الملخص
تذهب طائفة من الروايات إلى أن قبول توبة آدم (ع) كان نتيجة توسله بالنبي محمد وآله (ع). وقد وردت رواية منسوبة إلى النبي الأكرم (ص) في مصدرين زیدیين كوفيين تذكر توسل آدم (ع) بأهل البيت تحت عنوان «الخمسة». إن دراسة اعتبار هذه الرواية وتبيين إمكانية ارتباطها بالعقائد الزيدية هي مسألة هذا البحث. ولهذا الغرض، وباستخدام مناهج نقد الحديث في التراث الإسلامي، تم تقييم مصدر الرواية وسندها ومتنها، وبناءً على تحليل البيانات المستخلصة، تم بحث إمكانية ارتباط هذه الرواية بالعقائد الزيدية. إن تحديد العلل من قبيل التفرد في المصادر الزيدية الكوفية، وإعراض محدثي القرون الوسطى والمتقدمة عن نقلها، ووجود رواة ضعاف ومجهولين في طرقها، واستخدام مصطلح «الخمسة» الذي تأخر ظهوره وانتشاره عن العصر النبوي، كل ذلك يضع اعتبار الرواية موضع تساؤل. كما أن بروز البيئة الحديثية الكوفية في نقل هذه الرواية بالنظر إلى الظروف الثقافية والدينية، واهتمام الزيدية بالأعمش كحلقة مشتركة في سند الرواية، والمنزلة الفريدة لأصحاب الكساء في المنظور الزيدي، توفر مؤشرات على ارتباط نقل ونشر هذه الصيغة من الرواية بالزيدية في الكوفة.
1. طرح المسألة
لطالما كانت قصة حياة الأنبياء، وخاصة أنبياء القرآن، محط اهتمام المسلمين، وكان سعيهم لاكتشاف وتوضيح أجزائها المفقودة والمجملة مستمرًا. قصة آدم (ع) أيضًا، من الخلق إلى الهبوط، قد وردت بإيجاز في القرآن، وتناولت أحاديث الفريقين إعادة سردها بالتفصيل. من بين الأجزاء المختلفة لقصة آدم (ع)، كانت «معصيته» كنقطة تحول في حياته، محط اهتمام القرآن والروايات؛ فبحسب ظاهر الآيات القرآنية، نهى الله آدم وزوجه عن الاقتراب من «الشجرة»، لكنهما استجابا لخداع الشيطان، وخالفا الأمر الإلهي، ونتيجة لذلك حُرما من السكن في «الجنة»، ثم تابا من فعلهما (البقرة: 35-37؛ الأعراف: 19-23؛ طه: 115-122). وفي أعقاب هذه الإشارات القرآنية، أصبح الحديث عن أسباب وكيفية وقوع المعصية، وعواقبها على آدم ونسله، وتوبة آدم، ونتائجها، وتطبيقاتها الفقهية والأخلاقية والكلامية، موضوعًا لروايات كثيرة (للاطلاع على نماذج، انظر: طيار، 1439هـ، 2: 264-294).
اكتفى القرآن الكريم في الحديث عن توبة آدم ببيان الإقرار بالظلم وطلب المغفرة (الأعراف: 23)، وأصل التوبة (طه: 122)، وطلب التوبة بـ«كلمات» (البقرة: 37)، لكن التراث الروائي تناول أسباب التوبة، وكيفيتها، وزمانها، وماهية «الكلمات» وجمل التوبة. من أكثر الروايات تواترًا في هذا الموضوع مجموعة الروايات التي تبيّن توبة آدم بالتوسل بالنبي الخاتم (ص) وأهل بيته؛ فهذه الروايات تخبر عن مكانة تفضيل النبي (ص) وأهل بيته على سائر البشر، والتي انعكست في توسل آدم (ع) بهم وقبول توبته. ورغم أن المحور المركزي لجميع هذه الروايات هو دور شفاعة النبي الأكرم (ص) وأهل بيته في قبول توبة آدم (ع)، إلا أن المصطلحات والرؤى والوقائع الضمنية المستخدمة لإفادة هذا المفهوم تختلف في كل منها، مما يسبب تمايز أنواعها.
وتشير رواية منسوبة إلى النبي الأكرم (ص) في مصدرين زیدیين كوفيين، ضمن دلالتها على معصية آدم وتوبته، إلى أن جبريل علّم آدم الاستعانة بـ«الخمسة»، حيث ورد فيها: «فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَينُ بْنُ سَوَادٍ [سَوَّارٍ] قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ السَّكُونِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَمَّا نَزَلَتِ الْخَطِيئَةُ بِآدَمَ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (ع) فَقَالَ يَا آدَمُ ادْعُ رَبَّكَ قَالَ [يَا] حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ مَا أَدْعُو قَالَ قُلْ رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ تُخْرِجُهُمْ مِنْ صُلْبِي آخِرَ الزَّمَانِ إِلَّا تُبْتَ عَلَيَّ وَرَحِمْتَنِي فَقَالَ لَهُ آدَمُ ع يَا جَبْرَئِيلُ سَمِّهِمْ لِي قَالَ قُلْ رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَبِحَقِّ عَلِيٍّ وَصِيِّ نَبِيِّكَ وَبِحَقِّ فَاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّكَ وَبِحَقِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سِبْطَيْ نَبِيِّكَ إِلَّا تُبْتَ عَلَيَّ وَرَحِمْتَنِي [فَارْحَمْنِي] فَدَعَا بِهِنَّ آدَمُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ وَمَا مِنْ عَبْدٍ مَكْرُوبٍ يُخْلِصُ النِّيَّةَ وَيَدْعُو بِهِنَّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (الكوفي، 1410هـ، 57-58؛ الكوفي، 1423هـ، 1: 621).
أول ما يميز هذه الرواية عن سائر الروايات في نفس الباب، هو توسل آدم (ع) بالنبي الخاتم (ص) وأهل بيته باستخدام مصطلح «الخمسة» للإشارة إليهم؛ ويبدو أن السياق الذي أتاح صدور هذه الرواية هو نزول آية «التطهير» (الأحزاب: 33) والكشف عن الإرادة الإلهية الخاصة باصطفاء محمد (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسنين (ع). إلا أن تفرد الرواية في الإشارة إلى هؤلاء الخمسة بعنوان «الخمسة» من بين مجموع روايات هذا الباب أمر يستدعي التأمل. بالإضافة إلى ذلك، يظهر البحث عن هذه الرواية في مصادر الفريقين أنها وردت في مصدرين تفسيري وحديثي زیدیين كوفيين، وهما تفسير فرات ومناقب محمد بن سليمان. ومن المعلوم أن الزيدية تولي «أهل البيت» منزلة خاصة، ورغم الاختلاف في بعض المصاديق والخصائص مع الإمامية، فإنهم يميزون مقام محمد (ص)، وفاطمة، وعلي، والحسنين (ع) عن سائر الأفراد (العمدي، 1427هـ، 203-207). ومن ناحية أخرى، كانت مدينة الكوفة بيئة تشكلت في فترة ما بعد النبوة (البلاذري، 1988م، 270) ومثيرة للجدل في نقل أحاديث النبي (ص) (الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 2: 435-436؛ الحاكم، 1400هـ، 111). بناءً على هذه المعطيات، فإن نسبة هذه الرواية إلى النبي الأكرم (ص) أمر يدعو للتأمل ويؤكد أهمية التحقق من أصالتها.
من هنا، تم إجراء دراسة اعتبار الرواية المذكورة بهدف الإجابة على الأسئلة التالية: 1- ما مدى اعتبار مصدر وسند ومتن هذه الرواية؟ 2- ما مدى تناسب هذه الرواية مع العقائد الزيدية والبيئة الكوفية؟ وللإجابة على هذه الأسئلة، تم توظيف مناهج دراسة الاعتبار في علم نقد الحديث، ومن خلال تحليل البيانات المستخلصة، تم بحث إمكانية ارتباطها بالعقائد الزيدية. وتجدر الإشارة إلى أنه – في حدود بحث الكاتب – لم يحظَ موضوع هذا المقال ببحث سابق، حيث إن الرواية المذكورة لم تُبحث بمنهج تحليلي-نقدي ومن منظور دراسة الاعتبار وإمكانية ارتباطها بالفرق الإسلامية؛ فالموارد القليلة التي استندت إليها كانت بمنهج إيجابي-وصفي يركز على مسألة التوسل، والتي ظهرت في بعض المصادر الحديثية تحت عنوان باب استحباب ولزوم التوسل بمحمد (ع) وآله (النوري، 1408هـ، 5: 238؛ الإسماعيلي، 1428هـ، 1: 118)، وفي بحوث أخرى ذُكرت ضمن أدلة جواز التوسل بشكل عام (السند، 1427هـ، 4: 299؛ رضائي أصفهاني، 1393ش، 141؛ الكاظمي، 1392ش، 97-98). كما استفادت بعض التفاسير من هذه الرواية بوضعها في تفسير «الكلمات» التي تلقاها آدم (ع) في الآية 37 من سورة البقرة (القمي المشهدي، 1368ش، 1: 380؛ البروجردي، 1416هـ، 5: 338).
2. المصادر؛ مسار انتقال الرواية واعتبارها
رواية توبة آدم (ع) بالتوسل بـ«الخمسة» نُقلت حصرًا في التفسير المنسوب إلى فرات الكوفي (حي في 307هـ) ومناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) لمحمد بن سليمان الكوفي (ت 322هـ) بطريقين وبفارق طفيف في المعنى. ثم أُهمل طريق محمد بن سليمان في المناقب، وظهر طريق فرات بعد غياب دام حوالي ثمانية قرون في بعض المجامع الحديثية الإمامية المتأخرة (المجلسي، 1403هـ، 26: 333؛ القمي المشهدي، 1368ش، 1: 381؛ النوري، 1408هـ، 5: 238؛ البروجردي، 1409هـ، 15: 250).
1-2. تفسير فرات
يُقاس اعتبار المصادر الروائية بناءً على عوامل مثل الشخصية العلمية للمؤلف، وشهرته، ومقبوليته لدى علماء مختلف العصور، وصحة نسبة الأثر إليه (الطباطبائي، 1390ش، 261-267). من هذا المنظور، يواجه اعتبار تفسير فرات الكوفي تحديات متعددة؛ فالمصادر الرجالية المتقدمة والمتأخرة، على الرغم من كثرة مشايخ فرات الكوفي، لم تترجم له (المسعودي، 1392ش، 26). والنجاشي الكوفي، رغم اهتمامه بعلماء الزيدية، لم يشر إليه (قبادي، 1389ش، 76). كما أن عدم نقل فرات عن المحدثين المعاصرين له – مثل علي بن إبراهيم والكليني – وعدم نقلهم عنه، يزيد من الغموض المحيط بشخصيته العلمية (نفس المصدر، 77). ومع ذلك، ورد اسمه في طرق روايات الصدوق (بواسطة)، والحاكم الحسكاني والشجري (ت 445هـ) (نفس المصدر، 80)، وذُكر تفسيره في شواهد التنزيل (الحسكاني، 1411هـ، 2: 279). بعد ذلك، غاب اسم فرات وتفسيره حتى القرن الحادي عشر، ثم عاد للظهور بذكر الشيخ الحر العاملي (ت 1107هـ) والعلامة المجلسي (ت 1111هـ) لتفسير فرات ضمن مصادرهما (الحر العاملي، 1409هـ، 3: 159؛ المجلسي، 1403هـ، 1: 37) والنقل المباشر من نسخته (موحدي محب، 1378ش، 36؛ قبادي، 1389ش، 82-83). ورغم أن أقدم نسخة موجودة من تفسير فرات – والتي يبدو أنها نسخة العلامة المجلسي نفسها – تعود إلى أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر (الكوفي، 1410هـ، 21-22).
2-2. مناقب محمد بن سليمان
«مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» من تأليف محمد بن سليمان، أحد محدثي الزيدية الكوفيين المعاصرين لفرات (ابن أبي الرجال، 1425هـ، 4: 313)؛ كان تلميذًا للهادي إلى الحق وقاضيًا من قِبَله، وقد أثنى عليه رجالیو الزيدية لعلمه ووثاقته (نفس المصدر)، وذكرت المصادر الببليوغرافية «المناقب» ضمن مؤلفاته (نفس المصدر؛ الشهاري، 1421هـ، 2: 971؛ بروكلمان، د.ت، 3: 21؛ الطباطبائي، 1417هـ، 569). أقدم نسخة موجودة منه كُتبت عام 1067هـ عن نسخة تعود إلى عام 567هـ، ولكن بالإضافة إلى عدم ذكر سند متصل إلى المؤلف، لم يُبيَّن طريق انتقالها من القرن السادس إلى الحادي عشر (الطباطبائي، 1417هـ، 572). لذلك، من منظور دراسة النسخ، فإن تأخر النسخة والجهل بطريق انتقالها يمنع الاطمئنان الكامل إلى النسخ الموجودة.
3-2. تقييم مصادر الرواية
وردت هذه الرواية حصرًا في مصدرين، منهما تفسير فرات الذي يفتقر إلى معايير اعتبار المصدر، بينما يتمتع مناقب محمد بن سليمان، رغم تحديات دراسة النسخ، باعتبار نسبي بناءً على شهرة نسبة الكتاب إليه في المراجع الزيدية وعدم وجود شك في أصالته. يبدو أنه بالنظر إلى تقارب زمن محمد بن سليمان وفرات، واشتراكهما في البيئة والمذهب وطريق الرواية، يمكن اعتبار نقل الرواية في المناقب مؤيدًا لما ورد في تفسير فرات، واستنتاج حضور الرواية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع بين الزيدية في الكوفة. ومع ذلك، وردت هذه الرواية حصرًا في مصدرين كوفيين زیدیين يركزان على الفضائل، ورغم قدم المصدرين وشيوع كتابة المناقب في القرنين السادس والسابع (غلامعلي، 1391ش، 2: 317)، لم تحظ باهتمام جامعي الأحاديث وكتّاب المناقب في القرون المتقدمة والوسطى. ورغم أنه يبدو أن تباعد المصادر الإمامية والزيدية عن بعضها البعض منذ القرن الرابع الهجري (فرجامي، 1394ش، 536) لعب دورًا في حصر الرواية في المصادر الزيدية، إلا أن وصول الروايات الزيدية إلى التراث الإمامي، خاصة في كتب الفضائل والأمالي (نفس المصدر، 396-398)، يمكن أن يكون دليلاً على تجاهل محدثي الإمامية المتعمد للرواية المذكورة في هذه المصادر.
3. الأسانيد
وردت الرواية المذكورة في المصدرين بطريقين مختلفين يشتركان في سليمان بن مهران الأعمش وطريقه؛ بعد رسم شبكة أسانيد الرواية، سيتم أولاً دراسة رجال القسم المختلف من الأسانيد بناءً على المبادئ الرجالية للفريقين، ثم يتم التعريف بالحلقة المشتركة وطريقها. تظهر شبكة أسانيد الرواية طريقين مختلفين يلتقيان عند سليمان بن مهران الأعمش. الطريق الأول يبدأ من فرات الكوفي عن محمد بن قاسم بن عبيد، ثم الحسن بن جعفر، ثم الحسين بن سواد، ثم محمد بن عبد الله، ثم شجاع بن وليد، وصولاً إلى الأعمش. والطريق الثاني يبدأ من محمد بن سليمان الكوفي عن محمد بن علي، ثم أحمد بن سليمان، ثم أبي سهل الواسطي، ثم وكيع بن الجراح، وصولاً إلى الأعمش. ومن الأعمش فصاعداً، يروي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي الأكرم (ص).
1-3. تقييم سند تفسير فرات إلى الأعمش
يضم سند فرات إلى الأعمش خمسة رواة، وهم كالتالي:
1. محمد بن قاسم بن عبيد: نقل عنه فرات الكوفي 27 رواية (قبادي، 1389ش، 440)، لكنه لم يُذكر في كتب الرجال (النمازي، 1414هـ، 7: 293).
2. الحسن بن جعفر: بالنظر إلى سائر أسانيد تفسير فرات (الكوفي، 1410هـ، 258)، فهو الحسن بن جعفر بن إسماعيل الأفطس، وهو من الرجال المهملين (النمازي، 1414هـ، 2: 361).
3. الحسين بن سواد: لا يمكن العثور على شخص بهذا الاسم في المصادر الرجالية، وبالنظر إلى نقله عن الحسن بن جعفر في أسانيد أخرى (الكوفي، 1410هـ، 258)، يبدو أن هناك تصحيفًا في اسمه، وأن الشخص الموجود في السند هو الحسين بن محمد بن سواء أو الحسين بن سوار. الحسين بن محمد بن سواء من الرواة المهملين. أما الحسين بن سوار، فلم يرد ذكره إلا في بعض المصادر الرجالية لأهل السنة بصيغتين: الجعفي، بوصف مجهول ويروي روايات منكرة (ابن حجر، 1390هـ، 2: 287؛ الذهبي، 1418هـ، 1: 265)، والحراني، بوصف متروك (نفس المصدر، 1: 264). على أي حال، المعلومات القليلة المتوفرة لا تقدم قرينة كافية للتعرف على الراوي المقصود في السند.
4. محمد بن عبد الله: هو محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي، من تلاميذ شجاع بن وليد (المزي، 1406هـ، 25: 567)، وهو ثقة (ابن حبان، 1393هـ، 9: 85؛ العجلي، 1405هـ، 2: 243؛ ابن أيوب، د.ت، 2: 714)، ثبت (الذهبي، د.ت، 2: 439؛ ابن حجر، 1415هـ، 2: 100)، ومأمون (المزي، 1406هـ، 25: 567).
5. شجاع بن الوليد: من أهل الكوفة (الذهبي، د.ت، 1: 328)، وقد وثقه البعض وعدّه صدوقًا (ابن أيوب، د.ت، 3: 1316؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9: 250)، بينما جرحه آخرون بوصف «لين الحديث»، و«ليس بالمتين» (ابن أيوب، د.ت، 3: 1316)، ووجود كذب في أحاديثه (العقيلي، 1418هـ، 2: 184). يرى بعض الباحثين الرجاليين أن نقل أصحاب الصحاح عنه (الذهبي، د.ت، 1: 328) وتعديل عدد من الرجاليين له دليل على وثاقته، ويعتبرون الرواية المزدوجة بالوثاقة والكذب من قبل يحيى بن معين، إلى جانب استجابة دعاء مشروط لشجاع بن الوليد بحقه، دليلاً على طعن موجه لأخبار فضائل أهل البيت (ص) (الأمين، د.ت، 7: 333). بالنظر إلى استخدام مصطلحات الجرح الخفيفة (الغوري، 1428هـ، 3: 81، 103)، وتعليلها ببعض الأخبار المنكرة في فضائل العرب (ابن أيوب، د.ت، 3: 1316)، والتقارير المزدوجة ليحيى بن معين، يمكن استنتاج وثاقته.
2-3. تقييم سند المناقب إلى الأعمش
يتكون سند المناقب إلى الأعمش من 4 رواة، وهم كالتالي:
1. محمد بن علي وأحمد بن سليمان: كلاهما مشترك بين عدة رواة، ولا توجد قرينة لتحديد الشخص المقصود في السند.
2. أبو سهل الواسطي: بناءً على طبقته، يبدو أنه صباح بن سهل من أهل الكوفة (ابن حجر، 1390هـ، 3: 179)، وهو شخص ضعيف ومنكر الحديث (البخاري، 1406هـ، 63؛ العقيلي، 1418هـ، 2: 212).
3. وكيع بن الجراح: هو محدث كوفي ومن أهم رواة الأعمش (ابن معين، د.ت، 1: 276). لم يتطرق الرجاليون الإماميون إلى ترجمته، لكن غالبية الرجاليين من أهل السنة وصفوه بأنه ثقة، ومطبوع الحفظ، وثبت (المزي، 1406هـ، 30: 473-482؛ العزيزي، 1430هـ، 2: 439-444). لم يختلط بالسلطة (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 1: 223)، واعتذر عن قبول منصب القضاء من قبل الحاكم (ابن عساكر، 1415هـ، 63: 82). تُعتبر آراؤه قريبة من معتقدات الزيدية (فرجامي، 1394ش، 355). وتشير مضامين رواياته إلى اهتمامه بفضائل علي (ع) وذم مخالفيه (النمازي، 1414هـ، 8: 104)، حتى أنه يُنسب إليه كتاب في فضائل الصحابة قدّم فيه مناقب علي (ع) على مناقب عثمان (الذهبي، 1413هـ، 9: 154).
3-3. دراسة اعتبار الأعمش وطريقه
الأعمش هو ناشر هذه الرواية عن طريق أبي صالح المنفرد عن ابن عباس عن النبي الأكرم (ص). لذلك، فإن وثاقته ومدى اعتباره في نقل الحديث يلعبان دورًا حاسمًا في اعتبار سند الرواية.
1-3-3. التعريف بسليمان بن مهران الأعمش
كان من تلاميذ الإمام الصادق (ع) (الطوسي، 1373ش، 215)، ومن التابعين الشيعة من أصل إيراني في الكوفة (العجلي، 1405هـ، 1: 432-434). ومع ذلك، لم يولِ الرجاليون الإماميون المتقدمون اهتمامًا كبيرًا بترجمته، ووصفه في بعض المصادر الرجالية الإمامية المتأخرة غالبًا ما يكون مصحوبًا بتوثيقه (المامقاني، 1431هـ، 33: 287-296؛ النمازي، 1414هـ، 4: 150). كما وثقه معظم الرجاليين من أهل السنة (العجلي، 1405هـ، 1: 434)، واعتبروه ثبتًا (نفس المصدر؛ المزي، 1406هـ، 12: 92)، وصحيح الحفظ (ابن حجاج، 1412هـ، 1: 6؛ المزي، 1406هـ، 12: 85). وقد أطلقوا عليه لقب «سيد المحدثين» (الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9: 12)، وكان له دور بارز في ضبط الأسانيد ونشرها في الكوفة (نفس المصدر؛ المزي، 1406هـ، 12: 87)، وكانت أحاديثه معتبرة بين الكوفيين (الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9: 11-12) وحتى أهل المدينة (ابن سعد، د.ت، 6: 343). وقد عُرف بالزهد (الأصفهاني، د.ت، 5: 46) وعدم اكتراثه بالأغنياء والسلاطين (المزي، 1406هـ، 12: 88). من ناحية أخرى، اعتبر البعض أحاديثه مضطربة، ورأوا أنه سبب دخول الفساد إلى حديث الكوفة (الذهبي، 1382هـ، 2: 224). أهم نقد موجه لروايته هو وقوع التدليس في أحاديثه (ابن حبان، 1411هـ، 179؛ ابن حجر، د.ت، 33)، وهو ما يعتقد بعض الباحثين الرجاليين أنه كان عن راوٍ مدلس غير متعمد (الذهبي، 1382هـ، 2: 224)، وأن أسانيده التي تستخدم صيغة «حدثنا» – كما في الرواية قيد البحث – تكون مصونة من التدليس (نفس المصدر، 225). اشتهر الأعمش بكثرة نقل فضائل علي (ع)، وسار في هذا الطريق بلا خوف (المامقاني، 1431هـ، 33: 291-296؛ الشوشتري، 1410هـ، 5: 297-298)، حتى أن مخالفيه نبذوه بوصف الرافضي (الكوفي، 1410هـ، 376)، وتعرض للنقد والتهديد (ابن المغازلي، 1426هـ، 237-245؛ الحسكاني، 1411هـ، 2: 261-262). كما نُسب إليه تأليف في مناقب علي (ع) (آقا بزرك الطهراني، 1403هـ، 22: 321؛ الطباطبائي، 1417هـ، 551). وقد عدّته بعض المصادر الزيدية – رغم عدم مشاركة الأعمش في ثورات زيد (الذهبي، 1413هـ، 6: 234) – من كبار الزيدية، ومن رواة زيد (العلوي، 2003م، 71-72)، ومن المبايعين له (وجيه، 2001م، 182).
2-3-3. دراسة اعتبار طريق الأعمش
بالنظر إلى تواتر طريق الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس في أسانيد روايات فضائل علي (ع) (على سبيل المثال: ابن مردويه، 1424هـ، 272؛ الحسكاني، 1411هـ، 1: 147، 499، 2: 475؛ ابن شهرآشوب، 1379هـ، 1: 299؛ 2: 29، 187، 235؛ 3: 226، 270، 319)، يبدو أن طريق الأعمش هو طريق معروف في موضوع فضائل علي (ع). ويتم بحث اعتبار رواة طريق الأعمش فيما يلي:
1. أبو صالح باذام: باذام من تابعي الكوفة (البخاري، د.ت، 2: 144)، وصاحب تفسير (ابن قتيبة، 1992م، 479). وقد ضعّفه بعض الرجاليين (البخاري، 1406هـ، 27؛ النسائي، 1406هـ، 158؛ ابن حبان، د.ت، 1: 185)، واعتبروه كذابًا (البخاري، د.ت، 2: 144؛ العقيلي، 1418هـ، 1: 165)، ومدلسًا (ابن حبان، د.ت، 1: 185؛ ابن حجر، د.ت، 60). بينما وثّقه آخرون (العجلي، 1405هـ، 1: 242؛ ابن أبي حاتم، 1371هـ، 2: 423). في تبرير هذا التناقض، يرى بعض الباحثين أن التقارير التي تجرحه ناتجة عن إظهاره للولاء والتفاني لأهل البيت (ص) (على سبيل المثال: الحسكاني، 1411هـ، 1: 147، 449؛ 2: 473، 475؛ ابن شهرآشوب، 1379هـ، 2: 29، 235، 3: 204، 226)، ويعتبرون رواية بعض الثقات عنه، وتفرّد ابن حبان في اتهامه بالتدليس (معرفت، 1418هـ، 1: 292-293)، ووجود رواياته في بعض الصحاح، نافيًا لتضعيفه (سلمان زاده وربيع نتاج، 1398ش، 61-62).
2. ابن عباس: صحابي للنبي (العصفري، 1414هـ، 507)، أقام في الكوفة فترة (أبو الفرج الأصفهاني، د.ت، 62). نظر إليه الرجاليون من أهل السنة بعين الوثاقة والفقه (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 5: 116؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 1: 185)، ولم يذكروه إلا بألفاظ المدح (زرين كلاه وآخرون، 1398ش، 243). وفي الآثار الرجالية الشيعية، أُثني عليه لولائه واستقامته في سبيل ذلك (ابن داود، 1342ش، 208؛ الحلي، 1381ش، 275). لكن الكشي نقل بعض الروايات التي تجرحه بمضمون سرقة أموال البصرة وذمه، من خلال تطبيق مفاهيم ذميمة من الآيات عليه (الكشي، 1348ش، 1: 53-55 و 60). التحليل النقدي للأخبار المتناقضة حوله يرجح أخبار المدح لضعف أخبار القدح واحتمال وقوع الجعل فيها (الشوشتري، 1410هـ، 6: 421-491؛ الخرسان، 1437هـ، 18: 232-284؛ العاملي، 1396ش، 29-69). كما أن مجمل أحواله القولية (نفس المصدر، 21: 301-365؛ زرين كلاه وآخرون، 1397ش، 263) والسلوكية (رباط جزي، 1387ش، بأكملها) تعزز احتمال جعل أخبار ذمه بسبب تفانيه لأهل البيت (ص) ودفاعه الصريح عنهم (الشوشتري، 1410هـ، 6: 441، 443 و 449؛ الخوئي، 1413هـ، 10: 238).
4-3. تقييم أسانيد الرواية
نتيجة التقييم الرجالي لأسانيد الرواية قيد البحث، تُظهر ضعف كلا السندين بناءً على آراء الرجاليين المتأخرين؛ وجود ثلاثة رواة مهملين والغموض المحيط بفرات الكوفي يبرز ضعف سنده. كما أن سند المناقب يضم راويين مجهولين وراويًا ضعيفًا ومنكر الحديث، مما يؤدي إلى تضعيف السند.
4. دراسة اعتبار متن الرواية
إن توافق المصطلحات المستخدمة في متن الرواية مع زمن صدورها هو أحد جوانب النقد التاريخي للمتن. بناءً على متن الرواية المذكورة، يُطلع النبي الأكرم (ص) معاصريه على كيفية توبة آدم (ع). وبحسب قوله، فإن جبريل دعا آدم إلى قول عبارة «رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ تُخْرِجُهُمْ مِنْ صُلْبِي آخِرَ الزَّمَانِ إِلَّا تُبْتَ عَلَيَّ وَرَحِمْتَنِي». يبدو أنه بالنظر إلى الظروف التاريخية لعصر النبي والتحديات التي واجهها، فإن استخدام وشيوع مصطلح «الخمسة» في العهد النبوي أمر مشكوك فيه ويحتاج إلى تحقيق.
1-4. دراسة رواج استخدام «الخمسة» في العصر النبوي
نزول آية «التطهير» في سياق «واقعة الكساء»، عرّف النبي (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين (ع) بأنهم «أهل البيت» للمسلمين، وجعلهم الخمسة الذين حظوا بعناية إلهية خاصة. يُظهر استعراض الروايات المتعلقة بهذه الآية في مصادر الفريقين استخدام مصطلح «أهل البيت» وبدائله مثل «الأهل» و«الآل» و«العترة» لهم (الحسكاني، 1411هـ، 2: 18-140؛ محمدي ري شهري، 1391ش، 9: 231-247 و 260-306). في تتمة البحث، سندرس استخدام مصطلح «الخمسة» كصفة مشيرة إلى هؤلاء الأفراد في كلام النبي والصحابة.
1-1-4. دراسة اعتبار الشواهد المنسوبة إلى النبي (ص)
في نطاق بحث الكاتب في تراث القرون الخمسة الأولى الهجرية، استُخدم تعبير «الخمسة» في أربع روايات منسوبة إلى النبي الأكرم (ص)، وسيتم تقييم اعتبارها في ما يلي. وتجدر الإشارة إلى أن تسمية الروايات تمت بناءً على راويها عن النبي (ص) وترتيبها حسب سنة وفاة الرواة.
1-1-1-4. رواية أبي هريرة
بناءً على هذه الرواية، يخبر النبي (ص) عن أولى مشاهدات آدم (ع) بعد خلقه. فقد رأى خمسة أشباح نورانية في حالة عبادة وطلب من الله أن يعرفه بهم: «أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الصَّالِح جَمَالُ الدِّين أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِمَذْكُوَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ وغَيْره إِجَازَة بروايتهم عن الإمام إِمَامُ الدِّين أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّافِعِيُّ الْقَزْوِينِيُّ إِجَازَةِ قَالَ: أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ الْعَالِم عَبْدُ الْقَادِرِ بْنِ أَبِي صَالِحِ الْجِيلِي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى السَّقَطِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْمُظَفَّرِ هَنَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّسَفِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بتكريت قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرْحَانِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ الْتَفَتَ آدَمُ يَمْنَةَ الْعَرْشِ فَإِذَا فِي النُّورِ خَمْسَةُ أَشْبَاحٍ سُجَّداً وَرُكَّعاً قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ هَلْ خَلَقْتَ أَحَداً مِنْ طِينٍ قَبْلِي قَالَ لَا يَا آدَمُ قَالَ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ الَّذِينَ أَرَاهُمْ فِي هَيْئَتِي وَصُورَتِي؟ قَالَ هَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ مِنْ وُلْدِكَ لَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ هَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ شَقَقْتُ لَهُمْ خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَائِي لَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَلَا النَّارَ وَلَا الْعَرْشَ وَلَا الْكُرْسِيَّ وَلَا السَّمَاءَ وَلَا الْأَرْضَ وَلَا الْمَلَائِكَةَ وَلَا الْجِنَّ وَلَا الْإِنْسَ. فَأَنَا الْمَحْمُودُ وَهَذَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا الْعَالِي وَهَذَا عَلِيٌّ وَأَنَا الْفَاطِرُ وَهَذِهِ فَاطِمَةُ وَأَنَا ذُو الْإِحْسَانِ وَهَذَا الْحَسَنُ وَأَنَا الْمُحْسِنُ وَهَذَا الْحُسَيْنُ آلَيْتُ بِعِزَّتِي أَنَّهُ لَا يَأْتِينِي أَحَدٌ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ بُغْضٍ أَحَدِهِمْ إِلَّا أَدْخَلْتُهُ نَارِي وَلَا أُبَالِي يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ صَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي بِهِمْ أُنْجِيهِمْ وَبِهِمْ أُهْلِكُهُمْ فَإِذَا كَانَ لَكَ إِلَيَّ حَاجَةٌ فَبِهَؤُلَاءِ تَوَسَّلْ. فَقَالَ النَّبِيُّ (ص): نَحْنُ سَفِينَةُ النَّجَاةِ مَنْ تَعَلَّقَ بِهَا نَجَا وَمَنْ حَادَ عَنْهَا هَلَكَ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ فَلْيَسْأَلْ بِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (الحموي الجويني، 1398هـ، 36-37). مصدر هذه الرواية هو فرائد السمطين (ت 722هـ)، والذي لا يمكن الاعتماد عليه بسبب تفرده وتأخره وشهرة مؤلفه بالتصوف (الذهبي، د.ت، 4: 1506)، نظرًا لتساهل المتصوفة في نقل الروايات (أبو طالب المكي، 1417هـ، 1: 313-317). كما أن استخدام مصطلح «التوسل» المتأخر (مهروش، 1389ش، 170-172) يثير الشك في نسبة هذه العبارات إلى النبي. ورغم وجود صيغة متقدمة لهذه الرواية بطريق مختلف لا يحتوي على تعبير «الخمسة» (ابن حيون، 1409هـ، 2: 500؛ الراوندي، 1409هـ، 44)، إلا أن ذلك يطرح احتمال إضافته في فرائد السمطين.
2-1-1-4. رواية أم سلمة
في رواية مرسلة عن أم سلمة حول آية التطهير، نشهد أيضًا استخدام مصطلح «الخمسة»؛ فبناءً عليها، واجهت أم سلمة في طلبها الإذن بالالتحاق بحلقة أهل البيت (ع) رد النبي (ص) باختصاص هذا المقام بالخمسة: «فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْجُعْفِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [ص] جَلَّلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ بِكِسَاءٍ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَنَصَبَهَا عَلَى الْكِسَاءِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ كَمَا أَذْهَبْتَ عَنْ [آلِ] إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَطَهِّرْهُمْ مِنَ الرِّجْسِ كَمَا طَهَّرْتَ آلَ لُوطٍ وَآلَ عِمْرَانَ وَآلَ هَارُونَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا [أَلَا] أَدْخُلُ مَعَكُمْ قَالَ إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ وَإِلَى خَيْرٍ وَإِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ [رَسُولِ اللَّهِ] وَاللَّهُ أَمَرَنِي بِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ خَصَّهُمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِيرَاثاً مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ يَرْفَعُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَأُدْخِلُوا فِي دَعْوَتِنَا فَدَعَا لَهُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ ص حِينَ أُمِرَ أَنْ يُجَدِّدَ دَعْوَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ [ع] قَالَتْ بِنْتُهُ سَمِّيهِمْ يَا أُمَّهْ قَالَتْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ الْحُسَيْنُ» (الكوفي، 1410هـ، 337). إلا أن استخدام هذه العبارة لتحديد أهل البيت من خصائص تفسير فرات الكوفي، ولا يُلاحظ في سائر الروايات المنقولة عن أم سلمة في تفسير فرات وغيره من المصادر (نفس المصدر، 333-336؛ الحسكاني، 1411هـ، 2: 85-134). وليس ببعيد أن تكون هذه القراءة مرتبطة بعقيدة فرات الكوفي بعصمة الخمسة كمصاديق خاصة لأهل البيت في آية التطهير (الكوفي، 1410هـ، 339-340، 402). فمثل هذه التصرفات ليست غريبة بين الرواة الزيدية (فرجامي، 1394ش، 117-118).
3-1-1-4. رواية أنس بن مالك
بناءً على هذه الرواية، وبأمر من النبي (ص)، تاب آدم (ع) بالقسم بحق «الخمسة» – الذين أدرك منزلتهم عند رؤية أسمائهم على العرش وقت الخلق -: «حدث أبان عن أنس أنه قال: قال رسول الله (ص): لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ (ع) نَظَرَ إِلَى سُرَادِقِ الْعَرْشِ فَرَأَى عَلَيْهِ مَكْتُوباً: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَأَسْمَاءً أَرْبَعَةً. فَقَالَ آدَمُ خَلَقْتَ إِلَهِي خَلْقاً مِنَ الْإِنْسِ قَبْلِي؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: يَا رَبِّ فَمَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَرَاهَا؟ قَالَ: يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ خِيرَتِي مِنْ خَلْقِي، هَؤُلَاءِ صَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي، يَا آدَمُ لَوْلَا هَؤُلَاءِ مَا خَلَقْتُكَ، يَا آدَمُ لَوْلَا هَؤُلَاءِ مَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، إِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ. فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ (ع) مِنَ الشَّجَرَةِ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَالَ الْخَطِيئَةَ قَالَ فِي تَوْبَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ إِلَى رَبِّهِ: إِلَهِي بِحَقِّ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ رَأَيْتَهُمْ وَرَأَيْتَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى سُرَادِقِ الْعَرْشِ إِلَّا غَفَرْتَ لِي. فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي سَابِقِ عِلْمِي فِيكَ. فَقَالَ آدَمُ: بِحَقِّ الْمَغْفِرَةِ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنِي مِنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ شَقَقْتُ لَهُمْ خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَائِي الْعِظَامِ، فَأَنَا الْمَحْمُودُ وَهَذَا أَحْمَدٌ وَأَنَا الْعَالِي وَهَذَا عَلِيٌّ وَأَنَا الْفَاطِرُ وَهَذِهِ فَاطِمَةُ وَأَنَا الْمُحْسِنُ وَهَذَا الْحَسَنُ وَأَنَا الْحِسَانُ وَهَذَا الْحُسَيْنُ» (ابن حاتم الشامي، د.ت، 763). وردت هذه الرواية لأول مرة في كتاب «الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم» لابن حاتم الشامي (ت 664هـ) بشكل معلق، ثم في «غاية المرام» للبحراني (ت 1107هـ) بسند كامل (البحراني، د.ت، 32)[3]. بصرف النظر عن تفرد المصدر وتأخره، فإنها تتضمن تحذير آدم من الحسد تجاه مقام أهل البيت، وهو مفهوم متأخر عن العصر النبوي؛ إذ يُظهر البحث عن سابقة استخدام هذا المفهوم في تراث القرون الخمسة الأولى الإسلامية استخدامه المحدود والمتناثر بعد القرن الأول الهجري. فقد لوحظ لأول مرة في كلام منسوب إلى الإمام الصادق (ع) (الصدوق، 1403هـ، 109)، ثم الإمام الرضا (ع) (الصدوق، 1378هـ، 1: 307)، والإمام الهادي (ع) (ابن شعبة الحراني، 1402هـ، 476؛ العياشي، 1380هـ، 2: 9)، ولا يوجد شاهد على حضور هذا المفهوم في العصر النبوي، مما لا يسمح بالاعتماد على نسبة هذه الرواية إلى النبي (ص).
4-1-1-4. رواية أبي سعيد الخدري
تدعي هذه الرواية أن النبي (ص) عرّف مصداق «العالين» في آية «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ» (ص: 75) بـ«الخمسة» الذين كُتبت أسماؤهم على سرادق العرش: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِإِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ فَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ كُنَّا فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ إِلَّا إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ أَبَى وَلَمْ يَسْجُدْ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ عَنَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ فَنَحْنُ بَابُ اللَّهِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ بِنَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدِي فَمَنْ أَحَبَّنَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَمَنْ أَبْغَضَنَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَأَسْكَنَهُ نَارَهُ وَلَا يُحِبُّنَا إِلَّا مَنْ طَابَ مَوْلِدُهُ» (الصدوق، د.ت، 8). مصدر هذه الرواية هو «فضائل الشيعة» للشيخ الصدوق (ت 381هـ)، ولم يُرَ في سائر المجامع الحديثية للفريقين حتى ظهر في بعض المجامع الأخبارية الشيعية مثل «تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة» للاسترآبادي (ت 940هـ) (الاسترآبادي، 1409هـ، 497). إن بيان مثل هذا المعنى لـ«العالين» – باستثناء هذه الرواية – يفتقر إلى سابقة في التراث الشيعي والسني، مما يجعل صدوره عن النبي موضع شك.
2-1-4. دراسة اعتبار الشواهد المنسوبة إلى الصحابة
في حدود بحث الكاتب، من بين الأقوال المنسوبة إلى الصحابة ومعاصري النبي (ص)، لم يشر إلى استخدام معرفة «الخمسة» في كلام الله إلا نقل عن السيدة فاطمة (س) في مقطع «فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا مَلَائِكَتِي وَيَا سُكَّانَ سَمَاوَاتِي، إِنِّي مَا خَلَقْتُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً، وَلَا أَرْضاً مَدْحِيَّةً، وَلَا قَمَراً مُنِيراً، وَلَا شَمْساً مُضِيئَةً، وَلَا فَلَكاً يَدُورُ، وَلَا بَحْراً يَجْرِي، وَلَا فُلْكاً يَسْرِي، إِلَّا فِي مَحَبَّةِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ الْكِسَاءِ» (الطريحي، 1424هـ، 254) من الرواية المعروفة بـ«حديث الكساء». لكن هناك انتقادات متعددة مصدرية وسندية ومتنية على هذه الرواية، مثل تفردها في مصدر متأخر وغير معتبر، وفقدان السند في المصدر الأولي، وكون السند المزعوم في المصادر اللاحقة مخدوشًا، وعدم توافقها مع سائر الروايات المعتبرة في باب واقعة الكساء (محمدي ري شهري، 1391ش، 9: 249-259)، بالإضافة إلى الإنشاء الضعيف غير الفصيح والأسلوب غير الملائم (صالحي نجف آبادي، 1390ش، 102)، مما يمنع الاطمئنان إلى صدور هذه الكلمات في العصر النبوي.
3-1-4. تحليل وتقييم شواهد استخدام «الخمسة» في العصر النبوي
كما مر، لا يمكن نسبة أي من الروايات التي تتضمن مصطلح «الخمسة» إلى كلام رسول الله (ص) ومعاصريه. والنقطة الجديرة بالاهتمام في هذه الروايات هي تعريف وتقديم شرح حول هؤلاء الخمسة، مما يدل على عدم استقرار هذا المصطلح للإشارة إلى محمد (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسنين (ع) وقت صدور هذه الروايات، ويُعد محاولة لترسيخ خطاب حولهم. علاوة على ذلك، فإن البحث عن نماذج لاستخدام «الخمسة» في كلام النبي يكشف عن وجود صراع خطابي وتقابل تيارات حول مصاديق «الخمسة» ومحاولة مصادرة هذا المصطلح لصالح تيار الخلفاء؛ ففي رواية منسوبة إلى النبي (ص)، طُرح توسل آدم (ع) بمحمد (ص)، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (ع) كخمسة شفعاء فضلاء في قبول توبته (محب الطبري، د.ت، 1: 51). إن عدم كفاية البيانات حول تشكل خطاب «الخمسة» في العصر النبوي والشك في استخدامه في كلام النبي (ص)، وحاجة مخاطبي الروايات التي تحتوي على مصطلح «الخمسة» إلى توضيح، وظهور تحدي الخلافة بعد وفاة النبي (ص)، كلها تشكل أرضية لجعل روايات لصالح الخلفاء، مما يدل على عدم استقرار هذا المصطلح لأصحاب الكساء في العصر النبوي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل لا ينفي المنزلة الخاصة لأهل البيت، واصطفاءهم الإلهي، وإبلاغ ذلك إلى مجتمع المسلمين في عصر النبي (ص)، بل يستبعد تسميتهم بـ«الخمسة» في العصر النبوي.
4-1-4. مسار استخدام «الخمسة» في عصر ما بعد النبوة
يُظهر استقراء التراث الإسلامي في القرون الأولى تواتر استخدام «الخمسة» في فترة الإمام الصادق (ع) (العياشي، 1380هـ، 1: 41؛ الكليني، 1429هـ، 4: 550؛ ابن حيون، 1385هـ، 1: 37؛ المجلسي، 1403هـ، 6: 193، 91: 307). وقد ظهرت فرقة «المُخَمِّسة» الغالية، القائمة على فكرة «الخمسة» بزعامة أبي الخطاب، في هذا العصر. ورغم أن فكر المخمسة – الذي يقول بظهور الله في محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين (ع) (الأشعري القمي، 1360ش، 56) – يختلف عن مضمون الرواية الحالية، إلا أن اسم هذه الفرقة يدل على معرفة النبي (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسنين (ع) بعنوان «الخمسة»، ويشير إلى شيوعه في القرن الثاني. بعد ذلك، نلاحظ تسمية كتاب عبد العزيز الجلودي (ت 332هـ) بـ«ما نزل في الخمسة» (النجاشي، 1365ش، 241) دون توضيح، مما يبدو أنه دليل على استقرار هذا المصطلح في عصره. بناءً على ما سبق، فإن استقراء تراث الفترة المتقدمة للمسلمين لا يؤدي إلى بناء الثقة في نسبة هذه الرواية بهذه العبارات والمصطلحات إلى النبي (ص)، وتفردها يطرح احتمال النقل بالمعنى، وهو ما يفشل أيضًا.
5. الصلة بالعقائد الزيدية
يبدو أن استعراض النتائج المستخلصة من الدراسة الثلاثية للمصدر والأسانيد والمتن، يقودنا إلى مؤشرات على دور الزيدية والبيئة الكوفية في نقل ونشر الرواية قيد البحث؛ فقد علمنا أن الرواية المذكورة بهذه الصيغة تفردت في مصدرين زیدیين كوفيين، ثم لم تشع في بيئات حديثية أخرى. والرواة المعروفون فيها جميعهم كوفيون. وأسانيد الرواية المزدوجة تشترك في الأعمش وطريقه. وموضوع الرواية هو فضيلة النبي الأكرم (ص) وأهل بيته، وقد ذكرتهم بعنوان خاص هو «الخمسة». والآن سنقوم بإعادة تقييم ارتباط هذه البيانات بالزيدية.
1-5. الكوفة؛ منشأ الزيدية
كانت مدينة الكوفة عند تأسيسها مزيجًا من السكان المحليين والمهاجرين والموالي من أقوام عربية ونبطية وإيرانية وسريانية يعتنقون اليهودية والمسيحية (اليعقوبية والنسطورية) والإسلام (المخزومي، 1377هـ، 7-9). وكان للموالي المسلمين الجدد جذور يهودية ومسيحية وزرادشتية ومانوية (هالم، 1394ش، 26-27). بعد استقرار الحكم، بدأت الطائفية بين المسلمين مع ثورة الخوارج (رجبي، 1397ش، 491)، وأصبحت الكوفة مكانًا لتشكل الفرق الدينية الداخلية، ومنها الزيدية (مادلونغ، 1381ش، 140). إن الالتفات إلى تاريخ مدينة الكوفة يمكن أن يساعد في تبيين سبب نقل ونشر الرواية قيد البحث في البيئة الحديثية الكوفية، ويوفر مدخلاً لتحليل عددي لتفرد المصادر الزيدية في تسمية محمد (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسنين (ع) تحت عنوان «الخمسة»؛ وتوضيح ذلك أن مركزية التشيع في الكوفة (فياض، 1382ش، 79) وتأسيس الزيدية فيها، يبرر تناسب نقل الرواية المذكورة في المصادر الزيدية ومجال نشرها في الكوفة. كما أن النسيج الثقافي والديني المتعدد في الكوفة هيأ أرضية للتفاعل بين المسلمين والمسلمين الجدد ومعتنقي الديانات الأخرى، ومكّن المسلمين من التعرف على الجانب الرمزي للأعداد في الثقافات المختلفة؛ فقد كان العدد خمسة منذ العصور القديمة في ثقافات مختلفة، منها اليونانية والمسيحية والمانوية والزرادشتية، عددًا رمزيًا مقدسًا وملهمًا لمفاهيم مثل الحب والوصل والائتلاف والتمرد (شيمل، 1388ش، 117-132؛ نورآقايي، 1388ش، 65-70؛ حسيني شكرائي، 1390ش، 156-163). على أي حال، حتى يتم التوصل إلى أدلة موثقة على معرفة محدثي الزيدية في الكوفة بالمعاني الرمزية للأعداد واستخدامها في إيصال معانٍ طائفية، لا يمكن ادعاء استغلال رمزي للعدد خمسة في عنوان «الخمسة» من قبل الزيدية، ولكن يمكن النظر بعين الاعتبار إلى قدرة البيئة الكوفية في هذا المجال، وجعلها مادة لأبحاث رمزية حديثية-فرقية.
2-5. صلة الأعمش بالزيدية
كما مر، كان الأعمش من المحدثين البارزين والمؤثرين في البيئة الحديثية الكوفية. وقد أولاه الزيدية اهتمامًا، ورغم الشواهد التاريخية التي تدل على عدم مشاركته في ثورات زيد، فقد سعوا إلى اعتباره زيديًا أو إعلان ميله إلى الزيدية. يبدو أن عدم اكتراث الأعمش بالحكام، وشهرته، ومنهجه في محبة أهل البيت، واهتمامه بنقل فضائلهم، قد هيأ أرضية لاهتمام الزيدية به، حتى أن روايات المناقب كانت من الأنواع التي حظيت باهتمام الزيدية، وتُعد من منافذ وصول أفكار الزيدية إلى التراث الإمامي (فرجامي، 1394ش، 57، 396).
3-5. أهل البيت في منظور الزيدية
كان «أهل البيت» يتمتعون بمنزلة خاصة لدى الزيدية. ورغم وجود قرائن على تمايزهم عن الإمامية في بعض المصاديق والنطاق (نفس المصدر، 456-460)، إلا أن شواهد متعددة تشير إلى الدور البارز للخمسة أهل الكساء في الفكر الزيدي وتمييزهم عن سائر مصاديق أهل البيت؛ فالزيدية تعتبر الخمسة أهل الكساء المصداق الخاص لآية التطهير (الدرسي الحمزي، 1422هـ، 224-242؛ الهاروني، 1422هـ، 167، 170، 192؛ القرشي، 1407هـ، 1: 121-122؛ الصعدي، 1422هـ، 57-58)، والمصطفين المختارين من الله، ومقر الرسالة، ومحط نزول الملائكة (الجرار، 1385ش، 100-101؛ الجرار، 1384ش، 29)، والمتمتعين بمقام العصمة (المنصور بالله، 1424هـ، 1: 459؛ ابن بدر الدين، 1422هـ، 406).
4-5. تحليل صلة الرواية بالعقائد الزيدية
بالنظر إلى الظروف الثقافية-الدينية للكوفة، وأهمية الأعمش للزيدية، والدور الفريد لأصحاب الكساء بين أهل البيت من منظور الزيدية، واستخدام رمزية بعض الأعداد لتحقيق أهداف تيارات سياسية-دينية في بعض الروايات (يازيگي، 1393ش، 84-87)، إلى جانب وجود نماذج في النقل بالمعنى لأهل البيت أو أسمائهم بـ«الخمسة» في روايات المصادر الزيدية، فإن تفرد الرواية في مصدرين زیدیين كوفيين أمر مبرر. كما أن احتمال استغلال زيدية الكوفة لاعتبار الأعمش في سبيل ترويج وتثبيت أفكارهم حول محور «الخمسة» لا يبدو بعيدًا.
6. الاستنتاج
1- رواية توبة آدم (ع) بالتوسل بـ«الخمسة» وردت فقط في مصدرين تفسيري ومناقبي، منهما تفسير فرات الذي يفتقر إلى معايير الاعتبار المصدري بسبب عدم شهرة الكتاب والمؤلف بين المتقدمين وفقدان طريق معتبر، بينما يتمتع كتاب المناقب لمحمد بن سليمان باعتبار نسبي رغم تحديات دراسة النسخ. لكن الرواية المذكورة، رغم قدم مصادرها وشيوع كتابة المناقب في القرون الوسطى، لم تحظ باهتمام جامعي الحديث وكتّاب المناقب.
2- الرواية قيد البحث لها طريقان متصلان، لكنها تُقيّم بالضعف بسبب وجود رواة مجهولين وضعفاء من منظور الرجاليين المتأخرين.
3- استخدام مصطلح «الخمسة» في متن الرواية، بالنظر إلى تحديات فترة النبي (ص) وصدر الإسلام، أمر يدعو للتأمل؛ فاستخراج وجمع شواهد استخدام «الخمسة» في الآثار المنسوبة إلى النبي (ص) والصحابة يُظهر استخدامه المحدود، لكن نتيجة التحقق من أصل هذه الموارد القليلة تظهر عدم الاطمئنان إلى صدورها عنهم. إن استخدام هذا المصطلح يضع اعتبار متن الرواية موضع شك.
4- رواية «توبة آدم بالتوسل بـ«الخمسة» نُقلت فقط في مصدرين زیدیين كوفيين وعن طريق رواة كوفيين. كما أن لغة متن الرواية، باستخدام مصطلح «الخمسة»، تُميز هذه الرواية عن سائر الأحاديث من نفس الفئة. إن هذه النقاط، بالنظر إلى الظروف الثقافية-الدينية للكوفة، وصلة الزيدية بالأعمش كحلقة مشتركة في الروايات، والمنزلة الفريدة لأصحاب الكساء بين أهل البيت من منظور الزيدية، ووجود نماذج في النقل بالمعنى لأهل البيت أو أسمائهم بـ«الخمسة» في روايات المصادر الزيدية، تحكي عن ارتباط نقل ونشر هذه الصيغة من الرواية بزيدية الكوفة.
أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ الفاضل السيد علي موسوي نجاد على توجيهاته القيمة التي استفدت منها خلال إنجاز هذا البحث.
الهوامش
1. أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة طهران، فرع فارابي. ali.rad@ut.ac.ir
2. طالبة دكتوراه في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة طهران، فرع فارابي (المؤلف المسؤول). p.ataei72@yahoo.com
3. عن القاسم بن الحسن، عن أبيه الحسن، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي بن العباس، عن أبان عن أنس قال رسول الله (ص) (البحراني، د.ت، 32).