الملخص
للقرآن الكريم وجوه إعجازية متعددة، منها الإعجاز البياني، والبلاغي، وتناسب الآيات، والتأثير، والمحتوى، وغيرها. ومن وجوه الإعجاز التي طرحها بعض علماء أهل السنة، الإعجاز في القراءات. والمقصود بالإعجاز في القراءات هو أن القراءات المختلفة لبعض مفردات وألفاظ القرآن هي وحي إلهي منزل من عند الله، وتثبت نبوة النبي (ص). ويستند هذا الادعاء إلى مبدأين أساسيين: أولاً، يجب إثبات تواتر القراءات لإثبات قرآنيتها وكونها وحيًا، وفي النهاية إثبات أن القراءات المختلفة معجزة إلهية. ثانيًا، تواتر حديث «سبعة أحرف»، الذي يُقصد به القراءات السبع، ليتضح أن القرآن نزل بسبع قراءات، وأنه وحي ومعجزة إلهية. حتى الآن، لم يطرح أي من علماء الشيعة مثل هذا الادعاء، وهو ليس رأي أغلبية علماء أهل السنة أيضًا؛ لكن بعض علماء أهل السنة مثل السيوطي والخراط قد تبنوا هذا الادعاء. بناءً على ذلك، يتناول هذا البحث، الذي ليس له سابقة متخصصة، وبمنهج وصفي-تحليلي، دراسة هذه المسألة، مع الأخذ في الاعتبار أن جميع القراءات ليست وحيًا ومعجزة، وأن نزول القرآن بقراءة واحدة هو المعجزة، فما هو التأثير اللغوي لهذه المعجزة الإلهية الخالدة على القراءات؟ وما هي التداعيات المترتبة على نظرية إعجاز القراءات؟
المقدمة
قد يطرأ اختلاف القراءات في أي نص، خاصة النصوص القديمة؛ حتى لو كان ذلك النص قد دُوّن بدقة بالغة. وبإلقاء نظرة على تاريخ العالم، نجد أنه لا يوجد كتاب عادي أو مقدس، مثل القرآن، له عمر طويل يمتد لأكثر من 1400 عام، وقد دُوّن بهذه الدقة والصحة. إن جامعي القرآن ومدونيه، الذين كانوا يولونه قداسة خاصة، قد جمعوا القرآن بطريقة دقيقة للغاية، بحيث لم يضيفوا كلمة واحدة إلى أصل القرآن ولم ينقصوا منه كلمة واحدة. القرآن كتاب نُقل شفاهةً من البداية حتى الآن، جيلاً بعد جيل، كما أن النسخة المكتوبة الموجودة من القرآن قد استُنسخت من المصاحف الأولى، ولا يزال الرسم العثماني يحظى بقدسية خاصة بين المسلمين. ولكن مع كل هذا الإمعان في النظر وإعمال الدقة، وجد اختلاف القراءات طريقه إلى القرآن أيضًا (عظيم زاده أردبيلي، 1380: 95).
إن القرآن الكريم معجز من جوانب شتى كالفصاحة والبلاغة والمحتوى وغيرها، وأحد وجوه إعجازه، وفقًا لادعاء بعض علماء أهل السنة، هو الإعجاز في القراءات، وهي مسألة حظيت باهتمام العلماء والمفكرين المسلمين؛ إلا أنها لم تسلم من إثارة الشبهات من قبل المستشرقين. المقصود بالإعجاز في القراءات من وجهة نظر القائلين به هو أن القراءات المختلفة نزلت من عند الله على النبي (ص)، وهي مثل القرآن نفسه وحي ومعجزة.
لإعجاز القرآن الكريم أبعاد متعددة، يمكن تقسيمها إلى بعدين: معنوي ولفظي. ومن النظريات في المجال اللفظي التي طرحها بعض علماء علوم القرآن في الماضي ووجدت اليوم أنصارًا أكثر، نظرية إعجاز القرآن في القراءات. تقوم نظرية إعجاز القرآن الكريم في القراءات على أن تعدد القراءات لم يضعف فصاحة وبلاغة القرآن الكريم فحسب؛ بل أدى إلى تقوية وحفظ فصاحته وبلاغته، ويعد هذا الأمر من معجزات القرآن الكريم. لهذه النظرية، قُدمت أسس وأدلة متعددة نقلية، وروائية، وبلاغية، وأدبية. ومن بين منظري هذا الرأي السيوطي في كتاب «معترك الأقران»، والخراط في كتاب «الإعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية المتواترة»، والسامرائي في كتاب «درآمدى بر تفسير بيانى قرآن كريم: رويكردى زبانى به آيات قرآن كريم». من وجهة نظر هذه الفئة من علماء أهل السنة، أدى تعدد القراءات إلى حفظ اللغات واللهجات العربية الأصيلة، وهذا أحد أبعاد إعجاز القرآن في القراءات.
تكتسب دراسة هذه المسألة أهمية عندما نأخذ في الاعتبار شبهات المستشرقين التي يستند بعضها إلى اختلاف القراءات، وأن فئة من علماء أهل السنة قد قبلت الإعجاز في القراءات، مما يستلزم كون القراءات وحيًا. وتنشأ المشكلة عندما يؤدي اختلاف القراءات إلى فهمين أو أكثر متناقضين لآية واحدة، مع افتراض أن جميع هذه القراءات وحي ومن عند الله، حينئذ تكون النتيجة أن الله قد تناقض في كلامه؛ في حين أن الرأي السائد بين علماء أهل السنة والرأي الإجماعي بين علماء الشيعة هو أن القراءات المختلفة ليست وحيًا إلهيًا؛ بل إن القرآن نزل بقراءة واحدة، والاختلاف في القراءات ظهر بعد رسول الله (ص).
لذا، يسعى هذا البحث، دون خلفية متخصصة وباستخدام منهج وصفي-تحليلي، إلى دراسة هذه المسألة: بالنظر إلى أن جميع القراءات ليست وحيًا ومعجزة وأن نزول القرآن كان بقراءة واحدة معجزة، فما هو التأثير اللغوي لهذه المعجزة الإلهية الخالدة على القراءات؟ وما هي تداعيات نظرية إعجاز القرآن؟ بناءً على ذلك، سنتناول مباحث هذا البحث في مطلبين: أحدهما بيان تأثير القرآن في إحياء اللهجات واللغات العربية، والآخر بلوغ الفصاحة والبلاغة ذروتها في القرآن. وفي النهاية، سنبين أن نظرية الإعجاز في القراءات غير مقبولة بسبب آثارها السلبية، ومن بين هذه الآثار أن قبول الإعجاز في القراءات يستلزم قبول التحريف بالنقص والزيادة في القرآن الكريم.
ألف. تأثير القراءات في إحياء اللهجات العربية
للقرآن الكريم، بالإضافة إلى تأثيراته الروحية والمعنوية والثقافية، تأثيرات لفظية ومعنوية في بنية اللغة وألفاظها؛ ومنها تأثيره الكبير في إحياء اللهجات واللغات العربية، وكذلك تأثيره الخاص في ظهور القراءات وبروزها. وللإلمام بذلك، لا بد أولاً من دراسة علاقة القراءات باللهجات واللغات العربية المختلفة، على النحو الذي سنبينه أدناه، ثم بيان تأثير ذلك في القراءات.
1. علاقة القراءات بلهجات اللغة العربية المختلفة
نريد أن ندرس علاقتها بلهجات اللغة العربية المختلفة. ولبلوغ هذا المطلب، لا بد أولاً من تعريف اللهجة وبيان فرقها عن اللغة. وفي الخطوة التالية، ندرس عوامل اختلاف القراءات، وفي النهاية نبين علاقة القراءات باللهجات. وفيما يلي توضيح لهذه الأمور:
دراسة مفهوم اللهجة
اللهجة في اللغة من جذر «لهج» ومعناها الأصلي المداومة والمواظبة على شيء (ابن فارس، 1404: 5/214).
اللهجة تعني لغة الحديث ونوع الكلام (بستاني، 1375: 762). وقد عرّفها ابن منظور بقوله: «واللهجة، هي لغته التي جُبل عليها فاعتادها ونشأ عليها» (ابن منظور، 1414: 2/252)؛ أي اللغة ونوع الكلام الذي نشأ عليه الشخص طبيعيًا واعتاده.
اللهجة، التي كان يُعبّر عنها في الماضي بـ«اللغة» و«اللسان»، هي في الاصطلاح الحديث مجموعة من الخصائص اللغوية المنسوبة إلى قبيلة ما؛ كما عرّفها بعض المحققين: «اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعًا في مجموعة من الظواهر اللغوية» (قطان، 1411: 4)؛ اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الخصائص اللغوية المنسوبة إلى مجموعة من الناس يعيشون في بيئة مشتركة ويشترك جميع أفراد تلك البيئة في تلك الخصائص. هذه البيئة اللغوية جزء من مجموعة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها؛ ولكنها تشترك في مجموعة من الظواهر اللغوية.
وفي تعريف آخر ورد: «اللهجة، فهي أسلوب أداء الكلمة إلى السامع» (يوسف، 2008: 121). اللهجة هي طريقة نطق الكلمة للسامع؛ مثل تسهيل الهمزة أو تحقيقها. الفرق بين اللهجة واللغة هو أن اللغة كلمات دالة على معنى؛ مثل الاسم والفعل والحرف (نفس المصدر)، واللهجة هي طريقة نطق تلك الكلمات.
وقد بيّن آخرون الفرق بين اللهجة واللغة على النحو التالي: «اللغة تتألف من كلمات، ويحدث لهذه الكلمات بسبب النبر والاتكاء على بعض الحروف لهجات متنوعة» (ابن تيمية، 2008: 30). تتألف اللغة من كلمات، وبسبب النبر والاتكاء على بعض الحروف، تحدث لهجات متنوعة لهذه الكلمات؛ مثلاً كلمة «ماء» في الجزيرة العربية تُنطق «موية»، وفي مصر «ميّة»، وفي الشام «مي»، وفي بعض القبائل البدوية «ما» بدون همزة؛ في حين أن معناها في جميع هذه المناطق اللغوية هو الماء وشكلها المكتوب «ماء»؛ ولكن طريقة نطقها مختلفة (نفس المصدر، 3).
وقد ذكر بعض المحققين للغة المعاني التالية: 1. اللغة ومجموعة الألفاظ والأصوات التي يستخدمها قوم وأمة لإيصال أهدافهم إلى المخاطب؛ 2. الكلمة واللفظ الذي وُضع لمعنى؛ 3. القاموس والكتاب الذي تُشرح فيه معاني مفردات لغة ما؛ 4. علم اللغة؛ 5. اللهجة واللغة المحلية (ميرجليلي، 1390: 54).
في الجمع بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للهجة واللغة، يمكن القول إن أولاً، للغة في اللغة العربية استخدامان: أحدهما بمعنى اللسان، والآخر بمعنى الكلمات التي تتكون منها اللغة العربية، وتُعد كل كلمة وحدة لغوية. ثانيًا، اللهجة بمعنى اللهجة اللسانية وطريقة نطق الكلمات، حيث قد تختلف قبيلة عن أخرى في النطق رغم اتفاقهما على أصل الكلمة في الكتابة؛ مثلاً قبائل قريش، وبني تميم، وقيس، وربيعة، وأسد (عاملي، 1377: 189) تتفق في كتابة كلمة «نستعين»؛ لكنها تختلف في نطقها، حيث تنطقها قريش بفتح النون، وتنطقها القبائل الأربع الأخرى بكسر النون.
2. عوامل اختلاف القراءات
اختلاف القراءة هو في الواقع اختلاف في إعراب الكلمات، وهو يختلف عن اختلاف اللهجة؛ إذ قد لا يتمكن شخص من نطق إعراب بشكل صحيح بسبب لهجته، ورغم أنه يريد نطق الإعراب الأصلي، فإن لسانه لا يطاوعه ولا يستطيع نطق الإعراب الأصلي بوضوح (أحمدي، 1381: 114). وقد ذُكرت عوامل متعددة لاختلاف القراءات، مثل بدائية الخط، وخلوه من النقط والإعراب، وإسقاط الألف، واجتهاد القراء، واختلاف اللهجات… (معرفة، 1382: 14/2-30)، وسنتناول بعض هذه العوامل باختصار أدناه:
أولاً: اعتبار تفسير الصحابة نصاً قرآنياً آخر
في الروايات والتقارير، انعكست حالات متعددة من تفسير الصحابة لآية أو جزء منها، والتي للأسف اعتبرها البعض فيما بعد نصًا قرآنيًا، وفيما يلي بعض الأمثلة:
1. أمرت عائشة وحفصة الكاتب أن يكتب بعد جملة {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (البقرة: 238) «والصلاة العصر»، وكان مقصدهما تفسير (الصلاة الوسطى) بـ (صلاة العصر)؛ أي أن المقصود بالصلاة الوسطى هو صلاة العصر، لا أن هذه الجملة جزء من الآية (عسكري، 1416: 197/2).
2. في تفسير الطبري، ورد أحد النقول على النحو التالي: «حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب، قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: “فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى”» (طبري، 1412: 9/5)؛ روى حبيب بن أبي ثابت عن أبيه قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً وقال: هذا المصحف بقراءة أُبي. قال أبو كريب عن يحيى: رأيت هذا المصحف عند نصير وفيه جملة «إلى أجل مسمى» في تتمة «فما استمتعتم به منهن».
3. روى السيوطي الرواية التالية عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ان عليا مولى المؤمنين وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}» (السيوطي، 1431: 298/2)، أي كنا في عهد رسول الله (ص) عندما نتلو الآية 67 من سورة المائدة، نقرأ معها جملة «إن عليا مولى المؤمنين».
في هاتين الروايتين اللتين تتحدثان عن قراءة من هذا القبيل، وبالنظر إلى معنى القراءة في عصر النبي (ص) الذي كان تعليمًا للفظ والمعنى، وفي عصر الصحابة الذي كان تعليمًا للمعنى، يتضح أن أُبيًّا وابن مسعود قد فسرا هاتين الآيتين على هذا النحو، لا أن هاتين الجملتين كانتا جزءًا من الآية (عسكري، 1416: 198/2).
ثانياً: الروايات الدالة على اجتهادات الصحابة
تشير بعض الروايات إلى اجتهادات الصحابة في تبديل النص القرآني بما كانوا يستحسنونه؛ مثل كلمة «ننسها» في الآية 106 من سورة البقرة {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، التي قرأها سعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب «ننساها» و«ننسك»، استنادًا إلى أن كلمتي «تنسى» و«نسيت» وردتا في موضعين من القرآن. وهناك روايات أخرى تحكي عن تبديل الصحابة للنص القرآني وفق ما يأنسون به من لغتهم؛ فكلمة «هذان» في الآية 63 من سورة طه {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأتها عائشة وعثمان «هذين». ولما قرأ أبان بن عثمان هذه الآية على أبيه عثمان، قال عثمان: إنها خطأ. فقال له أحدهم: ألا تغيرها؟ قال: دعوها كما هي، فإنها لا تحرم حلالاً ولا تحل حراماً (عسكري، 1416: 199/2).
وقد قال القرطبي في هذا الصدد: «هذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف» (قرطبي، 1364: 216/11)، أي أن هذه القراءة موافقة للإعراب ومخالفة للمصحف.
ثالثاً: تأثير الروايات الموضوعة في تبديل النص القرآني بغيره
من أهم عوامل اختلاف القراءات الروايات الموضوعة التي تقول إن النبي (ص) أقرأ آية بألفاظ مختلفة، وعندما حدث النزاع، قال النبي (ص) تبريرًا لذلك إن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ مثل «تعال» و«أقبل»، و«هلم» و«اذهب»، و«أسرع» و«عجل»، فلا حرج عليكم أن تقرؤوا «عليماً حكيماً» أو «غفوراً رحيماً»، ولكن لا تبدلوا ذكر الرحمة بالعذاب، وذكر العذاب بالرحمة (عسكري، 1416: 202/2).
رابعاً: الأخطاء الإملائية في رسم مصاحف عثمان
أخذ عثمان من حفصة المصحف الذي دُوّن في عهد عمر، والذي كان عمر قد أودعه لديها أمانة. ودُوّنت النسخة الإمام (المرجع) على أساسه، وعندما أُحضرت إلى عثمان، قال: فيها أخطاء، والعرب ستصححها بألسنتها. ثم أمر بإعداد سبع أو تسع نسخ منه، وأُرسلت نسخة إلى كل مدينة من المدن الإسلامية الكبرى مع قارئ. وكان القراء الذين أرسلهم عثمان قد تعلموا قراءة القرآن من الصحابة قبل كتاب المصاحف، وكان الصحابة أنفسهم قد تعلموا تلك القراءة من فم النبي (ص) المبارك، فكانوا يقرؤون القرآن كما تعلموه، وبهذه الطريقة كانوا يصححون أخطاءه الإملائية في الإقراء وتعليم التلاوة (عسكري، 1416: 203/2-207).
خامساً: مقارنة النص القرآني بقواعد اللغة العربية
وُضعت في اللغة العربية قواعد للكلام المنظوم وغير المنظوم؛ مثل إلحاق تاء التأنيث باسم الفاعل المؤنث، وتقديم الفاعل على المفعول به حيث يُخشى اللبس، ووضع علامات الإعراب بالحركات والحروف في أواخر الكلمات لمنع الخطأ، وغيرها. أما للكلام المنظوم كالشعر، فلم تُدوّن قواعد خاصة، والقرآن الكريم، وهو أحد مصاديق الكلام المنظوم في كلام العرب، لم تُكتشف له قواعد خاصة حتى الآن. ورغم أن الشعر وبعض النثر الفني منظوم من حيث اللفظ، فإن القرآن، الذي ليس بشعر ولا بنثر، آياته وسوره منظومة ومتمتعة برونق خاص من جهات متعددة لفظًا ومعنى وغير ذلك؛ فمثلاً في آية {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ} (التين: 1-2)، «طور سينين» بدل من «طور سيناء»، وقد جاءت بهذه الصورة لمراعاة الوزن مع الآية الأولى. وفي آية {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (طه: 64)، «هذان» بدل من «هذين»، وقد جاءت بهذه الصورة لمراعاة الوزن. وفي هاتين الحالتين، حيث لا يحصل لبس ولا خطأ؛ فلا حاجة لمراعاة قواعد اللغة العربية الموضوعة للكلام غير المنظوم، حتى نجعل بها قراءة مخالفة للنص المنزل من عند الله على النبي (ص) (عسكري، 1416: 208/2-239).
سادساً: اجتهادات القراء
في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، اجتهد القراء وخلقوا قراءات استنادًا إلى روايات، وبهذه الطريقة نشأ علم القراءة. ومستندهم روايات خلاصتها كالتالي:
أ. ناجى النبي الأكرم (ص) ربه وطلب منه أن يخفف على أمته في قراءة النص القرآني، فأذن الله لهم أن يقرؤوا بسبعة أحرف؛ أي أن يبدلوا كلام الله بما شاؤوا، ويبدلوا أسماء الله الواردة في القرآن بعضها ببعض، بشرط ألا يتبدل معنى آية الرحمة إلى عذاب والعكس. مثلاً، في آية ورد فيها «عزيز حكيم»، يمكن للناس أن يبدلوها بـ«سميع بصير».
ب. بدّل الصحابة نصوص القرآن بما رأوه موافقًا لقواعد العربية، أو بما استحسنوه باجتهادهم.
ج. قال عثمان عن المصحف: فيه خطأ إملائي، ولكن العرب سيصلحونه بألسنتهم. فُهم من كلام عثمان أن في رسم المصحف خطأ، وأن العرب سيصلحونه بألسنتهم؛ لكنهم لم ينتبهوا إلى أن هذه الرواية قد تكون موضوعة ومختلقة من قبل الزنادقة (عسكري، 1416: 240/2).
بسبب وجود مثل هذه الروايات، اجتهد البعض وشرعوا في تبديل النص القرآني ليقتدوا بالصحابة، واستفادوا في عملهم هذا من عدة أمور:
1. من كل رواية ورد فيها تبديل لفظ القرآن بغيره من قبل الصحابة، استفادوا منها، سواء كانت تلك الرواية صحيحة أو ضعيفة أو شاذة وفقًا لمعايير علم الرجال عند أهل السنة.
2. من كل لغة من لغات قبائل العرب استخدموها دون أن يتحققوا مما إذا كانت من اللغات الشائعة أم النادرة والشاذة، وكذلك من كل قاعدة من قواعد العرب استخدموها دون أن يأخذوا في الاعتبار حالات الاستثناء فيها.
3. في عملهم هذا، اجتهدوا في تبديل النص القرآني بغيره بناءً على استحساناتهم.
بناءً على ذلك، عرض هؤلاء الأفراد نصوص القرآن على قواعد العربية التي يرتضونها، وبدلوا النصوص التي وجدوها مخالفة لها بلفظ يوافق تلك القواعد. وبحثوا وفتشوا في لغات العرب، واختاروا من بينها لغات وبدلوا ألفاظ القرآن بها. وتسابقوا في جمع لغات كل قبيلة، ورواياتها، وقواعدها، وجعلوا تلك اللغات والقواعد والروايات حاكمة على القرآن، وكل لفظ، سواء كان شاذاً أو غير شاذ، استبدلوا به لفظ القرآن، وأطلقوا عليه اسم «قراءة»، وأطلقوا على عملهم هذا اسم «علم القراءة»، وعلى أنفسهم اسم «قراء»، وبهذه الطريقة اكتسبوا اسمًا وشهرة في المجتمع الإسلامي. واعتقد بعض الناس أنهم علماء متخصصون في علم القراءة، ولم يدركوا أن عملهم هو تغيير كلام الله المجيد (عسكري، 1416: 241/2)؛ على سبيل المثال، يذكر القرطبي في تفسير سورة الفاتحة:
«التاسعة والعشرون {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيد أبوك. ومعناه أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به. وقيل: هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله عز وجل والفهم عنه، قال جعفر بن محمد. ولغة القرآن “الَّذِينَ” في الرفع والنصب والجر، وهذيل تقول: اللذون في الرفع، ومن العرب من يقول: اللذو، ومنهم من يقول الذي وسيأتي. وفي “عَلَيْهِمْ” عشر لغات، قرئ بعامتها: “عَلَيْهِمْ” بضم الهاء وإسكان الميم. و”عليهم” بكسر الهاء وإسكان الميم. و”عليهمِي” بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة. و”عليهمو” بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و”عليهمو” بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم. و”عليهم” بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء: “عليهمِي” بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن البصري عن العرب. و”عليهم” بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و”عليهم” بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و”عليهم” بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب، قاله ابن الأنباري» (قرطبي، 1364: 148/1).
دراسة: ورد في البداية أن في كلمة «عليهم» عشر لغات. ولغة كل قبيلة هي الكلمة التي يختص نطقها بها، وأحيانًا تسمى لهجة. وبما أن لغة واحدة منها (عليهم بكسر الهاء وسكون الميم) هي لغة القرآن؛ كما هو مكتوب في المصاحف، نفهم أن اللغات التسع الأخرى هي من اجتهادات القراء ولغات قبائل العرب. وبهذا التوضيح، بعد ذكر ست لغات، قيل إن هذه الوجوه الستة مأثورة عن أئمة القراء؛ أي أن القراء الذين يُقتدى بهم في قراءة القرآن قد قرؤوا بهذه اللغات الست، والاقتداء بهم صحيح للمسلمين، ويمكنهم القراءة بأي من هذه اللغات الست. ويتبين من كلام القرطبي أن كلمة «عليهم» قُرئت بلغة القرآن، وأن خمسة قراء آخرين قرؤوها وفق اجتهاداتهم.
وفي تتمة الكلام، قيل إن أربعة وجوه أخرى منقولة عن العرب لا عن القراء، وأن ذكر هذه الوجوه الأربعة ضمن القراءات العشر يعود إلى كونها جزءًا من لغات العرب، ولغات العرب هي أحد المصادر التي أُخذت منها القراءات. ويؤيد ذلك عدة أمور، منها أنه قال في البداية «قرئ بعامتها»، أي أن النص القرآني قُرئ بعموم تلك اللغات العشر، لأن المقصود في علم القراءة بـ«قرأ» و«قرئ» هو قراءة النص القرآني؛ كما أن القارئ متخصص في قراءة القرآن. والأمر الآخر هو أنه قال في ختام كلامه: «وكلها صواب، قاله ابن الأنباري». وابن الأنباري هو أبو بكر محمد بن القاسم اللغوي النحوي، الذي وُصف بأنه كان علامة عصره في الأدب، يحفظ 120 تفسيرًا للقرآن، أي يرويه بالسند عن مؤلفيه، وكان يحفظ ثلاثمئة ألف بيت شاهد في القرآن المجيد يستشهد بها على صحة النص القرآني، وأحيانًا على صحة القراءات، ويستدل بها على معنى النص القرآني (القفطي، 1406: 27/3). وقول ابن الأنباري إن كل هذه القراءات العشر صحيحة يعود إلى أنه وجد ستًا منها في قراءة القراء وأربعًا منها في لغة العرب.
أما القراءات التسع الأخرى لكلمة «عليهم» التي قُرئت في مقابل النص القرآني، فلم ينزلها الله، ولم تصدر قراءتها عن رسول الله (ص)، ولم ترد عن الصحابة؛ لأنه لو رويت عنهم، لنُسبت إليهم؛ كما قيل في «مَلِك» و«مالك» إن هاتين القراءتين مرويتان عن النبي (ص) وأبي بكر وعمر. وفيما يتعلق بـ«صراط الذين أنعمت عليهم»، قيل: قرأ عمر وابن الزبير هكذا: «صراط من أنعمت عليهم»، وهنا نُسبت القراءة إلى عمر وابن الزبير (عسكري، 1416: 243/2-244).
ونتيجة لذلك، فإن قراءة «عليهم» بكسر الهاء وسكون الميم موافقة لخط المصحف الموجود اليوم بين أيدي الناس، والذي تلقاه الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل، ولذا فإن جميع الناس من عصر النبي (ص) حتى الآن يقرؤونها بهذا الشكل، باستثناء طبقة القراء، ومنهم الذين اختلقوا القراءات، فإن سائر الناس كتبوها هكذا وتلقوها من لسان النبي (ص) المبارك، وهكذا أوحيت إلى النبي (ص). أما القراءات التسع الأخرى، فبعضها اختلقه القراء، وبعضها اقتُبس من نطق بعض قبائل العرب لكلمة «عليهم»، ثم أُخضع كلام الله لنطق هذه القبائل، وبهذه الطريقة أوجد القراء تسع قراءات مقابل النص القرآني الذي لم ينزل هكذا، ولم يقرأه النبي (ص) هكذا، ولا الصحابة، ولا سائر المسلمين في عصر النبي (ص) (عسكري، 1416: 245/2-246).
فيما يتعلق بالآية 63 من سورة طه {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}، بما أنهم وجدوها مخالفة للقاعدة المستخرجة من لغة العرب؛ لأن العرب يقولون «إن هذين لساحران»، فقد أجروا التغيير والتبديل فيها وفقًا لاجتهاداتهم، وربما كانت لديهم نية حسنة في ذلك، حيث أرادوا تصحيح كلام الله، لأنهم وجدوا قراءة «هذين» منصوبة موافقة لتعبيرهم في الكلام غير المنظوم (نفس المصدر، 252). في حين أن هذه القراءة المخترعة، أولاً، ثقيلة في النطق والسمع، وقراءة «هذان» خفيفة على الأذن والنطق، وهي موزونة وعذبة.
ثانياً، في هذه الآية، لا يشتبه المعنى على السامع، فهذه الروايات افتراء على الصحابة.
ثالثاً، الوجوه التي قيلت لتصحيح الآية هي أقوال وردت في كتب الحديث والتفسير والقراءات، وكتاب الله أجلّ من أن يشوش بمثل هذه الاجتهادات؛ قال الطبري في قراءة هذه الآية: «إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ فقرأته عامة قراء الأمصار: “إنَّ هذان” بتشديد إن وبالألف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك… وهذان بالألف لإجماع الحجة من القراء عليه، وأنه كذلك هو في خط المصحف» (الطبري، 1412: 136/16).
قراءة الرفع (هذان)، هي قراءة عموم قراء الأمصار. وقد قالوا إننا قرأنا «هذان» بهذا الشكل… و«هذان» بالألف بسبب إجماع القراء الحجة عليه، و«هذان» في رسم المصحف بهذا الشكل.
رابعاً، منشأ هذا النوع من اختلاف القراءات هو الجمود على قواعد العربية وقياس آيات القرآن عليها، ووصف ما يجدونه من الآيات مخالفًا لها من حيث الإعراب بأنه فاسد، في حين أنهم لم يدركوا أن القرآن كلام موزون، وقواعد الكلام غير الموزون لا تجري عليه، وكان عليهم أن يتعلموا استثناء هذه القواعد من القرآن. ما هو المبرر لأن تكون محاورات العرب مقياسًا لصحة تعابير كلام الله؟ لماذا لا يكون العكس؟ مع أن أحدًا لا يشك في بلاغة القرآن، والقرآن قد تحدى جميع الناس ببلاغته، وهذا التحدي قائم إلى يوم القيامة؛ بالإضافة إلى أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش أفصح العرب لغة ولسانًا (عسكري، 1416: 254/2).
خامساً، نُقلت القراءات بأخبار الآحاد، وأحيانًا ينتهي سندها إلى شخص واحد؛ خلافًا لنص القرآن المتداول بين الناس الذي نقله ملايين البشر جيلاً بعد جيل، حتى يصل سنده إلى آلاف المسلمين الذين سمعوه من لسان النبي (ص) المبارك وأخذوه منه (نفس المصدر).
سادساً، أخطأ القائلون بتعدد القراءات في فهم ما روي عن عثمان، فقد قال عثمان: في القرآن لحن، وستقيمه العرب بألسنتها. فظنوا أن في نص القرآن الموجود في المصاحف التي أُمر بتدوينها وتكثيرها خطأ، وأن العرب سيصلحونه بألسنتهم؛ أي أن العرب سيغيرون كلمات القرآن بألسنتهم قريبًا، وهذا الأمر من أسباب ظهور القراءات المتعددة؛ في حين أن قصد عثمان من هذا الكلام كان أن في رسم نسخ المصاحف المكتوبة خطأ كتابيًا، مثل كتابة «يعيسى»، «يأهل الكتاب»، «أيمنهم»، و«يوم القيمة»، والعرب بألسنتهم سيصححونها قريبًا، أي سيقرؤونها «يا عيسى»، «يا أهل الكتاب»، «إيمانهم»، و«يوم القيامة»، كما تعلموا قراءتها من الصحابة، والصحابة من رسول الله (ص)، ورسول الله (ص) من جبريل، وجبريل من الله تعالى، وكتابة المصاحف على الرسم العثماني بقيت جيلاً بعد جيل حتى اليوم (نفس المصدر، 255).
سابعاً: اختلاف اللهجات
كان اختلاف اللهجات موجودًا في زمن النبي (ص) وقد أقره؛ على سبيل المثال، روينا رواية عن أبي بن كعب مضمونها كالتالي: دخل شخص المسجد، فصلى، ولم تعجب أبيًّا قراءته، ثم جاء شخص آخر فقرأ خلافه. فذهب أبيّ معهما إلى النبي (ص) وعرض عليه الأمر. فطلب النبي (ص) منهما أن يقرآ، وبعد أن استمع إلى قراءتهما، أقرّ قراءة كليهما (ابن حنبل، 102/35).
كيف كان تفاوت قراءتهما؟ هل كان الاختلاف في الإعراب أم في اللهجة؟ الاحتمال الأول غير مقبول؛ لأن أبي بن كعب، مثل علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وغيرهم، كان من كتبة الوحي، وكان لديه مصحف كامل، وكان على دراية بقراءة القرآن، فكيف يمكن أن تظهر قراءتان من القرآن وكلتاهما صحيحة؛ ولكن شخصًا مثل أبيّ، الذي كان دائمًا مع رسول الله (ص)، لا يكون على دراية بها؟ عندما يُرفض الاحتمال الأول، يثبت تلقائيًا صحة الاحتمال الثاني، وهو أن هذين الشخصين كانا يختلفان في اللهجة، وقد أقر رسول الله (ص) اختلاف اللهجة (أحمدي، 1381: 114-115).
وقد بيّن العلامة معرفة مطالب قيمة حول اختلاف اللهجات، خلاصتها كالتالي:
كل أمة، وإن كانت تشترك في أصل اللغة، فإن لهجاتها متعددة ومختلفة بتعدد قبائلها. وقبائل العرب ليست مستثناة من هذه القاعدة، وتتمتع بتعدد اللهجات؛ فمثلاً، قبيلة تنطق كلمة «نستعين» بفتح النون، وقبيلة أخرى بكسر النون. ومثال آخر كلمة «معكم»، التي يقرؤها البعض بفتح العين، والبعض بسكون العين (معرفة، 1388: 20/2).
ومن الأمثلة الأخرى ما يلي: «أولئك» يقرؤها البعض عند النطق «أولالك»؛ و«مستهزئون» يقرؤونها «مستهزون» بدون همزة؛ وأهل الحجاز يلفظون «صاعقة»؛ لكن بني تميم يقرؤونها «صاقعة»؛ و«مهتدون» يقرؤها بعض القبائل «مهدّون» بإدغام؛ و«انظر» يبالغ بعض القبائل في إشباعها وينطقونها «انظور»؛ وبعضهم مثل بني تميم وبني قيس بن عيلان يبالغون في إظهار الهمزة المفتوحة حتى ينطقونها كالعين، مثل «أشهد عنك رسول الله» بدلاً من «أشهد أنك رسول الله»؛ وقبيلة هذيل تبدل الواو المكسورة همزة، وتنطق كلمة «وعاء» «إعاء» (نفس المصدر، 121-123).
لم تؤثر لهجات قبائل العرب المختلفة في قراءة القرآن فحسب، ليس فقط في صدر الإسلام وزمن حياة النبي الأكرم (ص)؛ بل بعد ذلك أيضًا، قرأ بعض القراء وفقًا لهجات القبائل؛ لذا إذا كانت اللهجة مألوفة ومعروفة، فلا إشكال؛ كما ورد في الأحاديث التالية: «قرأ على رسول الله (ص) من كل خمس رجل فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءتهم كلهم، فكان بنو تميم أعرب القوم» (طبري، 1412: 15/1)؛ من كل خمسة رجال قرؤوا على رسول الله، اختلفوا في اللهجة، فأقر النبي (ص) قراءة جميعهم، وكان بنو تميم أفصحهم.
يقول زيد بن أرقم: «كنا معه في المسجد، فحدثنا ساعة، ثم قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة، أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وعلي إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم، كل حسن جميل» (نفس المصدر، 10/1). كنا مع رسول الله (ص) في المسجد، فحدثنا لحظات؛ ثم جاء رجل إلى النبي (ص) وقال: علمني عبد الله بن مسعود سورة بطريقة، وعلمنيها زيد وأبي بن كعب بطريقة أخرى، وقراءتهم مختلفة، فبأي قراءة آخذ؟ فسكت النبي (ص)، وكان علي (ع) بجانبه، فقال: ليقرأ كل شخص كما تعلم، فكلها قراءة حسنة وجميلة.
تُحمل هذه الأحاديث على اختلاف اللهجات في النطق وأداء الكلمات (معرفة، 1388: 25/2).
3. تبيين علاقة القراءات باللهجات
علاقة اللهجة باللغة (اللسان) هي علاقة العام بالخاص؛ بمعنى أن اللغة عامة واللهجة خاصة؛ أي أنه في لغة واحدة قد توجد عدة لهجات، وتتكون اللغة من مجموع اللهجات؛ كما يقول بعض المحققين: «فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص، فاللغة تشتمل على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية» (قطان، 1411: 4). العلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة العام والخاص، واللغة (اللسان) تشتمل على عدد من اللهجات، لكل منها مميزاتها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الخصائص اللغوية.
أما علاقة القراءات باللهجات فهي علاقة السبب بالمسبب؛ بمعنى أن أحد عوامل وأسباب نشوء القراءات المتعددة هو تعدد اللهجات؛ لأنه إذا كانت هناك لهجة واحدة، فلن تكون هناك أكثر من قراءة واحدة؛ ولكن عندما تتعدد اللهجات، ينشأ تعدد القراءات واختلافها. وبالطبع، يجب ملاحظة أن اختلاف اللهجات ليس العامل الوحيد لتعدد القراءات؛ بل هناك عوامل أخرى لوجودها؛ كما أُشير إلى بعضها.
4. علاقة القراءات باللغات العربية المختلفة
في المباحث السابقة، عرّفنا اللغة واللهجة، وقلنا إن للغة عدة استخدامات: أحدها بمعنى اللسان؛ على سبيل المثال، عندما يقال «لغة عربية» يعني اللسان العربي. والآخر بمعنى الكلمة واللفظة، والثالث بمعنى اللهجة. هنا، ليس المعنى والاستخدام الأول هو المقصود؛ لأن اللغة العربية واحدة لا متعددة، وإن كان هناك اختلاف وتعدد، فهو في الكلمات واللهجات؛ وبناءً على هذا الاستخدام، فإن اللغة العربية مجموعة عامة توجد ضمنها القراءات المختلفة، والعلاقة بينهما علاقة العام بالخاص.
وفقًا للاستخدام والمعنى الثاني، فإن علاقة القراءات بالكلمات العربية هي من نوع علاقة العارض بالمعروض، حيث تعرض القراءات المختلفة على الكلمات، والكلمات هي المعروضة. وهذه الظاهرة متأثرة بعوامل مختلفة؛ مثل اجتهاد القراء، واختلاف اللهجات، وغيرها، التي أُشير إليها سابقًا.
وفقًا للاستخدام والمعنى الثالث، فإن علاقة القراءات المختلفة باللغات العربية المختلفة (اللهجات العربية المختلفة) هي من نوع علاقة السبب بالمسبب، حيث إن اللغات (اللهجات العربية المختلفة) هي أحد أسباب وعوامل الاختلاف في القراءات. وقد نقل بعض المحققين عن أبي شامة قوله: «في قرآن عربي من تمام زبانها ولهجه هاي عربي لغاتي وجود دارد، زيرا قرآن بر تمام عربها نازل گرديد، و خداوند متعال به آنها رخصت داد که مي توانند آن را بر حسب لغات مختلف خود قرائت کنند. به همين جهت قرائات مختلف در مورد قرآن کريم پديد آمده است» (فضلي، بيتا، 123).
5. تأثير القرآن في إحياء اللغات واللهجات
بعد أن تعرفنا باختصار على علاقة القراءات باللهجات واللغات العربية، حان الوقت لدراسة تأثير القرآن في إحياء اللغات واللهجات العربية.
في الجاهلية، كانت اللغة العربية أولاً محدودة من حيث المعنى؛ لأن العرب كانوا يعيشون في الصحراء والبادية، وعندما كانوا يفكرون، كانوا غارقين في المحسوسات وغافلين عن الصور المعنوية، ولهذا السبب كانوا بسيطين وساذجين جدًا في التعبير عن المعاني. ثانيًا، كانت سطحية من حيث المعنى؛ لأنها لم تتعمق فيما وراء المحسوسات، وكان الشاعر الجاهلي، بسبب استقاء خياله من عالم محسوساته المحيطة، كانت معظم تشبيهاته حسية. ثالثًا، كانت بدائية الفكر والتفكير سببًا في أن العربي الجاهلي لم يكن لديه بصيرة شاملة تجاه الأشياء والقضايا. رابعًا، كانت تعابيرهم بسيطة. ولكن مع مجيء القرآن، حدثت تأثيرات كبيرة في النواحي المذكورة أعلاه؛ ومنها يمكن الإشارة إلى التأثير المعنوي، حيث إن شعراء مثل «لبيد بن ربيعة»، و«عبيدة بن الطيب»، و«الحطيئة»، و«الفرزدق»، و«ابن الزبعري» وغيرهم، متأثرين بالقرآن، تحدثوا عن مدح وثناء الخالق، والجنة، والنار، والتقوى، والإحسان إلى الوالدين، والابتعاد عن النميمة، وغيرها (سيدي، 1371: 103-104).
يمكن تقسيم التأثيرات اللفظية للقرآن على اللغة العربية إلى قسمين: تأثير عام وتأثير خاص. أحد التأثيرات العامة هو إحياء اللغة العربية وجعلها لغة حية وديناميكية؛ بمعنى أنه كانت هناك لغات في العالم مثل الفينيقية والآشورية وغيرها، التي اندثرت بمرور الزمن ولم يبق منها اليوم سوى اسمها؛ أما اللغة العربية، التي هي اللغة الدينية لملايين المسلمين، وببركة القرآن انتقلت إلى مناطق مختلفة، فلم تتعرض للتغيير والتحول فحسب؛ بل زادت نموًا وازدهارًا، وسر هذا الأمر يكمن في القرآن. التأثير العام الثاني هو أن اللغة العربية أصبحت اللغة الرسمية للمسلمين، وقبل مجيء الإسلام لم تكن اللغة العربية تحظى باهتمام كبير؛ ولكن بعد ذلك، وببركة القرآن، حظيت هذه اللغة بالاهتمام (نفس المصدر، 105).
أما التأثيرات الخاصة فهي:
1. تهذيب الألفاظ: كان لدى الأعراب، بسبب حياة الصحراء والبادية، ألفاظ خشنة وكلمات غير مألوفة، ومع مجيء فصاحة القرآن وعذوبته، حدثت تأثيرات هائلة عليها؛ لأن المسلمين كانوا يحفظون آيات القرآن، وكان لهذا الأمر تأثير كبير في تهذيب ألفاظهم.
2. التوسع في المعنى: بواسطة المفاهيم القرآنية الجديدة، خرجت الكثير من ألفاظ اللغة العربية؛ مثل «مسلم»، «مؤمن»، «كافر»، «صلاة»، «صوم»، «حج»، وغيرها، من دائرة معناها المحدودة والضيقة، واكتسبت معنى أوسع.
3. أن يصبح قدوة في الأسلوب: القرآن، الذي ليس بشعر ولا بنثر؛ بل له أسلوب بديع لا سابق له، وكان دائمًا محط اهتمام الأدباء والشعراء والخطباء، وبهذه الطريقة أصبح قدوة في أسلوب البيان.
4. ظهور مصطلحات جديدة: ظهرت العديد من المصطلحات الأدبية، والكلامية، والفقهية، والمدارس النحوية، والنقدية، وفن القصة، والبلاغة، والعروض، والتفسير، وغيرها، نتيجة الاهتمام بالقرآن (نفس المصدر، 106-107).
ب. ذروة الفصاحة والبلاغة في القرآن
لقد بلغت فصاحة القرآن وبلاغته ذروتها لدرجة أنه على مر التاريخ، جرت قراءات متعددة لآياته؛ ولكنها لم تؤثر أبدًا على فصاحته وبلاغته وإعجازه. وللتعرف على جانب من ذروة فصاحة وبلاغة القرآن، لا بد من بحث ودراسة إيقاع وموسيقى آياته ونظم وترتيب ألفاظه باختصار.
1. إيقاع وموسيقى الآيات
لا شك في أن القرآن الكريم كتاب عربي، كما يشهد هو نفسه على ذلك: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الزخرف: 3)، وأُنزل على نبي عربي، كما يقول: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (النحل: 103)، ومكان نزوله بيئة عربية، كما يشير هو نفسه إلى ذلك: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشورى: 7)، وبأسلوب ولغة عربية، كما يقول: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195). ومن الطبيعي أن يكون ظاهره مكونًا من ألفاظ ومفردات عربية، وهذه المفردات بجانب بعضها البعض أوجدت موسيقى معجزة.
الموسيقى مجموعة من الأصوات والأنغام التي إما تسبب نشاطًا روحيًا أو تحزن النفس (مروتي، 1392: 38).
المقصود بإيقاع وموسيقى الآيات هو أنه في استعمال كل كلمة من القرآن، تمت مراعاة دقة وحساب مذهل، بحيث نشأ في الآيات نغمة وإيقاع جميل ومتناسب مع المعنى (ركني، 1379: 187).
وقد أورد بعض الباحثين في تعريف موسيقى أو نظم إيقاع القرآن ما يلي: «المراد من نظم الإيقاع أو موسيقى القرآن، إيقاع خاص ينشأ من طريقة ترتيب حروف وكلمات القرآن، ويصل إلى الأذن عند سماع القرآن الكريم» (ممتحن، 1389: 178).
اعتبر السيوطي إيقاع وموسيقى الآيات أحد وجوه إعجاز القرآن، وقال: «هو كون قارئه لا يكل، وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته» (السيوطي، 1412: 248/2)؛ أحد وجوه إعجاز القرآن هو أن قارئه لا يتعب وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته.
ويصف في تتمة كلامه صوت القرآن الموسيقي بقوله: «أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين» (نفس المصدر، 249/2)، فالقرآن دائمًا وأبدًا غض طري في آذان السامعين وعلى ألسنة القارئين.
«قارئه لا يمل، وسامعه لا يكل، بل يزيده إقباله على تلاوته حلاوة، وتكرار قراءته يزيد محبته، في حين أن الكلام الآخر يورث العداوة بالتكرار، ويصبح مملاً بإعادته، لذا وصف النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم القرآن بأنه «لا يخلق على كثرة الرد» (نفس المصدر، 384).
الخاتمة
في ختام هذا المقال، يمكن القول إنه لإظهار التأثير اللغوي لإعجاز القرآن في القراءات، كان لا بد أولاً من دراسة تأثير القرآن في إحياء لهجات ولغات اللغة العربية، ثم بيان جوانب من ذروة فصاحته وبلاغته. وللوصول إلى المطلب الأول، دُرست علاقة القراءات بلهجات ولغات اللغة العربية المختلفة، وخلاصة ذلك أن اللهجة تعني نوع اللهجة وطريقة نطق الكلمات، واللغة تأتي بمعانٍ عدة: أحدها بمعنى اللسان، والآخر بمعنى المفردات والكلمات، والثالث بمعنى اللهجة. وعلاقة القراءات باللغة وفقًا للمعنى الأول هي علاقة العام بالخاص، ووفقًا للمعنى الثاني هي علاقة العارض بالمعروض. كما أن علاقة القراءات باللهجة هي علاقة السبب بالمسبب، حيث إن اختلاف اللهجات هو أحد عوامل وأسباب اختلاف القراءات. وفي النهاية، بُيّنت التأثيرات اللفظية والمعنوية للقرآن في إحياء لغات ولهجات العرب، مثل إزالة المحدودية المعنوية، وتعميق المعنى، وتوسيع الرؤية، وتهذيب الألفاظ، وإيجاد التوسع في المعنى، وأن يصبح قدوة في الأسلوب، وظهور مصطلحات جديدة.
وللوصول إلى المطلب الثاني، عرّفنا الموسيقى أولاً، وهي عبارة عن مجموعة من الأصوات والأنغام التي إما تسبب نشاطًا روحيًا أو تسبب الحزن والأسى للنفس. والمراد بموسيقى القرآن إيقاع خاص ينشأ من طريقة ترتيب حروف وكلمات القرآن، وله تأثير مذهل في تحول وتغيير روح الإنسان. وتنقسم موسيقى القرآن إلى نوعين: موسيقى ظاهرية وموسيقى باطنية. والفرق بين موسيقى القرآن وموسيقى أهل الفسوق فرق ماهوي. وفي النهاية، بُيّنت أمثلة من النظم المذهل والترتيب البديع للقرآن؛ مثل العدول، واستخدام الحركات، واستخدام الكلمات في تداعي الأصوات الخارجية، والتناغم بين اللفظ والمعنى، وترتيب الحروف في الآيات.
حصيلة كل هذه المطالب هي أن العارفين باللغة العربية والقبائل العربية المختلفة بلهجاتها المتعددة، كانوا على مر التاريخ مسحورين بالبيان المعجز ومجذوبين للنظم البديع والترتيب الموسيقي لألفاظ القرآن وموسيقاه، وما زالوا كذلك، ونتيجة لهذا الانجذاب، ظهرت قراءات مختلفة لألفاظ ومفردات القرآن؛ ولكن في الوقت نفسه، لا يزال إعجازه البياني يتألق ويتحدى اللغويين.
ولكن قبول هذه النظرية يستلزم قبول التحريف بالنقص أو الزيادة في القرآن؛ كما أُشير إلى أمثلة لذلك في ثنايا المطالب، ومنها في بحث عوامل اختلاف القراءات، أُشير إلى أن أحد تلك العوامل هو اعتبار تفسير الصحابة نصًا قرآنيًا؛ مثل أمر عائشة وحفصة لكاتب القرآن بأن يكتب في آية 238 من سورة البقرة {والصلاة الوسطى} «والصلاة العصر». فلو اعتبر أحدهم كلمة «العصر» قراءة من القرآن، لكان ذلك سببًا للتحريف بالنقص؛ لأن هذه الكلمة غير موجودة في نص القرآن الحالي. ومثال آخر هو اعتبار جملة «إلى أجل مسمى» جزءًا من آية المتعة {فما استمتعتم به منهن}، وهي غير موجودة اليوم، وهذا يوجب التحريف بالنقص. وللأسف، وقع بعض أهل السنة في هذا الوهم، وقالوا إن الشيعة يقولون بالتحريف بالنقص؛ لأن هذه الرواية وردت في كتبهم الروائية، غافلين عن أن مثل هذه الرواية وردت في مصادرهم أيضًا، مثل تفسير الطبري؛ على سبيل المثال، إحسان إلهي ظهير، أحد الذين اعتبروا في كتاب «الشيعة والقرآن» أن جواز التحريف من عقائد الشيعة، وقال: «جواز لحوق التحريف له… إن ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق الذي أصدر هذا القول أول مرة في الشيعة أورد نفسه روايات كثيرة في كتبه التي ألفها والتي تدل على تغيير القرآن وتحريفه ونقصانه بدون أن يقدح فيها ويطعن، ما يدل على أن عقيدته الأصلية كانت طبق ما اعتقدها القوم. فنورد ههنا روايات تسعة من الأحاديث الكثيرة التي أوردها في كتبه، وقد يأتي ذكر بعضها في الباب الرابع. فأولها ما أوردها في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية في كتاب النكاح تحت باب المتعة، فيقول: أحل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المتعة، ولم يحرمها حتى قبض – واستدل على ذلك بقوله – وقرأ ابن عباس: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله» (إحسان إلهي، بي تا، 68). ومن عقائد الشيعة جواز التحريف بالنسبة للقرآن… ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق هو أول من قال هذا الكلام في الشيعة، وأورد روايات كثيرة في كتبه تدل على تغيير وتحريف ونقصان القرآن دون أن ينتقد هذه الروايات. وهذا يدل على أن عقيدته الأصلية كانت وفقًا لعقيدة عامة الشيعة. وقد ذكر تسع روايات في هذا الصدد، وأول رواية أوردها في كتاب من لا يحضره الفقيه، وهو أحد الكتب الصحيحة والمعتبرة لدى الشيعة، في كتاب النكاح، باب المتعة، يقول: أحل رسول الله المتعة، ولم يحرمها ما دام حيًا، واستدل على ذلك بحديث ابن عباس أنه قرأ هكذا: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله» (ابن بابويه، 1413: 459/3). اليوم، جملة «إلى أجل مسمى» غير موجودة في نص القرآن، فالقرآن إذن قد تعرض للتحريف بالنقص. وفي الرد، يمكن القول: هل انتقد محدثو أهل السنة الذين نقلوا مثل هذه الروايات في مصادركم الحديثية ذلك؟ لماذا لا تبحث عن عقائد الشيخ الصدوق في كتبه الاعتقادية؟ لماذا لا تبحث عن عقائد الشيعة في كتبها الاعتقادية؟ في أي كتاب اعتقادي شيعي قيل إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن؟ لقد كتب علماء الشيعة كتبًا في رد التحريف. وقد أورد السيوطي في تفسير الدر المنثور عن ابن مسعود هذه الرواية أنه في عهد رسول الله (ص) عندما كنا نتلو الآية 67 من سورة المائدة، كنا نقرأ معها جملة «إن عليا مولى المؤمنين».
هل يمكن القول إن السيوطي، لأنه نقل هذا الحديث ولم يطعن فيه، قائل بالتحريف بالنقص؟
وفي ضمن الروايات التي تشير إلى اجتهادات الصحابة، أُشير إلى أنه في الآية 106 من سورة البقرة {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، قرأها سعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب «ننساها» و«ننسك». وكلمة «هذان» في الآية 63 من سورة طه {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأتها عائشة وعثمان «هذين».
خلاصة هذه الحالات القليلة التي أُوردت كأمثلة تثبت جيدًا أن القراءات المختلفة ليست وحيًا؛ بل هي ظاهرة نشأت بعد رسول الله (ص). وعندما لا تكون القراءات، باستثناء قراءة واحدة، وحيًا، فلا يثبت كونها قرآنًا، وبالتالي تبطل نظرية الإعجاز في القراءات. وبناءً على ذلك، فإن إحدى التداعيات الخطيرة لقبول نظرية الإعجاز في القراءات هي قبول وقوع التحريف بالزيادة والنقصان في القرآن، وأحد أدلة بطلان هذه النظرية هو مسألة التحريف هذه، التي يرفضها علماء الشيعة والسنة.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 1402/07/02، تاريخ المراجعة: 1402/12/06، تاريخ القبول: 1403/05/10.
2. أستاذ مساعد وأستاذ مشارك في قسم علوم وفنون القراءات بجامعة المصطفى (ص) العالمية، قم، إيران (من أفغانستان). mohamad_aminitehrani@miu.ac.ir.
3. أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس في المجمع العالي للقرآن والحديث بجامعة المصطفى (ص) العالمية، قم، إيران. mohamad_aminitehrani@miu.ac.ir.
4. أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة المصطفى العالمية، قم، إيران. shirafkan@gmail.com.