويفترض ثلاث مراحل ومراتب لسلطنة الإنسان وقدرته على المال: السلطنة الأقوى على المال يعتبرها ملكية العين، السلطنة المتوسطة يعتبرها ملكية المنفعة التي تُطرح في موارد إجارة الأعيان، والسلطنة الضعيفة على المال يعتبرها الحق. والجامع ووجه الاشتراك بين عنواني الحق والملك هو الإضافة والعلاقة التي جعلها المقنن للشخص ذي الحق. وحقيقة هذه الإضافة والنسبة، بتعبيره، هي الواجدية، أي امتلاك زمام أمر الشيء، أو كونه صاحب سلطنة وقدرة. والمرتبة الضعيفة من هذه الحالة هي الحق في نظره.
وتجدر الإشارة إلى أنه قال أحياناً: الحق سلطنة ضعيفة (النائيني، 1373، ج1، ص41)، وأحياناً قال: الحق ملكية ضعيفة (النائيني، 1373، ج1، ص42-44). هذا الاختلاف في التعابير لا يسبب مشكلة؛ ففي نظر المحقق النائيني، الملكية والسلطنة من سنخ واحد؛ فكل هذه التعابير مترادفة بشكل أو بآخر؛ بل في بعض عباراته، يعتبر حقيقة الملكية هي السلطنة (النائيني، 1413، ج1، ص89؛ نفسه، 1373، ج1، ص34 وج2، ص166). إذن، المحقق النائيني يرى ماهية الحق هي الملكية والسلطنة الضعيفة على المال (النائيني، 1373، ج1، ص41). الحق في نظره هو عبارة عن سلطنة وملكية ضعيفة توجد لصاحب الحق، وقد عبّر بعض الأساطين عنها بالملكية الناقصة (النائيني، 1413، ج1، ص92).
بالطبع، في جزء آخر من عبارته، يعرّف الحق بأنه «اعتبار خاص يكون أثره السلطنة الضعيفة على المال» (النائيني، 1373، ج1، ص42)، وهو ما يوحي بأن ماهية الحق ليست هي السلطنة الضعيفة نفسها، بل السلطنة هي أثر للحق؛ ولكن ما يستفاد من مجموع كلماته وما نسبه إليه الآخرون هو أنه يرى الحق سلطنة ضعيفة؛ لا أنه اعتبار يكون أثره السلطنة الضعيفة.
ثم يوضح في تبيين كيفية ووجه ضعف وقوة هذه النسبة، فيشرح هذا الضعف والقوة. نتيجة رأيه هي أن حقيقة الملك هي سلطنة وإضافة قوية وتامة، بمعنى أن الإضافة نفسها تامة، ومن حيث المتعلق أيضاً تامة. ومعيار وعلامة الإضافة التامة (الملكية) هو أنه يمكن إجراء أي نوع من التصرفات في متعلق الإضافة؛ ولكن إذا كانت هذه الإضافة ضعيفة من إحدى هاتين الجهتين، فستكون حقاً. أحياناً يكون ضعف الإضافة (وهو من خصائص الحق) بسبب ضعف وقصور الإضافة نفسها، وأحياناً بسبب قصور في المتعلق، أي طرف الإضافة، حيث لا يملك قابلية تعلق إضافة الملكية به. ومن أمثلة ضعف الإضافة نفسها، حق المرتهن بالنسبة للعين المرهونة؛ لأن العين المرهونة التي هي متعلق الحق لا مشكلة فيها، وفقط نسبة وإضافة المرتهن إليها ليست تامة وشديدة؛ ولكن في حقوق مثل حق التحجير أو حق الاختصاص بالنسبة لأشياء كالخمر التي ليس لها مالية شرعية، يكون ضعف الإضافة من باب القصور في متعلق الإضافة؛ لأن الأرض المحجرة والخمر، من وجهة نظر الشارع، لم تصبح مملوكة؛ بخلاف العين المرهونة. حق الخيار أيضاً، بناءً على هذا المبدأ القائل بأن الخيار يتعلق بالعقد لا بالعين، يكون من موارد ضعف الإضافة بسبب القصور في المتعلق (النائيني، 1373، ج1، ص42 وج2، ص151؛ نفسه، 1413، ج1، ص383).
وقد بيّن المحقق النائيني هذه المطالب بناءً على التحليلات والارتكازات العقلائية في مفهوم وماهية الحق؛ ولكنه استشهد أيضاً ببعض الروايات لدعم رأيه بأن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، بالإضافة إلى التحليلات والبراهين الارتكازية. ففي إحدى عباراته قال: «يمكن استظهار هذا الادعاء بأن الحق من مراتب الملكية من روايات باب إحياء الموات. فهذه الروايات تبين أنه عندما يحجر شخص أرضاً، يكتسب حق اختصاص بها، لا ملكية. ثم عندما يعمرها، تصبح ملكه. وظهور الروايات في هذا المطلب هو دليل على أن الحق مرتبة من الملكية؛ لأنه من الواضح أنه بعد حصول الملكية، لا يزول الحق؛ بل يندرج ويندمج فيه» (النائيني، 1373، ج1، ص160).
5. الآثار والثمرات المترتبة على تحليل المحقق النائيني لماهية الحق
هناك ثمرات وآثار يمكن أن تترتب على هذا التحليل لماهية الحق. في هذا القسم، نشير إلى أربعة من هذه الثمرات:
الثمرة الأولى: أولى ثمرات هذا المبدأ تظهر في بحث إثبات حق الاختصاص للمالك السابق بعد زوال مالية المملوك. فقد ذهب المحقق النائيني في بعض كلماته إلى أنه بعد زوال الملكية، يبقى حق الاختصاص للمالك دون الحاجة إلى سبب خاص، وهذا المطلب، طبقاً للقاعدة؛ لذا لا حاجة لدليل لإثبات حق الاختصاص. ويشرح دليل هذا المطلب بالقول إن الحق ليس أمراً مغايراً للملك، بل هو من شؤون الملك ومرتبته الضعيفة. وهذه المرتبة الضعيفة (الحق) مندرجة في المرتبة القوية (الملك)، وفي زمن وجود الملكية، تكون موجودة معها. والمال المملوك في زمن وجود رابطة الملكية، هو متعلق هذه الإضافة القوية، وبعد أن زالت ماليته وملكيته، فقد قابلية تعلق الإضافة القوية به؛ ولكن المرتبة الضعيفة من هذه الإضافة، التي هي الحق، تبقى باقية. فليس الأمر أن الحق يحدث من العدم المحض لنبحث عن سبب لحدوثه؛ بل الحق هو نفس الإضافة والعلاقة التي كانت موجودة في الماضي؛ مع فارق أنها ضعفت فقط. وقد قال إن العلاقة بين الملك والحق ليست كالعلاقة بين الوجوب والاستحباب؛ لأن بقاء الاستحباب بعد زوال الوجوب يحتاج إلى دليل. فالوجوب والاستحباب من حيث الملاك متغايران، ولكل منهما مصلحة مستقلة ومنفصلة؛ فبعد نسخ الوجوب، تنتهي مصلحته، وبقاء الاستحباب يحتاج إلى ملاك مستقل؛ ولهذا السبب يعتبر العلماء الوجوب والاستحباب وجميع الأحكام التكليفية الخمسة متضادة؛ ولكن حق الاختصاص من مراتب الملكية، وقياسه بالاستحباب والوجوب غير صحيح. ثم يضيف أنه حتى لو قلنا إن الحق من أحكام وآثار السلطنة، فإننا نقول أيضاً إنه بعد زوال الملكية، يبقى حق الاختصاص؛ ولكن إذا قلنا إن الحق والملك متغايران ذاتاً ومورداً، فلا يمكن إثبات حق الاختصاص للمالك السابق (النائيني، 1373، ج1، ص159-160؛ نفسه، 1413، ج1، ص383).
ظاهر عبارات المحقق النائيني هو أنه يثبت بقاء حق الاختصاص بالدليل الاجتهادي؛ لا أنه وصلت النوبة إلى الشك ومن باب استصحاب بقاء المرتبة الضعيفة؛ ولكن لو وصلت النوبة إلى الشك، فهل هذا الاستصحاب جارٍ أم لا، وهل هو استصحاب فرد أم استصحاب كلي قسم ثالث (الموسوي البجنوردي، 1379، ج4، ص91)، فهذا بحث يجب متابعته في محله.
الثمرة الثانية: يمكن لشخص أن يستخدم ثمرة شبيهة بالثمرة الأولى في بحث حق الخيار ويقول: حق الخيار مرتبة ضعيفة من ملكية العين. فإذا صح هذا المطلب، يمكن بناء استصحاب بقاء السلطنة الطبيعية للمالك كاستصحاب في مقابل أصالة اللزوم. بالطبع، ناقش بعض الفقهاء هذا المطلب (التبريزي، 1399، ج4، ص32).
الثمرة الثالثة: ثمرة أخرى لهذا المبدأ تُطرح في بحث إسقاط الحقوق ونفوذ الإسقاط. يرى المرحوم الشيخ الأنصاري أنه قد يكون دليل قاعدة «كل ذي حق يمكنه إسقاط حقه» هو فحوى وأولوية دليل «الناس مسلطون على أموالهم» (الأنصاري، 1415، ج5، ص61). وقد قرّب المحقق الأصفهاني الفحوى بالقول: «إذا كان الحق مرتبة ضعيفة من الملك، فإنه يُستفاد بطريق أولى من تسلط الناس على أموالهم، الذي يحصل بإضافة الملكية، أنهم مسلطون على حقوقهم أيضاً. فبطبيعة الحال، السلطنة على الأقوى تستلزم بالأولوية السلطنة على الأضعف» (الأصفهاني، 1419، ج4، ص118).
الثمرة الرابعة: يستنتج المحقق النائيني نفسه من هذا المبدأ، القائل بأن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، ببيان آخر أن جميع الحقوق قابلة للإسقاط. فهو، بقطع النظر عن دليل «الناس مسلطون على أموالهم»، يستنتج من مبناه أن جميع الحقوق قابلة للإسقاط، وأن ضابطة تمييز الحق عن الحكم هي قابلية الإسقاط؛ تماماً كما اعتبر المرحوم الشهيد أن ضابطة تامة بين الحق والحكم هي بحث قابلية الإسقاط.
وعلى هذا الأساس، فإن ما ناقشه المرحوم السيد اليزدي في تقسيمه للحقوق إلى حقوق قابلة للإسقاط وغير قابلة للإسقاط؛ يتعجب المحقق النائيني من المرحوم السيد اليزدي كيف أنه مع تعريفه للحق بالسلطنة الضعيفة، يقسم الحقوق بهذا الشكل. ويقول: «إذا كان شيء لا يقبل الإسقاط، فكيف يتصور أن تكون عليه سلطنة ويكون زمام أمره بيد شخص؟» (النائيني، 1373، ج1، ص42). إذن، المحقق النائيني يرى أن النتيجة الحتمية لتعريف الحق بالسلطنة هي أن قابلية الإسقاط ملازمة لكون الشيء حقاً، ولا يتصور حق غير قابل للإسقاط.
6. الحق والحكم في نظر المحقق النائيني
بحث الحق والحكم، وفروقهما، وضابطة تمييز الحق عن الحكم، مطروح في مواضع مختلفة من كلمات المحقق النائيني، وله آثار مهمة. الحكم في نظر المحقق النائيني هو مجعول يتعلق بفعل المكلفين؛ اقتضاءً أو تخييراً، والنقطة المهمة هي أنه على الرغم من وجود آثار مشتركة بين الحق والحكم في بعض الأحيان، إلا أنهما من حيث الماهية سنخان متباينان (النائيني، 1373، ج1، ص41). ويعتقد المحقق النائيني أنه يوجد بين الحق والحكم فرق ثبوتي وماهوي، وفرق إثباتي، أي أن هناك ضابطة في مقام تشخيص المصاديق.
1-6. الفرق الثبوتي بين الحق والحكم في نظر المحقق النائيني
من الناحية الثبوتية، وجه الاشتراك بين الحق والحكم هو أن كليهما مجعول اعتباري. على سبيل المثال، كما أن الواهب في الهبة له جواز الرجوع، ففي العقد الخياري أيضاً، صاحب الخيار له جواز الرجوع؛ ولكن جواز الرجوع الأول هو من باب الحكم، وجواز الرجوع الثاني من باب الحق. في نظر المحقق النائيني، على الرغم من أن للحق والحكم اشتراكات، ككون كليهما مجعولاً شرعياً يكون جواز الرجوع في هذا المثال من آثارهما؛ إلا أن بينهما فرقاً سنخياً.
حسب قول المحقق النائيني، المجعول الذي لا يتضمن سلطنة وقدرة وملكية هو حكم لا حق، وإذا أُطلق عليه حق أحياناً، فهو حق بالمعنى الأعم ومطلق الثبوت، لا بالمعنى الاصطلاحي. إذن، الحق هو مجعول أُخذ في ماهيته نوع من السلطنة والقدرة؛ ولكن الحكم ليس كذلك، بل الحكم هو مجعول يتعلق بفعل المكلفين على نحو الطلب (الإلزامي وغير الإلزامي) أو الإباحة. إذن، جواز الرجوع في الهبة يختلف ثبوتاً وماهيةً عن جواز الرجوع في باب الخيارات؛ وليس فقط فرقاً من حيث الآثار. فماهية جواز الرجوع في الهبة هي حكم الشارع بجواز الرجوع، وهي مثل اللزوم في عقد النكاح الذي هو حكم شرعي فقط؛ ولكن جواز الرجوع في ماهية البيع الخياري هو قدرة وسلطنة، وإن كانا في الظاهر كلاهما جوازاً متشابهاً.
2-6. الفرق الإثباتي بين الحق والحكم في نظر المحقق النائيني
الفارق الإثباتي بين الحق والحكم في نظره هو قابلية الإسقاط. فالمحقق النائيني، اقتداءً بالمرحوم الشهيد، يقول: الضابطة التامة بين الحق والحكم هي أن الحق قابل للإسقاط ويزول بإسقاط صاحبه؛ بخلاف الحكم، الذي لا يقبل الإسقاط. في رأيه، كل الحقوق قابلة للإسقاط؛ أي أن أول درجة للحق هي أن يكون قابلاً للإسقاط. وهذه الضابطة هي ضابطة تامة لتمييز الحق عن الحكم. وكما قيل، فهو يبيّن هذا المطلب بالنظر إلى ماهية الحق، ويرى أن قابلية الإسقاط هي لازمة لتعريف الحق بالسلطنة وكونه صاحب زمام الشيء، وقد مرّ توضيح ذلك في البحث السابق. وبناءً على هذا المبدأ، فإن كلام السيد اليزدي الذي قسم الحقوق إلى قابلة للإسقاط وغير قابلة للإسقاط، ومثل للقسم الثاني بحق الولاية وحق الاستمتاع من الزوجة، قد ناقشه وبيّن أن وجود حق غير قابل للإسقاط غير معقول؛ ولكن إطلاق الحق في موارد لا تقبل الإسقاط، مثل حق الأبوة، وحق ولاية الحاكم، وحق الاستمتاع من الزوجة، وحق المؤمن على المؤمن، أو حق الجار، ليس من باب الحق الاصطلاحي؛ بل هو حق بالمعنى الأعم الذي يُطلق على الأحكام أيضاً (النائيني، 1373، ج1، ص41 وج2، ص151؛ نفسه، 1413، ج1، ص92).
3-6. آثار الفروق بين الحق والحكم في نظر المحقق النائيني
من الفروق التي يراها المحقق النائيني بين الحق والحكم، بحث صحة الشرط المخالف، وأن الشرط المخالف في أي موارد يكون شرطاً مخالفاً للكتاب والسنة. في الوضعيات المختلفة، كون الشرط المخالف شرطاً مخالفاً للكتاب والسنة أم لا، تابع لكون المجعول الوضعي حقاً أو حكماً. فإذا كان المجعول الوضعي حقاً، فإن الشرط المخالف الذي يؤول إلى شرط إسقاط الحق، جائز؛ ولكن إذا كان المجعول الوضعي حكماً (مثل حكم إرث الزوجة الدائمة أو حكم عدم إرث الزوجة المتمتعة)، فإن الشرط المخالف للحكم هو شرط مخالف للكتاب والسنة؛ إلا إذا ثبت خلاف ذلك (النائيني، 1373، ج1، ص25).
كذلك من الفروق التي يراها بين الحق والحكم، بحث جعل خيار الشرط في العقود المختلفة. لذا يمكن أن نشير من ثمرات بحث الفرق بين الحق والحكم إلى بحث جعل خيار الشرط. فبعد تقسيم العقود إلى عقود إذنية وعهديّة، وبيان عدم جريان خيار الشرط في العقود الإذنية، يعتبر أن ملاك صحة خيار الشرط في العقود العهدية هو كون اللزوم والجواز حقياً أو حكمياً. ويبين المحقق النائيني أن العقود العهدية، إذا كان لزومها حكمياً، كالنكاح، أو جوازها حكمياً، كالهبة، فإن شرط الخيار فيها غير صحيح. ودليل عدم الصحة في موارد اللزوم الحكمي هو أن مثل هذا الشرط مخالف للسنة، ودليل عدم الصحة في موارد الجواز الحكمي هو لغوية هذا الشرط؛ ولكن إذا كان لزوم العقد لزوماً حقياً، كالبيع (ولو بالعرض بسبب خيار المجلس جائز)، فإن خيار الشرط في هذه العقود صحيح. ثم يبين أن كل لزوم ناشئ من «أوفوا بالعقود» والتزام المتعاملين هو لزوم حقي، وكل لزوم ناشئ من عنوان العقد نفسه هو لزوم حكمي (النائيني، 1373، ج1، ص55-56).
بحث الحق والحكم والفرق بينهما له تطبيقات كثيرة في بحث العقد الجائز والعقد اللازم. فقد قال المحقق النائيني إن الجواز في مقابل اللزوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الجواز الحكمي، كجواز الهبة في مقابل اللزوم الحكمي الموجود في النكاح.
الثاني: الجواز الحقي؛ سواء كان بجعل الشارع، كخيار المجلس، أو بجعل المتعاقدين، كخيار الشرط. الجواز الحقي يقابل اللزوم الحقي أو اللزوم العقدي.
الثالث: جواز يكون بسبب عدم وجود دليل على اللزوم، كجواز المعاطاة. برأيه، المعاطاة والعقود غير اللفظية عموماً تختلف اختلافاً مهماً عن العقود اللفظية. ففي العقود اللفظية، مثل البيع اللفظي، يوجد مدلول مطابقي ومدلول التزامي. المدلول المطابقي لـ«بعت» هو إنشاء تبديل ونقل الملكية، والمدلول الالتزامي له هو أن الطرفين ملتزمان ومتمسكان بهذا النقل للملكية؛ ولكن في البيع اللفظي، لا يوجد هذا المدلول الثاني؛ لأن هذا المعنى لا يمكن تحقيقه بالفعل؛ إلا إذا استُخدم فعل جديد لذلك؛ إذن القسم الثالث من الجواز هو جواز من باب عدم وجود دليل على اللزوم. وقد استفاد من هذا البيان أن جواز المعاطاة هو طبق القاعدة ومن باب عدم الدليل؛ لا أن إثبات جوازها يحتاج إلى دليل كالإجماع وغيره. في الحقيقة، المعاطاة ليست عقداً، وإن كانت بيعاً (النائيني، 1413، ج1، ص129 وج1، ص183؛ نفسه، 1373، ج1، ص49).
من جهة أخرى، اللزوم الحقي يختلف عن اللزوم الحكمي من حيث الثبوت والإثبات. من حيث الثبوت، اللزوم الحقي هو لزوم ناشئ من التزام المتعاقدين بمضمون المعاملة دون أن تقتضي ذات العقد اللزوم؛ ولكن اللزوم الحكمي ناشئ من ذات وطبع المعاملة ولا علاقة له بالتزام المتعاملين. ومن حيث الإثبات أيضاً، للزوم الحقي آثار لا توجد في موارد اللزوم الحكمي. ومن هذه الآثار، يمكن الإشارة إلى وقوع الإقالة، وصحة شرط الفسخ، والانفساخ بالفسخ. ففي الموارد التي يكون فيها العقد ذا لزوم حكمي، لا يقبل الإقالة، ولا يصح فيه شرط الفسخ، ولا ينفسخ بالفسخ؛ إلا إذا وجد دليل خاص يقتصر عليه، كباب النكاح؛ ولكن اللزوم الحقي ليس كذلك، وكل الآثار الثلاثة تجري فيه طبق القاعدة (النائيني، 1413، ج1، ص227).
كذلك في بحث المعاطاة، بناءً على إفادتها للملك، بعد أن تصبح المعاطاة لازمة (مثلاً بعد التلف)، يُطرح بحث اللزوم الحقي والحكمي، ويبيّن أن اللزوم الحقي يكون أحياناً بجعل المتعاملين وأحياناً بجعل الشارع؛ كما أن الجواز الحقي له هذان القسمان. ومن أمثلة اللزوم الحقي بجعل المتعاقدين، العقد اللفظي؛ لأن المدلول الالتزامي لكلام المتعاقدين في هذا العقد هو أنهم ملتزمون ومتمسكون بمضمون المعاملة، وكل منهما مالك لالتزام الطرف المقابل. ومن أمثلة اللزوم الحقي بجعل الشارع، لزوم المعاطاة بعد عروض الملزمات؛ لأن المعاطاة، كالبيع اللفظي، قابلة للإقالة والفسخ. إذن يُعلم أن لزوم المعاطاة هو لزوم حقي (النائيني، 1413، ج1، ص264).
إجمالاً، يمكن القول إن ضابطة تمييز اللزوم الحقي عن اللزوم الحكمي في نظر المحقق النائيني هي في موردين:
الأول: اللزوم الحقي يكون حيثما أنشأ المتعاقدان التزاماً بمضمون العقد، كالعقد اللفظي.
الثاني: حيثما يكون اللزوم الحقي بجعل الشارع. كذلك من آثار كل منهما، كالإقالة والفسخ، يمكن كشف كون اللزوم حقياً أو حكمياً (النائيني، 1373، ج1، ص86).
7. الإشكالات المطروحة على نظرية المحقق النائيني
طُرحت إشكالات على رؤية المحقق النائيني في بحث ماهية الحق. بعضها يتعلق برؤيته حول ماهية الحق، وبعضها يتعلق بثمرات رؤيته في ماهية الحق.
الإشكالات على رؤية المحقق النائيني في بحث ماهية الحق
طُرحت خمسة إشكالات على رؤية المحقق النائيني في بحث ماهية الحق:
الإشكال الأول: في كلام المحقق النائيني، خُلط بين الماهية وأثرها. فماهية الحق ليست السلطنة، بل السلطنة من آثار الحق، ولا ينبغي تعريف الشيء بأحكامه وآثاره. لذا، ذهب البعض إلى أن الحق اعتبار خاص له آثار خاصة، كالسلطنة؛ تماماً كما أن السلطنة من آثار الملك أيضاً (الآخوند الخراساني، 1406، ص4؛ الميلاني، 1395، ص28).
وقد أجاب المحقق الأصفهاني على هذا الإشكال قائلاً: إن من يعرّفون ماهية الحق بالسلطنة، يجب أن يكون مرادهم السلطنة الاعتبارية، لا السلطنة التكليفية؛ وفي هذه الحالة لا يرد الإشكال. فالسلطنة التكليفية، التي هي بمعنى جواز التصرف أو جواز الفسخ، تُعد من أحكام الحق؛ ولكن المراد هو أنه كما أن الملكية أمر اعتباري، ففي موارد الحق، تُعتبر السلطنة الاعتبارية التي يكون أثرها جواز التصرف الشرعي؛ بل في بعض مصاديق الحق، صُرّح بجعل هذه السلطنة الاعتبارية، كحق القصاص ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. فحق القصاص الذي جُعل لولي الدم هو نفس السلطة الشرعية؛ لا أن حق القصاص شيء تترتب عليه السلطنة التكليفية (جواز وعدم حرمة القصاص)، ولا أن حق القصاص هو نفس السلطنة التكليفية (الأصفهاني، 1418، 41؛ نفسه، 1419، ج1، ص20). وقد ناقش البعض هذا الجواب، معتقدين أنه في موارد تعلق الحق بفعل صاحب الحق، وحيث أن السلطنة التكوينية موجودة له، فإن اعتبار السلطنة لغو محض (الميلاني، 1395، ص28).
الإشكال الثاني: توجد موارد يكون فيها الشخص صاحب حق، ولكنه لا يملك سلطنة على التصرفات، وهذا يدل على أن ماهية الحق ليست السلطنة. ففي موارد المحجورين الذين هم أصحاب حق أو مالكون، تكون السلطنة لوليّهم؛ إذن انفكاك الحق عن السلطنة دليل على التغاير بينهما.
وقد حاول المحقق الأصفهاني الإجابة على هذا الإشكال أيضاً بنفس الجواب الذي قدمه للإشكال السابق، قائلاً إن المحجور له سلطنة اعتبارية، ولكنه لا يملك سلطنة تكليفية. إذن لم يحدث تفكيك بين الحق والسلطنة (الأصفهاني، 1418، ص41؛ نفسه، 1419، ج4، ص11).
إشكال التغاير بين السلطنة والحق، في كلام البعض، كالمرحوم الإمام، بُيّن بطريقة أخرى. فقد ركز المرحوم الإمام البحث على السلطنة الاعتبارية، وقال إنه في مورد المحجورين الذين هم أصحاب حق، أساساً لم تُعتبر لهم سلطنة؛ بل حتى من وجهة نظر عقلائية، لا يعتبرون للصبي سلطنة، والسلطنة تكون لوليّه. واعتبر أيضاً انفكاك مصاديق الحق عن الملك دليلاً على تغاير ماهية الحق مع الملك (الخميني، 1379، ج1، ص41-42). بالإضافة إلى أن بعض مصاديق الحق، كحق الجار على الجار أو استحقاق العاصي للعقاب، لا يوجد فيها أي أثر لمعنى سلطنة شخص على آخر (الخميني، 1379، ج1، ص44؛ شريعت أصفهاني، دون تاريخ، ص218).
كما قال البعض: في الموارد التي يتعلق فيها الحق بفعل صاحب الحق، كحق الفسخ وحق القصاص، فإن اعتبار الملكية لا معنى له وهو لغو؛ لأن الملكية التكوينية بالنسبة للعمل موجودة، واعتبار معنى له مصداق حقيقي لغو (الميلاني، 1395، ص29).
الإشكال الثالث: في بعض الموارد، تُعتبر السلطنة ولكن لا يُعتبر الحق أو الملك، كسلطنة الإنسان على نفسه. فكما أن الإنسان له سلطنة على أمواله، فله سلطنة على نفسه أيضاً، وهذا أمر عقلائي تماماً؛ ولكن العقلاء لا يعتبرون للإنسان حقاً على نفسه. وهذا أيضاً دليل على التغاير بين الحق والسلطنة (الخميني، 1379، ج1، ص41-42).
الإشكال الرابع: قول المحقق النائيني بأن الحق هو ملكية ضعيفة أو سلطنة ضعيفة، قد نوقش في كلام كثير من الفقهاء. خلاصة الإشكال هي أن الملكية أمر اعتباري، والشدة والضعف لا معنى لهما في الأمور الاعتبارية حتى نقول إن الحق ملكية ضعيفة (الأصفهاني، 1418، ص43؛ الميلاني، 1395، ص29؛ الروحاني، 1412، ج16، ص458 وج19، ص433)؛ ولكن هذا الإشكال قابل للجواب؛ لأن مراد المحقق النائيني من شدة وضعف الملكية ليس الشدة والضعف بالمعنى الفلسفي. فالشدة والضعف في الملكية في كلام المحقق النائيني هو تعبير عرفي عن أن السلطنة على الشيء تكون أحياناً من جميع الجهات، وأحياناً تكون ضيقة ومقتصرة على بعض الجهات (الشهيدي، 1388، ج1، ص116).
الإشكال الخامس: يبيّن المرحوم الإمام وجود تهافت بين مجموع كلمات المحقق النائيني، وهو نتيجة لثلاثة مطالب من مطالبه:
- المحقق النائيني يرى الحق سلطنة ضعيفة.
- في بحث نقل وانتقال الحقوق، أجاز نقل الحق.
- قال إن نقل الملك (لا المملوك) غير صحيح؛ لأن الملك سلطنة، والناس مسلطون على أموالهم، لا على أنفسهم.
يقول المرحوم الإمام إن قوله في المطلب الأول بجواز نقل الحق، واعتباره الحق بمعنى السلطنة، يستلزم أن يكون نقل الحق بمعنى السلطنة على السلطنة، وهو ما اعتبره في المطلب الثالث غير صحيح. إذن يوجد هذا التهافت بين مطالب المحقق النائيني.
بالطبع، للمحقق النائيني عبارة قد ترفع هذا التهافت؛ لأنه قال: «كان الحق عبارة عن اعتبار خاص الذي أثره السلطنة الضعيفة على الشيء ومرتبة ضعيفة من الملك» (النائيني، 1373، ج1، ص42)؛ أي أن السلطنة هي أثر الحق لا الحق نفسه؛ ولكن المرحوم الإمام يرى أن هذا التعبير مخالف لسائر كلماته؛ بل مخالف لذيل العبارة نفسها التي تعتبر الحق مرتبة ضعيفة من الملك؛ لأن المحقق النائيني يفسر الملك بالسلطنة. فالنتيجة هي أن «الحق سلطنة ضعيفة أثرها السلطنة الضعيفة»، وهو كلام غير معقول. في الختام، يقول المرحوم الإمام إنه لو قال المحقق النائيني: «الحق عبارة عن اعتبار خاص أثره السلطنة»، دون تقييد السلطنة بالضعيفة، لكان كلامه صحيحاً ولم يرد عليه إشكال (الخميني، 1379، ج1، ص45).
الإشكال على الثمرات المترتبة على مبنى المحقق النائيني في ماهية الحق
بعض الفوائد التي رتبها المحقق النائيني على مبناه أو رتبها آخرون على مبناه، كانت محل نقاش من الفقهاء.
الثمرة الأولى كانت أنه بالنظر إلى أن الحق من مراتب الملكية، أي ملكية ضعيفة وليس مبايناً لها، فبعد زوال الملكية، سيبقى حق الاختصاص ثابتاً، ولا حاجة لسبب جديد لحدوث حق الاختصاص، كجعل اليد.
بعض الإشكالات على هذه الثمرة مبنائية، تعود إلى الإشكال الرابع. فقد قيل إن الملكية والحق أمران اعتباريان، والشدة والضعف لا معنى لهما في هذه الأمور حتى يقال إنه بعد زوال الملكية، يبقى حق الاختصاص الذي هو مرتبة ضعيفة (الخميني، 1379، ج1، ص45؛ الروحاني، 1412، ج19، ص433 وج22، ص189؛ الطباطبائي القمي، 1426، ج7، ص191)؛ بل قال البعض إنه حتى الملكية الحقيقية لا مجال فيها للشدة والضعف، ومن أي مقولة كانت (كالجِدَة أو الإضافة) فهي غير قابلة للاتصاف بالشدة والضعف (الأصفهاني، 1419، ج1، ص444؛ الخوئي، 1417، ج1، ص143).
في كلام المرحوم الإمام، أُشكل إشكال إضافي على المحقق النائيني وهو بمثابة إشكال بنائي. فقال: «لازم الشدة والضعف في حقيقة واحدة هو أنه بعد زوال المرتبة الضعيفة، تبقى نفس تلك الحقيقة؛ تماماً كما أنه بعد زوال السواد الشديد، يبقى أصل السواد. إذن، ليس من المعقول أن تكون المرتبة الضعيفة للملكية شيئاً غير الملكية؛ كما أنه ليس من المعقول أن تكون المرتبة الشديدة للحق شيئاً غير الحق. وفوق ذلك، إذا كانت الأولوية مرتبة من الملكية، فيجب أن تزول بالكلية؛ لأن أموراً كالخمر والخنزير ليست مملوكة شرعاً بالمطلق» (الخميني، 1379، ج1، ص663).
وقال المرحوم السيد اليزدي: إن القول بأن حق الاختصاص من شؤون الملكية وبعد زوال الملكية يبقى، غير صحيح؛ لأن الملكية قابلة للشدة والضعف، بل هي أمر بسيط قد زال. هذا المقام مثل بحث نسخ الوجوب في الأحكام؛ فكما أنه بعد نسخ الوجوب لا يمكن القول ببقاء الاستحباب، فهنا أيضاً لا يمكن القول ببقاء الحق بعد زوال الملكية. هذا الكلام لا يتنافى مع أن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية؛ لأن معنى هذه الجملة هو أن الحق من مقولة السلطنة التي هي مرتبة من الملك ومرتبة أخرى منه؛ ولكن ليس بمعنى أن المرتبة القوية مشتملة على المرتبة الضعيفة. كما نقول إن الاستحباب من سنخ الوجوب؛ أي كلاهما من مقولة الرجحان؛ لا أن الاستحباب موجود ضمن الوجوب. بالطبع، في تتمة كلامه، يقبل بقاء حق الاختصاص بعد زوال الملكية ببيان آخر. فيقول إن من شؤون وآثار الملكية أنه بعد زوال الملكية، في فرض كون العين مرغوبة عند العقلاء، يكون للمالك السابق أولوية بالنسبة لها. بعبارة أخرى، لا نقول إن الحق كان موجوداً ضمن الملكية ليقع الإشكال؛ بل نقول إن حق الأولوية يحصل بعد الملك؛ لأنه من آثاره (اليزدي، 1410، ج1، ص109-110).
في كلام المحقق الأصفهاني والمرحوم الإمام، نوقش استدلال المرحوم السيد اليزدي أيضاً:
- إن قوله بأن الملكية أمر بسيط لا مجال فيه للشدة والضعف غير صحيح؛ لأن البساطة لا تمنع الشدة والضعف والتشكيك (الأصفهاني، 1419، ج1، ص444؛ الخميني، 1376، ص363).
- إن قوله بأن حق الأولوية من آثار الملك، ولهذا يبقى بعد زوال الملك، وهو ما قاله المحقق النائيني أيضاً (النائيني، 1373، ج1، ص160)، فيه إشكال. فإشكاله هو أنه ليس من المعقول أن يبقى الأثر بعد زوال المؤثر؛ لأن الأثر معلول للمؤثر (الأصفهاني، 1419، ج1، ص445؛ الخميني، 1379، ج1، ص663).
في النهاية، حاول البعض إثبات هذا الادعاء (وجود حق الاختصاص بعد زوال الملكية) بالتمسك بالبناء وسيرة العقلاء (الخميني، 1376، ص362؛ الروحاني، 1412، ج16، ص459) أو بالتمسك بـ«الناس مسلطون على أموالهم» بضميمة بناء العقلاء (الخميني، 1379، ج1، ص663).
الخاتمة
يعد تحليل ماهية الحق من المباحث الهامة وذات التطبيقات الواسعة في فقه المعاملات، وللمحقق النائيني في هذا المجال نظرة خاصة وجديدة. فالحق في نظره هو عبارة عن إضافة ونسبة ضعيفة بين صاحب الحق ومتعلق الحق، وهذه العلاقة هي أضعف مراتب السلطنة، وتأتي بعد السلطنة الأقوى (ملكية العين) والسلطنة المتوسطة (ملكية المنفعة). وحقيقة هذه الإضافة والنسبة هي عبارة عن الواجدية، أي امتلاك زمام أمر الشيء، أو كونه صاحب سلطنة وقدرة. وفي نظر المحقق النائيني، يمكن تحليل ضعف الإضافة في الحق من جهة الإضافة نفسها ومن جهة متعلق الإضافة. إن تحليل المحقق النائيني لماهية الحق تترتب عليه آثار ونتائج خاصة قلما حظيت بالاهتمام في التحليلات الأخرى. ومن هذه الآثار يمكن الإشارة إلى «قابلية جميع الحقوق للإسقاط»، و«إثبات حق اختصاص المالك بعد زوال مالية المال»، و«ضابطة قابلية الإسقاط لتمييز الحق عن الحكم».
ومن المجالات الأخرى المرتبطة ببحث ماهية الحق، معرفة وتفكيك مفهوم الحق عن مفهوم الحكم. فمن وجهة نظر المحقق النائيني، على الرغم من إمكان تصور آثار مشتركة بين الحق والحكم، إلا أن هذه الآثار لا ينبغي أن تؤدي إلى الغفلة عن الفرق الماهوي والسنخي بين الحق والحكم. والفرق بين الحق والحكم هو فرق ثبوتي وإثباتي. فالمجعول الذي لا يتضمن سلطنة وقدرة وملكية هو حكم لا حق؛ والحق هو مجعول أُخذ في ماهيته نوع من السلطنة والقدرة. وعلى هذا الأساس، فإن جواز الرجوع في الهبة (الذي هو حكم) يختلف ثبوتاً وماهيةً عن جواز الرجوع في حق الخيار؛ وليس مجرد اختلاف من حيث الآثار. والاهتمام بالفروق بين الحق والحكم تترتب عليه آثار تحليلية وعملية مهمة.
ومن الفروق التي يراها المحقق النائيني بين الحق والحكم، بحث صحة الشرط المخالف؛ إذ إن كون الشرط المخالف شرطاً مخالفاً للكتاب والسنة أم لا، تابع لكون المجعول الوضعي حقاً أو حكماً. كما أن الفكر في ماهية الحق والحكم يواجهنا بمفهومين هما «اللزوم الحقي» و«اللزوم الحكمي»، اللذان يعدان من تجديدات المحقق النائيني. فاللزوم الحقي هو لزوم ناشئ من التزام المتعاقدين بمضمون المعاملة، دون أن تقتضي ذات العقد اللزوم؛ بينما اللزوم الحكمي ناشئ من ذات وطبع المعاملة ولا علاقة له بالتزام المتعاملين. هذه التحليلات والثمرات تعكس النظرة الدقيقة للمحقق النائيني لمجال مباحث فقه المعاملات، والتي يترتب على قبولها والاهتمام بها نظرة جديدة لمفاهيم «الحق»، و«الملك»، و«الحكم» وما شابهها.
الهوامش
1. «وقد عرفت الفرق بين الحق والحكم في أول باب البيع وعرفت أن تشخيص الصغريات في غاية الإشكال ولذا حكى عن بعض الفقهاء أن ذلك مما يميزه النبيه بذوقه».
2. وجميعهم يردون إلى الله، مولاهم الحق وراعيهم.
3. فذلك هو الله، ربكم الحق.
4. ما خلق الله ذلك إلا بالحق.
5. ويستخبرونك: أحق هو؟ قل: إي وربي، إنه لحق.
6. فهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ.
7. كذلك حقت كلمة ربك.
8. ولكن حق القول مني لأملأن جهنم.
9. ولو اتبع الحق أهواءهم.
10. «وأما الحق فله في اللغة معان كثيرة، والمظنون رجوعها إلى مفهوم واحد، وجعل ما عداه من معانيه من باب اشتباه المفهوم بالمصداق، وذلك المفهوم هو الثبوت تقريباً».
11. ولكن كلمة العذاب (الإلهي) حقت على الكافرين.
12. لقد حق القول على أكثرهم.
13. أفمن حق عليه كلمة العذاب.
14. ليحق الحق.
15. فإذا سقطت جنوبها على الأرض، فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر.
16. وحقت كلمة العذاب على الكافرين.
17. وحق عليهم القول.
18. ولكن حق القول مني لأملأن جهنم.
19. «إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم، أن الحق الذي يقابل الحكم هل هو مفهوماً أو مصداقاً هي السلطنة أو الملك أو اعتبار آخر أو اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة؟».
20. «فتحصل مما ذكر: أن الحق ليس ملكاً، ولا مرتبة منه، ولا سلطنة، ولا مرتبة منها؛ أي لا يكون عينهما، ولا أخص منهما».
21. بالطبع في كتاب المكاسب والبيع يُشكل على ذكر كلمة «الأخر»؛ لأنه لم يذكر في الكلام حق، إلا أن يكون المراد من الحق السابق عمل الحر.