دراسة تجديدات الشهيد الصدر في الجمع العرفي

الملخص

يُعدّ الجمع العرفي من المباحث التي اتخذ فيها الشهيد الصدر منهجاً متميزاً نسبياً في الطريقة والمحتوى. من خصائص هذا المنهج وحدة الملاك القائم على القرينية، والانسجام بين النماذج، وتفكيك الملاك عن أدواته الإثباتية. وبتعميم القرينية على جميع نماذج الجمع العرفي، يعرّف الشهيد الصدر «الحكومة» و«التقييد» و«التخصيص» و«الأظهرية» بأنها أدوات لكشف ذلك الملاك الكلي. على هذا الأساس، إن ما يكون مبنى لرفع اليد عن ظهور العام والمطلق والمحكوم في قبال الخاص والمقيد والحاكم هو القرينية، وأما الحكومة والتقييد والتخصيص فهي آليات يستخدمها المتكلم داخل نظام المحاورات العرفية لبيان مراده الجدي النهائي. وبدون الالتفات إلى القرينية ووظيفتها في هذه النماذج، يكون رفع اليد عن الظهور فاقداً للدليل.

المقدمة

يوجد اليوم بين يدي الباحثين في الفقه عدة آثار علمية للمرحوم آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (1350-1400هـ) في موضوع علم الأصول، والتي دُوّنت لتناسب المستويات التعليمية والبحثية المختلفة. ويتطلب التأمل في مجمل هذه المجموعة مجالاً واسعاً، ولكن ما سيتم بحثه في هذا المقال هو تجديدات الشهيد الصدر في خصوص الجمع العرفي. ووفقاً لاعتقاد بعض تلامذة الشهيد الصدر، وهو ما يتوافق مع نتائج هذا البحث، فإن الشهيد الصدر قد اتخذ في هذه المسألة منهجاً متميزاً نسبياً في الطريقة والمحتوى. وتتمثل خصائص هذا المنهج في تنقيح الملاك على محور القرينية الأدبية، والتبيين المنسجم لجميع نماذج التعارض غير المستقر، وتفكيك الملاك عن علاماته الإثباتية. وبصرف النظر عن الخلفية الناقصة لهذه النظرية في فكر الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني، فإن الاهتمام بها في مقام نظرية شبه شاملة يبدأ من المرحوم النائيني ويكتمل مع الشهيد الصدر. فهو، بتعريف القرينية وتعميمها على جميع نماذج الجمع العرفي، يعرّف «الحكومة»، و«التقييد»، و«التخصيص»، و«الأظهرية» بأنها أدوات لكشف ذلك الملاك الكلي. على هذا الأساس، إن ما يكون مبنى لرفع اليد عن ظهور العام والمطلق والمحكوم في قبال الخاص والمقيد والحاكم هو القرينية، وأما الحكومة والتقييد والتخصيص فهي آليات يستخدمها المتكلم داخل نظام المحاورات العرفية لبيان مراده النهائي الجدي. ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، بدون الالتفات إلى القرينية ووظيفتها في هذه النماذج، يكون رفع اليد عن الظهور فاقداً للدليل. وقد تم تقرير هذا المدعى ومبناه وتبيينه في معظم الآثار الأصولية للشهيد الصدر.

تعريف الجمع العرفي

الجمع العرفي هو التصرف في دلالة أحد الدليلين المتعارضين ظاهراً. ومستند هذا التصرف هو الارتكازات العرفية، وبتعبير المرحوم الشيخ الأنصاري، مقبولية ذلك في حوزة التفاهم والتخاطب في العلاقات الإنسانية (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 73 و 136). وقد أوضحت بعض المصادر المتأخرة العناصر الدخيلة في ذلك تحت هذا العنوان: الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؛ أي أن الجمع بين الأدلة عند الإمكان أفضل من طرحها. ظاهر هذا التعبير يشمل التأويلات العقلية أيضاً، ولكن حيث لا يوجد دليل على مشروعية الجمع بهذا التوسع، فإن القدر المتيقن منه هو الجمع العرفي (الآخوند الخراساني، 1430: 3/ 304). إذن، المقصود بالجمع هو الجمع الدلالي الذي يرتفع به التنافي بين الدليلين عبر التصرف في أحدهما، ويتيح إمكانية العمل وفاقاً للسلوك العرفي، لا الاستدلالات والتأويلات العقلية. كما أن المراد من الأولوية هو لزومها بشكل متعين، أي مع توفر شروط إعمال هذه القاعدة، تنتفي فرصة العدول إلى الخيارات الأخرى (المشكيني، 1423: 193).

ملاك الجمع العرفي

النقطة الخلافية في الجمع العرفي هي ملاك التقديم، والذي يراه المرحوم الآخوند في بعض الموارد القرينية، وفي بعضها الآخر منوطاً بمطلق الذوق العرفي (الآخوند الخراساني، 1430: 3/ 294). وقد حاول بعض شراح فكر الآخوند تصنيف هذه الموارد وفق ملاكات مختلفة، والتصريح بملاك مزدوج للجمع العرفي والدلالي (المشكيني، 1413: 5/ 116). ولم يتبع المرحوم الشيخ الأنصاري هذا المسار بشكل منهجي من قبل (راجع: الشيخ الأنصاري، 1428: 2/ 790). ومن بينهم، لم يتحدث صراحة عن حصر الجمع العرفي في مدار أحد أمرين – الدلالة أو القرينية – سوى المرحوم النائيني (النائيني، 1376: 4/ 727). وقد لقي اهتمامه بمكانة القرينية في الجمع العرفي قبولاً إلى حد ما لدى الأصوليين اللاحقين، ولكن المرحوم الشهيد الصدر هو من قال إن ملاك رفع التعارض في جميع موارد الجمع العرفي هو القرينية: ظهور كل كلام حجة، إلا أن يعتمد المتكلم نفسه على ظهور آخر لتفسير كلامه وكشف مراده النهائي؛ في هذه الصورة، ما يكون قابلاً للاتكاء عليه عند العقلاء هو مقتضى ذلك الظهور الذي أُعدّ لتفسير المراد النهائي وكشفه، ويُسمى قرينة، ودليل الحجية لا يشمل الظهور المعارض له (الشهيد الصدر، 1418: 2/ 546). القرينة بهذا المعنى قسمان: تارة يضعها المتكلم نفسه في كلامه، وتارة يعرفها العرف وفقاً لنظام المحاورات. على كل حال، إذا كانت القرينة بهذه الخصائص متصلة بذي القرينة، فلن ينعقد ظهور مخالف لها، أما إذا كانت منفصلة عنه، فإن ملاك تشخيصها عند الشهيد الصدر، اقتفاءً للمرحوم النائيني، هو ما يلي: كل ما يمكن أن يكون قرينة في فرض الاتصال، فهو قرينة في فرض الانفصال أيضاً، وكلما لم تكن له هذه الوظيفة في فرض الاتصال، فلن تكون له في فرض الانفصال أيضاً (الشهيد الصدر: 5/ 595؛ راجع: النائيني، 1376: 2/ 579).

شروط الجمع العرفي

ما أكد عليه المتأخرون إلى حد ما هو اجتماع شروط ثلاثة في الأدلة المتعارضة؛ لا فرق في كون تعارضها من النوع المستقر أو غير المستقر، بل يجب أن تتوفر فيها هذه الشروط بصرف النظر عن التعارض: – إحراز الصدور؛ – تمامية الدلالة؛ – تمامية جهة الصدور (النائيني، 1352: 2/ 110). وجه التأكيد على هذه الشروط هو دليليّة المتعارضين قبل ملاحظة شروط التعارض؛ أي في تعارض دليلين، سواء كان مستقراً أم غير مستقر، يجب أن يكون كلاهما، بصرف النظر عن هذا الموقف، ذا هوية دلالية. فإذا كان أحد الروايتين فاقداً لأحد هذه الشروط الثلاثة، فهو فاقد للحجية، ولن يتشكل تعارض من أي نوع؛ لأن التعارض يكون بين الحجج، لا بين الحجة واللاحجة. على كل حال، طرح المرحوم الشهيد الصدر وآخرون موارد أخرى كشروط للجمع العرفي، مستقلة عن شروط التعارض المطلقة. وهذه المجموعة التي تكررت في جميع آثار الشهيد الأصولية مع اختلاف طفيف هي كالتالي: 1. وحدة متكلم كلا الكلامين.2 2. عدم العلم الإجمالي بكذب أحدهما (نفس المصدر: 703). 3. بقاء مجال التعبد بذي القرينة (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 207). وقد زاد بعض المعاصرين هذه القائمة إلى خمسة موارد؛ أي بالإضافة إلى هذه الشروط الثلاثة، يلزم أيضاً إحراز أصل الصدور، ووجود قرينة على التصرف في أحد الدليلين (السبحاني، 1424: 4/ 338). كما خصص بعض مقرري درس الشهيد الشرط الأول بلفظية الدليلين (عبد الساتر، 1417: 13/ 271). من هذه الشروط، يختص الموردان الثاني والثالث بالجمع العرفي، أما الشرط الأول فهو مشترك مع موارد التعارض المستقر. وبالطبع، فإن إبرازهما في مقام شروط خاصة بالجمع العرفي لا يتضمن نكتة جديدة تؤثر في اتخاذ النظريات الأساسية في هذا الباب، بل هي شروط كإحراز أصل الصدور، مرتبطة بالمفهوم التحليلي للقاعدة. كما أن وجود قرينة على التصرف، بالإضافة إلى كونه ملاك الجمع عند أمثال الشهيد الصدر، ليس جامعاً لكل نماذج الجمع العرفي عند المرحوم النائيني (النائيني، 1376: 4/ 727). كذلك، فإن إحراز صدور الأدلة من متكلم واحد، وعدم العلم الإجمالي بكذب أحدها، وعدم تخصيص الأكثر، هي من المسلمات لدى الأصوليين المتأخرين على الأقل في مقام الفرض المسبق لمسائل التعارض عموماً والجمع العرفي خصوصاً. لذا، فإن توضيح هذه الفروض المسبقة لا يعدو كونه ذا فائدة تعليمية لدارسي علم أصول الفقه، وليس له دور في تغيير هذه المباحث وتطويرها. من هذا المنطلق، يكفي التأكيد على الشروط العامة الثلاثة للأدلة في بحث التعارض.

موقع الورود

بحسب ما صرح به الشهيد الصدر في آثاره التعليمية بشكل بارز (راجع: الشهيد الصدر، 1419: 2/ 543)، وبمقتضى مبناه الواضح في تقديم نماذج الجمع العرفي، فإن الورود ليس من مصاديق الجمع العرفي أصلاً؛ وذلك لأن: الورود عبارة عن نفي الموضوع بصورة وجدانية إثر التعبد، لا لثبوت المتعبد به نفسه. بالطبع، ثبوت المتعبد به نفسه لا يمكن تفكيكه عن نفس التعبد، ولكن ثبوته لأجل التعبد ثابت بالوجدان لا بالتعبد (الخوئي، 1417: 2/ 297). في عملية الورود، لا يقع جمع بين الدلالات، بل يُنفى موضوع أحد الدليلين إثر ورود الدليل الآخر، ومن المعلوم أنه عندما يكون دليل فاقداً لموضوعه، فلن تكون له فعلية ليعارض دليلاً آخر. إضافة إلى ذلك، الملاك في الجمع العرفي هو القرينية. والمفروض في تحقق هذا الملاك أولاً، الاختلاف بين الدلالات، ولكن مع نفي الموضوع، لا يبقى خلاف؛ ثانياً، من شروط الجمع العرفي وجود مجال للتعبد بذي القرينة في عرض القرينة، ولكن مع وجود دليل وارد، لا يبقى أي مجال للعمل بالدليل المورود.3 إن تبيين موقع الورود بحيث لا يكون من مصاديق الجمع العرفي، بل يكون الجمع فيه واقعياً، هو من نقاط القوة في فكر الشهيد الصدر، والتي لم يشر إليها في الماضي إلا بعض الأصوليين (الحكيم، 1408: 2/ 554)، لكن الأغلبية عدّوها من مصاديق الجمع العرفي.

موارد الجمع العرفي

هناك مسألتان متفق عليهما في القرينية: – تقديم القرينة على ذي القرينة؛ – عدم وجود قاعدة واحدة وشاملة لإحراز القرينية. لقد ربط مشهور الأصوليين إحدى طرق معرفة القرينة بدورها غير الركني من الناحية الأدبية، ولكن القرينية لا يمكن أن تنحصر في هذا النموذج، بل ستكون متنوعة تبعاً لاختلاف موقف المتكلمين والمخاطبين والمقاصد (النائيني، 1352: 1/ 536). لهذا السبب، يرى الشهيد الصدر أن جميع موارد الجمع العرفي هي من مصاديق القرينية؛ وإن كان هناك فرق، فهو في كون القرائن نوعية أو شخصية. هذا في حين أنه قبل ذلك، كان يُذكر غالباً التخصيص والتقييد وما شابههما كضوابط مستقلة. إن دراسة وتقييم صحة هذه الادعاءات تتطلب بحث موارد الجمع العرفي وتحليل وجه التقديم فيها. ووفقاً لترتيب الشهيد الصدر، نبدأ بمورد الحكومة:

الحكومة

في العصر المعاصر على الأقل، الحكومة هي إحدى النماذج المسلم بها للجمع العرفي، والمراد منها هو العلاقة الحاكمة بين دليل وآخر. لهذا السبب، وبدون ملاحظة نسبة العموم والخصوص وقوة وضعف الدلالة، يُقدّم الدليل الحاكم. ولكن ما هو منشأ سيطرة الدليل الحاكم؟ وفقاً لإجابة الشهيد الصدر، تكمن هذه الميزة في لسانه النظري: الحكومة عبارة عن نظر أحد الدليلين إلى الآخر؛ أي أن يشتمل على خصوصية تجعله ناظراً إلى مدلول الدليل الآخر ومحدداً للمراد النهائي منه (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 165). المائز في هذا النوع من القرينية هو أن المتكلم يستخدم عناصر نظرية لتفسير كلامه الآخر. الحكومة بهذا المعنى لها ثلاثة أقسام، أو على الأقل، تُلاحظ هذه الطرق الثلاث في النظر بين الأدلة: 1. التفسير المستقيم: وفقاً لهذه الطريقة، يُبيّن النظر باستخدام عناصر تفسيرية؛ مثلاً، يصرح المتكلم نفسه بأن مرادي من تلك الجملة هو هذا. 2. التنزيل: في هذه الطريقة، يُنزّل موضوع منزلة موضوع آخر، وفي الواقع، عبر النظر إلى الدليل المنزّل عليه، تُوسّع أحكامه لتشمل موضوع التنزيل. 3. تناسب الحكم والموضوع: أحياناً توجد في الحكم والموضوع خصائص تدل على أنه ناظر إلى دليل آخر؛ مثل أدلة نفي الحرج والضرر التي ليس مفادها نفي الضرر والحرج المطلق في التشريعات، بل نفي إطلاقه عن تلك الأحكام. الميزة المشتركة لهذه الأقسام الثلاثة هي نظر دليل على دليل آخر، ومن الممكن تماماً أن توجد أنواع أخرى أيضاً، ولكن المهم هو القدرة النظرية لا أسلوب البيان. وهذه القدرة وحدها هي التي تسوّغ ملاك التقديم في الحكومة؛ لأن المتكلم يستخدمها في مقام القرينة لفهم ذي القرينة، وهي مشمولة بهذه القاعدة الكلية: المقصود الجامع والنهائي للمتكلم تحدده الظهورات المتغيرة التي اعتمد عليها هو نفسه لتفسير كلامه (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 166). وعليه، فإن وجه تقديم الدليل الحاكم هو ظهوره في تعيين مراد المتكلم من جهته في مقام القرينة، ولكل متكلم الحق في تفسير وتحديد مقاصده بأنواع القرائن، متصلة كانت أم منفصلة (نفسه: 165-170؛ 1408: 5/ 578-580).

نقد ودراسة

إن تنقيح نظرية الحكومة وتوسيعها من ابتكارات المرحوم الشيخ الأنصاري؛ فقد طرح هذه النظرية في موردين لحل الخلافات البدوية بين الأدلة، وبيّن معناها. العنصر المحوري في تعريف الشيخ للحكومة هو نظر دليل على دليل آخر، بحيث لو لم يكن الدليل المحكوم، لكان الدليل الحاكم فاقداً للمعنى: ضابطة الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم عن بعض أفراد موضوعه الذي ثبت بذلك الدليل. إذن، الحاكم مبيّن لمقدار مدلول ذلك الدليل الآخر، ومسوق لبيان حاله، ومتفرع عليه. وملاك ذلك هو أنه لو لم يرد ذلك الدليل الآخر، لكان هذا الدليل لغواً وفاقداً للمورد (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 13). لقد حدد المرحوم الشيخ مستوى النظر بين الدليلين في الحكومة في مستوى الأصل والفرع، وهذا ما أثار النقد بأن الحكومة يكفي فيها أن يكون النظر إلى المحكوم في مستوى بيان كمية المراد منه، لا إلى درجة أنه لولا تشريع الدليل الحاكم لكان لغواً (الآخوند الخراساني، 1430: 3/ 294). وقد حاول المرحوم الشهيد الصدر أيضاً، بطرحه الأقسام الثلاثة للحكومة، إضفاء مرونة أكبر على أصل النظرية؛ فبالتركيز على أن جوهر الحكومة يتشكل من النظر الشارح، أولى اهتمامه لتنوعه وتفاوته من هذا المنظور. وبناءً عليه، يتميز سجل الشهيد الصدر في هذا المورد من ثلاث جهات:

1. توسيع نظرية القرينية

استطاع الشهيد الصدر بنجاح إثبات أن ماهية الدليل الحاكم ليست سوى القرينية؛ إذ إن دور القرينة هو فقط شرح وتعيين المراد النهائي للمتكلم من ذي القرينة، ولم يؤخذ لها أي قيد أو شرط غير توضيح وتحديد مراد ذي القرينة، وهذه الوظيفة نفسها موجودة في الدليل الحاكم. وبعبارة أخرى، الملاك في القرينية هو أنه في فرض اتصالها بذي القرينة، يشكل الظهور المستفاد منهما وحدة معنائية واحدة؛ وهذا الظهور الجديد يختلف عما يُستفاد من ذي القرينة في فرض الانفصال عن القرينة.

2. تبيين النظارة الحاكمة وتفكيك مستوياتها

سبق أن أشرنا إلى أن المرحوم الآخوند لم يرتضِ تضييق الشيخ في تعيين مقدار النظارة، ولكنه لم يوضح إلى حد أنه يكفي مجرد النظارة. وقد وسّع المرحوم الشهيد الصدر الحكومة بموازاة موارد النظارة، نظراً إلى أن جوهر الحكومة يتشكل من النظارة؛ لأنه كما يحق للمتكلم أن يفسر ويحدد مراده بالبيان المباشر، يمكنه أيضاً أن يضع النظارة في كلامه ضمن إطار القواعد العرفية بالبيان غير المباشر. وبهذا التصور للنظارة، لن نضطر، كما فعل المرحوم الآخوند وشراح آثاره، إلى الحديث عن تشتت قواعد التقديم بين الأدلة، أو إحالة موارد مثل تقديم الأدلة الثانوية على الأحكام الأولية إلى الذوق العرفي (نفسه). حتى لو لم يصرح الشهيد الصدر بذلك، فإن فكره مستعد لأن ماهية الحكومة ليست أكثر من قسم واحد، وهي مبنية على مجرد نظارة الدليل، ولكن بما أن مستويات النظارة متفاوتة، فإن الحكومة ستكون متنوعة أيضاً؛ لا فرق في أن تكون نتيجة ذلك التوسيع في الموضوع دليلاً محكوماً أو تضييقاً، ولا فرق أيضاً في أن يكون مفاد هذا التوسع واقعياً أو ظاهرياً؛ لأن الحكومة ليست متكفلة ببيان أقسام الحكم. بناءً على ذلك، فإن تقسيم الحكومة إلى واقعية وظاهرية، كما يظهر في فكر المرحوم النائيني، لا يرتبط بماهية النظرية وآليتها العملية. وقد قسّم النائيني الحكومة إلى واقعية وظاهرية، بملاحظة أنها لا تؤدي دائماً إلى تضييق وتوسيع واقعي في موضوع الدليل: في الحكومة بين الأدلة، يكفي أن يتصرف أحدها في عقد وضع الدليل الآخر أو في عقد حمله… وهذا التصرف يكون أحياناً بإدخال بعض الأفراد في موضوع الدليل الآخر، مما يؤدي إلى توسيع دائرته، وأحياناً بإخراج بعض الأفراد، مما يؤدي إلى تضييق دائرة موضوع ذلك الدليل؛ كأن يقول بعد «أكرم العلماء»: زيد جاهل، أو يقول بعد بيان حكم الشك: «لا شك لكثير الشك». وأحياناً يتم هذا التصرف بإعدام موضوع الدليل الآخر؛ وهذا الإعدام تشريعي لا تكويني. القسم الأول يختص بالأدلة المتكفلة ببيان الحكم الواقعي، ومن هذا المنطلق تكون الحكومة بينها واقعية أيضاً. أما القسم الثاني، فيرتبط بالأحكام الظاهرية، وتكون الحكومة بينها ظاهرية أيضاً؛ كحكومة الأمارات على الأصول العملية (النائيني، 1376: 4/ 595). بالطبع، يقارن المرحوم النائيني في موضع آخر، دون الإشارة إلى هذا التقسيم الثنائي للحكومة، مفادها بالتخصيص، حيث يكون في كليهما إخراج الأفراد من موضوع الدليل العام والمحكوم حكماً تشريعياً، ولا علاقة له بعالم التكوين (نفسه: 713).

3. تمييز نظرية الحكومة عن «الورود»

إن «الورود» هو انتفاء موضوع دليل ما انتفاءً وجدانياً بموجب التعبد الشرعي، وهو لا يختلف عن التخصص إلا في أن الخروج في التخصص تكويني وبدون تدخل من الشارع، أما في الورود فإن نفي الموضوع عن الدليل المورود يكون بعناية التعبد (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 12). على كل حال، المسافة بين نفي موضوع ما وشرحه وتفسيره ليست بقليلة، ولهذا السبب، بما أن موضوع الدليل المورود يُنفى في «الورود»، فلا يلزم أن يكون له لسان نظري، بل ولا دلالة لفظية؛ أي يمكن في الورود أن يكون أحد الطرفين دليلاً لبياً؛ والمثال البارز لذلك يمكن رؤيته في نسبة الأمارات إلى الأصول العقلية، حيث إنه بقيام الدليل المعتبر، تسقط الأصول العقلية عن الفعليّة دون الالتفات إلى قوة ظهورها أو نسبتها.4 لقد أوضح المرحوم الشهيد الصدر، بالتركيز على عنصر النظارة المحوري في الحكومة، حدودها مع الورود، بحيث إن الورود والحكومة مختلفان ماهيةً؛ فالحكومة التي هي سيطرة دليل على دليل آخر، متقومة بالدلالة اللفظية، أما في الورود حيث ينتفي موضوع الدليل الآخر بقيام الدليل الوارد، فلا تلزم النظارة حتى تكون منوطة بالدلالة. وهذا عدم الشفافية في تفكيك السمات الإثباتية لهما هو ما جعل المرحوم النائيني، تبعاً للشيخ، يضع وجه التقديم الخاص في بعض الموارد وروداً، وفي موارد أخرى حكومة (النائيني، 1376: 4/ 719). ومبنى هذا التوجيه هو عطف النظر على النتيجة المترتبة على التخصيص، الذي هو خاص بالقطعي السند والدلالة في رفع الحكم عن بعض أفراد العام، كالورود، فلا يبقى أي تردد، أما في الموارد التي تكون ظنية السند والدلالة، فتُخرج أفراداً من تحت العام حكماً من باب الحكومة، لأنها من حيث الاعتبار ليست في موقع يمكن القطع بأن أولئك الأفراد لم يكونوا مرادين للمتكلم حقيقة (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 15).

التقييد

التقييد في اصطلاح الأصوليين هو رفع اليد عن الإطلاق. والمفروض أن الإطلاق ليس مستفاداً من الوضع، بل إثباته منوط بشروط تُعرف بين المتأخرين بمقدمات الحكمة، والفرق بينه وبين التخصيص يكمن في هذه النقطة. على كل حال، التقييد بهذا المعنى هو عنوان يُنتزع باعتبار وجود الدال عليه، وله صورتان: – تقييد متصل؛ – تقييد منفصل. في الصورة الأولى، لا يُتصور أي تعارض بين التقييد والإطلاق؛ لأنه مع وجود القيد، لا ينعقد ظهور للإطلاق، وفي الواقع ليس لدينا إلا دليل واحد هو المقيد. أما في الصورة الثانية، فإذا كان المبنى في جريان مقدمات الحكمة هو عدم بيان القرينة، فلا تعارض أيضاً كما في الصورة الأولى؛ لأن جريان مقدمات الحكمة فرع على «عدم القرينة»، ومع وجود القرينة المنفصلة، لا تتم المقدمات ليتحقق الإطلاق. المرحوم الشهيد الصدر، خلافاً للآخوند (الآخوند الخراساني، 1430: 2/ 212)، يعتقد أن جريان مقدمات الحكمة ليس منوطاً بعدم القرينة، بل متوقف على عدم الاتصال بها. والدليل الواضح على هذا المدعى هو التمسك بالإطلاق بعد انتهاء التكلم به في صورة عدم نصب قرينة من قبل المتكلم. علاوة على ذلك، لو كان جريان مقدمات الحكمة متوقفاً على إحراز الشروط التي منها عدم القرينة حتى من النوع المنفصل، لما وُجد أي مطلق في العالم؛ لأن جزءاً من المصادر والمجامع الروائية على الأقل لم يصل إلينا (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 180 – 181). استدلال الشهيد الصدر قابل للدفاع؛ لأنه لو كانت تمامية مقدمات الحكمة فرعاً على عدم القرينة حتى من النوع المنفصل، لما وُجد أي مطلق في العالم، وليس من الواضح كيف يتحدث أمثال الشيخ عن تقديم المقيد ووجهه مع تبني هذا المبنى.5 إذن، بالنظر إلى أنه في فرض انفصال القرينة، تكون مقدمات الحكمة مبنية على انعقاد الإطلاق التام، فلنبحث عن وجه تقديم هذه القرينة المنفصلة. ما هو؟ يجيب المرحوم الشهيد الصدر قائلاً: إثبات تقدم المقيد المنفصل على المطلق وعدم سريان التعارض بينهما بدليل الحجية، متوقف على أن نقبل [أولاً] من الناحية الكبروية، كما مر في الحكومة، أن ما يفسر الحدود النهائية لكلام المتكلم هو ظهور الشيء الذي أعده هو نفسه لبيان منظوره من مدلول تمام كلماته، و[ثانياً] أن نقبل بأن ما يقوله المتكلم نوعاً في المخالفة مع الأعم وموضوعاً أخص، له جانب تفسيري للأعم. وكاشف هذا البناء النوعي هو العرف، وكذلك أصالة تبعية المتكلم للبناء العرفي في ساحة المحاورات (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 184).

نقد ودراسة

تواجه رؤية الشهيد الصدر بشأن وجه تقديم التقييد نقدين مهمين؛ الأول، نقد المرحوم النائيني في تقديم المطلق على ملاك القرينية، وطبعاً هذا النقد يرد على الشهيد الصدر أيضاً. والثاني، نقد المرحوم الإمام الخميني الذي لا يقبل التصور المشهور لعلاقة المطلق والمقيد على أساس الدلالة اللفظية. نبدأ بالنقد الموجه إلى قرينية التقييد:

عدم قرينية التقييد

للقرينة اصطلاحان: قرينة بالمعنى الأخص وقرينة بالمعنى الأعم. والقرينة بالمعنى الأخص لها قسمان: قسم من القيود المتصلة بالكلام التي يؤدي ظهورها إلى تغيير في الظهور الاستعمالي لذي القرينة. وفي هذه الصورة، وجه التقديم واضح؛ لأنه لا ينعقد لذي القرينة ظهور حتى يُسأل عن وجه تقديمه على ظهور ذي القرينة. القسم الثاني، منفصل عن ذي القرينة ولكنه بسبب النظارة اللفظية، يقدمه العرف على ذي القرينة. في هذين القسمين، لا تلزم ملاحظة الظهور. أما القرينة بالمعنى الأعم التي تشمل الأظهر بالنسبة للظاهر وما شابهه، فهي ناظرة إلى المراد الجدي للمتكلم، ومن هذه الجهة، لا توجب تغييراً في الظهور الاستعمالي؛ هذا النوع من النظارة ليس باللفظ، بل العقل بعد عدم إمكان اجتماع المطلق والمقيد في موضوع واحد، يلزم بحمل المطلق على المقيد. في هذا القسم من القرينة، الذي ليس متصلاً ليوجب تغييراً في الظهور، ولا له نظارة لفظية، يجب ملاحظة الأظهرية أو النسبة. وفي غير هذه الصورة، لا يوجد وجه لتقديمه (الروحاني، 1413: 7/ 297). وفقاً للتحليل أعلاه، التقييد بصورة منفصلة ليس ناظراً لفظياً إلى مراد المتكلم ليكشف عنه، وبهذا الاعتبار، لا يساوي القرينة، ووجه تقديمه هو الأظهرية أو أخصية الموضوع. والملاحظة الموجودة في هذا الصدد هي: أولاً، القرينة مفهوم عرفي والعنصر الأساسي فيه هو أنه بافتراض اقترانه بذي القرينة، يوجب تغييراً في ظهوره. القيد المنفصل وإن لم يكن مقترناً، إلا أنه واجد لملاكه؛ لأنه لو اقترن لأوجب تغييراً في الظهور. ومع ذلك، هذا النوع من القيد وإن كان لا يوجب تغييراً في الظهور الآن بسبب الانفصال، إلا أنه يمكن أن يكون كاشفاً عن المراد النهائي للمتكلم في شعاع دلالته. فهل تسميته قرينة، وهو واجد لملاك القرينية ويستلزم توسعاً في مفهومه إلى حد نظرية أدبية، صحيح؟ ثانياً، عنوان التقييد والحكومة بصورة متزامنة في فرض النظارة يستلزم التهافت؛ لأنه إن كانت هذه النظارة لفظية فهي حكومة، وإن لم تكن نظارة لفظية وبسبب قرائن خارجية، فهي ليست حكومة. هدف مسعى الشهيد الصدر هو تنظيم جميع نماذج الجمع العرفي في إطار واحد مع الحفاظ على الشفافية وعدم تداخل القواعد كالحكومة والتقييد.

عدم جريان الجمع العرفي في التقييد

بإذعان المرحوم الإمام الخميني، وجه تقديم الجمع العرفي تابع للظهورات اللفظية، ولكن في المطلق والمقيد، يكون أحد طرفي الظهور مبنياً على مقدمات الحكمة وهو عقلي. نتيجة لذلك، اختلاف الإطلاق والتقييد هو من سنخ اختلاف الدلالة العقلية باللفظية. ويصرح بأن وجه تقديم المقيد هو أن ظهور المطلق من البداية مقيد بعدم البيان، ومع مجيء البيان، لا يبقى مجال للتمسك والاحتجاج به (الإمام الخميني، 1423: 2/ 75). قبول هذا المبنى والادعاء في باب نسبة الإطلاق والتقييد ليس بهذه السهولة؛ لأنه: أولاً، نتيجة تبعية الظهور الإطلاقي لمقدمات الحكمة ليست بالضرورة كون الظهور الإطلاقي عقلياً، وإذا أخل تدخل بعض المقدمات والفروض المسبقة العقلية في الاستظهار بلفظيته، فلن يكون لدينا أي ظهور لفظي؛ ففي جميع الظهورات، يتدخل كون المتكلم عاقلاً وقاصداً كحد أدنى كمقدمات قريبة أو بعيدة عقلياً. ونتيجة لذلك، إذا كانت القاعدة في جميع الاستنتاجات هي تبعية الأخس من المقدمات، فيجب أن نعتبر الظهورات في جميع الموارد عقلية. ثانياً، كما صرح المشهور وهو مقبول لديه أيضاً، فإن الظهور المقيد بعدم بيان القيد هو ظهور استعمالي لا جدي، وإذا لم يقيد المتكلم كلامه بصورة متصلة، جرت المقدمات وانعقد الظهور (نفسه: 279). إذن، في مرحلة الظهور التصديقي، يوجد تعارض بين المطلق والمقيد، ولا يمكن للقيد المنفصل أن يزيل ظهور المطلق. نتيجة لذلك، لتقديم ظهور المقيد على المطلق، يجب معرفة آلية تبرر ظهور المقيد في تعيين المراد النهائي. وبالطبع، لا يمكن لادعاء القرينية مع أي مبنى أن يبرر تقديم المقيد المنفصل؛ مثلاً، المرحوم النائيني، مع أنه يبدو متوافقاً في المدعى مع الشهيد الصدر في هذا الشأن، إلا أنه من حيث المبنى يوجد فرق أساسي؛ لأن وجه تقدم القرينة على ذي القرينة عند النائيني هو حكومة أصالة الظهور في القرينة: الشك في المراد من «أسد» في «رأيت أسداً يرمي» مسبب من الشك في مراد من «يرمي»؛ هل هو بمعنى رمي السهام أم رمي التراب بالمخلب؟ ظهور «يرمي» في رمي السهام يرفع ظهور «أسد» في الحيوان المفترس، ولا يبقى للأسد ظهور في الحيوان المفترس ليدل بلزومه على نفي رمي السهام. ووجه سقوط هذه الدلالة هو تفرع دلالة اللازم (رمي التراب) على الملزوم (الحيوان المفترس) التي زالت بظهور «يرمي» في رمي السهام (النائيني، 1376: 2/ 578).

التخصيص

التخصيص هو رفع اليد عن إطلاق ثبت شموله إما بالوضع أو بأداة عموم، وهو كالتقييد له صورتان: – تخصيص متصل؛ – تخصيص منفصل (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 185). التخصيص في كلتا الحالتين، من حيث الوظيفة، كالتقييد، حيث ينفي شمول الحكم عن مصاديق خاصة دون التصرف في ظاهر العام.6 وهو أيضاً في أن كيفية هذا النفي، كالتقييد، فاقدة للسان نظري وتكون بالعقل، وهذا هو ملاك تفاوتهما مع الحكومة؛ لأنه مع أن مخرجاتهما أحياناً لا تختلف عن الحكومة، إلا أن وجه التقديم فيهما ليس باللفظ (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 14). كما أن نقطة الاشتراك الأخرى للتخصيص مع التقييد هي أن السؤال عن وجه تقديمه يختص بالصورة المنفصلة، وفي صورة الاتصال، لا ينعقد للعام ظهور في الشمول أصلاً. وبالطبع، التخصيص المنفصل أيضاً إذا كان بصورة تبقى معها أرضية لاستقلال العام وانعقاد ظهوره، فلا تردد في تقديمه على العام (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 178). ويتحدث المرحوم الشهيد الصدر، وفقاً لمبناه الكلي، هنا أيضاً عن القرينية، وأن الخاص في قبال العام، حتى بصورة منفصلة، له ماهية القرينة؛ وفي الواقع، ملاك تقديم المخصص المتصل يجري في المنفصل أيضاً. ويلتفت المرحوم الشهيد الصدر إلى أن جميع خصائص المخصص المتصل لا تنطبق في فرض الانفصال، وحتى أنه يحتمل خيار قرينية العام على الخاص، ولكن سلوك هذا المسار يستلزم في النهاية ارتكاب مخالفة لأصلين، وهو عرفاً أكثر كلفة؛ أحد هذين الأصلين هو أصل الاتصال في القرينية، وهنا بالرغم من مخالفته، يجب أن نعتبر المنفصل قرينة، والآخر هو قرينية العام للخاص، وهذه الصلاحية لا وجود لها للعام في فرض اتصاله بالخاص ليمنع ظهوره الخاص. من هذه الجهة، أولاً، ننفي الكلفة الزائدة بأصل عدم الزيادة، وثانياً، نسد طريق مخالفة اتصال القرينية بأصل عدم المخالفة. ونتيجة لذلك، تتعين قرينية الخاص على العام، حيث لا تحصل فيها إلا مخالفة لأصل واحد؛ وهو الاتصال في القرينية (الشهيد الصدر، 1408: 5/ 594). وشاهد صحة هذا الادعاء هو تقدم الخاص على العام في جميع أبواب الفقه، وحتى المرحوم الشيخ الذي لخص ملاك حمل العام على الخاص في قوة ظهوره، يعترف بأنه لم يُرَ في الفقه مورد واحد لتقدم عام قوي على خاص ضعيف (النائيني، 1376: 4/ 721).

نقد ودراسة

ادعاء القرينية هنا هو استمرار لخطاب النائيني. في المقابل، يرى المشهور أن حمل العام على الخاص مبني على أظهريته. إذن، لا بد أولاً من تأمل تحليل الشهيد الصدر لقرينية «الخاص المنفصل»، والذي يبدو مختلفاً وغير موفق إلى حد ما مقارنة بتفسيره لقرينية «القيد المنفصل». ثم ندرس تصور النائيني في باب تقديم القرائن، وكذلك نعرج على رأي المشهور في هذا الصدد.

قصور في تحليل الشهيد الصدر

صنف المرحوم الشهيد الصدر في عدة آثار أصولية وفي عدة موارد، التقييد والتخصيص بشكل عام ضمن مصاديق «القرينية النوعية» (الشهيد الصدر، 1418: 2/ 546؛ 1417: 6/ 394)، وأوضح في وجه تقديم المقيد المنفصل أن العرف يقدم التقييد بصورة منفصلة أيضاً على المطلق من باب القرينية؛ أي رغم أن المتكلم نفسه لم يصرح بكونه قرينة، إلا أنه داخل نظام المحاورات العرفية، يُعتبر المقيد المنفصل نوعاً ما قرينة للمطلق؛ لأنه عندما يُحرز من وجهة نظر العرف أن المتكلم قد اعتمد في بيان مراده على قرينة، فلا مفر من أن نولي اهتماماً للقرائن الدخيلة في مراده؛ لا فرق في أن تكون تلك القيود متصلة أو منفصلة. ومع أن المرحوم الشهيد الصدر قد أكد مراراً على أنه لتقديم القرينة على ذي القرينة، لا يلزم دليل آخر سوى إحراز القرينية، إلا أنه في وجه تقديم الخاص المنفصل، تحدث أيضاً عن كون قرينية الخاص أقل كلفة، وهذا يجعل كل وظيفة القرينية في موضع شك. وقد أشار بعض تلامذته إلى هذه المشكلة أيضاً، بأنه إذا اعتبرنا قرينية الخاص المنفصل جرياناً عرفياً، فلا حاجة إلى أن نصف حمل العام على الخاص بأنه أقل كلفة. علاوة على ذلك، ارتكاب مخالفة لأصل واحد وكونه أقل كلفة لا يقتضي بالضرورة قرينية الخاص للعام وتقديمه عليه (راجع: الشهيد الصدر، 1408: 5/ 595).

الأظهر والظاهر

كان مشهور الأصوليين حتى العصر الحاضر يعتبرون التقييد والتخصيص، بل وجميع أنواع الجمع العرفي، من مصاديق الأظهر والظاهر (السبحاني، 1424: 4/ 340). ولكن الشهيد الصدر بحثها كنموذج مستقل للجمع العرفي بمنشأ قريني، وباستخدام نفس الطريقة التي اتبعها في التقييد والتخصيص، قسم الأظهر والظاهر أيضاً إلى متصل ومنفصل. كما ربط وجه الجمع في كلا القسمين بالقرينية. والفرق الوحيد الذي يميز التخصيص والتقييد عن الأظهرية هو عدم تركيز الشهيد الصدر على تطبيق ملاك القرينية بشكل بارز. فكما مر سابقاً، لصلاحية قرينية الخاص والمقيد، يُقاس فرض اتصالهما بالمطلق والعام، أما هنا، فلإثبات قرينية الأظهر للظاهر في النوع المتصل، اُختير مسار مختلف نسبياً: كما لو قيل: «أكرم العلماء، ولا بأس بترك إكرامهم»، فإن معنى كلتا الجملتين ينطبع في الذهن بصورة متساوية، ولكن تصديق أن كليهما مراد للمتكلم معاً غير ممكن. من هنا، من حيث مرحلة الظهور التصديقي، يتشكل تزاحم، ولكن في النهاية ينعقد الظهور التصديقي متناسباً مع ما كان ظهوره التصوري أقوى وآكد من الآخر؛ لا فرق في أن نعتبر منشأ الظهورات التصديقية هو الغلبة النوعية، حيث إن المتكلم غالباً ما يكون مراده هو المعنى الذي يُتصور من مدلول كلامه… أو أن نعتبر منشأه تعهداً نوعياً من المتكلم بقصد المدلول التصوري لكلامه، ففي هذه الصورة، يكون قصد المتكلم من الكلامين المختلفين ظاهراً هو المعنى الذي تصوره أظهر من الآخر… [إذن] دليل انطباق الظهور التصديقي على المدلول التصوري الأظهر هو غلبة مطابقة المراد للمدلول التصوري، وأن كلما كان الظهور التصوري للكلام مؤكداً ومشدداً، كانت غلبة الانطباق أكثر تأكيداً وشدة. وخلاصة القاعدة هي: بأي مقدار كانت قوة الظهور التصوري، تكون غلبة إرادته وعدم إرادة خلافه أكثر (الشهيد الصدر، 1417: 7/ 198 – 199؛ 1408: 5/ 597).

نقد ودراسة

مع أن تقديم الأظهر على الظاهر في العصور المعاصرة من المسلمات، والمناقشات لا تدور حول أفضلية موقعه، إلا أنه في العصور المتقدمة، حتى تقديم النص على الظاهر لم يكن بهذه الدرجة من التسليم؛ مثلاً، المرحوم الشيخ الطوسي، دون أن يستثني حتى النص والظاهر، ربط رفع أي تعارض بين الروايات بالترجيحات غير الدلالية؛ مثل أعدلية الراوي، وكثرة عدد الرواة، وما عُرف في الروايات كمرجح (الشيخ الطوسي، 1390: 1/ 4). ومن وجهة نظر الشيخ الأنصاري، كان سكوت الشيخ الطوسي متعمداً، وأنه لم يكن قائلاً بحمل الظاهر على الأظهر، ولا حتى الظاهر على النص (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/ 82). على حد علمنا، أُشير إلى حمل الظاهر على الأظهر كموقع قاعدة في «قوانين الأصول» (الطارمي، 1306: 2/ 96). ولكن بعد المرحوم الشيخ الأنصاري، ترسخ موقعه بشكل بارز في باب التعارض لدى باحثي الأصول. كما قبلت الأغلبية وجه تقديمه اقتفاءً بالشيخ، بناءً على كاشفيته عن القرينية. بل إن البعض، متجاوزاً ذلك، حصر ملاك القرينية في الأظهرية: الملاك في تشخيص القرينة منحصر في أقوائية الظهور… وأقوائية الظهور ليست قاعدة كلية؛ لأن موارد ومراتب الاستعمال تختلف. أما إذا كان ملاك تشخيص القرينة هو قوة الظهور، فلن يبقى مجال لحكومة القرينة على ذي القرينة، بل إن نفس ملاك القرينية كافٍ لتقديمها (الفاضل اللنكراني، 1430: 4/ 370). معنى القرينة هو التغيير في ظهور ذي القرينة، وهذا المسار لن ينحصر في أقوائية الظهور؛ فدراسة نماذج مثل الحكومة والتقييد والتخصيص كافية لإثبات هذا الادعاء. إذن، تحدي الشهيد الصدر ليس ادعاء حصر القرينية في مورد أقوائية الظهور، بل إثباتها بحساب تقليل ارتكاب مخالفة الأصول اللفظية العقلائية. وقد استخدم هذه الطريقة نفسها لإثبات القرينية في المخصص المنفصل، والتي أشرنا إلى قصورها. إذن، المهم هو تطبيق ملاك القرينية في مورد التعارض البدوي بين الظاهر والأظهر المنفصل، ويبدو أن ذلك الملاك سيُحفظ في النوع المنفصل كما هو موجود بشدة أكبر في النوع المتصل. ومؤلف «مباحث الأصول» يوجه هذا النقد بأوجز وأوضح بيان إلى أستاذه: إن أقوائية الظهور التي تزيل الظهور الأضعف في فرض الاتصال، ستزيل حجيته أيضاً في فرض الانفصال. وهذه الوظيفة مبنية على هذا البناء العقلائي: كلما كان الظهور أقوى، كانت غلبة مطابقة المراد له أقوى أيضاً (الشهيد الصدر، 1408: 5/ 598).

النتيجة

وفقاً لما يظهر في الآثار الأصولية للمرحوم الشهيد الصدر، فإن الملاك في الجمع في أنواع مثل الحكومة والتقييد والتخصيص والأظهر والظاهر هو القرينية. كان هذا المفهوم معروفاً من قبل في المباحث اللغوية، لكن الشهيد الصدر، بتطبيقه على موارد الجمع العرفي، أوضح أن رفع اليد عن ظهورات مثل الدليل المحكوم والعام والمطلق والظاهر، مبني على البناء العقلائي في الاعتماد على القيود الدخيلة في بيان المراد النهائي من الكلام؛ وهذا حق لكل متكلم أن يفهم مراده من كلام ما بكلام آخر في بنية واحدة، أو أن يفصل بينهما لمصلحة ما؛ لا فرق في أن يستخدم بعد الفصل التفسير المباشر لبيان مطلوبه، أو أن يستخدم قوالب يعتبرها العرف داخل نظام المحاورات تفسيراً لكلامه. كان لاستخدام القرينية لرفع التعارض في بعض نماذج الجمع العرفي سابقة في فكر المرحوم النائيني، ولكن فهمه لموقع القرينية ومداها لم يكن بهذا الوضوح والشمول. الميزة الثانية لمنهج الشهيد الصدر في هذا الموضوع هي شموليته وانسجامه، حيث إنه بحصر ملاك التقديم في القرينية وتعميمه على جميع الموارد، سد الطريق أمام تهافت المناهج في تقديم ظهور الخاص على العام الذي هو أقوى ظهوراً. فمن قبل، كان المرحوم الشيخ الأنصاري يربط وجه تقديم الخاص في هذه الظروف بكون ظهور العام تعليقياً على عدم ظهور المخالف، أما المرحوم الآقا ضياء العراقي، فقد اشترط ظهور المخالف للعام بقوة ظهوره أيضاً ليجيب عن هذا النقد: كيف في صورة تساوي ظهور العام والخاص، يكون ظهور العام وحده معلقاً على عدم ظهور المخالف؛ أليس ظهور الخاص والعام يختلفان في كونه أحدهما معلقاً والآخر منجزاً؟ المأزق الذي واجهه أمثال الآقا ضياء كان هو: إذا كان الملاك هو قوة الظهور، فلماذا لا يُرى في الفقه مورد لتقديم العام على الخاص؟ الميزة الثالثة تتعلق بالتفريق الدقيق بين الملاك وأدوات الكشف عنه؛ فملاك التقديم في الجمع العرفي واحد، لكن علاماته قد تكون مختلفة؛ مثلاً، في بعض الموارد، يكون الكاشف عنه هو استخدام أدوات تفسيرية مباشرة، وفي موارد أخرى، تكون القدرة النظرية الموجودة في لسان الدليل هي المتكفلة بذلك. وكذلك في موارد، يكون العرف هو الذي يعرف الخاص والمقيد والأظهر، حتى في ظروف الانفصال، كاشفاً عن قرينيتها على العام أو المطلق أو الظاهر؛ لأنه وفقاً لنظام المحاورات، فإن هذا الخاص والمقيد والأظهر هو الذي يمتلك القدرة على التغيير في ظهورات العام والمطلق والظاهر، ومن هذا المنطلق، يمتلك أهلية القرينية أيضاً. قبل ذلك، كان أدب الأصوليين مشحوناً بالخلط بين أنواع الجمع العرفي؛ حتى المرحوم النائيني لم يستطع أن ينأى بنفسه عن الجو الذي كان للمرحوم الشيخ الأنصاري سهم وافر في تشكيله؛ فبالنسبة له أيضاً، كما للشيخ، لم تكن حدود الحكومة والتخصيص ووظائفهما متمايزة عن النتائج التي تترتب على الجمع.

الهوامش

1. أضاف المرحوم الخوئي، علاوة على ذلك، أن اعتبار كلام الشارع في مقام الحجية منوط بإحراز الإرادة الاستعمالية وإثبات الإرادة الجدية (الخوئي، 1419: 3/ 137). ويبدو أن الشرطين الثاني والثالث للنائيني يستوعبان هذين الشرطين أيضاً، ومن هذه الجهة، لا وجه للتأكيد على استقلالهما. وشرطية إرادة الظهور قد أوردها النائيني نفسه في أثر آخر له، وهو ما يواجه نفس مشكلة رؤية الخوئي (النائيني، 1376: 3/ 156).

2. كأن الأئمة (عليهم السلام) بأجمعهم بمنزلة رجل واحد، وكلامهم بمنزلة كلام واحد، لا فرق بين المتقدم منهم والمتأخر، فإذاً لا بد من تقديم الخاص المتقدم على العام (الخوئي، 1419: 4/ 374).

3. إن الورود لا يحتاج إلى لسان لفظي؛ لأنه ليس تصرفاً في الألفاظ من قبيل الحكومة التنزيلية، وإنما هو تصرف معنوي حقيقي في ركن من أركان المورود، وهو الموضوع… (الشهيد الصدر، 1408: 5/ 578).

4. لم يقبل المرحوم الآخوند، بالالتفات إلى أن الحكومة تتطلب نظارة لفظية، تقديم الأحكام الثانوية مثل نفي الضرر ونفي العسر والحرج على الاحتياط التام. وجزء من استدلاله هو أن مستند وجوب الاحتياط التام حكم عقلي، وبين حكم العقل والشرع، لا معنى للعلاقة التفسيرية (الآخوند الخراساني، 1430: 2/ 360).

5. إذا قلنا: «إن إحدى مقدمات الحكمة هي عدم وجود قرينة – ولو منفصلة – على التقييد»، فإن النتيجة هي أن القرينة المنفصلة على التقييد كاشفة عن عدم تمامية مقدمات الحكمة. وهذا يستلزم عدم تحقق الإطلاق، وإذا لم يتحقق إطلاق، فإن حمل المطلق على المقيد لن يكون تعبيراً صحيحاً (اللنكراني، 1430: 6/ 534).

6. الحكومة، كما عُرفت بعد الشيخ، ليست نتيجتها مجرد تخصيص الدليل المحكوم، بل أحياناً تكون تعميماً (النائيني، 1376: 4/ 593).

Scroll to Top