دراسة الظهور التصوري في عملية فهم الحديث من منظور الشيخ الأنصاري

الملخص

تتألف عملية فهم الحديث عند الشيخ الأنصاري من مرحلتين: الظهور التصوري (علم الدلالة) والظهور التصديقي (علم المراد)؛ ويُعبَّر عن المؤشرات والعلامات المستخدمة لتعيين المعنى اللغوي والعرفي للألفاظ بـ«الظهور التصوري». وقد خلص هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى أن الشيخ الأنصاري قد استعان ببعض العلوم والفنون الأدبية كاللغة والصرف والنحو وعلوم البلاغة، بالإضافة إلى العديد من مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه، لتحصيل الظهور التصوري. ويرى سماحته أنه ليس فقط الألفاظ الغريبة هي التي تحتاج إلى دراسة دلالية، بل إن بعض الألفاظ، على الرغم من كونها من أوضح المفاهيم العرفية، لا تزال بحاجة إلى دراسة مفهومية لتحديد نطاقها الدلالي. كما أن جزءًا من المباحث المتعلقة بالمفاهيم والعام والخاص يرتبط بعلم الدلالة، وهو ما يُستخدم في مرحلة الظهور التصوري، وقد استعان الشيخ الأنصاري بهذه المباحث في كتبه المختلفة.

1. طرح الإشكالية

عند الأصوليين المتأخرين، تتألف عملية معرفة الظهور وتشخيص مراد المتكلم من عدة مراحل طولية، حيث تمثل كل مرحلة خطوة نحو المرحلة التي تليها (راجع: النائيني، 1368هـ.ق، 2: 508 وأيضًا 1: 529 و 2: 91). وتتكون عملية فهم الحديث عند الشيخ الأنصاري من مرحلتين: الظهور التصوري (علم الدلالة) والظهور التصديقي (علم المراد) (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 135). وفي بداية بحثه حول حجية الظواهر، قسّم الشيخ الأمارات المستخدمة في استنباط الأحكام من ألفاظ الكتاب والسنة إلى قسمين:

أ- الأمارات والعلامات التي تُستخدم لتعيين المعنى اللغوي والعرفي للألفاظ، وهي ما يُعرف بمباحث «علم الدلالة»، والتي عبّر عنها الأصوليون بعده بـ«الظهور التصوري» (راجع: العراقي، 1417هـ.ق، 3: 87؛ الصدر، 1431هـ.ق، 3: 265؛ المظفر، 1370هـ.ش، 2: 145). ويوضح هذا القسم بقوله: «الأمارات والعلامات التي تُستخدم لتشخيص موضوع له الألفاظ، ولتمييز المجازات عن الحقائق، والظواهر عن خلافها؛ كتشخيص أن لفظ «الصعيد» وُضع لمطلق وجه الأرض أم للتراب الخالص؛ وكتعيين ما إذا كان وقوع الأمر بعد توهم الحظر ظاهرًا في الإباحة المطلقة أم لا» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 136).

ب- الأمارات والعلامات التي تُستخدم لتشخيص مراد المتكلم؛ أي هل اعتمد المتكلم على قرينة أم لا. وهذا هو بحث «علم المراد» الذي أطلق عليه الأصوليون بعده مصطلح «الظهور التصديقي» (راجع: الخوئي، 1417هـ.ق (ب)، 2: 126-127؛ الصدر، 1431هـ.ق، 4: 266 و 7: 173-174؛ المظفر، 1370هـ.ش، 2: 145). ويوضح هذا القسم بقوله: «الأمارات والعلامات التي تُستخدم لتشخيص مراد المتكلم عند احتمال إرادة خلاف الظاهر، كـ«أصالة الحقيقة» عند احتمال إرادة المجاز، ومثل أصالة العموم وأصالة الإطلاق؛ ومثل غلبة استعمال المطلق في فرد شائع، على أساس أن هذه الأمارة لم تصل إلى حد الوضع؛ ومثل القرائن المقامية التي يعتمد عليها أهل اللغة في محاوراتهم، كوقوع الأمر إثر توهم الحظر وأمثال هذه الأمارات» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 135).

وعليه، يعتبر الشيخ الأنصاري هذين القسمين بمثابة الصغرى والكبرى لعملية فهم الحديث واستنباط الأحكام من ألفاظ الكتاب والسنة. في هذا المقال، سيتم تحليل مباني ومنهجية الشيخ الأنصاري في فهم الحديث في مرحلة «الظهور التصوري» (علم الدلالة). لقد قام الفقهاء في كتبهم الفقهية الاستدلالية، بمبانٍ ومنهجيات، بنقد وتقييم العديد من الأحاديث وكشف مراد ومقصد قائلها. والفقيه المتعمق والفريد، الشيخ الأنصاري، قد درس بدوره أحاديث كثيرة في تراثه الفقهي والأصولي. ويسعى الكاتب ببضاعته المزجاة إلى دراسة مبانيه ومنهجياته في فهم الحديث في مرحلة «الظهور التصوري» (علم الدلالة) من خلال عرض نماذج حية من آثاره، وهو ما لم يُشاهد له مثيل في هذا المجال حتى الآن.

2. الظهور التصوري

الخطوة الأولى في فهم الحديث هي تجاوز مرحلة الظهور التصوري. ورغم أن معرفة الظهور التصوري لا توصلنا دائمًا إلى المقصد الأصلي للمتكلم، ويتطلب الأمر العثور على قرائن لفظية ومقامية متنوعة للوصول إلى المعنى الأصلي، إلا أن فهم الحديث يظل غير ممكن دون كشف الظهور التصوري. الظهور التصوري هو انسباق ذهن المخاطب من سماع لفظ معين إلى معنى خاص، بحيث لا يتدخل في انعقاده سوى العلم بالوضع، ولا دور لإرادة المتكلم فيه، ويدل على المعنى بأي صورة وُجد بها اللفظ، حتى لو كان ناتجًا عن اصطدام حجرين (راجع: الصدر، 1431هـ.ق، 1: 87-88). وقد ورد تعريف الظهور التصوري في أصول الفقه للشيخ المظفر على النحو التالي: «الظهور التصوري الناشئ من وضع اللفظ لمعنى خاص، هو دلالة مفردات الكلام على معانيها اللغوية أو العرفية، وهو تابع للعلم بالوضع، سواء كانت في الكلام قرينة على خلافه أم لم تكن» (المظفر، 1370هـ.ش، 2: 145). وعليه، فإن الظهور التصوري هو نوع من الدلالة يتبع العلم بموضوع له مفردات وتركيبات الكلام. فإذا كان المخاطب عالمًا بالوضع، فإنه يدرك الظهور التصوري بمجرد سماع الكلام أو قراءته، وبذلك يخطو الخطوة الأولى نحو الوصول إلى قصد المتكلم ومراده. وللعلم بالوضع متطلبات، نطلق عليها اسم «مقدمات تحصيل الظهور التصوري»، وسنستعرضها في ما يلي بمنهج يركز على مباني وأساليب الشيخ الأنصاري.

3. مقدمات الظهور التصوري

لتحصيل الظهور التصوري، تعد بعض العلوم والفنون الأدبية مثل اللغة، والاشتقاق، والصرف، والنحو، وعلوم البلاغة، بالإضافة إلى العديد من مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه، من المقدمات الضرورية التي سنتناولها في قسمين: العلوم الأدبية، وعلم أصول الفقه، مع التركيز على رؤية الشيخ الأنصاري.

القسم الأول: العلوم الأدبية

العلوم الأدبية ثلاثة عشر علمًا، وهي: 1- علم اللغة (فقه اللغة)؛ 2- علم الاشتقاق؛ 3- علم الصرف؛ 4- علم النحو؛ 5- علم المعاني؛ 6- علم البديع؛ 7- علم البيان؛ 8- علم الإنشاء؛ 9- علم العروض؛ 10- علم القافية؛ 11- علم قرض الشعر؛ 12- علم الخط (رسم الخط)؛ 13- علم التاريخ (تاريخ الأدبيات) (راجع: فلاحي قمي، 1389هـ.ش، 25). وبالطبع، فإن عددًا محدودًا منها (اللغة، الصرف، النحو، المعاني، والبيان) يؤثر في فهم الحديث وله دور خاص في تحصيل الظهور التصوري.

1- علم اللغة

يعد علم اللغة (فقه اللغة) من أهم العلوم والفنون الأدبية، حيث تُدرس وتُعرّف فيه معاني الألفاظ. للكلمات والألفاظ الدور الأساسي في بناء الكلام. فلو شبهنا الكلام ببناء، لكانت الألفاظ بمثابة الطوب الذي يجب توفيره قبل الشروع في البناء (راغب الأصفهاني، 1412هـ.ق، 54). إذا لم يكن الشخص على دراية بمعاني ألفاظ لغة ما، فلن يتمكن أبدًا من استخدامها للتفهيم والتفاهم. وباحث الحديث أيضًا، لفهم الحديث، يجب أن يعرف معاني الألفاظ المستخدمة فيه. لذا، تُعد معرفة معاني الألفاظ (علم اللغة) من العلوم الأساسية لفهم الحديث. ويرى الشيخ الأنصاري كذلك أن علم اللغة ضروري لتشخيص الظهور التصوري، ويعتقد أنه ليست الألفاظ الغريبة وحدها التي تحتاج إلى دراسة دلالية، بل إن بعض الألفاظ، على الرغم من كونها من أوضح المفاهيم العرفية، تحتاج إلى دراسة مفهومية لتحديد نطاقها الدلالي. وينقل آية الله الخوئي كلام الشيخ الأعظم على هذا النحو: «ذكر شيخُنا الأنصاري في الطهارة أن مفهوم الماء – مع كونه من أوضح المفاهيم العرفية ويعرفه كل عارف باللغة العربية حتى الصبيان – نشك فيه من حيث السعة والضيق كثيرًا» (الخوئي، 1417هـ.ق، 2: 132). ويستعين الشيخ لتفسير المفردات وبيان الألفاظ الغريبة في الأحاديث وكشف نطاق معاني الألفاظ المستخدمة في موضوعات الأحكام بمصادر ومراجع متنوعة:

أ. أقوال اللغويين

من أكثر الطرق شيوعًا وبساطة في الحصول على معاني الألفاظ هي الرجوع إلى القواميس والمعاجم وأقوال اللغويين، وهي طريقة تُعرف بالتقليد (مسعودي، 1386هـ.ش، 79). ورغم بساطة هذه الطريقة وسهولتها، إلا أن صحتها تعتمد على اعتبار وحجية قول اللغوي. بالنسبة لقول اللغوي، يمكن تصور أربع حالات عند الشيخ، ثلاث منها معتبرة وواحدة غير معتبرة: أ- أن يكون قول اللغوي مفيدًا للعلم والقطع، وفي هذه الحالة يكون معتبرًا قطعًا (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 175). ب- أن يكون قول اللغوي مستوفيًا لشروط الشهادة، وفي هذه الحالة يكون معتبرًا أيضًا. ج- أن يكون قول اللغوي مصحوبًا بأمارات وعلامات معتبرة كالتبادر وغيرها، وفي هذه الحالة يكون معتبرًا أيضًا (الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 88). د- أن يكون قول اللغوي مفيدًا للظن فقط، وفي هذه الحالة لا يكون معتبرًا، لأن الأصل في الظنون عدم الحجية ما لم يقم دليل على اعتبارها، ولم يقم دليل على اعتبار الظن الحاصل من قول اللغوي، والأدلة التي ذكرها بعض الأصوليين غير تامة (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 173-177). وفي بعض الحالات، يعتبر تفرد اللغوي بقولٍ علامة على ضعفه: «وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيمَا فِي الْقَامُوسِ مَعَ تَفَرُّدِهِ بِهِ» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 6: 12). (1) يستعين الشيخ الأنصاري بأقوال اللغويين في مواضع متفرقة من تراثه الفقهي والأصولي لدراسة معاني الألفاظ المستخدمة في الروايات أو لتبيين العناوين التي هي موضوع للأحكام الشرعية، ويؤكد على الحاجة إلى أقوال اللغويين، خاصة في تحديد نطاق المعنى. (2)

وهو يرى ذلك ويقول في هذا الصدد: «إن مواضع الحاجة إلى قول اللغويين في نطاق المعنى أكثر من أن تحصى، لأنه على الرغم من أن معنى الكلمة يكون معلومًا إجمالاً دون الرجوع إلى قول اللغوي، إلا أن تفصيله بحيث يدخل فيه المشكوك أو يخرج منه، لا يُفهم إلا بقول اللغوي، مثل ألفاظ: وطن، مفازة، تمر، فاكهة، كنز، معدن، غوص وغيرها من متعلقات الأحكام التي لا حصر لها» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 177). وللتمثيل، نشير إلى الحالات التالية: 1. يبحث الشيخ الأعظم في بداية مبحث الخيارات عن معنى كلمة «شرط»، وهل تشمل الالتزامات الابتدائية أيضًا، أم أنها خاصة بالالتزامات التبعية والضمنية؟ ويذهب إلى القول باختصاصها، ويقدم أدلة لإثبات رأيه، أحدها الاستناد إلى كلام اللغوي: «فضلًا عن ذلك، يؤيد كلام بعض اللغويين ادعاءنا – أي الاختصاص -؛ فقد ورد في كتاب القاموس: الشرط هو الإلزام والالتزام بشيء في بيع وغيره» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 5: 21-22). 2. يتناول الشيخ في بحث قاعدة لا ضرر، بعد إيراد الرواية المستدل بها، دراسة معاني كلمتي «ضرر» و«ضرار» المستخدمتين في الرواية (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 2: 459-460). 3. يستنتج الشيخ الأنصاري، بناءً على المعنى اللغوي لكلمة «تفسير» وهو كشف القناع، أن روايات «مَن فَسَّرَ القُرآنَ بِرَأيِهِ» لا تشمل الأخذ بظواهر القرآن (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 142). 4. في معرفة معنى البيع، يعرّفه الشيخ الأنصاري بالرجوع إلى معناه في اللغة بأنه «مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ»، وتترتب على هذا التعريف ثمرات؛ منها إشكال جعل الحق عوضًا في البيع، إذ لا يصدق عليه أنه مال، وهو ما لا يتوافق مع تعريف البيع بـ«مُبَادَلَةٌ مَالٍ بِمَالٍ» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 3: 7). 5. عرّف البعض البيع بأنه نقل العوض والمعوض، وهو تعريف لا يقبله الشيخ بالرجوع إلى اللغة والعرف (نفسه، 3: 7). 6. يعتبر الشيخ الأنصاري، بالرجوع إلى أهل اللغة، أن معنى العهد في «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» هو مطلق العهد، ولهذا يستدل بهذه الآية على لزوم معاملة المعاطاة، لأن الطرفين في المعاطاة يتعهدان بأمر ما (نفسه، 3: 56). وكذلك في معنى الشرط في حديث «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، يفسر الشرط، بالرجوع إلى أهل اللغة، بمطلق الالتزام، وبهذا يشمل بيع المعاطاة الذي لم يُستخدم فيه لفظ، لوجود الالتزام فيه (نفسه). 7. اشترط البعض في البيع أن يكون بلفظ صريح فيه؛ والشيخ الأنصاري يعتبر اللغة مرجعًا لمعرفة الألفاظ الصريحة من غيرها (نفسه، 3: 120).

ب. الاستعمالات والتطبيقات

من أفضل وأدق الطرق، وفي الوقت نفسه أصعبها، لمعرفة معنى وموضوع له كل كلمة، هو دراسة تطبيقاتها واستعمالاتها في النصوص المختلفة. في هذه الطريقة، يتم استخلاص المعنى الأصلي للكلمة من خلال استقراء استخداماتها وجمعها ومقارنتها. يستعين الشيخ الأنصاري أحيانًا بتطبيق واستعمال كلمة ما في كلام المعصومين (ع) للعثور على معناها، وبهذه الطريقة يكشف عن حدود ونطاق معنى الكلمة، ونذكر بعض الأمثلة: النموذج الأول: يعتقد الشيخ أن استعمال الشرط في الإلزام الابتدائي صحيح وعلى نحو الحقيقة، ولإثبات ذلك يستدل بأحاديث استُخدمت فيها تلك الكلمة. يقول في هذا الصدد: «في كتاب القاموس ورد أن الشرط يعني الإلزام والالتزام بشيء في البيع وغيره. ظاهر هذا الكلام يوحي بأن استخدام كلمة شرط في الإلزام الابتدائي إما مجاز أو صحيح، ولكن لا إشكال في صحته، لأنه استُخدم في الروايات بكثرة في الإلزام الابتدائي، مثل كلام النبي الأكرم (ص) في قصة بريرة حيث قال: حكم الله أحق وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق، وكلام أمير المؤمنين (ع) الذي قاله ردًا على من اشترط في عقد النكاح عدم الزواج بامرأة أخرى: شرط الله قبل شرطكم، وكلام الراوي الذي سأل: كم الشرط في الحيوان؟ فقال: ثلاثة أيام للمشتري. قال الراوي: عرضت عليه، في غير الحيوان كيف؟ فقال: الطرفان بالخيار ما لم يفترقا. وفي بعض الأخبار الواردة حول الشرط في النكاح، أُطلقت هذه الكلمة على النذر أو العهد أو الوعد» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 6: 11-12). ثم يورد أدلة ويثبت أن هذه الاستعمالات والتطبيقات هي على نحو الحقيقة، ويصرح بأن كلام صاحب القاموس غير صحيح، وأن صاحب القاموس لم يلتفت إلى هذه التطبيقات والاستعمالات (نفسه، 12). النموذج الثاني: كلمة «حامل» استُخدمت في بعض الروايات، كما أن المرأة الحامل موضوع لبعض الأحكام، ولذا بحث الفقهاء في حدودها ونطاقها، هل يُقال للمرأة حامل منذ استقرار النطفة في الرحم أم من وقت تحول النطفة إلى علقة؟ يعتقد الشيخ أن المرأة التي استقرت النطفة في رحمها هي حامل، وهذا استعمال حقيقي. وفي رده على من يعتبر هذا الاستعمال مجازًا، يقول: «التدقيق في الاستعمالات يكذّب دعوى مجازية إطلاق الحامل على هذا المعنى بقرينة المشارفة» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 4: 114). النموذج الثالث: يرى الشيخ الأعظم أن طريقة استنباط موضوع له الهيئات، مثل صيغة الأمر والجملة الشرطية، هي من خلال دراسة تطبيقاتها واستعمالاتها، ويقول: «إن ما يُتبع في الهيئات التركيبية هو قواعد اللغة العربية التي تُستنبط بالاستقراء القطعي» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 175).

ج. عرف أهل اللغة

إحدى طرق التعرف على معنى الكلمات في لغة ما هي الرجوع إلى عرف الناطقين بتلك اللغة. يعتقد الشيخ الأعظم أن أصل ومادة كثير من الكلمات تُعرف عن طريق العرف، ويقول في هذا الصدد: «أَكْثَرُ مَوَادِّ اللُّغَاتِ إِلَّا مَا شَذَّ وَنَدَرَ كَلَفْظِ الصَّعِيدِ وَنَحْوِهِ مَعْلُومٌ مِنَ الْعُرْفِ» (نفسه، 1: 175). وللتوضيح، نشير إلى الأمثلة التالية: 1. يقول الشيخ الأعظم في الدراسة الدلالية لكلمة «شرط»: «كلمة شرط في العرف تدل على معنيين، إما أن يكون معنى أحدهما جزءًا من معنى الآخر، كأن يكون الشرط بهذا المعنى مصدر «شَرَطَ»… أو أن يكون المعنيان متباينين، كأن يكون الشرط بمعنى النبش، ويكون شيء آخر غيره هو الذي يُتتبع. وعلى أية حال، بدون النظر في كون أحدهما أصلًا للآخر، فإن المعنى الاسم المصدري هو السائد» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 6: 11-12). 2. يرى الشيخ الأعظم في الدراسة الدلالية لكلمة «تنجيس» في قوله تعالى «وَيُنَجِّسُهُمْ» أنها تفهم لدى العلماء وأصحاب العرف بمعنى الاستخفاف: «أَنَّ الْمُتَبَادِرَ قَدْماً وَحَدِيثاً فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ «يُنَجِّسُ» الِاسْتِخْفَافَ» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ج)، 1: 333). 3. بالنظر إلى العرف القرآني في آية «لا تُبْطِلُوا»، يرى الشيخ أن الأثر المترتب عليها هو أن الآية لا تنفي أهلية حصول الثواب، بل تنفي وجوده: «المفهوم منها عرفًا أن الجملة تنفي الثواب» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 255). 4. في آية نبأ، اختلف في المقصود من الفاسق. البعض يرى أنه من خرج عن طاعة الخالق، والبعض الآخر يرى أنه من خرج عن طاعة الإمام. ولكن الشيخ الأنصاري، بالنظر إلى العرف الفاسق، يعتبر هذا النظر واردًا، ويؤكد أن هذا الإشكال لا يمكن أن يبطل الاستدلال بالآية (الأنصاري، 1425هـ.ق، 1: 254). 5. في بعض المعاملات مثل المساقاة، حيث لا يوجد لفظ صريح في بعض الحالات، من المشاكل التي تبرز أن الشيخ، بالرجوع إلى العرف واللغة، يستنتج أن المساقاة عقد شخصي يجب أن يؤديه الشخص نفسه مقابل حصته (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 3: 79). 6. يقول الشيخ: «إن بعض اللغويين مثل صاحب القاموس يصرح بأن لفظ «شرى» يعني البيع، إلا أن استعماله في البيع عرفًا قليل جدًا، واستعمال هذا اللفظ في البيع مشكل» (همان، 3: 131).

2- علم الصرف

بدون معرفة علم الصرف، لا يمكن تجاوز مرحلة الظهور التصوري، ودوره في فهم القرآن والسنة عظيم لدرجة أن العلماء والفقهاء يعتبرونه من مبادئ وشروط استنباط الأحكام من الكتاب والسنة (الاجتهاد). يقول آية الله الخوئي في هذا الصدد: «الاجتهاد يعتمد على معرفة الصرف، لأن علم الصرف يتولى معاني هيئات الألفاظ المفردة التي تتغير بها المعاني، مثل هيئة الماضي والمضارع والفاعل والمفعول. فلا بد من معرفة هذا القدر من علم الصرف لا أكثر» (هاشمي شاهرودي، 1419هـ.ق، 4: 426). ولإظهار استفادة الشيخ من علم الصرف، نذكر بعض الأمثلة: النموذج الأول: زكاة غير الهاشمي حرام على الهاشمي، وقد اعتبرها البعض إجماعية (الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 343). ولكن يطرح السؤال: هل الصدقة على أولاد المطلب، وهو أخو هاشم، حرام أيضًا؟ يرى المشهور أنها ليست حرامًا، ولكن ابن الجنيد الإسكافي والشيخ المفيد يعتقدان أن الصدقة على أولاد المطلب حرام أيضًا. مستند هذين العالمين هو صحيحة زرارة عن الإمام الصادق (ع) التي ورد فيها: «لو كان العدل، لما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة» (الحر العاملي، 1409هـ.ق، 9: 276). وقد رد الشيخ الأنصاري استدلالهما وقدم أدلة في رده (راجع: الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 343). ومن تلك الأدلة ما يستند إلى مبادئ علم الصرف: «وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُطَّلِبِيِّ عَلَى كَوْنِ نِسْبَتِهِ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَمَا يُقَالُ: «مَنَافِيٌّ» فِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ تَفْسِيرِيًّا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى «لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا» (طه: 107)، وَفَائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ» (نفسه، 343). يستفيد الشيخ من بحث «الاسم المنسوب» في علم الصرف؛ فكلمة «مطلبي» كما أنها اسم منسوب إلى المطلب، يمكن أن تكون اسمًا منسوبًا إلى عبد المطلب أيضًا، مثل عبد مناف الذي يكون اسمه المنسوب «منافي». إذن، تصبح الرواية مجملة، ولا يمكن الاستناد إليها لإثبات هذا المطلب. ثم يجيب الشيخ على سؤال محتمل، وهو أنه إذا كان «مطلبي» منسوبًا إلى عبد المطلب، فلا حاجة لعطف «مطلبي» على «هاشمي» ويكون العطف لغوًا. ويستعين بعلم النحو ويقول إن هذا العطف تفسيري وللتأكيد والتصريح، ويستشهد بالآية القرآنية الكريمة لتأييد دعواه. النموذج الثاني: برأي الشيخ، يساعدنا علم الصرف على معرفة بنية الكلمة: «نجس» بفتح الجيم إما مصدر، وفي هذه الحالة يكون للمبالغة مثل «زيد عدل»، أو صفة، وفي هذه الحالة يكون مرادفًا لـ«نَجِس» بكسر الجيم» (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 5: 100). النموذج الثالث: يستفيد الشيخ الأعظم من علم الصرف لتعريف كلمة «آجام»: «آجام» جمع «أَجَمَة» مثل «قَصَبَة» التي تُجمع على «أَجَم» مثل «قَصَب»، و«آجام» هي أيضًا جمع أو جمع الجمع (الأنصاري، 1415هـ.ق (أ)، 356). النموذج الرابع: بسبب اختلاف القراءة في آية «لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ»، حيث قرأها البعض بصيغة الثلاثي المجرد والبعض بالثلاثي المزيد، والمعنى يختلف باختلاف القول، يعتبر الشيخ هذه الآية من موارد دوران الأمر بين معنيين من باب إجمال النص (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 18).

3- علم النحو

يبين علم النحو مواقع الكلمات وكيفية ترتيبها في بنية الجملة. وللوصول إلى الظهور التصوري، بالإضافة إلى معرفة معاني الكلمات – التي يتولاها علم اللغة والصرف – يجب أيضًا معرفة مواقع الكلمات في بنية الجملة – التي يتولاها علم النحو. مثلاً، آية «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا» (النساء: 164) مكونة من أربع كلمات: كلم، الله، موسى، تكليمًا. من الواضح أنه لفهم هذه الآية، يجب معرفة معاني كل من هذه الكلمات، ولكن بالإضافة إلى ذلك، نحتاج إلى معرفة الدور التركيبي لهذه الكلمات الأربع، وهو ما يتولاه علم النحو. مثلاً، يجب أن نعرف هل «الله» في هذه الجملة فاعل أم مفعول. فإذا كان فاعلاً، فإن الظهور التصوري للآية هو أن الله قد تحدث مع موسى، ولكن إذا كان «الله» مفعولاً، فإن موسى هو الذي تحدث مع الله (راجع: نصيري، 1388هـ.ش، 66). وعليه، فإن فهم الكتاب والسنة غير ممكن دون معرفة علم النحو. لهذا السبب، يعتبر العلماء والفقهاء علم النحو من الشروط المسبقة المهمة للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة. يقول آية الله الخوئي في هذا الصدد: «الاجتهاد يعتمد على معرفة النحو أيضًا، لأن علم النحو يتولى بيان معاني الهيئات المركبة» (هاشمي شاهرودي، 1419هـ.ق، 4: 426). ولإظهار استفادة الشيخ من علم النحو، نذكر بعض الأمثلة: النموذج الأول: وفقًا لرأي مشهور فقهاء الإمامية، قول «آمين» بعد قراءة سورة الحمد في الصلاة حرام ويبطل الصلاة. ويرى قلة مثل المشايخ الثلاثة هذا الرأي عند الإمامية إجماعيًا، ولكن مجموعة قليلة مثل ابن جنيد الإسكافي جوزته (راجع: الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 1: 410). يحتمل الشيخ الأنصاري أن تكون صحيحة جميل أحد مستندات ابن جنيد. تقول صحيحة جميل: «سألت أبا عبد الله (ع) عن قول أهل السنة آمين بعد قراءة الحمد في صلاة الجماعة، فقال: مَا أَحْسَنَهَا وَاخْفِضِ الصَّوْتَ بِهَا» (الحر العاملي، 1409هـ.ق، 6: 68). يثبت الشيخ الأعظم بالاستفادة من قواعد النحو أن هذه الصحيحة لا تدل على رأي ابن جنيد؛ ويشرح سبب عدم دلالة الصحيحة كالتالي: «إذا كانت «مَا أَحْسَنَهَا» بصيغة التعجب، فبالإضافة إلى عدم توافقها مع الأمر بخفض الصوت، تدل على الاستحباب، وهو ما يوافق مذهب العامة ويجب حمله على التقية؛ وإذا كانت جملة «مَا أَحْسَنَهَا» نافية، فلا دلالة لها أصلاً على جواز قول آمين» (راجع: الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 1: 411). (3) النموذج الثاني: أحيانًا يرجح الشيخ بعض احتمالات الرواية بناءً على قواعد النحو؛ مثلاً، يقول الشيخ في عبارة «إِنْ كَانَ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» من موثقة حنان: «قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَالَ لَهُ مُعَمَّرُ الزَّيَّاتُ: إِنَّا نَشْتَرِي الزَّيْتَ فِي رِقَاقِهِ فَيَحْسَبُ لَنَا نُقْصَانٌ فِيهِ لِمَكَانِ الرِّقَاقِ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَلَا تَقْرَبْهُ». يوجد ثلاثة احتمالات؛ ثم يورد شاهدًا من قواعد النحو للاحتمال الأول والثاني: «شاهد الاحتمال الأول هو رجوع ضمير «يزيد» و«ينقص» إلى مجموع النقصان المحسوب بدلاً من المشك؛ شاهد الاحتمال الثاني هو أن النقيصة معطوفة على الزيادة بواو العطف – التي تظهر في اجتماع المعطوفين لا احتمال عطف أحدهما على الآخر -» (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 4: 329). النموذج الثالث: يطرح الشيخ الأعظم في حديث «النَّاسُ فِي سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا» احتمالين وفقًا لقواعد النحو، ويقول إن المطلوب ثابت بكليهما. ويقول: «كلمة «ما» إما موصول اسمي أضيفت إليه السعة، أو مصدرية ظرفية (موصول حرفي)، وفي كلتا الحالتين يثبت المطلوب» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 2: 41). وهناك حالات أخرى استعان فيها الشيخ بعلم النحو (الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 614؛ نفسه، 1415هـ.ق (هـ)، 193).

4- علوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع)

المقصود بعلوم البلاغة هو مجموعة من القواعد التي تساعد، بجزء منها، على معرفة حالات توافق الكلام العربي مع مقتضى الحال (علم المعاني)، وبجزء آخر، على تقديم معنى واحد بأساليب بيانية مختلفة وبدرجات وضوح متفاوتة (علم البيان)، وأخيرًا، بالنظر إلى القسم الثالث من هذه العلوم (علم البديع)، تتضح الأساليب والمزايا التي تضفي على الكلام جمالًا ونضارة، وتكسوه قيمة ورونقًا ولطافة (راجع: التفتازاني، 1369هـ.ش، 24؛ الهاشمي، 1418هـ.ق، 44، 197، 295). يعتقد بعض العلماء والفقهاء أن علوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع) لا دور لها في الاجتهاد وفهم الحديث (التوني، 1415هـ.ق، 281؛ مكارم الشيرازي، 1428هـ.ق، 3: 560). وفي المقابل، يعتبر فريق آخر من العلماء علوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع) من مكملات وشروط الاجتهاد (الوحيد البهبهاني، 1415هـ.ق، 341). ويبدو أن لعلوم البلاغة دورًا لا يمكن إنكاره في استنباط الأحكام من الأدلة اللفظية (الكتاب والسنة). ففي مباحث علوم البلاغة، موضوعات مثل تقديم ما حقه التأخير، والقصر، وحذف متعلقات الفعل، والوصل والفصل، والكلام الإنشائي والخبري، والحقيقة والمجاز، والتشبيه، والكناية، والاستعارة وغيرها، لها تأثير كبير في فهم الكتاب والسنة. حتى بعض الذين لا يعتبرون علمي المعاني والبيان شرطًا للاجتهاد، أقروا بأن هذه المباحث لها تأثير في الاجتهاد، ولكن بما أنها تُبحث أيضًا في علم الأصول، فلا حاجة إلى علمي المعاني والبيان (مكارم الشيرازي، 1428هـ.ق، 3: 561). ولكن يجب القول أولاً إن هذه المباحث تُبحث في علم الأصول باختصار، وثانيًا أن مكانة هذه المباحث هي في علمي المعاني والبيان، وطرحها في علم الأصول لا يخرجها عنهما. نعم، علم البديع من بين علوم البلاغة لا يؤثر في فهم الحديث وتشخيص مراد المتكلم، بل يساعد فقط في معرفة جماليات كلام المتحدث (راجع: النراقي، 1388هـ.ق، 2: 946). وعليه، على الرغم من أن لعلوم اللغة الثلاثة: اللغة والصرف والنحو، أهمية أكبر في تحصيل الظهور التصوري وفهم الحديث من بين أنواع العلوم الأدبية، إلا أن لعلمي المعاني والبيان أيضًا دورًا لا يمكن إنكاره في فهم مراد المتكلم. ورغم أن الشيخ الأنصاري لم يشر في أي موضع من تراثه الفقهي والأصولي إلى دور علمي المعاني والبيان في فهم الحديث، إلا أنه أحيانًا في تحليل ودراسة دلالة الروايات، استفاد من بعض مباحث علمي المعاني والبيان، وسنورد أمثلة على ذلك. النموذج الأول: حذف متعلقات الفعل هو أحد المباحث المطروحة في علم المعاني (راجع: التفتازاني، 1369هـ.ش، 164-173)، ومعرفتها تسهل فهم الكلام. يستعين الشيخ الأعظم أحيانًا بهذا المبحث في تحليل دلالة الآيات والروايات. ولإثبات أن أولى الناس بتجهيز الميت هو أولاهم بإرثه، يستدل بعموم الآية الكريمة «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ» (الأنفال: 75)، الذي يُستفاد من حذف المتعلق، ويقول: «بناءً على أن المقصود هو الأولوية من كل جهة، حتى الأمور المتعلقة بتجهيز الميت، لا أن الأولوية تقتصر على الإرث من الميت، وحذف المتعلق يشهد على هذا العموم» (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 4: 206). أو في الإجابة على سؤال ما إذا كان أكل الطعام فقط يبطل الصوم أم أكل أي شيء، سواء كان طعامًا أم لا، يستدل بحذف متعلق الفعل الذي يُستفاد منه العموم، ويقول: «حذف متعلق الفعل يدل على أن الحكم يتعلق بطبيعة الفعل، مثل قولك: زيد يعطي ويمنع» (الأنصاري، 1413هـ.ق (ب)، 21). وقد استفاد الشيخ من حذف المتعلق في مواضع أخرى أيضًا (الأنصاري، 1414هـ.ق، 21؛ نفسه، 1415هـ.ق (د)، 1: 68 و 2: 559 و 5: 362). النموذج الثاني: الحصر أو القصر هو أحد الموضوعات المطروحة في علم المعاني (الهاشمي، 1418هـ.ق، 179-187)، ومعرفة تعريفه وأقسامه وطرقه تساعد باحث الحديث في فهمه. وقد استفاد الشيخ الأعظم كثيرًا من مباحث الحصر في تبيين معاني الروايات (الأنصاري، 1415هـ.ق (أ)، 191؛ نفسه، 1415هـ.ق (ب)، 322؛ نفسه، 1415هـ.ق (ج)، 2: 85، 86، 572، 582؛ نفسه، 1428هـ.ق (ب)، 1: 244). ونشير إلى بعض الأمثلة: 1. في كتاب الزكاة، يذكر أن في مبدأ حول السخال ثلاثة آراء: الأول- من وقت النتاج؛ الثاني- من وقت الاستغناء عن اللبن؛ الثالث- يلحق الرضيع من السائمة بالسائمة، والرضيع من المعلوفة بالمعلوفة. ثم يختار الرأي الأول ويستند إلى عمومات الأدلة؛ ثم يجيب على ادعاء أصحاب الرأيين الآخرين – القاضي بتخصيص تلك العمومات بروايات توجب الزكاة في السائمة – قائلاً: «ظاهر أدلة اعتبار «السوم» هو اختصاصه بما شأنه الرعي، وعليه فإن قول الإمام (ع): «إنما الزكاة في الأنعام السائمة» هو حصر إضافي بالنسبة إلى العلف الذي شأنه الرعي في الصحراء» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 149). 2. من الحصر في آية «وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ»، يستفيد الشيخ أن الملاك في الحلية هو التذكية فقط، وفي حال الشك يمكن جريان أصل عدم التذكية والحكم بحرمة ذلك الشيء (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 2: 128). 3. يستنتج الشيخ من حصر الأمور في الحديث النبوي «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك» أنه لا يمكن تخصيص الحديث بالشبهات الحكمية، وإلا لوجب تخصيص الحديث بالشبهات الموضوعية، وبما أن الحديث يأبى التخصيص، فلا يمكن فعل ذلك؛ إذن، الحديث، بالنظر إلى الحصر، يشمل الشبهات الموضوعية والحكمية، وبما أنه في الشبهات الحكمية يجري حكم البراءة بالإجماع، فلا يمكن استنباط وجوب الاحتياط من هذا الحديث، ويجب إما حمله على الإرشاد أو طلب الأعم من الوجوب (نفسه، 2: 132). 4. يثبت الشيخ، بالنظر إلى الحصر في آية «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ»، لزوم معاملة المعاطاة، وذلك بأنه في حال رجوع أي من الطرفين، فإن هذا الرجوع لا يُحسب تجارة، وليس عن رضا الطرف المقابل؛ إذن، هذا الرجوع غير صحيح، وبالتالي فإن معاملة المعاطاة ملزمة (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 3: 54). 5. يقول الشيخ الأعظم في حديث «إِنَّمَا يُحَلِّلُ الْكَلَامُ وَيُحَرِّمُ الْكَلَامُ»: بما أن الحديث دال على الحصر، فلا يمكن القول بأن المقصود من الحديث هو أن في كل معاملة يكون اللفظ محللاً لها، لأن لازم هذا الاستنباط هو تخصيص الأكثر وهو قبيح؛ وبالتالي فإن هذا الاستنباط غير صحيح (نفسه، 2: 132). النموذج الثالث: سلب العموم وعموم السلب من الموضوعات الأخرى المطروحة في علم المعاني (التفتازاني، 1369هـ.ش، 105-106؛ الهاشمي، 1418هـ.ق، 140)، وقد استفاد منها الشيخ الأعظم لتحليل دلالة بعض الروايات. فبناءً على صحيحة زرارة وفضيل التي ورد فيها: «قَالَا: قُلْنَا لَهُ: الصَّلَوَاتُ فِي جَمَاعَةٍ فَرِيضَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتُ فَرِيضَةٌ، وَلَيْسَ الِاجْتِمَاعُ بِمَفْرُوضٍ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَلَٰكِنَّهَا سُنَّةٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا رَغْبَةً عَنْهَا وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (الكليني، 1429هـ.ق، 3: 372؛ الطوسي، 1407هـ.ق، 3: 24)، يقول: «بعد نفي وجوب الجماعة في الصلوات بأسلوب عموم السلب أو سلب العموم، يثبت استحباب الجماعة في جميع الصلوات» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ج)، 2: 408). النموذج الرابع: التشبيه هو أحد الموضوعات المطروحة في علم البيان، ومعرفة تعريفه وأركانه وأقسامه تساعد باحث الحديث في مرحلة تحصيل الظهور التصوري (راجع: الهاشمي، 1418هـ.ق، 247-278). وقد اهتم الشيخ الأعظم بالتشبيهات المستخدمة في الروايات وحللها بشكل صحيح. يقول عن التشبيه المستخدم في رواية عبد الله بن أبي يعفور «إِنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ كَمَاءِ النَّهَرِ، يُطَهِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (الكليني، 1429هـ.ق، 3: 14؛ الحر العاملي، 1409هـ.ق، 1: 150): «مقتضى التشبيه المستخدم في الرواية هو ثبوت أحكام كل طرف للطرف الآخر، فبالتالي يثبت لماء الحمام ما يثبت لماء النهر، إلا ما خرج بالدليل» (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 1: 176). وكذلك في حديث «أَخُوكَ دِينُكَ، فَاحْتَطْ لِدِينِكَ»، يستنتج الشيخ، بناءً على تشبيه الدين بالأخ، أن المقصود بالاحتياط هو أعلى مراتب الاحتياط، لا كل مراتبه ومقدار الواجب منه، وبالتالي يكون هذا الحديث بمنزلة آية «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، ويُحمل على الاستحباب، بينما يريد البعض، بالاستناد إلى هذا الحديث، إثبات وجوب الاحتياط في الشبهات (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 2: 81). وتجدر الإشارة إلى أن المجاز والكناية والاستعارة هي من مباحث علم البيان الأخرى التي استفاد منها الشيخ، ولكن بما أنها تتعلق بمرحلة الظهور التصديقي، فهي خارج نطاق البحث الحالي.

القسم الثاني: علم أصول الفقه

إن منشأ وجذر الظهور التصوري هو علم المخاطب وإدراكه لمعنى وموضوع له المفردات والتراكيب والهيئات. وعليه، يجب على المخاطب، لتجاوز المرحلة الأولى من فهم الكلام، أن يعرف معانيها. وكما مر، فإن العلوم الأدبية كاللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان تساعدنا في هذا المجال. فعلم اللغة يبين معنى مادة وجذر الألفاظ المفردة، وعلم الصرف يعلمنا بناء الكلمات ويعرفنا على موضوع له بعض الهيئات مثل الفعل واسم الفاعل واسم المفعول وغيرها، وعلم النحو وقواعد اللغة يعرفنا على معاني التراكيب وهيئة الجمل، وأخيرًا في علم المعاني يُبين معنى بعض التراكيب والهيئات كالحصر والقصر. ورغم كل هذه الجهود، لا تزال هناك نواقص في مجال علم الدلالة للتراكيب والهيئات، فمثلاً، لم يُذكر في أي من العلوم المذكورة أن هيئة فعل الأمر للوجوب أم للاستحباب، بينما هذا يتعلق بعلم الدلالة. ولهذا السبب، طرح علماء أصول الفقه بعض المباحث المتعلقة بعلم الدلالة في مباحث الألفاظ من علم الأصول لرفع هذه النواقص. فمباحث الألفاظ من علم أصول الفقه، مثل: الوضع، وأقسام الوضع، والمعنى الاسمي والحرفي، وعلامات الحقيقة والمجاز، والاشتراك اللفظي والمعنوي، والحقيقة الشرعية، والصحيح والأعم، والمشتق، وحقيقة الاستعمال، واستعمال اللفظ في أكثر من معنى، والمفاهيم، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والفحص عن القرينة، وبعض المباحث المتعلقة بالأوامر والنواهي والتعادل والتراجيح وغيرها، كلها أدوات لمعرفة الظهور والوصول إلى مراد المتكلم. وسنبحث الآن بعض هذه المباحث الأصولية كنماذج في تتمة البحث.

1- المفاهيم

بعض الهيئات المركبة، بالإضافة إلى مدلولها المطابقي، لها مدلول التزامي أيضًا. مثلاً، حديث «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» (الكليني، 1429، 3: 2) له مدلولان: الأول: الماء الذي يبلغ قدر كر، لا ينجسه شيء (مدلول مطابقي). الثاني: الماء الذي لا يبلغ قدر كر، ينجسه شيء (مدلول التزامي). يسمي الأصوليون المدلول المطابقي منطوقًا، والمدلول التزامي مفهومًا. ويقسمون المفهوم إلى مفهوم موافق ومفهوم مخالف (راجع: الخوئي، 1417هـ.ق (أ)، 5: 57؛ المظفر، 1370هـ.ش، 1: 107). وفيما يلي، سندرس بعض المفاهيم المخالفة.

أ- مفهوم الشرط

من الموضوعات المطروحة في علم أصول الفقه – والتي تساعد باحث الحديث في فهم الحديث فهمًا صحيحًا – هو علم دلالة الهيئة التركيبية للجملة الشرطية (راجع: الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 21-78). يتفق جميع الأصوليين على أن الجملة الشرطية، بحكم الوضع، تدل على ثبوت التالي عند ثبوت المقدم (المظفر، 1370هـ.ش، 1: 159). وإنما النزاع والاختلاف في ما إذا كان مدلولها الوضعي والمطابقي يدل على انتفاء التالي عند انتفاء المقدم أم لا، أو بعبارة أخرى، هل للجملة الشرطية مفهوم؟ يرى الشيخ الأنصاري، ككثير من الأصوليين، أن للجملة الشرطية مفهومًا، ويقول في هذا الصدد: «الْحَقُّ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ كَلِمَةِ «إِنْ» وَأَخَوَاتِهَا يُفِيدُ انْتِفَاءَهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ مَدْخُولِهَا» (الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 21). طبعًا، إذا كانت الجملة الشرطية لبيان تحقق الموضوع، فلا مفهوم لها، وتكون سالبة بانتفاء الموضوع. ولهذا السبب، يرى الشيخ أنه لا يمكن الاستدلال بمفهوم الشرط في آية النبأ على حجية خبر الواحد (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 118). المباحث النظرية المتعلقة بمفهوم الشرط واسعة جدًا، ويجب على باحث الحديث أن يلم بها في علم أصول الفقه. وهنا نكتفي بذكر بعض الأمثلة من الحالات التي استند فيها الشيخ الأعظم إلى مفهوم الشرط. النموذج الأول: يذكر الشيخ الأنصاري أنه إذا نسي المصلي الركوع وتذكر قبل أن يسجد، وجب عليه أن يركع. ولإثبات هذا المطلب، يورد أدلة، أحدها مفهوم الشرط: «بسبب مفهوم رواية أبي بصير عن الإمام الصادق (ع) حيث قال: «إذا استيقن الرجل بعدما سجد سجدتين أنه ترك ركعة فليستأنف صلاته» (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 148؛ الحر العاملي، 1409هـ.ق، 6: 313). فبما أن الرواية تدل على عدم وجوب الاستئناف إذا لم يستيقن بعد السجدتين، سواء لم يستيقن أصلاً أو استيقن قبل السجدتين، ومن أفراد ذلك من يستيقن قبل الدخول في السجدتين أنه لم يركع، ولا شك أن عدم وجوب الاستئناف لا يكون إلا بتدارك الركوع، لأن ترك الركوع بالاتفاق مبطل» (الأنصاري، 1413هـ.ق (أ)، 77). النموذج الثاني: يرى الشيخ الأعظم أنه إذا لم يتب المرتد ولم يرجع عن ارتداده، يبطل عمله، ويستدل على ذلك بمفهوم رواية زرارة (الطوسي، 1407هـ.ق، 5: 459؛ الحر العاملي، 1409هـ.ق، 1: 125)، ويقول: «مقتضى مفهوم الرواية أنه إن لم يرجع إلى الإيمان بطل عمله» (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 2: 579). النموذج الثالث: يرى الشيخ الأعظم أنه إذا شك المصلي في عدد ركعات صلاته ثم غلب ظنه على طرف، وجب عليه أن يبني على ذلك الطرف؛ ثم يقول إنه لا فرق في هذا الحكم بين الركعتين الأوليين والركعات الأخرى. ويعتبر دليل هذا التعميم هو إطلاق مفهوم الشرط في رواية صفوان (الكليني، 1429هـ.ق، 3: 358). ويكتب في هذا الصدد: «من هذه الجهة، وبناءً على قول المشهور، لا فرق بين أن يتعلق الشك بالركعتين الأوليين أو بغيرهما؛ بسبب إطلاق مفهوم رواية صفوان عن الإمام الكاظم حيث قال: «إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة» (الأنصاري، 1413هـ.ق (أ)، 205).

ب- مفهوم الغاية

يعتقد الشيخ الأعظم أن للغاية مفهومًا، ويقول في هذا الصدد: «الحق – كما يرى معظم المحققين – هو أن الحكم المغيّا بغاية يُرفع بعد حصول الغاية، بحيث يكون ثبوت الحكم بعد الغاية منافيًا للدليل الأول. وهذا هو المراد من مفهوم الغاية» (الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 93). بعد نقل صحيحة زرارة: «عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: أَتَدْرِي لِمَ جُعِلَ الذِّرَاعُ وَالذِّرَاعَانِ؟ قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ الْفَرِيضَةِ، لَكَ أَنْ تَتَنَفَّلَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَىٰ أَنْ يَبْلُغَ ذِرَاعًا، فَإِذَا بَلَغَ ذِرَاعًا بَدَأْتَ بِالْفَرِيضَةِ وَتَرَكْتَ النَّافِلَةَ» (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 245؛ الحر العاملي، 1409هـ.ق، 4: 229)، يقول الشيخ: «ظاهر الرواية هو أنه بعد بلوغ الظل ذراعًا واحدًا، يجب ترك النافلة. وإذا نوقش في أن الجملة الخبرية لا تفيد الوجوب، يمكن الإجابة على هذا الإشكال من جهتين: الأولى، مفهوم الغاية في قول الإمام «لك أن تتنفل حتى يبلغ الظل ذراعًا»، الذي يدل على أنه بعد بلوغ الظل ذراعًا لا يمكنك أداء النافلة، يكفي للحكم بعدم جواز أداء النافلة قبل الفريضة بعد بلوغ الظل ذراعًا» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ج)، 1: 118).

2- العام والخاص

مبحث العام والخاص هو أحد المباحث المهمة وذات التطبيق الواسع في علم أصول الفقه. يتعلق جزء من مباحث العام بعلم الدلالة ويُستخدم في مرحلة الظهور التصوري، والجزء الآخر يتعلق بالتخصيص والمخصص ويُستخدم في مرحلة الظهور التصديقي. وسنتناول الآن القسم الأول. قام الأصوليون أولاً بتعريف العام والخاص، ثم تناولوا تحديد الألفاظ والهيئات والتراكيب التي وُضعت للعموم (راجع: الأصفهاني، 1429هـ.ق، 3: 144-249). وقد اعتبر الشيخ الأنصاري الخوض في هذا المبحث إضاعة للوقت، وقال: «اعلم أن إضاعة الوقت في تقييم تعريفات الأصوليين للعام أو لبعض المسائل المتعلقة بالعموم، مثل هل المعرف بأل يفيد العموم أم لا، وأمثال ذلك، لا قيمة له، لأن هناك مباحث أهم من هذه، فمن الأفضل أن نطرح المباحث التي لها تطبيق في الفقه» (الأنصاري، 1425هـ.ق (ب)، 2: 129). إن حكم الشيخ على تعريف العام والنقض والإبرام المتعلق به صحيح تمامًا، وكما ورد في أصول الفقه للمظفر: العام والخاص من المفاهيم الواضحة والبديهية التي لا تحتاج إلى تعريف حقيقي (المظفر، 1370هـ.ش، 1: 139). ولكن حكم الشيخ على تحديد الألفاظ والهيئات والتراكيب التي تدل على العموم بعيد عن الواقع، لأن الفقيه وباحث الحديث يجب أن يعرف الألفاظ التي تدل على العموم ليفهم الحديث فهمًا صحيحًا. لا شك أن هناك ألفاظًا تدل على العموم، بعضها لفظ مفرد وبعضها هيئات لفظية، وسنذكر أشهرها مع أمثلة حديثية: الأول- كلمة «كل» وما يرادفها مثل «جميع»، «تمام»، «أي»، و«دائمًا»، تدل بوضوح على عموم مدخولها (المظفر، 1370هـ.ش، 1: 140). يرى الشيخ الأنصاري، كالمشهور من الفقهاء، أنه يمكن حساب قيمة الزكاة من أي مال. ولإثبات هذا المطلب يستدل بعموم رواية (الكليني، 1429هـ.ق، 3: 559؛ الحر العاملي، 1409هـ.ق، 9: 167) الذي يُفهم من كلمة «أي»: «يمكن الاستدلال على ذلك بعموم قول الإمام في الصحيحة: «كل ما تيسر يخرج». بناءً على أن «أي» تُحمل على العموم المطلق، لا على العموم بالنسبة إلى جنس الزكوي والدراهم» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 182). الثاني- النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي. لا شك أن مثل هذه النكرة تدل على العموم (المظفر، 1370هـ.ش، 1: 140). يفترض الشيخ الأعظم هذا المطلب ويقول: «الْمَفْرُوضُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ الْمُطْلَقَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا الْعُمُومُ» (الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 2: 43). في روايات «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» (صدوق، 1413هـ.ق، 1: 33)، و«لَا صَلَاةَ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ» (نفسه، 1: 278)، و«لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (ابن أبي جمهور الأحسائي، 1405هـ.ق، 2: 218؛ نوري، 1408هـ.ق، 4: 158)، وقعت النكرة في سياق النفي، ويُستفاد منها العموم، وقد استند الشيخ الأعظم مرارًا إلى عموم هذه الروايات (راجع: الأنصاري، 1415هـ.ق (ج)، 1: 145، 198-199، 338، 341، 571، 577، 578؛ 2: 27، 141، 281، 400، 535). الثالث- الجمع والمفرد المصحوبان بأل. لا شك أنه إذا لم تكن أل للعهد الذكري أو الذهني، فإنه يُستفاد منهما العموم (راجع: المظفر، 1370هـ.ش، 1: 141). استدل الشيخ الأنصاري مرارًا بعموم آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (المائدة: 1) أو أكد عمومية الآية الشريفة، الذي يُستفاد من الجمع المعرف بأل (الأنصاري، 1411هـ.ق، 411، 435؛ نفسه، 1428هـ.ق (ب)، 3: 56، 399؛ 5: 17، 23، 52، 86؛ نفسه، 1428هـ.ق (أ)، 2: 465-466؛ 3: 346).

4. الخاتمة

يرى الشيخ الأنصاري أن دراسة الظهور التصوري (علم الدلالة) في عملية فهم الحديث لها تأثير كبير، ويعتبرها صغرى لفهم الحديث واستنباط الأحكام من ألفاظ الكتاب والسنة. لتحصيل الظهور التصوري، استخدمت بعض العلوم والفنون الأدبية وكذلك العديد من مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه في تراثه الفقهي والأصولي، ومنها: 1. يعتقد الشيخ الأنصاري أنه ليست الألفاظ الغريبة فقط هي التي تحتاج إلى دراسة دلالية، بل إن بعض الألفاظ، على الرغم من كونها من أوضح المفاهيم العرفية، تحتاج إلى دراسة مفهومية لتحديد نطاقها الدلالي. 2. من طرق الحصول على معنى الألفاظ الرجوع إلى القواميس والمعاجم وأقوال اللغويين، وكذلك دراسة تطبيقاتها واستعمالاتها في النصوص المختلفة، والرجوع إلى عرف الناطقين بتلك اللغة. 3. يثبت الشيخ الأعظم، بالاستفادة من قواعد الصرف والنحو، أنه للحصول على الظهور التصوري، بالإضافة إلى معرفة معنى الألفاظ، يجب أيضًا معرفة موقع الكلمات في بنية الجملة. 4. على الرغم من أن الشيخ الأنصاري لم يشر في أي موضع من تراثه الفقهي والأصولي إلى دور علمي المعاني والبيان في فهم الحديث، إلا أنه أحيانًا في تحليل ودراسة دلالة الروايات، استفاد من بعض مباحث علمي المعاني والبيان، مما يدل على تأثيرها في عملية فهم الحديث. 5. طرح الشيخ الأنصاري بعض المباحث المتعلقة بعلم الدلالة في الأصول، مثل مبحث المفاهيم والعام والخاص وغيرها، في كتبه الفقهية والأصولية، ونوه بأهميتها في عملية فهم الحديث.

الهوامش

1. على الرغم من أن الشيخ في بحث اللغة لا يقبل حجية قول اللغوي، أو على الأقل يتركه مبهمًا، إلا أنه في أول بحث حجية خبر الواحد لا يستبعد حجيته: «قَدْ أَشَرْنَا إِلَىٰ كَوْنِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الظُّنُونِ الْخَاصَّةِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالظُّهُورِ اللَّفْظِيِّ، وَإِلَىٰ أَنَّ الْجِهَةَ الْأُولَىٰ مِنْهَا مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الظَّنِّ الْحَاصِلِ فِيهَا بِقَوْلِ اللُّغَوِيِّ مِنَ الظُّنُونِ الْخَاصَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَسْتَبْعِدِ الْحُجِّيَّةَ أَخِيراً» (الأنصاري، 1428هـ.ق (أ)، 1: 238).

2. الكتب اللغوية التي استخدمها الشيخ في تراثه الفقهي والأصولي هي كالتالي (نظرًا لكثرة موارد الاستخدام، يُشار إلى مصدر واحد فقط): كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (الأنصاري، 1425هـ.ق (أ)، 5)، غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (الأنصاري، 1415هـ.ق، 5: 410)، تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 124)، الجمهرة في اللغة لأبي بكر بن دريد (الأنصاري، 1415هـ.ق (أ)، 5: 66)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 1: 289)، المجمل في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 3: 116)، الفائق في غريب الحديث لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (الأنصاري، 1415هـ.ق (ب)، 3)، أساس البلاغة لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 1: 291)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (الأنصاري، 1415هـ.ق (ج)، 1: 420)، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (الأنصاري، 1415هـ.ق (أ)، 124)، المُغْرِب في ترتيب المعرب لناصر بن عبد السيد أبي المكارم بن علي الخوارزمي المطرزي (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 2: 195)، المصباح المنير لأحمد بن محمد المقري الفيومي (الأنصاري، 1415هـ.ق (أ)، 356)، تحرير ألفاظ التنبيه أو لغة الفقه ليحيى بن شرف النووي (الأنصاري، 1415هـ.ق (د)، 5: 100)، القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي (الأنصاري، 1415هـ.ق (و)، 23-24)، مجمع البحرين لفخر الدين الطريحي (الأنصاري، 1428هـ.ق (ب)، 4: 178).

3. حمل الشيخ الطوسي هذه الرواية على التقية بسبب إجماع الطائفة الإمامية (راجع: الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 318).

Scroll to Top