دراسة إمكانية جواز إكراه المتهم على الإقرار وتبيين نطاقه من منظور الفقه الإمامي

المستخلص

من الموضوعات المتعلقة بكشف الحقيقة في الوقائع الإجرامية هو انتزاع الإقرار من المتهمين، وهو ما يمكن أن يتم بأساليب مختلفة. والمقصود بهذه الأساليب هو الأفعال التي يصاحبها تعذيب جسدي أو نفسي للمتهم. ظاهر بعض الأدلة يرشد إلى جواز انتزاع الإقرار من المتهم. هذا التصور يثير شبهة التعارض بين بعض الأحكام الإسلامية والمفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان العالمية. توصل هذا البحث، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي والاستناد إلى المصادر المكتبية، إلى نتيجة مفادها أن لسان الأدلة الروائية والقرائن اللبية، كالعمومات وإطلاقات الأدلة، في موضوع انتزاع الإقرار من المتهم، يدل على حرمة أي نوع من أنواع إيذاء المتهم باعتباره أصلاً أولياً، وبالطبع فإن الحكم التكليفي بأخذ الإقرار من المتهم قابل للتغيير بناءً على الشروط. والعاملان الأكثر تأثيراً في قابلية هذا الحكم للتغيير هما: قاعدة الأهم، وقاعدة دفع الأفسد بالفاسد. في حالات جريان هاتين القاعدتين، يتغير الحكم الأولي لموضوع انتزاع الإقرار من المتهم. وفي حالة التزاحم بين حكم عدم جواز تعذيب المتهم وحكم وجوب حفظ النظام، فإن السعي لحفظ النظام ومنع اختلاله يقدّم بحكم العقل، وقاعدة الأهم، ووجوب مقدمة الواجب.

مقدمة

تسعى الأنظمة القضائية في كل مدرسة فكرية إلى وضع أنسب القوانين للمجرمين، بحيث يكون لتطبيق هذه القوانين الأثر الأكثر فائدة في نشر العدالة الاجتماعية وترسيخ الأسس الفكرية لذلك النظام. والشريعة الإسلامية، بوصفها مدرسة تتمحور حول العدالة والإنصاف، قد وضعت أطراً وضوابط للمسائل القضائية كي يتمكن القضاة والعاملون في القضاء من تحقيق نجاح أكبر في إصدار أحكام تتناسب مع الجرم المرتكب. وبناءً على ذلك، قُدّمت قواعد حول كيفية ومقدار الأدلة الكافية والمقبولة لإثبات الجرائم المختلفة. ومن ناحية أخرى، نظّمت قوانين لتوفير الحماية اللازمة لمرتكب الجريمة، بحيث تُنفّذ العقوبة المناسبة للجرم مع الحفاظ على كرامة النوع الإنساني. من الأدلة المقبولة في إثبات نسبة الجرم إلى الأفراد هو إخبار الشخص المذنب بارتكابه الجريمة، وهو ما يُعرف في مصطلح علم الفقه بـ «الإقرار» أو «الاعتراف». في الفقه الإسلامي، حُدّدت كيفية الإقرار في مختلف أبواب الفقه الجنائي بما يتناسب مع الجرم المرتكب. ومع توسع نظام الحكم الإسلامي وظهور جرائم جديدة، تحدث حالات لا يمكن فيها نسبة الجريمة إلى شخص ما بشكل يبعث على الاطمئنان. ومع ذلك، توجد قرائن تشير إلى ارتكابه للجريمة. هذه الحالة من الاتهام دفعت بالباحثين في الفقه إلى طرح وجهات نظر مختلفة حول موضوع انتزاع الاعتراف من المتهم. ويمكن تقييم ثلاث وجهات نظر عامة في هذا الصدد: 1) عدم جواز أي شكل من أشكال تعذيب المتهم في أي ظرف من الظروف؛ 2) جواز تعذيب المتهم بشرط أن يؤدي الاعتراف إلى اطمئنان القاضي؛ 3) جواز مشروط للتعذيب بناءً على ظهور حالات خاصة. يعتقد عدد من الفقهاء أن أي اعتراف يتم الحصول عليه عن طريق الإكراه، أو ممارسة الضغط، أو التهديد، أو التعذيب النفسي أو الجسدي ليس له أي شرعية قانونية (المدرسي، 1431، ص 163؛ عليزاده طباطبائي وآخرون، 1397، ص 160). كما أن البعض الآخر اعتبر حكم عدم جواز تعذيب المتهم بشكل مطلق في حالات امتناعه عن كشف معلومات مهمة (الطبسي، 1393، ص 76). وفي وجهة نظر أخرى، يجوز تعذيب المتهم عند ظهور ظروف خاصة. في هذا السياق، تحدث البعض عن حجية الاعتراف في إطار الشريعة أو الأعراف السائدة (الشيرازي، 1409، ج 73، ص 5). كما اعتبر اشتهار المتهم بالفسق والفجور أحد شروط استخدام أساليب انتزاع الاعتراف (راجع: فهيمي، 1390، ص 106). وهناك من لا يرون حاجة إلى بيان وتوضيح جواز استخدام التعذيب في الموضوعات المتعلقة بالشؤون الاجتماعية الكبرى (مظاهري، 1386، ج 3، ص 165). وفي هذا السياق، أُشير أحياناً إلى دفع الفساد المحتمل أو وجوب حفظ النظام (راجع: منتظري، 1408، ج 2، ص 385؛ الموسوي الأردبيلي، 1388، ج 1، ص 391؛ مكارم الشيرازي، 1377، ص 138؛ الخرازي، 1423، ج 2، ص 162). ويمكن مشاهدة تباين وجهات النظر حول موضوع تعذيب المتهم أثناء إقرار القانون الأساسي من قبل مجلس الخبراء (مشروح مذاكرات مجلس بررسى نهايى قانون اساسى، 1364، ج 1، صص 777-780). وفي المادة 38 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تم التأكيد على عدم حجية الإقرار الناتج عن التعذيب بشكل مطلق. ولكن في القوانين التفسيرية الأخرى، لم يتم تحديد ضابطة دقيقة لإمكانية اعتبار مثل هذا الإقرار في ظروف خاصة. ومن ناحية أخرى، فإن ميل مأموري التحقيق في القضايا الجنائية إلى تحقيق هدفهم بأبسط الطرق – أي انتزاع الاعتراف – يخلق تصوراً بأن استخدام الإكراه من قبل بعض المأمورين وتطبيق أساليب خفية لإجبار المتهم على الإقرار ليس أمراً بعيداً عن الواقع. يسعى هذا البحث إلى تحليل الأدلة اللفظية واللبية الدالة على جواز أو عدم جواز تعذيب المتهم من خلال تمحيص فقهي مقبول، وتقديم نتاج ذلك. التقييم الأولي هو أن الأدلة التي تبدو دالة على جواز التعذيب لا تملك الكفاءة الكافية لإثبات هذا الادعاء، والأدلة الدالة على عدم الجواز ليست غير قابلة للتخصيص. في الخطوة التالية، من خلال تأسيس أصل أولي للموضوع بناءً على نتاج الأدلة اللفظية والقواعد الفقهية العامة، يتم تبيين النطاق الجائز لتبدل العنوان إلى عنوان ثانوي وفقاً للقواعد الفقهية وتقديم ضابطة لذلك.

حسب البحث الذي تم، فإن الكتابات التي تناولت موضوع تعذيب المتهم هي كما يلي: مقالة «أخذ الاعتراف من المتهم باستخدام الأساليب والأدوات العلمية الحديثة» (1390) بقلم محمد عيسى فهيمي، خصصت جزءاً كبيراً من البحث لتعريف الإقرار والاعتراف وشروطهما المعتبرة، وفي الجزء التالي تناولت آراء الفقهاء في استخدام المحكمين النباتيين المسببين لفقدان الإحساس، والتنويم المغناطيسي، وأجهزة كشف الكذب. السادة مرتضى انفرادي ومحسن رزمي في مقالة «تحليل الأدلة وإثبات جواز التعذيب في الإسلام» (1398) سعوا إلى رفع الإبهام عن أدلة جواز التعذيب في الإسلام. في هذا البحث، اعتبرت حالات مثل الحكم بتعزير المتهم لعدم اعترافه بالمحكمة أو إحداث خلل في سير المحاكمة من مصاديق التعذيب (راجع: انفرادي ورزمي، 1398، ص 43). بينما في هذه الحالات، تكون قد وقعت جريمة جديدة مستقلة عن التهمة الأولية للمتهم. مقالة «المنع المطلق للتعذيب: رؤية إسلامية» (1397) بجهود السيد حسين عليزاده طباطبائي وزملائه، سعت إلى إثبات عدم حجية الإقرار الناتج عن التعذيب في جميع الأحوال، حتى في حالة التزاحم مع أمر أهم، وذلك بالاستفادة من إطلاق أدلة منع التعذيب وإيذاء الآخرين، وأصل الكرامة الإنسانية، وأصل البراءة، وقاعدة الاحترام. على الرغم من كل هذه الجهود الجديرة بالثناء، لم يتم العثور على بحث يتناول بشكل مستقل ومتعمق جميع الأدلة اللفظية واللبّية المحتملة في جواز أو عدم جواز تعذيب المتهم. إن إيجاد حل للتعارض بين أدلة طرفي إثبات الحكم للموضوع وتبيين الأصل الأولي بناءً على نتاج الروايات والأسس الفقهية يعتبر من الإنجازات الجديدة لهذا البحث. والجانب الآخر المبتكر في هذا البحث هو تبيين النطاق الجائز والمشروع للاستفادة من انتزاع الاعتراف في عملية المحاكمة بالاستفادة من القواعد الفقهية المقبولة.

1. المفاهيم الأساسية

قبل الخوض في المباحث الاستدلالية، من المناسب الحديث عن المفاهيم العامة لموضوع البحث، مثل الإقرار والاعتراف والتعذيب.

1-1. الاعتراف والإقرار

وردت كلمة “اعتراف” لدى اللغويين بمعنى الإقرار بالذنب (الفراهيدي، 1409، ج 2، ص 121؛ ابن دريد، 1988، ج 1، ص 125؛ الجوهري، 1376، ج 4، ص 1402). يرى بعض اللغويين أن العلاقة بين الإقرار والاعتراف هي عموم وخصوص من وجه؛ لأن الاعتراف نوع من الإقرار يكون مصحوباً بمعرفة كيفية ما تم الإقرار به. بينما الإقرار قد يقع في حالات غير صحيحة أيضاً (العسكري، 1400، ص 39). وقد أوضحوا مفهوم الإقرار في علم الفقه بأنه: «إخبار عن ثبوت حق للغير على ذمة المقر» (الطباطبائي الكربلائي، 1418، ج 13، ص 119؛ الترحيني العاملي، 1385، ج 7، ص 475؛ عبد المنعم، بلا تاريخ، ج 1، ص 264). وقد تحدث الفقهاء عن حجية الإقرار وأدلتها في قاعدة بعنوان «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (للاطلاع على نموذج، راجع: الموسوي البجنوردي، 1377، ج 3، صص 43-69؛ الزارعي السبزواري، 1413، ج 5، صص 187-219). وفي علم القانون الإسلامي، تم تعريفه كالتالي: «الإخبار بما يضر بالمخبر أو موكله بحيث يكون في الأصل سبباً لضرره؛ وإن كان قد يكون في تبعيته لمصلحته» (جعفري لنكرودي، 1378، ج 1، صص 529-530). وفي المادة 164 من القانون المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورد تعريف الإقرار كالتالي: «إخبار الشخص بارتكاب جرم من جانبه». كما أن البعض اعتبر الإقرار والاعتراف بمعنى واحد (الطوسي، 1387، ج 3، ص 2؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، 1406، ج 6، ص 46). في المصطلح القانوني، يُستخدم الاعتراف عادة في القضايا الجنائية، بينما يُستخدم الإقرار في الدعاوى المدنية (الزحيلي، 1429، ص 362). وقد استُدل بآيات من القرآن الكريم (راجع: البقرة: 282؛ آل عمران: 81؛ البقرة: 84؛ التوبة: 102؛ الأعراف: 172) لإثبات حجية الإقرار (للمزيد من الاطلاع، راجع: الطوسي، 1387، ج 3، صص 2-3؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، 1406، ج 6، ص 47). كما أن عدداً من الأحاديث (المجلسي، 1403، ج 30، ص 414) ترشد إلى حجية الإقرار. وبموجب حكم العقل أيضاً، فإن الاعتقاد بعدم حجية الإقرار يؤدي إلى خلل في جوانب من العلاقات الاجتماعية (الشيرازي، 1409، ج 73، ص 257). وقد ورد الحديث عن إجماع المسلمين أيضاً بشأن حجية الإقرار (راجع: النجفي، 1981، ج 35، ص 3). وقد اعتبروا الإقرار أقوى البينات حتى أطلقوا عليه لقب سيد الأدلة (السند، 1394، ج 1، ص 427).

1-2. التعذيب

التعذيب، مصدر من جذر “عذب” بمعنى الحبس والضرب والعقوبة (الفراهيدي، 1409، ج 2، ص 103؛ الراغب الأصفهاني، 1412، ص 555؛ ابن دريد، 1988، ج 1، ص 304؛ الجوهري، 1376، ج 1، ص 178)، ويُستخدم استعارياً لكل شدة وضيق (ابن فارس، 1404، ج 4، ص 265). وفي اللغة الفارسية، كلمة “شكنجه” هي أقرب مفهوم للتعذيب. وينقسم التعذيب إلى نوعين: جسدي ونفسي. حالات مثل الضرب، وإلحاق الألم، والتعطيش، والإغراق، وإجبار الشخص على القيام بأعمال شاقة، تُعد أمثلة على التعذيب الجسدي. وحالات مثل الإهانة، والتخويف، ومنع الدخول إلى المدينة، وإجبار الشخص على القيام بأعمال لا تتوافق مع طبعه كإزالة القمامة، تُعد أمثلة على التعذيب النفسي. المراد من مفهوم “أخذ الاعتراف من المتهم” في هذا البحث هو كل فعل متعمد، قولياً كان أو فعلياً، من قبل رجال الضابطة القضائية بأمل كشف الحقيقة، والذي يترتب عليه إلحاق ألم أو معاناة نفسية أو جسدية ملحوظة بالمتهم، ليعترف بأمر ضد نفسه أو شخص ثالث. وتجدر الإشارة إلى أنه في بعض الأحيان، يتم انتزاع الإقرار من المتهم بمجرد طرح الأسئلة واستشعار ردود أفعاله، ولكن هذا النوع من انتزاع الإقرار، لكونه لا يتضمن تعذيب المتهم وحالة من التوتر له، يخرج عن نطاق هذا البحث.

2. الأدلة المرتبطة بالحكم التكليفي لتعذيب المتهم

في هذا القسم، يتم دراسة مجموعتين من الأدلة، حيث تشير المجموعة الأولى ظاهراً إلى جواز التعذيب، بينما تشير المجموعة الثانية إلى عدم جوازه.

2-1. أدلة التعذيب لانتزاع الإقرار

يمكن تقسيم الروايات التي تشير ظاهراً إلى جواز تعذيب المتهم إلى فئتين، هما: 1) الروايات العامة التي تدل على تعزير أو حبس المتهم لانتزاع الإقرار؛ 2) الروايات التي تدل على التعذيب النفسي للمتهم من خلال حيلة القاضي لانتزاع الإقرار. وفيما يلي، سيتم دراسة هاتين الفئتين من الروايات.

2-1-1. الروايات الدالة على جواز تعذيب المتهم

من أهم الروايات التي يبدو من ظاهرها أن حكمها هو جواز تعذيب المتهم، ما يلي: ينقل ثقة الإسلام الكليني في حديث صحيح بإسناده عن سليمان بن خالد: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ سَرِقَةً، فَكَابَرَ عَنْهَا، فَضُرِبَ، فَجَاءَ بِهَا بِعَيْنِهَا: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَوِ اعْتَرَفَ وَلَمْ يَجِئْ بِالسَّرِقَةِ، لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ عَلَى الْعَذَابِ» (الكليني، 1429، ج 14، ص 143). بناءً على هذه الرواية، يرى البعض أن تعذيب المتهم في حالات اللوث جائز (السند، 1432، ج 5، ص 47).1 ينقل الشيخ الطوسي في حديث معتبر عن السكوني عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إِنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ يَحْبِسُ فِي تُهْمَةِ الدَّمِ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَإِنْ جَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِثَبَتٍ وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ» (الطوسي، 1407، ج 10، ص 174-175). وقد أجاز بعض الفقهاء، استناداً إلى هذه الرواية، التوسل بالتعذيب في حق المتهمين بالقتل (راجع: الطوسي، 1400، ص 743؛ الخوئي، 1418، ج 42، ص 150؛ الروحاني، 1435، ج 39، ص 486؛ المنتظري، 1408، ج 2، ص 384).2

نقد ومناقشة

الرواية الأولى تتعلق بحالة يكون فيها وقوع السرقة أمراً مسلماً به وقطعياً (الفاضل الهندي، 1416، ج 15، ص 617؛ الطباطبائي الكربلائي، 1418، ج 16، ص 127؛ السبحاني، 1432، ص 344). ذلك أن سؤال السائل يظهر في ثبوت السرقة، وهو يبحث فقط عن إجابة لحالة يجوز فيها، مع العلم بالسرقة، تعذيب الشخص للإقرار بمكان إخفاء المال أم لا (الفاضل اللنكراني، 1427، ص 577). ومع ذلك، فإن السارق لا يسلم المال، ولا بد من الضغط عليه. في هذه الحالة، يكون وقوع الجريمة من قبل الشخص محرزاً، ولا يمكن الاستفادة من الرواية لإثبات حكم موضوع تعذيب المتهم. من جهة أخرى، يمكن فهم من عبارة «اعترف على العذاب» في ذيل الرواية أن الاعتراف الناتج عن التعذيب لا اعتبار له. كما أن إحضار المال لا يلازم السرقة؛ إذ من الممكن أن يكون المال قد وُضع في حيازة الشخص بطريقة مشروعة (الترحيني العاملي، 1385، ج 9، ص 375؛ المرعشي، 1382، ص 287). وبالتالي، فإن تعذيب الشخص دون إثبات موضوع السرقة سيكون غير مشروع (المؤمن القمي، 1389، ج 3، ص 163). وقد أبدى الفقهاء ثلاث وجهات نظر أخرى بشأن معتبرة السكوني. عدد كبير منهم لا يجيزون العمل بهذه الرواية، لأن حبس المتهم قبل إثبات الجريمة عن طريق الإقرار أو البينة الكافية غير جائز، ولا يمكن الحكم بالحبس بناءً على الظن (الشهيد الثاني، 1413، ج 15، ص 223). ومن جهة أخرى، اعتبر هذا الحكم مخالفاً للاحتياط (المقدس الأردبيلي، بلا تاريخ «ب»، ج 14، ص 214). وفي وجهة النظر التالية، يقتصر حبس المتهم لمدة ستة أيام على الحالة التي يكون فيها لدى القاضي ظن قوي بكونه مجرماً (الفاضل الهندي، 1416، ج 11، ص 146). ووجه هذا الحبس هو إكمال الأدلة الكافية لإثبات جرم المتهم (الموسوي الأردبيلي، 1388، ج 1، ص 312) أو الخوف من فراره واحتمال تضييع الحق (المرعشي، 1415، ج 2، ص 311). وفي وجهة النظر الثالثة، يكون الحبس جائزاً عندما يطلب ولي الدم مهلة من القاضي لإحضار الشهود، وفي هذه المهلة التي تبلغ ستة أيام، يُحكم باعتقال المتهم (الطباطبائي الكربلائي، 1418، ج 2، ص 516؛ الموسوي الخميني، 1392، ج 2، ص 569). ذلك أن المراد من الاتهام في هذه الرواية ليس مجرد وجود احتمال ضئيل ضد الشخص؛ بل المراد به ظن معتبر ينشأ من ادعاء ولي الدم (الفاضل اللنكراني، 1421، ص 281). وتجدر الإشارة إلى أنه بناءً على أي من وجهات النظر الثلاث المذكورة، فإن هذه الرواية لا تملك في النهاية القدرة على إثبات الحكم لموضوع القتل، ولا يوجد دليل على تعديها إلى حالات أخرى.

2-1-2. الروايات الدالة على جواز خداع المتهم من قبل القاضي

ينقل محمد بن يعقوب الكليني بأسانيده في سند صحيح عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: أُحضرت جارية شابة عند عمر بن الخطاب وشهد شهود على فعلها القبيح. الخليفة الثاني، الذي عجز عن القضاء في هذا الأمر، لجأ إلى الإمام علي (ع). وبناءً على الرواية، استدعى الإمام أحد الشهود وقال له: «تَعْرِفِينِي أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا سَيْفِي … وَأَعْطَيْتُهَا الْأَمَانَ وَإِنْ لَمْ تَصْدِقِينِي لَأَمْلَأَنَّ السَّيْفَ مِنْكِ» (الكليني، 1429، ج 14، ص 686). بناءً على هذه العبارات، فإن أمير المؤمنين (ع) ظاهراً قد أجبر الشاهد على الإقرار بالتهديد والتخويف. وبناءً على رواية معتبرة أخرى نقلها ثقة الإسلام الكليني، ذهب رجل مع جماعة في سفر؛ ولكن رفاقه عند عودتهم ادعوا أنه مات ولم يترك مالاً. ادعى ابن هذا الرجل أن والده كان يحمل أموالاً كثيرة. وعندما وصل الأمر إلى الإمام أمير المؤمنين (ع)، أمر بإحضار جميع الرفاق بحيث تكون رؤوسهم مغطاة ومنفصلين عن بعضهم. في هذه الحالة، بدأ باستجواب الشخص الأول. وبناءً على تتمة الرواية، أمر الإمام علي (ع) المحيطين به أن يكبروا بعد سماع إجابة كل سؤال. وظن الأشخاص التاليون أن الشخص الأول قد اعترف بالقتل، فأقروا هم أيضاً بقتل رفيقهم (راجع: الكليني، 1429، ج 16، صص 40-537). في هذه الرواية، من خلال عبارات مثل «فَرِّقُوهُمْ وَغَطُّوا رُؤُوسَهُمْ»؛ «وَأَقِيمَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى أُسْطُوَانَةِ مِنْ أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ وَرُءُوسُهُمْ مُغَطَّاةٌ بِثِيَابِهِمْ» و«فَأَمَرَ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَيُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ» يمكن استنتاج أن الأفراد لم يكونوا في حالة طبيعية وحرة أثناء الاستجواب. ينقل الشيخ الصدوق بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام أنه قال: اشتكى شخص إلى المنصور العباسي من رجلين دعوا أخاه ليلاً؛ ولكن بعد مرور وقت لم يعد إلى المنزل. المنصور العباسي، الذي كان عاجزاً عن الحكم في هذا الأمر، طلب المساعدة من الإمام الصادق (ع). وبناءً على ما جاء في تتمة الرواية، فصل الإمام (ع) الشخصين عن بعضهما، وفي مواجهة كل منهما أمر غلامه بقطع عنق المتهم. هذا الفعل أدى إلى أن يعترف كل منهما بتسببه أو مباشرته في القتل (ابن بابويه، 1413، ج 4، ص 117). ومن عبارات مثل «يَا غُلَامُ نَحِّ هَذَا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ» (نفس المصدر) يتبين أن المتهمين كانوا تحت الضغط. بالنظر إلى هذه الروايات، يعتقد البعض أنه من القضايا السابقة، يجوز استخدام جميع الوسائل، حتى الخوف والتهديد، للعثور على الحقيقة حتى في حالات وجود أقل الاحتمالات (الموسوي الأردبيلي، 1388، ج 1، ص 391؛ السند، 1432، ج 5، ص 51).

نقد ومناقشة

بالنظر إلى ما قيل، يبدو أن الإمام علي (ع) قد قضى بطريقة مختلفة عن القضايا المعتادة. في الروايات الأولى، عبارة «أَنَا أَوَّلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ إِلَّا دَانِيَالَ النَّبِيَّ» (الكليني، 1429، ج 14، ص 687) تشير إلى هذا الاختلاف. وفي الرواية الثانية، فإن عبارة «وَاللَّهِ لَأَحْكُمَنَّ فِيهِمْ بِحُكْمٍ مَا حَكَمَ بِهِ خَلْقٌ قَبْلِي إِلَّا دَاوُدُ النَّبِيُّ (ص)» (نفس المصدر، ج 15، صص 536-537) تدل على القضاء الخاص لأمير المؤمنين (ع) واختلافه عن الأسلوب المعتاد حتى ذلك الزمان وما بعده. الظاهر هو أنه يجب حمل سيرة أمير المؤمنين (ع) في حالات التخويف على حالات الضرورة، ولا يمكن تخصيص الروايات الدالة على نفي التعذيب بسيرة الإمام (ع)؛ لأن سياق هذه الروايات ينسجم مع قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» (مظاهري، 1386، ج 3، ص 170). ويرى البعض أيضاً أن قضايا أمير المؤمنين (ع) والإمام الصادق (ع) وتطبيقهم لأساليب غريبة، يمكن تقييمها على أنها «قضية في واقعة»، ولا يمكن للفقيه أن يؤسس قاعدة عامة بالتمسك بهذه الأخبار (الفاضل الهندي، 1416، ج 11، ص 253؛ العراقي، بلا تاريخ، ص 371؛ الموسوي السبزواري، 1413، ج 28، ص 197). لأنه من المحتمل جداً أن يكون لكل من هذه القضايا ملاك ومعيار خاص خفي عنا، وكان حكم الإمام (ع) بناءً عليها (العراقي، بلا تاريخ، ص 371). كما أن أمر الإمام (ع) في عبارات مثل «نحّ هذا فاضرب عنقه» كان حيلة لكشف الحقيقة ولا يعتبر حكماً شرعياً (الروحاني، 1435، ج 40، ص 163؛ المؤمن القمي، 1389، ج 1، ص 291). ومن جهة أخرى، في الرواية الأولى، توجد قرائن تثير الشك في نسبة التهمة الأولية إلى الفتاة. إحدى هذه القرائن هي عجز عمر عن القضاء بشأنها مع وجود الشهود. ومن جهة أخرى، بناءً على القاعدة العامة المستفادة من صحيحة النبي (ص) «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ» (الكليني، 1429، ج 14، ص 656) و«إِقْرَارُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ جَائِزٌ» (الحر العاملي، 1409، ج 23، ص 184)، فإن طرق إثبات الجريمة هي فقط شهادة الشهود، واليمين، والإقرار. ولا يمكن للقاضي أن يستعين بطرق أخرى لإثبات الجريمة. النتيجة هي أن هذه الروايات تهدف فقط إلى التحقق من صدق المدعين أو المنكرين أو الشهود، وليس لها صلة معنوية بانتزاع الاعتراف من المتهم.

2-2. الأدلة الدالة على عدم جواز انتزاع الإقرار

يمكن تصنيف الأدلة التي تدل على عدم جواز انتزاع الإقرار من المتهم في فئتين: الأدلة اللفظية والأدلة اللبية. تندرج مجموعة من الروايات في الفئة الأولى، وتقع مجموعة من القواعد الفقهية والأصول الإسلامية الأساسية في الفئة الثانية.

2-2-1. الروايات المرشدة إلى عدم مشروعية انتزاع الإقرار تحت التعذيب

يمكن العثور على مجموعة من الروايات التي تنهى عن الظلم غير المشروع للمتهمين (راجع: الكليني، 1429، ج 14، ص 285؛ الطوسي، 1407، ج 10، ص 148). بالإضافة إلى هذه الروايات، هناك مجموعة أخرى من الروايات التي ترشد بشكل خاص إلى عدم تأثير الإقرار الناتج عن تعذيب المتهم، وفي بعض الحالات تنهى عنه نهياً تحريمياً. بعض هذه الروايات كالتالي: ينقل ثقة الإسلام الكليني رواية بإسناده: «عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ: مَنْ أَقَرَّ عِنْدَ تَجْرِيدٍ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَهْدِيدٍ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» (نفس المصدر، ص 244). في هذه الرواية، يُفهم التجريب بمعنى نزع الثياب أو إبقاء الشخص وحيداً (مكارم الشيرازي، 1377، ص 136؛ الفاضل اللنكراني، 1427، ص 82). ورغم أن سند هذا الحديث قد قُيّم بالضعف، إلا أن المشهور قد عمل به (راجع: المجلسي، 1406، ج 16، ص 295).3 ينقل الشيخ الطوسي عن صفار أن الإمام السجاد (ع) قال: «أَنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدٍ تُخُوِّفَ مِنْ ضَرْبٍ وَلَا قَيْدٍ وَلَا سِجْنٍ وَلَا تَعْنِيفٍ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ فَإِنِ اعْتَرَفَ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ سَقَطَ عَنْهُ لِمَكَانِ التَّخْوِيفِ» (الطوسي، 1407، ج 10، ص 128).4 وينقل مؤلف كتاب دعائم الإسلام بسند مرسل عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: «مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ عَلَى تَخْوِيفٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يُحَدُّ» (ابن حيون، 1385، ج 2، ص 466). وقد نُقلت رواية مشابهة عنه أيضاً (نفس المصدر، ص 469). في الرواية العلوية «إِنِّي لَا آخُذُ عَلَى التُّهْمَةِ وَلَا أُعَاقِبُ عَلَى الظَّنِّ» (المجلسي، 1403، ج 3، ص 417) أشير أيضاً إلى عدم جدوى الاتهام في عقوبة الأفراد. من التعليل الموجود في عبارات مثل «لِمَكَانِ التَّخْوِيفِ» يمكن فهم أن إيجاد الخوف هو علة حرمة التعذيب، وبالتالي بإلغاء الخصوصية يمكن الاستفادة من مضمون هذه الروايات في أبواب أخرى غير القتل (راجع: منتظري، 1408، ج 2، ص 377؛ مكارم الشيرازي، 1377، ص 137؛ الخرازي، 1423، ج 2، ص 198؛ مظاهري، 1386، ج 3، ص 168). كذلك من عبارة «لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ عَلَى الْعَذَابِ» يمكن فهم أن التعليل المذكور يصدق عند كل إكراه في أخذ الاعتراف (راجع: فاضل الهندي، 1416، ج 10، ص 617؛ الخرازي، 1423، ج 2، ص 198). وعبارات مثل «عِنْدَ تَجْرِيدٍ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَهْدِيدٍ» تدل بوضوح على شرطية اختيار المقر (راجع: ترحيني العاملي، 1385، ج 9، ص 213). في الرواية المنقولة من كتاب دعائم الإسلام أيضاً، أولى الإمام علي (ع) اهتماماً خاصاً لاحتمال خوف المتهم من هيبته، حتى أنه علمه طريقة الخلاص من ورطة الاتهام. هذه المجموعة من الروايات ترشد بوضوح إلى حرمة تعذيب المتهم بأساليب مثل الحبس، والتجريد، والضرب، والتقييد، والتخويف.

2-2-2. المخالفة للأصول والقواعد

بالإضافة إلى الاستظهار المتقدم من مجموعة الروايات المتعلقة ببحث انتزاع الإقرار، يمكن العثور على أدلة عامة ترشد إلى عدم قيمة الاعتراف الناتج عن التعذيب. وقد اعتبر بعض الفقهاء إجبار المتهم على الاعتراف مخالفاً للأصل (الموسوي السبزواري، 1413، ج 28، ص 93؛ المظاهري، 1386، ج 3، صص 166-167). وللأصل في هذه العبارات، تحتمل أربعة معانٍ:

1. الأصل بمعنى القانون الإسلامي: أي أن الشريعة الإلهية والطبيعة البشرية تحكمان بوجوب مراعاة كرامة الإنسان وحفظ شخصيته، والتعذيب يرافقه هتك لحرمة الإنسان ونفي لشخصيته.

2. الأصل بمعنى أصالة البراءة: أي أنه عند الشك في جواز التعذيب، يكون الأصل هو عدم الجواز (المنتظري، 1408، ج 2، ص 375). مقتضى أصل البراءة هو نشوء حقوق، مثل منع أي تعرض أو أذى للمتهم.

3. أصل حرية الإنسان: بمعنى أن الإنسان في عالم الخلق، خُلق حراً، ولا يمكن بأي ذريعة سلب هذا الحق منه (المرعشي، 1415، ج 2، ص 308).

4. أصل عدم ولاية الأشخاص على بعضهم البعض (علي زاده طباطبائي، 1397، ص 166).

بالإضافة إلى احتمال صحة كل هذه المعاني في جريان الأصل الأولي في مواجهة الحكم التكليفي لتعذيب المتهم، فإن الحالات التالية تعتبر أيضاً في مقام تأسيس الأصل الأولي في هذه المسألة.

2-2-2-1. مصداق التجسس غير المشروع

التجسس يعني تتبع أخبار الناس بهدف الاطلاع على أمورهم الخفية (راجع: الأنصاري، محمد علي، 1415، ج 8، ص 24) والذي يحدث بدوافع خيرة أو سيئة (الخرازي، 1423، ج 2، ص 152). التجسس الذي يهدف إلى الاطلاع على الأمور الخفية للأشخاص، غير جائز بشهادة العقل والأدلة النقلية. بعض هذه الأدلة هي: الآية الشريفة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا» (الحجرات: 12) تعبر عن صيانة كرامة الأفراد (الفاضل المقداد، 1373، ج 2، ص 367). والنهي الوارد في هذه الآية عن التجسس في الأمور الخفية للمسلمين5 (المقدس الأردبيلي، بلا تاريخ «أ»، ص 417)، وتجنب سوء الظن بالآخرين، والنهي عن التحقيق في الأمور المشبوهة المتعلقة بالآخرين (الجصاص، 1405، ج 5، ص 289). كما استُدل بآيات أخرى على حرمة التجسس (للمزيد من الاطلاع، راجع: المظفري، 1394، صص 162-170). وفي الروايات أيضاً، نُهي عن تتبع شؤون الأشخاص بناءً على التخمين (راجع: الكليني، 1429، ج 4، صص 77-80؛ الطوسي، 1407، ج 1، ص 375؛ الحر العاملي، 1409، ج 12، صص 275-276). من موارد حرمة التجسس: التجسس في الأمور الخفية للناس بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسيني الخامنئي، 1424، ج 2، ص 51)؛ حرمة استخدام فيروسات الكمبيوتر للتفتيش عن محتويات الكمبيوتر المخفية (الحكيم، بلا تاريخ، ص 358) وكفاية حسن الظاهر في إمام الجماعة وحرمة التجسس في أحواله الخفية (النجفي، 1981، ج 13، ص 292). وبما أن انتزاع الإقرار هو نوع من التجسس يصاحبه ضغط على المتهم؛ يمكن الاستفادة من الأدلة العامة الدالة على حرمة التجسس لإثبات حرمة انتزاع الإقرار.

2-2-2-2. مخالفة شرطية الاختيار في المقر

يكون الإقرار نافذاً إذا توفرت فيه خصائص في ثلاثة عناصر: عبارة الإقرار، والمقر، والمقر له. الشروط التي ذُكرت للمقر هي: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد (العلامة الحلي، 1410، ج 2، ص 171؛ الفاضل الهندي، 1416، ج 10، ص 414). وبناءً على ذلك، لا يكون لإقرار الشخص المكره أي شرعية. لأنه لا يمكن نسبة كلام الشخص المكره إليه (الترحيني العاملي، 1385، ج 7، ص 486). أهم دليل روائي على عدم حجية إقرار الشخص المجبر هو عبارة «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ: … وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ…» (الكليني، 1429، ج 4، ص 289) في الحديث المشهور بالرفع. وبما أنه، حسب تعريف هذا البحث، يتم انتزاع الإقرار في حالة إجبار تكون غير مرغوبة للمتهم، يمكن الاستفادة من العبارة الأخيرة في الرواية لإثبات الادعاء. بالإضافة إلى ذلك، تحدثت روايات أخرى بشكل خاص عن عدم قيمة الإقرار الناتج عن الخوف حتى بدون تعذيب (راجع: ابن بابويه، 1413، ج 3، ص 23 و 24 و 20). كما أن بناء العقلاء على عدم قبول إقرار الشخص المجبر (مكارم الشيرازي، 1377، ص 136؛ المؤمن القمي، 1389، ج 2، ص 115). وقد تعلق إجماع المسلمين أيضاً على عدم صحة إقرار الشخص المكره (النجفي، 1981، ج 35، ص 3). شروط تحقق الإكراه هي: 1. احتمال حدوث ضرر جسيم بسبب الإكراه؛ 2. وجود خوف من موضوع التهديد؛ 3. قدرة المهدِّد على تنفيذ التهديد؛ 4. عدم إمكانية التخلص من وضع التهديد (طالبيان، 1395، ص 55). بعض مصاديق الأعمال الشاقة لإجبار الشخص على الاعتراف هي: الضرب والشتم، وأخذ المال، والتهديد بأي أمر مشين (راجع: المحقق السبزواري، 1381، ج 2، ص 503). ومن جانب المقر أيضاً، فإن حالات مثل الخوف من حدوث ضرر مالي أو بدني أو على السمعة لنفسه أو لأقاربه ستؤدي إلى زوال الاختيار (المؤمن القمي، 1389، ج 2، ص 115). بناءً على ذلك، فإن الإقرار الناتج عن الضغوط التي تمارس في أساليب انتزاع الإقرار سيكون عديم القيمة. والضمان الناتج عن الاعتراف تحت الخوف يقع على عاتق من انتزع الإقرار (الروحاني، 1382، ص 187).

2-2-2-3. مخالفة أصل احترام المؤمن وحفظ كرامته

القرآن الكريم، بوضوح في آية «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء: 70) تحدث عن كرامة الإنسان. من الدلالة الالتزامية لهذه الآية، يمكن استنباط حرمة التعدي على الإنسان بشكل مطلق (راجع: مغنية، 1424، ج 7، ص 113). كما يمكن فهم حرمة التعدي على كرامة الإنسان من الروايات النبوية التالية: «الْمُؤْمِنُ حَرَامٌ كُلُّهُ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ» (المجلسي، 1403، ج 74، ص 160)؛ «إِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» (نفس المصدر، ج 72، ص 222) و«مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كُتِبَ لَهُ الْجَنَّةُ» (نفس المصدر، ج 68، ص 47). وفي القواعد الفقهية أيضاً، يُذكر قاعدة بعنوان «قاعدة الاحترام» (راجع: البجنوردي، 1377، ج 2، ص 106؛ مكارم الشيرازي، 1370، ج 2، ص 227). كما ذُكرت عناوين أخرى لهذه القاعدة مثل «عصمة مال الناس» (المقدس الأردبيلي، بلا تاريخ «ب»، ج 10، ص 388)؛ «أصالة الحرمة في الدماء والنفوس والأموال» (الزارعي السبزواري، 1413، ج 15، ص 126؛ مكارم الشيرازي، 1377، ص 52) و«الأصل في كل مال العصمة» (الأنصاري، مرتضى، 1412، ص 136). بموجب هذه القاعدة، فإن الحكم التكليفي بالتصرف في مال الغير دون إذنه، حرام (الأنصاري، محمد علي، 1415، ج 9، ص 305). وبما أن كرامة الإنسان أهم من ممتلكاته، يمكن باستعمال قياس الأولوية استخلاص حرمة التعدي على أعراض الناس من هذه القاعدة. بناءً على أصل مراعاة الكرامة الإنسانية ووجوب احترامه، فإن وضع المتهم في ظروف لا تُراعى فيها كرامته يعتبر عملاً غير مشروع، ولن تترتب آثار فقهية على إقراره في مثل هذه الظروف.

2-2-2-4. فساد السعي لانتزاع الإقرار

بناءً على الروايات، فإن تتبع الحكام لأمور الناس لكشف أسرارهم وعيوبهم يثير الفساد (راجع: الحر العاملي، 1409، ج 12، ص 275). بناءً على هذه الروايات، فإن التتبع والتحري لكشف تلك الجرائم التي يستوجب ارتكابها علناً حداً؛ ولكنها ارتُكبت سراً؛ غير جائز (معرفت، 1425، ص 378). بعض الآثار السلبية للتجسس في هذه الأمور هي: إثارة الكراهية، وزيادة التشاؤم، وخلق القلق النفسي بسبب انتهاك الخصوصية، وفضح الأفراد، وتقليل المكانة الأخلاقية للمجتمع، وتقليل قبح الذنوب في المجتمع نتيجة الكشف عنها بعد التجسس، واحتمال وقوع المتجسسين في مفاسد اقتصادية وأخلاقية و… (المظفري، 1394، صص 88-89). إن عدم جريان أصالة الصحة في أفعال الآخرين يسبب خللاً في النظام (راجع: الأنصاري، 1412، ص 280؛ البجنوردي، 1377، ج 4، ص 155). التعرض للناس وتعذيبهم لمجرد وجود تهمة يسبب اضطراباً اجتماعياً، وعدم الشعور بالأمان، وهتك أعراض الأفراد (الخالصي، 1413، ص 95؛ الهاشمي الشاهرودي، 1423، ج 29، ص 80). وبما أن خلق الأمان الاجتماعي هو أحد أهم أهداف الشريعة (المنتظري، 1408، ج 2، ص 377)؛ يمكن الحكم بحرمة انتزاع الإقرار من باب مقدمة الحرام للعمل الحرام المتمثل في الإخلال بالأمن النفسي والاجتماعي. بناءً على ما قيل، فإن الأصل الأولي والقانون العام بشأن موضوع «انتزاع الإقرار من المتهم»، هو عدم جواز هذا الفعل، وكذلك عدم ترتب أي أثر على الإقرار الناتج عن وضع المتهم في ظروف متوترة.

3. نطاق جواز الاستفادة من تعذيب المتهمين

في هذا القسم، يتم تناول ما إذا كان الأصل الأولي في عدم جواز تعذيب المتهم يعبر عن قانون شامل في جميع الظروف، أم أن هذا القانون قابل للتخصيص في ظروف خاصة؟ وفيما يلي، سيتم بحث إمكانية هذا التغيير. ثم بعد ذلك، سيتم مناقشة النطاق الجائز لتغيير الحكم الأولي.

3-1. دراسة إمكانية الجواز

نظراً لتنظيم قوانين الشريعة على أساس المصلحة، وكذلك حكم العقل بتبيين مقتضيات الأحكام، من الضروري اعتبار نطاق من التغيير لبعض الأحكام. ذلك أن تقسيم الأحكام من حيث الخلود وصدق العنوان العارض عليها إلى قسمين ثابت ومتغير ليس موضع شك. في هذا القسم، تم السعي لإثبات إمكانية تغيير الحكم الأولي من خلال إثبات صدق عناوين ثانوية على موضوع «انتزاع الإقرار من المتهم». لهذا الغرض، تم بحث قاعدتين شاملتين توفران الأساس اللازم لتغيير الحكم الأولي لهذا الموضوع.

3-1-1. قاعدة الأهم والمهم

أسس العلماء المسلمون، بناءً على مراعاة المصالح الحقيقية الكامنة في أداء الأحكام، في أوقات الحيرة في العمل بين أمرين جائزين، قاعدة اشتهرت بعنوان «قاعدة الأهم والمهم» أو «الأهمية» (راجع: السيفي المازندراني، 1425، ج 4، ص 44؛ الزارعي السبزواري، 1413، ج 8، ص 329). بناءً على هذه القاعدة، يجوز القيام بالعمل الذي له مصلحة أهم. بالإضافة إلى حكم العقل، يمكن استخلاص الدليل القرآني على حجية هذه القاعدة من آية «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (النحل: 106). بموجب هذه الآية، يجوز تقديم الأمر الأهم مثل حفظ النفس على الأمر المهم مثل عدم الكفر. كما أن وقائع ثقب السفينة، وقتل الغلام، وإعادة بناء الجدار المتهدم من قبل الخضر (ع) (راجع: الكهف: 78-82) تعتبر دليلاً على حجية قاعدة الأهم وقاعدة دفع الأفسد بالفاسد (راجع: المقدس الأردبيلي، بلا تاريخ «أ»، ص 368). ومع ذلك، يمكن اعتبار أصل حجية هذه القاعدة في حكم العقل. إن احتمال أهمية أحد المتزاحمين أو احتمال أفضلية أحدهما يوفر مادة كافية للعمل بالجانب الأكثر احتمالاً، وفي هذه الحالات لا حاجة إلى تحصيل القطع (راجع: الكمرئي، بلا تاريخ، ج 1، ص 250؛ الخوئي، 1432، ج 1، ص 387). كذلك، إذا كان في التقابل بين مصلحة العمل ومفسدة الامتناع عن عمل آخر، جانب المصلحة ذا وزن أكبر، فإن ارتكاب العمل غير المشروع سيكون جائزاً (الفاضل المقداد، 1361، ص 84). والاحتياط يوافق هذا التوجه أيضاً (المظفر، 1430، ج 3، ص 220). بتطبيق هذه القاعدة، يمكن في حالات محدودة رفع التجريم عن بعض الجرائم؛ لمنع مفاسد أكبر أو إتلاف مصالح أعظم. وفيما يتعلق بموضوع انتزاع الإقرار من المتهم، إذا حدثت ظروف يؤدي فيها عدم إقرار المتهم إلى ضياع عمل أهم من حفظ كرامة مؤمن، يمكن الحكم بجواز انتزاع الإقرار.

3-1-2. قاعدة دفع الأفسد بالفاسد

من القواعد المستخدمة في حالة تزاحم عملين محرمين، قاعدة دفع الأفسد بالفاسد. يجب التنبيه إلى أن محل جريان قاعدة الأهم والمهم هو في تزاحم حكمين دالين على الجواز أو حكمين دالين على عدم الجواز. وبهذا الترتيب، فإن منبع قاعدة دفع الأفسد بالفاسد هو نفس قاعدة الأهمية. بمعنى أن المفسدة الأهم تُدفع بارتكاب المفسدة المهمة. وقد وُضعت العناوين التالية أيضاً لهذه القاعدة: «الضرر الأشد يزال ويدفع بالضرر الأخف شريطة أن تقدر الضرورة بقدرها» (مغنية، 1975، ص 331). وقد عرف بعض علماء العامة قاعدة كلية لبروز تعارض أمرين مفسدين على النحو التالي: «مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ تُدْرَأَ أَعْظَمُ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا إِذَا تَعَيَّنَ وُقُوعُهُ» (الزركشي، 1405، ج 1، ص 38) أو «إِذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا» (السيوطي، 1403، ج 1، ص 87). وقد ورد الحديث عن هذه القاعدة في باب اجتماع الأمر والنهي (الآخوند الخراساني، 1409، ص 177؛ السبحاني، 1424، ج 2، ص 270) وكذلك باب تزاحم مباحث الأصول (مغنية، 1975، ص 331؛ الشهركاني، 1430، ج 2، ص 292). بناءً على هذه القاعدة، في حالة تزاحم حكمين لهما مفسدة، يُقدم الحكم الذي له مفسدة أقل، وكذلك في حالة تزاحم حكم دال على الحرمة مع حكم دال على الجواز، يكون اجتناب الحكم الحرام واجباً.

3-2. نطاق جواز تعذيب المتهم

بتطبيق القاعدتين السابقتين في حالات محدودة، يمكن رفع التجريم عن بعض الجرائم لمنع مفاسد أكبر أو إتلاف مصالح أعظم. في هذا القسم، تم تقديم عاملين هما حفظ النظام ورعاية الحقوق العامة كأحكام تجد دور الحكم الراجح في التزاحم مع حكم عدم جواز تعذيب المتهم.

3-2-1. وجوب حفظ النظام وحرمة الإخلال به

كلمة “نظام” من جذر “نظم” تعني الخيط الذي يجمع اللآلئ، والتجميع، والملاك، وتنظيم وتأليف شيء مع شيء آخر (الفراهيدي، 1409، ج 8، ص 165؛ ابن فارس، 1406، ج 5، ص 443). في كلام الفقهاء، استُخدم النظام بمعنيين: 1- أساس الإسلام وأراضي المسلمين (النائيني، 1386، ص 76) و 2- الحكم السياسي (راجع: الموسوي الخميني، 1381، ج 3، ص 510). وقد اعتبر البعض أيضاً أن المراد بالنظام هو النظام المتناسب مع العصر والزمان (الإيرواني، بلا تاريخ، ج 1، ص 52). بناءً على ذلك، فإن أنواع القوانين البشرية بشرط أن تنبع من حكم العقل وتتوافق مع المصالح العامة، تكون في سبيل حفظ النظام، وتجاهلها يسبب خللاً في النظام. المراد بحفظ النظام في هذا البحث هو المفهوم العام الذي يُستخدم في سبيل حفظ الإنسانية، والبنى الاجتماعية، ودين الإسلام، وحضارة أراضي المسلمين. التعابير التالية في كلام الفقهاء تتوافق مع مفهوم حفظ النظام: «تحقيق حقوق الناس» (العراقي، بلا تاريخ، ص 7) و«تأمين حاجات الناس» (الأصفهاني، 1409، ص 211). يرى البعض أن إقامة النظام الاجتماعي والحيوي للنوع البشري من الواجبات المطلقة التي تقع على عاتق الجميع بشكل كفائي (المحقق الكركي، 1414، ج 4، ص 6). في المقابل، يُتحدث عن مفهوم الإخلال بالنظام. ولهذا المفهوم، استُخدمت تعابير مثل: «فساد أمور الناس» (اللاري، 1318، ج 2، ص 157)؛ «الهرج والمرج الاجتماعي» (الموسوي الخميني، 1379، ج 2، ص 620) و«الإخلال بأمور المسلمين» (نفسه، 1392، ج 2، ص 657). كل عمل يسبب الهرج والمرج ويخل بالنظام الاجتماعي، ممنوع بحكم العقل (الخميني، 1376، ج 1، ص 475؛ المظاهري، 1386، ج 1، ص 324). الإمام الخميني في رؤية شاملة يعتقد أن الضرورة تحكم بأن كل عمل يمنع ورود الضرر إلى أرض الإسلام واجب الإتيان (الموسوي الخميني، 1385، ج 2، ص 191). إن وجوب حفظ النظام وحرمة الإخلال به يوفر أساساً لتحويل بعض الأحكام إلى عناوين ثانوية. بناءً على ذلك، فإن بعض الحالات التي يكون عنوانها الأولي، حسب النصوص، الحرمة، ستصبح واجبة باكتساب عنوان ثانوي في مقام مقدمة الواجب. أغراض مثل حفظ الحكومة من ضرر الأعداء؛ ودفع انتشار الفساد الاجتماعي والأخلاقي والمالي؛ ودفع الضلال عن المجتمع الإسلامي، كلها تُعرّف ضمن حفظ النظام. يرى البعض أن أهمية حفظ النظام الإسلامي تصل إلى درجة أنه في مقام التزاحم مع بعض المحرمات، يُقدّم وجوب حفظ النظام (الخوئي، 1418، ج 6، ص 256؛ الخرازي، 1423، ج 2، ص 167). في هذه الحالة، يسقط الفعل الحرام عن مرتبة الحرمة. على سبيل المثال، الروايات الدالة على حرمة إيذاء المؤمن منصرفة عن فرض حدوث تزاحم مع أمور مهمة مثل حفظ النظام (الخرازي، 1419، ص 130). معتبرة السكوني التي في ظاهرها تخبر عن جواز حبس المتهم لمدة ستة أيام، منصرفة أيضاً إلى الحالات التي يتوقف فيها حفظ النظام أو حفظ النفوس على حبس المتهم (راجع: الطباطبائي الكربلائي، 1418، ج 2، ص 516؛ الخرازي، 1423، ج 5، ص 85). وفي رؤية أخرى، فإن القيام بعمل يتوقف عليه حفظ النظام، من باب مقدمة الواجب، واجب. وكذلك العمل الذي يسبب خللاً في النظام، من باب مقدمة الحرام، حرام (مكارم الشيرازي، 1377، ص 417). كما يمكن اعتبار حفظ النظام أحد موارد جريان قاعدة الأهمية. إذا كانت المسألة تتعلق بحفظ كيان المسلمين وعزتهم واستقلالهم، بحيث لا تتحقق هذه الأمور إلا باعتراف المتهم، يمكن إصدار حكم بجواز أخذ الاعتراف منه (مكارم الشيرازي، 1377، ص 138). على سبيل المثال، إذا علم القاضي أن المتهم يمتلك معلومات يكون الوصول إليها مناسباً لحفظ النظام ورفع الفتنة أو استحقاق حقوق المسلمين، وهو يمتنع عن الإفصاح عنها؛ فإن تعزيره لكشف تلك المعلومات جائز (العراقي، بلا تاريخ، ص 368؛ المنتظري، 1408، ج 2، ص 385). وسبب هذا الأمر هو امتناع الفرد عن أداء واجبه تجاه النظام الإسلامي. وقد اعتبر البعض أيضاً رفع الفتنة أحد موارد إيجاد حكم جواز تعذيب المتهم (الخرازي، 1423، ج 2، ص 198). إذن، إذا كان اعتبار التجسس حراماً في مصاديق يسبب خللاً في النظام، فإنه من باب مقدمة الحرام، تصور غير صحيح. في مثل هذه الحالات، يمكن حمل عنوان الإباحة أو الجواز الثانوي على التجسس وانتزاع الإقرار. الآية الشريفة «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (البقرة: 283) ترشد إلى هذا المعنى. وقد استخلص مفسرو القرآن حكم النهي عن كتمان الشهادة من هذه الآية (راجع: الراوندي، 1405، ج 1، ص 409؛ الفاضل المقداد، 1373، ج 2، ص 64). ومن جهة أخرى، بما أن العلم الحسي بالواقعة هو مناط الشهادة؛ يمكن استظهار وجوب إظهار العلم في الحالات المتعلقة باستحقاق الحق من هذه الآية. ومن جهة أخرى، فإن العلاقة بين التجسس لانتزاع الإقرار من المتهم وحفظ النظام هي عموم من وجه. بمعنى أنه تحدث حالات يكون فيها حفظ النظام متوقفاً عليه ويكون مصداقاً للتجسس. بناءً على ذلك، فإن محل البحث هو في الحالات التي يحدث فيها تزاحم بين العمل بواجب مثل حفظ النظام والامتناع عن حرام مثل التجسس. إذا كان موضوع الإقرار يتعلق بمسألة تخص كيان المسلمين وبقاء عزتهم وحياتهم واستقلالهم، بحيث تكون أهميتها أكبر من أخذ الاعتراف من المتهم، يمكن إجبار الأفراد على الإقرار باستخدام التعذيب لوجود الاحتمال أيضاً. جواز هذه الحالة ممكن بوضع الموضوع تحت عناوين ثانوية (مكارم الشيرازي، 1377، ص 138).

3-2-2. رعاية الحقوق العامة

في تعريف شامل، الحقوق العامة هي الحقوق الأساسية للبشر التي تشمل أموراً مثل الحقوق الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والرفاهية، والاقتصادية، والقضائية (نقره كار، 1388، ص 26). وقد عرّفها البعض أيضاً بأنها الحقوق المشتركة بين الناس مثل حق الاستفادة العام من الممرات العامة والمساحات الخضراء (جعفري لنكرودي، 1378، ج 3، ص 1730). في تعريف آخر، حُسب حق المجتمع في النظام العام وأمن المواطنين من الحقوق العامة (هادي، 1390، ص 13). وفي المادة 156 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تُعتبر إحياء الحقوق العامة ونشر العدل والحريات المشروعة من واجبات السلطة القضائية. إن اتساع مصاديق الحقوق العامة في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأمة يجعل من غير الممكن تقديم تعريف حدي ورسمي دقيق لهذا المفهوم. ومع ذلك، فإن المراد بالحقوق العامة في هذا البحث هو الحقوق المتعلقة بالمصالح العامة أو قسم كبير من المجتمع يجب أن تُستوفى من خلال مؤسسات الحكم. بالإضافة إلى حكم العقل برعاية الحقوق العامة، يمكن اعتبار الرواية النبوية التالية دليلاً على حجية تقديم الحقوق العامة على حق الفرد في حالة التزاحم. انظر: «إِذَا كَانَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ، وَمَضَرَّةٌ عَلَى خَاصٍّ مِنْهُمْ، قُدِّمَتْ مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ» (ابن قتيبة، 1408، ص 344). من الواضح جداً أنه في الحالات المتعلقة بالحدود الإلهية مثل الزنا واللواط وشرب الخمر و…، فإن إجبار الشخص على الإقرار غير جائز بأي وجه (المنتظري، 1408، ج 2، ص 388؛ مكارم الشيرازي، 1377، ص 138؛ الخرازي، 1423، ج 2، ص 198؛ الهاشمي الشاهرودي، 1423، ج 29، ص 83). في مثل هذه الحالات، يعتبر التعذيب للإقرار من موارد التجسس المنهي عنه والذي لا ينتج عنه إلا إفساد الناس (الموسوي الأردبيلي، 1388، ج 1، ص 260). ولكن في حالة تزاحم الحق الفردي مع الحقوق العامة، تكون رعاية الحقوق العامة راجحة. يرى البعض بحق أنه من أجل رعاية أحد الحقوق العامة يمكن الحكم بجواز تعذيب المتهم (الخرازي، 1423، ج 2، ص 198). هذا الحكم قابل للتقييم من باب صدق عنوان ثانوي ناتج عن قاعدة الأهمية على موضوع تعذيب المتهم. كذلك، في أمر مهم يتطلب بقاءه وحفظه في بعض الحالات حبس المتهمين، فإن الحكم بعدم جواز التعذيب يسبب تضييع الحقوق والأموال. إذن، في الأمور المهمة التي يكون احتمال وقوعها معتبراً عند العقلاء، مع حفظ الدقة والاحتياط وحفظ شؤون الأفراد، سيكون انتزاع الإقرار جائزاً (المنتظري، 1408، ج 2، صص 383-384).

الخاتمة

بناءً على ما تقدم، فإن نتائج هذا البحث هي كما يلي:

1. في موضوع انتزاع الإقرار من المتهم، فإن لسان الأدلة الروائية والقرائن اللبية مثل العمومات والإطلاقات تدل على التجسس غير المشروع، وفساد الإقرار الإجباري، وأصل الكرامة الإنسانية، وحرمة أي نوع من أنواع إيذاء المتهم، وذلك في إطار الأصل الأولي.

2. الحكم بتعذيب المتهم في بعض الروايات يمكن تبريره بسببين: أ) إثبات أصل الجريمة من قبل المتهم وامتناعه عن بيان التفاصيل المؤثرة في استحقاق حق الطرف المقابل في الدعوى؛ ب) ظهور جريمة جديدة من قبل المتهم مثل عدم التعاون مع الحكومة الإسلامية، وكتمان الشهادة، وما شابه.

3. الحكم التكليفي بأخذ الإقرار من المتهم قابل للتغيير بناءً على شروط معينة. والعاملان الأكثر تأثيراً في قابلية هذا الحكم للتغيير هما: قاعدة الأهمية وقاعدة دفع الأفسد بالفاسد. في حالات جريان هاتين القاعدتين، سيتغير الحكم الأولي لموضوع انتزاع الإقرار من المتهم.

4. في حالة تزاحم حكم عدم جواز تعذيب المتهم مع حكم وجوب حفظ النظام، فإن السعي لحفظ النظام ومنع الاختلال فيه يقدّم بحكم العقل، وقاعدة الأهمية، ووجوب مقدمة الواجب.

5. حكم انتزاع الإقرار من المتهم في حالة تزاحم حق المتهم في عدم انتزاع الإقرار مع رعاية الحقوق العامة، سيكون جائزاً. ذلك أن مصلحة وأهمية حفظ واستيفاء الحقوق العامة، ولو بشكل محتمل، تحظى باهتمام أكبر من تضييع الحق المحتمل للمتهم في عدم كونه مجرماً.

الهوامش

1 سألت الإمام الصادق (ع) عن رجل سرق ثم أنكر، فضُرب حتى أحضر المسروق، فهل يجب قطع يده؟ قال: نعم، ولكن لو اعترف ولم يحضر المسروق لم تقطع يده، لأنه اعترف تحت العذاب.

2 كان النبي (ص) يحبس المتهم بالقتل ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول ببينة وإلا أطلق سراحه.

3 من أقرّ بجريمة عند تجريده (تعريته وضربه) أو تخويفه أو حبسه أو تهديده، فلا حدّ عليه.

4 لا تُقطع يد متهم خُوّف من ضرب أو قيد أو سجن أو عنف. فإن اعترف طوعاً قُطع، وإن لم يعترف سقط عنه الحد بسبب التخويف.

5 يبدو أنه لا يوجد دليل على اختصاص النهي بالمسلمين. فالآية تعبر عن حكم شامل لجميع البشر.

Scroll to Top