الملخص
يحظى “فهم الحديث” بمكانة رفيعة لدى علماء الشيعة، إلا أن فهوم المحدثين الشيعة في تعاملهم مع الأحاديث، ومنها الأحاديث العقائدية، متفاوتة. يعود بعض هذا الاختلاف في الفهم إلى مفسّر الحديث نفسه، حيث يمكن إرجاع هذا التباين إلى اختلاف مستويات فهم الأفراد، وميولهم، واختلافهم في المباني والتوجهات. وما يبدو ذا أهمية هو الاختلاف في الأصول والمباني ومنهجية تعامل علماء الشيعة مع النصوص الروائية، والذي يلعب دورًا كبيرًا في تنوع فهم الحديث. ومن بين هذه التوجهات، يبرز خطاب النصية والعقلانية لدى علماء القرن الرابع، مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، في مواجهتهم للروايات العقائدية. من البديهي أن رؤية أصحاب هذين التوجهين ستؤدي إلى نتائج مختلفة في فهم الأحاديث العقائدية؛ فنتيجة التوجه النصي هي التوقف في فهم متن بعض الأحاديث العقائدية، ونتيجة التوجه العقلاني هي توسيع المعارف العقائدية وتقييمها على أساس العقل. يتناول هذا البحث، بعد دراسة مفهوم الفهم والعقلانية والنصية، وباعتماد المنهج التاريخي التحليلي، الفروق بين النصيين والعقلانيين في مؤشرات مثل تصورهم ورؤيتهم لقبول الأحاديث، وكذلك التهرب من العقل أو الاجتهاد في الأحاديث العقائدية، مما يؤدي إلى فهوم متباينة في الأحاديث المتعلقة بمسائل مثل سهو النبي، وأفعال العباد، وخلق الأرواح قبل الأجساد.
١. طرح المسألة
على مر تاريخ الإسلام، أولى العلماء المسلمون، لا سيما العلماء الشيعة من متكلمين (أمثال الشيخ المفيد والسيد المرتضى)، وفقهاء (نظير الشهيد الأول والعلامة الحلي)، ومحدثين (كهؤلاء الكليني والصدوق)، وباحثي القرآن، أهمية بالغة لدور ومكانة الحديث في تبيين المعارف الدينية، وسعوا لتقديم فهم صحيح للنصوص الحديثية؛ فمسألة فهم الحديث كانت من أهم الهواجس الأساسية للمفكرين في مجال الحديث. ولكن، بما أن كل باحث في الحديث يتبنى مباني وأصولاً يعتبرها مسلمات، ويفسر النصوص الحديثية بناءً على مبانيه الخاصة، ويستشهد بها وفقًا لذلك التوجه، وإذا ما تعارض نص مع مبانيه فإنه يتركه أو يتوقف فيه، فإن هذه المباني، نظرًا لتنوعها وعدم قبول بعضها من قبل آخرين، أدت إلى تناقض وتنوع في فهم الحديث. وربما أدى كثرة الفهوم من الروايات على مر التاريخ إلى ظهور مدارس حديثية مختلفة وتفسيرات متباينة للحديث الواحد. وتتجلى هذه المسألة بشكل أوضح في الروايات الكلامية مقارنة ببقية الروايات. يمكن القول إن جذور كثير من اختلافات العلماء الشيعة في فهم الروايات العقائدية تعود إلى الفروق في التوجهات.
لدى العلماء الشيعة ثلاثة توجهات أساسية في تفسير وشرح الأحاديث، وهي: التوجه العقلي، والتوجه التأويلي، والتوجه النصي. ومع تشكل اتجاهين مهمين، هما العقلانية والنصية، في مدرستي بغداد وقم، ظهر هذان التوجهان المختلفان، مما أدى إلى فهوم متباينة ولكن ليس بالضرورة متعارضة. والسؤال الأساسي هنا هو: مع أن الحديث يُعد مصدرًا دينيًا مقبولاً في جميع المدارس الحديثية الشيعية، فما هو سبب اختلاف الفهوم للنصوص الحديثية بين المدارس الحديثية المتنوعة؟ وما هو العامل الذي له تأثير كبير في هذا الاختلاف؟ يسعى هذا البحث، من خلال المنهج التاريخي التحليلي والوصفي، إلى بيان كيفية تأثير التوجه العقلي والظاهري على تنوع فهم الأحاديث العقائدية.
توجد دراسات يمكن اعتبارها خلفية لهذا البحث، منها مقالات بعنوان “استكشاف أنماط تدخل ذهنية الرواة في فهم الحديث” (ساجدي وشاهرودي، ١٣٩٢ش)؛ “استكشاف تأثير المعتقدات الكلامية على فهم الحديث وأضرارها” (حسن بكي، ١٣٩٦ش)؛ “مدخل إلى تأثير المعتقدات الكلامية على تقييم سند ومتن الحديث” (نفسه، ١٣٩٥ش) و”دور المعتقدات الكلامية في تقييم وفهم الحديث؛ دراسة حالة لمواجهة القرطبي لحديث المنزلة” (موحدي وحشمت بور، ١٣٩٥ش).
لذلك، بالتدقيق في خلفية البحث، يمكن القول إن بعض أسباب اختلاف فهم الحديث قد تم تناولها بشكل ناقص جدًا، كما أن المؤلفين في هذا المجال كانوا بصدد بيان كيفية استخدام المعتقدات الكلامية في فهم الحديث (وليس تنوع فهم الحديث)؛ ولكن فيما يتعلق بسبب تنوع فهم الحديث والتركيز على المعتقدات الكلامية، خاصة في القرن الرابع كعامل مؤثر في تنوع فهم الأحاديث الكلامية، لم يُكتب أثر مستقل سواء كان مقالاً أو رسالة أو كتابًا.
٢. دراسة المفهوم
قبل الدخول في صلب البحث، من الضروري تناول المعاني اللغوية والاصطلاحية لبعض المفردات المرتبطة بعنوان البحث.
١-٢. الفهم
الفهم في اللغة يعني الإدراك، والعلم، والمعرفة، والمعرفة القلبية (ابن فارس، ١٣٩٩ق، ٤٥٧؛ الفيروزآبادي، ١٤٢٠ق، ١٠٣٣؛ الشرتوني اللبناني، ١٤٠٣ق، ٢: ٩٤٨)، وهو نقيض الجهل والجهل (الطريحي، ١٤٠٨ق، ٣: ٤٣٢). وقد اعتبره البعض شكلاً من أشكال الإدراك ونشاطًا ذهنيًا، يُطلق على هيئة وحالة في الإنسان ترتسم بها المعاني في ذهنه. وفي أقرب الموارد، ورد أن “فهم” مصدر (وقيل أيضًا إنه اسم مصدر) ويعني تصور شيء من لفظ المخاطب، و”الإفهام” هو إيصال المعنى باللفظ ليفهمه السامع (الشرتوني اللبناني، ١٤٠٣ق، ٢: ٩٤٨).
يقول الراغب الأصفهاني في تعريف الفهم: “هو هيئة للإنسان يتحقق بها معاني الكلام على وجه حسن”. وقيل أيضًا عن الفهم إنه يتعلق بالمعاني لا بالذوات، ولذلك يقال: “فهمتُ الكلام”، ولكن “فهمتُ الرجل” ليس صحيحًا؛ بل الصحيح “عرفتُ الرجل” (الراغب الأصفهاني، ١٤٠٤ق، ٣٨٦). وبناءً على هذا المعنى، فإن موضوع الفهم هو الكلام فقط ولا يستخدم لغير الكلام.
يعتبر العلامة الطباطبائي الفهم نوعًا من الإدراك يتعامل مع المادة والحركة والتغير. ويكتب في تعريفه للفهم: “الفهم هو أن يُظهر ذهن الإنسان عند تفاعله مع الخارج نوعًا من رد الفعل، ويرسم صورة الخارج في نفسه” (الطباطبائي، ١٣٩١ش، ٢: ٢٤٨). وقد اعتبر معاني الآيات، وحقائق القرآن، والمعارف الإلهية، والمعنى المقصود موضوعًا للفهم، ويرى أن مطلق الانفعال، سواء كان خفيًا أم جليًا، هو الفهم، ويصل إلى حد أنه يصف انفعال النبي بالوحي بأنه فهم أيضًا. وفي نظره، الفهم ليس مجرد إدراك مادي أو حسي؛ بل إدراك المعنى خارج نطاق الحس هو فهم أيضًا، وكذلك يسمى إدراك معنى كلام الله فهمًا كإدراك كلام البشر.
إذن، للفهم مراتب، وفهم كل شخص يقع في مرتبة ما. فالفهم الذي يكون بلا علم وتدبر هو فهم سطحي وظاهري، والفهم الذي يكون عن علم هو فهم أعمق وأدق. فكلما زاد الإنسان تدبرًا واكتسابًا للعلم، نال فهمًا أعمق. وبناءً على ما قيل في تبيين وتعريف الفهم، يمكن القول إن الفهم هو إدراك أمر عن طريق التعقل، والمراد من فهم المتن هو الوعي والإدراك لمراد المؤلف من النص.
مرادنا من الفهم في هذا البحث هو الفهم المطلق؛ أي معتقدات الشخص التي تتنوع من حيث متعلق الإدراك وكيفية نشوئها. فبعض الفهوم تُكتسب عن طريق الاستدلال، وبعضها الآخر عن طريق التقليد أو النقل. لذلك، يُطلق على جميع أنواع وعي الإنسان اسم الفهم، سواء كان يقينيًا أم ظنيًا.
٢-٢. دراسة مفهوم النصّيّة والعقلانية
قبل الخوض في دور خطاب النصية والعقلانية في تنوع فهم الحديث، من الضروري دراسة مفهوم هذين المصطلحين.
١-٢-٢. دراسة مفهوم النص والنصية
“النص” يأتي أحيانًا في مقابل “الظاهر” (الطريحي، ١٣٦٢ش، ١٨٤)، وأحيانًا بمعنى “النقل” ويُطرح في مقابل “العقل” (الصدر، ١٣٩٥ق، ١٠). والمقصود بـ”النص” هنا هو النص في مقابل العقل، الذي يشمل القرآن والروايات الصادرة عن المعصومين (ع). وبما أن هذا البحث يركز على الحديث، فالمقصود بالنص هنا هو النقل بمعنى الروايات.
“النصية” هو عنوان لتوجه في المعرفة الدينية وتفسير الآيات والروايات، حيث يمنح أصحاب هذا التوجه الأولوية للظاهر في تفسير القرآن والأحاديث. وبالطبع، هذه الظاهرة ليست خاصة بالإسلام، ففي جميع الأديان، كان التوجه الأولي نحو الوحي والحفاظ على السنن الدينية. وقد يكون هذا ناتجًا عن صعوبة التنظير على أساس النص المقدس. لذلك، يسعى هؤلاء الأفراد إلى الاعتماد على النصوص الدينية. لا يهتم هذا الفريق بالفهم العميق والمنهجي ويكتفون بنقل الروايات، على الرغم من أن العلماء النصيين لا يتبعون نهجًا واحدًا في التعامل مع الحديث، وقد اشتهروا في الثقافة الإسلامية في الغالب بمقابلتهم للعقلانيين (پاكتچي، ١٣٦٧ش، ٩: ١١٣). لم يكن هذا الفريق متشددًا في مقام إحراز حجية الأحاديث، وفي تعاملهم مع متن الحديث، اكتفوا بظواهره ولم يتجاوزوا ظواهر الألفاظ (مهريزي، ١٣٩٨ش، ٢٨).
٢-٢-٢. دراسة مفهوم العقل والعقلانية
في الاصطلاح، قُدمت تعريفات مختلفة للعقل. قال البعض إن العقل قوة أودعها الله في كل إنسان، وجعل الأصول الكلية لمعرفة الوجود والقيم في متناول الإنسان؛ وهي قوة تملك القدرة على فهم العلوم النظرية وتدبير الأمور، وبواسطتها يستطيع الإنسان تمييز الأمور النافعة من الضارة (السيد المرتضى، ١٣٤٦ش، ٢: ٢٧٧-٢٧٨).
قال المفيد في تعريف العقل: “العقل معنى به يميز بين نتائج الأمور، وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب القبيح” (المفيد، ١٤١٤ق، ١٠: ٢٢).
الحقيقة هي أنه لمعرفة المعنى الاصطلاحي الدقيق للعقل، يختلف الأمر باختلاف المجالات من فلسفة وكلام وفقه وتفسير وغيرها، ويجب البحث عن معنى العقل في نفس المجال. والمقصود بالعقل هنا هو دوره الاستنباطي والاجتهادي الفكري في مجال الروايات العقائدية، والذي يشار إليه بالعقل الأداتي. ويمكن القول إن العقل هو مجموعة المعارف التي بواسطتها يكون الشخص قادرًا على تمييز الحسن والقبح وقادرًا على الاستدلال.
بناءً على ذلك، تعني العقلانية في الروايات العقائدية فهم النصوص الحديثية على أساس الفكر والعقل. وفي هذا التوجه، يجيز مفسر النصوص الدينية التفكير والاجتهاد في القرآن والأحاديث. ويساعد العقل الباحث في الحديث بأشكال مختلفة مثل الفهم الفلسفي للأحكام التشريعية، تمييز الروايات الصحيحة من غير الصحيحة، ترجيح إحدى الروايات المتعارضة، كشف لوازم معنى الحديث، توسيع مفاهيم الروايات، وغيرها (مير جليلي، ١٣٩٤ش، ١٦٠).
٣-٢. خطاب النصية والعقلانية في القرن الرابع الهجري
بعد غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، واجه المجتمع الشيعي من الداخل والخارج شبهات وتساؤلات من فرق ومذاهب أخرى، خاصة الزيدية والمعتزلة. ونظرًا لهذا الجو الفكري، شكلت مدرستا قم وبغداد، بتوجهيهما النصي والعقلاني، منظومتين معرفيتين للشيعة. كانت مدينة قم في القرنين الثالث والرابع الهجريين المركز الرئيسي لأصحاب الحديث. ومن أبرز علماء هذه المدرسة الكليني والصدوق. وكان تقديم النقل على العقل هو المبدأ المعرفي الأساسي في مدرسة الفقه الحديثي. في هذه الفترة، حاول الشيخ الصدوق والكليني، بالتوجه النقلي، الرد على تساؤلات الشيعة وكذلك المخالفين، بناءً على ظاهر الروايات، وهكذا تشكلت مدرسة قم الحديثية.
كان هذا الاتجاه امتدادًا للنزعة التقليدية في عصر الحضور. لم يكن معظم أتباع هذه المدرسة يفضلون الاجتهاد، وحتى كأتباع مدرسة “أهل الحديث” من أهل السنة، كانوا يعارضون استخدام الاستدلالات العقلية والكلامية لتعزيز آراء مذهبهم (مدرسي طباطبائي، ١٣٨٦ش، ٣٧).
يعد تنظيم وتبويب الأحاديث العقائدية في قوالب جوامع روائية من اختصاصات علماء الحديث في القرن الرابع، مما يدل على أن هذا الفريق كان يسعى لبيان المعارف العقائدية عن طريق نقل روايات أهل البيت (ع). يمكن اعتبار علي بن بابويه، والشيخ الصدوق، وإبراهيم بن هاشم وابنه علي بن إبراهيم، وفي النهاية الكليني، من أهم رموز هذا التيار الفكري في القرن الرابع، الذين ألفوا ونظموا آثارًا روائية مختلفة في مجال العقائد (طالقاني، ١٣٩١ش، ٦٥).
كان هذا الفريق يعمل بالأحاديث الواردة في كتبهم الحديثية المشهورة، حتى لو كانت خبرًا واحدًا ولم تثبت وثاقة رواتها. وبإلقاء نظرة على آثار بعض أصحاب هذا التوجه، يمكن ملاحظة أنهم في المسائل العقائدية أيضًا كانوا يحكمون وفقًا لأخبار الآحاد.
وبالطبع، يمكن تقسيم النصية إلى قسمين: ١- النصية المتطرفة، التي لا تعترف بأي قيمة للعقل وتلجأ إلى النقل في جميع المعارف الدينية. يركز هذا القسم من النصيين على الألفاظ والعبارات المستخدمة في الأحاديث، ويعتبرون ظاهرها الأولي، بمعزل عن مضمونها، في تركيبتها الروائية، هو المراد الجدي والحقيقي. ويمكن ملاحظة آثار هذا الفريق في الفكر الكلامي لبعض الفرق الإسلامية مثل الظاهرية والأشاعرة والسلفية. ٢- النصية المعتدلة، التي تمنح مكانة للعقل؛ ولكن العقل له دور داعم للنقل ومؤكد للمعارف والتعاليم الدينية، وفي حالة التعارض بين العقل والنقل، يُقدَّم النقل.
في مقابل هذه المدرسة، تقع مدرسة العقلانية. يمكن اعتبار هذا التوجه تجاوزًا لمدرسة النصية التي كان الصدوق يمثلها. فمع وفاة الشيخ الصدوق، بدأت مدرسة النصية في الأفول، وأصبح الشيخ المفيد رائدًا في الانتقال من النصية إلى العقلانية. وقد بلغ هذا التوجه ذروته في القرن الرابع في ظل الدولة الشيعية البويهية وحضور علماء مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي (فقيهي، ١٣٦٦ش، ٨٨). إن استخدام العقل والاستدلال العقلي في كشف الحقائق الدينية هو من سمات مدرسة العقلانية. كانت تحدي مباني النصيين، ونقد آرائهم، وتقديم تبيين استدلالي واجتهادي للنصوص الدينية خطوات مهمة اتخذها العقلانيون، وخاصة الشيخ المفيد، لاستبدال منهج العقلانية بالنصية في القرن الرابع.
من وجهة نظر العقلانيين، فإن تطابق مضمون الحديث مع حكم العقل يدل على صحته، وعدم توافقه مع حكم العقل دليل على عدم صحته (المفيد، ١٤١٣ق (ج)، ٥: ١٤٩). ومكانة الحديث في الفقه والأحكام تختلف عن مكانته في الكلام والعقائد. فهم متشددون في مرحلة الإحراز والحجية (مهريزي، ١٣٩٨ش، ٢٨)، ويعتقدون أن الروايات التي يمكن الاستناد إليها هي فقط الأحاديث القطعية التي يوجد فيها علم بصدق المخبر وصحة الخبر (المفيد، ١٤١٣ق (أ)، ٤٤)؛ ولا يعتبرون الروايات غير القطعية حجة حتى لو كانت ظنية، ويرون العمل بها مذمومًا (المفيد، ١٤١٣ق (د)، ٢١).
على سبيل المثال، يرى الشيخ المفيد أن خبر الواحد حجة إذا كان مدعومًا بالعقل أو العرف أو الإجماع بلا خلاف (الكراجكي، ١٤١٦ق، ١٩٢). وبعد تقسيم الأخبار إلى متواتر وغير متواتر، يقول الشيخ الطوسي إن الخبر غير المتواتر، مثل خبر الواحد، يكون حجة إذا كان مصحوبًا بقرينة، وإحدى تلك القرائن هي العقل (الطوسي، ١٤١٧ق، ١: ١٤٣). كما أن اهتمام العقلانيين بالاجتهاد في المتن في مرحلة الفهم والدلالة، وكذلك عدم الاكتفاء بالألفاظ والكلمات والتراكيب، من سماتهم البارزة. وهم يعتقدون أنه يجب أحيانًا البحث عن مراد المتكلم بما يتجاوز الظاهر؛ لأن التركيب في الحقيقة أداة للتعبير؛ ولكن مراد المتكلم يُدرك بعد الاجتهاد والتعقل (مهريزي، ١٣٩٨ش، ٢٨).
بناءً على ذلك، يمكن القول إن إحدى سمات مدرسة العقلانية هي قبول العقل إلى جانب الأدلة الاجتهادية الأخرى، وهو ما يتعارض مع النصية المطلقة. فالعقلانيون في الحالات التي يشخصون فيها رواية مخالفة لمقولة عقلية، يشككون في صدورها عن المعصوم، وربما ينكرونها، وفي بعض الحالات يتصرفون في ظاهرها ويؤولونها. ويمكن إدراج متكلمي مدرسة بغداد، مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى، ضمن هذا التيار الفكري.
بالطبع، لا يمكن رسم حد فاصل واضح بين النصية والعقلانية في الفكر الشيعي؛ لأن العقلانيين لم يخالفوا الأحاديث المعتبرة قط، وفي المقابل، لم ينكر النصيون محدودية استخدام العقل (پاكتچي، ١٣٦٧ش، ٩: ١٢٧). إن الجدال بين الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، الذي تجلى في كتابة كتاب “تصحيح الاعتقاد” في مقابل كتاب “الاعتقادات”، يمكن تسميته جدال العقلانية مع النصية.
والنتيجة هي أن من السمات الرئيسية للنصيين، الميل الشديد للعمل بظاهر الروايات وتجنب إدخال العقل والاجتهاد في فهم ونقد الروايات. في المقابل، من وجهة نظر العقلانيين، يلعب الاجتهاد والعقل دورًا أساسيًا، حيث إن تطابق مضمون الحديث مع المقولات العقلية يدل على صدق المخبر وصحة الخبر، ومخالفة مضمونه للمقولات العقلية دليل على عدم صحة الخبر وعدم قبوله؛ لأن العقل هو الذي يقيم الروايات بناءً على البيانات المتاحة لديه ويصدر حكمًا بصحتها أو سقمها.
٣. توظيف العقل في العقائد من منظور النصيين والعقلانيين
يرفض النصيون والعقلانيون الشيعة، كلاهما، فعالية العقل بشكل كلي في بعض المسائل العقائدية مثل تفاصيل المعاد وسؤال وجواب القبر. وفي مقولات مثل إثبات وجود الله ونبوة الأنبياء، يعتقد كلا الفريقين أن هذه المقولات لا يمكن إدراكها إلا عن طريق العقل. وفي بعض المقولات العقائدية الأخرى مثل مسألة البداء، وسهو النبي، وغيرها، يختلفون.
يتعامل العقلانيون مع هذه المسائل تعاملاً عقلياً وفقاً لمبادئهم وخطابهم، ورغم ورود روايات في هذا الشأن، إلا أنهم يفحصون هذه الروايات أولاً بمعيار العقل، ويعتبرون العقل أساساً لمستنداتهم، وفي حالة التعارض بين العقل والنقل، خاصة في المسائل العقائدية، يقدمون العقل. وفقاً لوجهة نظر العقلانيين، للعقل دور استكشافي في فهم نصوص الحديث، ويؤدي دوراً في الفهم الصحيح والعميق وإدراك اللوازم والآثار والنتائج وكشف أسرار ورموز النصوص الروائية.
يواجه الشيخ المفيد، بناءً على هذا المبدأ، تياراً فكرياً داخل المذهب يسميهم “أصحاب الحديث” و”أصحابنا المتعلقين بالأخبار” و”المقلدة”، ويعتبر هذا الفكر خطراً على الإسلام والتشيع، ويرى أنهم أصحاب لا يتفكرون في الرواية، فتكون أخبارهم مختلفة ولا يميزون الصحيح من السقيم (المفيد، ١٤٣١ق، ٧٣). وفي المقابل، يعتقد النصيون أن العقل عاجز عن الوصول إلى المعارف الدينية، بل يجب التمسك بالروايات. دليل هذا الادعاء هو قول الشيخ الصدوق الذي يرى، تمسكاً بالروايات، أن الاحتجاج على المخالفين يكون فقط بالروايات الصحيحة (الصدوق، ١٤١٤ق، ٤٣).
هذا الفريق يرى أن وظيفة العقل هي التصديق فقط، فالعقل ليس حاكماً بل شاهداً، كما أشار إلى ذلك العلامة المجلسي؛ حيث ينهى عن رد الحديث بالعقل بسبب عجز العقل، ويعتقد أنه بسبب المعارف السامية لعلوم أهل البيت، لا يصل إليها عقل الإنسان؛ لذلك لا يستطيع الإنسان رد حديث يتعارض مع العقل (المجلسي، ١٤٠٩ق، ١٧).
٤. منشأ اختلاف النصيين والعقلانيين في فهم الأحاديث الكلامية
تؤثر عوامل مختلفة مثل العامل البيئي، والتوجه الفكري للمشايخ، والعلاقات، وتخصص مفسر الحديث في تنوع فهم النصوص الحديثية؛ ولكن نظراً لموضوع البحث الذي يتمثل في دور الخطابات والمباني لمفسري الحديث في تنوع فهم الحديث، لا مجال لتناول جميع هذه العوامل. لذلك، سيتم التطرق إلى دور خطابي النصية والعقلانية في تنوع فهم الأحاديث الكلامية.
يحتاج كل باحث في موضوع بحثه إلى مسلمات مسبقة لا يمكن تصور فهم النص بدونها. وفهم نص الحديث ليس استثناءً من هذه القاعدة. بعض هذه المسلمات ضروري، مثل الإلمام باللغة العربية، وبعضها الآخر جزء من المباني والأصول المقبولة لدى باحث الحديث والتي لا يتخلى عنها بأي حال من الأحوال.
من خلال دراسة بعض الأحاديث الصادرة عن المعصومين (ع)، يلاحظ وجود تباين أحياناً بين فهوم العلماء الشيعة عند مواجهة الأحاديث. وبمقارنة وتطبيق الفهوم المختلفة، يتوصل إلى أن المواجهة بين فهمين في رواية واحدة تعود إلى اختلاف مفسري الحديث في توجهاتهم ومبانيهم. وربما لو كانوا متفقين في المباني، لكان لديهم فهم وتفسير موحد لنص الحديث. وفي هذا السياق، أدى تقابل خطين فكريين مختلفين، أي العقلانية والنصية، إلى أفكار واستنتاجات متباينة من الروايات، وتبعه اختلاف في المباني والفرضيات الكلامية، مما أدى إلى اختلاف في فهم الروايات.
١-٤. التساهل والتشدد في قبول الحديث
من المباني الموجودة في مدرسة النصية والتي كانت سبباً في التمايز بينهم وبين العقلانيين، هو عدم تشدد النصيين في قبول الروايات، والعمل بأخبار الآحاد أحد مصاديقه. إن اعتقاد المحدثين النصيين بحجية خبر الواحد والعمل به حتى في المسائل المتعلقة بأصول الدين، لدرجة أن الشيخ الأنصاري ينسب إلى بعضهم مثل الصدوق نزعة إخبارية (الأنصاري، ١٢١٤ق، ١٥٤، ١٥٧). على عكس المحدثين والمتكلمين العقلانيين الذين لا يقبلون حجية خبر الواحد في العقائد فحسب؛ بل إن بعض أصحاب هذا التوجه لا يجيزون العمل بخبر الواحد في المسائل الفقهية. كما يعتبرون العقل عاجزاً عن إدراك المعارف الدينية.
يرى النصيون أن العلم واليقين ضروريان في المسائل الشرعية وأصول الدين (الاسترآبادي، ١٣٦٣ش، ٩٠؛ الطوسي، ١٤٠٣ق، ٣٢٤، ٤٠٢، ٤٠٧). وهم لا يرون ضرورة تحصيل العلم واليقين في أصول الدين عن طريق الأدلة العقلية؛ بل يعتبرون العلم واليقين معتبراً إذا تم الحصول عليه عن طريق الروايات (الاسترآبادي، ١٣٦٣ش، ٢٩-٣٠).
يذكر الكليني في مقدمة الكافي: “أحكام الدين يجب أن تكون عن بصيرة وتؤدي إلى علم ويقين، ومن يدخل الدين بغير علم ويقين، يخرج منه بغير علم. والطريق الوحيد للحصول على العلم واليقين هو الكتاب والسنة اللذان يجعلان الإيمان راسخاً كالجبل. وإذا ترك الإنسان لنفسه، هيأ له الله أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل، التي ليست علماً ولا تحدث بصيرة، ومثل هذا الدين دين عارية” (الكليني، ١٣٦٣ش، ١: ٦-٨).
يعتمد الكليني عملياً، وفقاً لرأيه، في بحث غيبة الإمام الزمان والبحوث الأخرى، على الروايات المرسلة، حيث يقول الراوي: “أنقل هذه الرواية عن ثقة وشخص أثق به” (نفسه، ٣٣، ٣٣٥). كما اعتمد الشيخ الصدوق في مباحث مثل القضاء والقدر ونزول الوحي (الصدوق، ١٤١٤ق، ٣٤) على الروايات المرسلة. حتى قيل في تقييم الروايات العقائدية إن الصدوق يقبل الرواية الشاذة والروايات التي يوجد ضعف في سندها (طاهريان قادي، ١٣٩٩ش، ٤٣). ولهذا السبب، ينتقده الشيخ المفيد لاستناده إلى أحاديث نادرة ويعتقد أنه على فرض صحتها، فإن لهذه الروايات معاني أخرى (المفيد، ١٤١٣(ج)، ٥: ٥٤).
يرى الشيخ المفيد أن العقل هو ما يجبر ضعف وعدم حجية خبر الواحد، ويقبل خبر الواحد الموافق للأدلة العقلية (المفيد، ١٤١٣ (ب)، ١: ٤٦)، ويرفض الحديث المخالف للعقل (المفيد، ١٤١٣ (أ)، ٤٤)؛ لذلك، يعتبر مكانة العقل في التعامل مع الروايات أسمى من فهم الظواهر، ويؤكد على حجية الحكم العقلي.
ينتقد السيد المرتضى النصيين قائلاً: “هؤلاء أصحاب الحديث، يعتبرون خبر الواحد حجة في أصول الدين ويستندون إليه، في حين أن كل عاقل يعلم أن أخبار الآحاد ليست حجة في أصول الدين” (الموسوي، ١٤١٠ق، ١: ٢١١)؛ وأنهم يعتبرون الأدلة الروائية سبباً في اعتقادهم بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة، في حين أنهم لو عرفوا هذه المعارف بالطريق الصحيح لما لجأوا إلى الروايات (نفسه، ٣: ٣١١). وفقاً لرأي السيد المرتضى، فإن طريق معرفة الله تعالى الصحيح هو العقل لا الروايات؛ لأنه ما لم تُعرف حكمة الله، ولم يُعلم أن الله لا يفعل قبيحاً ولا يصدق الكاذبين، فلا معنى لحجية الروايات (نفسه، ١: ١٢٧). وفي موضع آخر، يعتبر السيد المرتضى النصيين في الأصول أهل تقليد للرواة (نفسه، ٢: ١٨).
٢-٤. العقلانية والاجتهاد في الحديث
إن تجنب العقلانية وعدم الاعتناء بالعقل من قبل النصيين، وفي المقابل سيادة العقلانية والاجتهاد في رؤية العقلانيين، أدى إلى مواجهة بين الفريقين، وبالتالي إلى تقابل الفهوم بينهما فيما يتعلق بالروايات العقائدية.
السمة الأساسية للنصيين هي الابتعاد عن الفكر والتأمل في تفسير التعاليم الدينية. كان هذا الفريق يحلل المسائل الكلامية بأساليب حديثية ويبتعد عن الاستدلالات العقلية، ويدينون من يستخدمون الاستدلالات العقلية للدفاع عن مذهبهم. كما أن محدثي القرن الرابع النصيين كانوا في الغالب يستفيدون من منهج أهل الحديث في تحليل وبحث المسائل الكلامية، ويكتفون بنص الروايات (التستري، ١٣١٦ش، ٢١٠). بالطبع، هذا لا يعني أنهم لم يستخدموا العقل في أي حالة لفهم الروايات؛ بل يعني أن استفادتهم من العقل في تفسير التعاليم الدينية كانت ضئيلة، وكان تركيزهم الأكبر على ظاهر الحديث.
في المقابل، يولي العقلانيون دوراً أساسياً للعقل في الفهم الصحيح والعميق للأحاديث وإدراك لوازمها ونتائجها، وينتقدون بشدة السطحية وعدم التعمق في مواجهة الروايات (المفيد، ١٤١٣ق (ج)، ٥: ١٤٦-١٤٨). يعتبر أصحاب هذا التوجه أن معيار صحة مضمون الحديث هو العقل، ومخالفة مضمون الحديث لحكم العقل دليل على عدم صحته وعدم قبوله. يقول الشيخ المفيد في هذا الصدد: “كلما وجدت حديثاً مخالفاً لأحكام العقل، تركته؛ لأن العقل يحكم ببطلانه” (نفسه، ٢٦٧). ومن البديهي أن قبول الحديث أو رده من قبل الشيخ المفيد بمقياس العقل، يرجع إلى قبوله للاجتهاد العقلي في مضمون الروايات.
٥. دور المباني في تنوع فهم الروايات العقائدية
ذُكر أن مبدأ التساهل والعقلانية في القبول لدى النصيين، ومبدأ التشدد والاجتهاد في قبول الروايات لدى العقلانيين، من أهم الأصول التي تبناها هذان الفريقان. سنشير هنا إلى ثلاث نماذج من المسائل العقائدية التي فُهمت بناءً على هذين المبدأين المختلفين، ليتضح كيف أدى هذان المبدآن إلى تنوع الفهم في الروايات العقائدية.
١-٥. عصمة الأنبياء والأئمة ومسألة سهو النبي
من المباحث الكلامية الهامة التي اختلف عليها العلماء النصيون والعقليون مسألة العصمة وسهو النبي. إن المفكرين الشيعة الذين يعتبرون العصمة من شروط النبوة والإمامة، متفقون على أصلها؛ ولكنهم يختلفون في تفاصيلها ومجالها بآراء مختلفة. منشأ هذا الاختلاف هو: هل يجوز نسبة السهو والنسيان إلى النبي أو الإمام؟ وإذا لم يجز، فما هو تكليف روايات “سهو النبي” التي تخبر عن سهو النبي الأكرم (ص) في عدد ركعات الصلاة؟
من الواضح أن مكانة مباحث العصمة ومجالها، وكذلك سهو النبي، تقع في النصوص الكلامية، ولكن بما أن هذه المسألة هي نقطة التقاء المباحث الاجتهادية والعقلانية مع الأحاديث، يمكن التوصل إلى مدى تأثير توجهات ومباني العقلانيين والنصيين على آرائهم في بحث سهو النبي.
الصدوق، وهو من الشخصيات البارزة في التوجه النصي، يقبل العصمة بعد مقام النبوة والإمامة بشكل مطلق، ويقول: “الأنبياء والأئمة والملائكة مطهرون من كل دنس، ولا يرتكبون ذنباً كبيراً أو صغيراً، ولا يعصون الله أبداً، ويفعلون ما يؤمرون به” (الصدوق، ١٤١٢ق، ٩٦). طبقاً لهذا المطلب، يجب أن ينكر الصدوق “سهو النبي” الذي ينافي العصمة؛ ولكن بما أن الصدوق لم يستطع إنكار ظاهر روايات “سهو النبي”، فقد نسبها إلى الله (الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٣٦٠). وفي مقابل عقله، الذي يرى الأنبياء، قبل وبعد النبوة، معصومين من الكبائر والصغائر والسهو (المفيد، ١٤١٣ق، ٣٢، ٣٢٠؛ الحلي، ١٤١٥ق، ٢٢٥؛ الطوسي، ١٣٧٧ش، ٤٣)، يختلف الشيخ الصدوق في ذلك. فالشيخ المفيد يرى أن النبي قبل وبعد النبوة معصوم، ولكن ارتكاب الصغائر التي لا تؤدي إلى تحقير شخصيته لا يخل بعصمته، وقبل النبوة وبشرط السهو، يجوز السهو للأنبياء. يرى أن إسهيان الله النبي (ص) لأي مصلحة حتى زمان وفاته، ليس فيه أي حرج (المفيد، ١٤١٢ق، ٢٩، ٣٠). وفيما يتعلق بالسهو العادي، مثل جميع البشر والرسل، يقول الشيخ الصدوق والشارحون لفكره مثل الشيخ المفيد إن ارتكاب الصغائر التي تؤدي إلى تحقير شخصية فاعلها غير ممكن، أما الصغائر التي لا تؤدي إلى ذلك فهي جائزة (الصدوق، ١٤١٢ق، ١: ٣٥٩). يرى الشيخ الصدوق أن السهو بمعنى الإسهاء (أي أن الله أنساه)، وينكر أن يكون من عمل الشيطان. ويستدل قائلاً إن الله أنساه ليخلصه من تشنيع الناس، وحتى لا يكون سبباً في بغضهم له، وكذلك لتكون هذه المسألة تعليماً للناس من خلال سهو النبي، حيث يظل حكمه بين الناس (نفسه، ٣٦٠). يرى العلامة الجزائري أن سهو النبي محصور بما استخدمه بعض أخباريينا، فاستخدموا روايات سهو النبي إلى حد الاستفاضة (الجزائري، ١٣٨٢ق، ٢: ٣٥)؛ وإذا كان السهو رحمة، فقد اعتبره جائزاً؛ ولكن ما ورد هو أنه حدث إلى حد وقوع الترسل في الصلاة، وأنه جائز (نفسه، ٢٩).
يبدو أن قبول الصدوق المتأخر لنظرية سهو النبي من قبل علماء النصيين المتقدمين، ومنهم الصدوق نفسه، منشأه أن عدم إنكار هذه الرواية بحججها غير القطعية ودلائلها الظنية، وكذلك معارضة العقل، ممكن؛ لأن جميع الروايات يمكن أن ترد ويُدحَض إثباتها، ولكن لا يوجد رد على إمكانها؛ كما يكتب الشيخ الصدوق: “لو جاز رد هذه الأخبار، لوجب القول بجواز رد جميع الأخبار” (الصدوق، ١٤١٣ق، ٣٥٩-٣٦٠).
بناءً على ذلك، فإن سبب قبول روايات سهو النبي ليس سوى النصية والإخبارية القمية. فالشيخ الصدوق والقميون، بسبب وجود أحاديث تتعلق بخطأ النبي (ص) في غير موارد إبلاغ المعارف الدينية، دخلوا في مواجهة مع البغداديين الذين كانوا يرون النبي (ص) معصوماً من الخطأ حتى في أموره الشخصية وحياته العادية بسبب العقل، واتهموا البغداديين بالغلو.
من الشخصيات الكلامية والحديثية البارزة في تاريخ الشيعة التي بحثت في العصمة ومجالها بالتوجه العقلاني، الشيخ المفيد. لقد بحث في عصمة النبي (ص) قبل بلوغه مقام النبوة وعصمة الأئمة (ع) قبل بلوغهم مقام الإمامة، واتخذ موقفاً مختلفاً عن التوجه النصي بناءً على توجهه العقلاني. فهو ينتقد رأي الصدوق ويعتبر نظرية “سهو النبي” من مصاديق آراء الحشوية من الشيعة الذين يكتفون بظاهر النصوص ولا يكلفون أنفسهم عناء التدبر والتحقيق في هذا المجال (المفيد، ١٤١٣ق (د)، ٦).
يرى الشيخ المفيد أن العصمة لطف من الله تجاه حججه الإلهية، يوجب اجتناب الذنب والخطأ في الدين. وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالعصمة جزء من أفعال طالب العصمة، والعصمة لا تمنع قدرة الفرد على السلوك والأعمال السيئة ولا تجبره على الأعمال الحسنة؛ بل هي موهبة يمنحها الله لبعض عباده (نفسه، ١٢٨). وبعد نقل روايات “سهو النبي”، يردها الشيخ الطوسي استناداً إلى حديث عن الإمام الباقر (ع)، ويدعي وجود أدلة قطعية على عدم جواز سهو النبي (الطوسي، ١٣٩٠ش، ١: ٣٧١)؛ ويرى أن حديث سهو النبي يخالف حكم العقل (نفسه، ١٤٠٧ق، ٢: ١٨١).
نظراً للتوجه النصي للشيخ الصدوق في الأحاديث الكلامية، حيث كان متساهلاً في قبول الروايات وظاهرياً في متنها، ومبتعداً عن الاجتهاد؛ يلاحظ أنه لم يستطع التخلي عن ظاهر الرواية وقبل الروايات المتعلقة بسهو النبي، واعتبر السهو بمعنى الإسهاء، وفرق بين سهو النبي (ص) والناس العاديين.
في المقابل، فإن العقلانيين، فيما يتعلق بالأحاديث المرتبطة بـ«سهو النبي»، ووفقًا لتصورهم ومنهجهم1، يسعون إلى تفسير مضمون الروايات المذكورة بناءً على معتقداتهم الكلامية والعقلية المقبولة لديهم، ولأنهم متشددون في قبول الروايات ومجتهدون في مواجهة متن الحديث، فإنهم يتبنون الجانب الثاني عند التعارض بين مضمون الروايات والمباني العقلية.
٢-٥. أفعال العباد
مسألة خلق أفعال الإنسان من المباحث الكلامية الهامة في القرون الأولى، والتي تظهر أيضاً في الأوساط الحديثية الشيعية، حيث تم فيها إثبات الخلق التقديري لأفعال الإنسان ونفي الخلق التكويني لها.
الخلق التقديري يعني أن كل شيء كان معلوماً لله قبل خلقه، وأن تحققه في العالم الخارجي يطابق العلم والإرادة والمشيئة والإذن الإلهي. يوضح الشيخ الصدوق هذا المعنى في كتاب الاعتقادات الإمامية ويكتب: “أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى خلق التقدير أن الله لم يزل عالماً بمقاديرها” (الصدوق، ١٤٣١ق، ٢٩).
من متقدمي الشيعة الذين يتبنون التوجه النصي في الأحاديث الكلامية ويقولون بالخلق التقديري لأفعال العباد، هو الصدوق. يرى أن خالقية الله لأفعال العباد هي خالقية علمية، لا علاقة لها بإيجاد الفعل الخارجي للإنسان، وفي الحقيقة الفاعل الحقيقي للأفعال هم البشر أنفسهم بالقدرة التي منحهم الله إياها. وقد نقل الصدوق الروايات المتعلقة بهذا الموضوع في كتبه الحديثية، ونكتفي هنا بمثالين منها.
الرواية الأولى: “قال الإمام الرضا (ع): من أقر بتوحيد الله ونزهه عن التشبيه وعما لا يليق به، واعترف بأن القوة والإرادة والمشيئة والخلق والأمر والقضاء والقدر له خاصة لا لغيره، وأقر بأن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين… فهو مؤمن حقاً ومن شيعتنا أهل البيت الصادقين” (نفسه، ١٣٦٢ش، ٥٠).
الرواية الثانية: سئل الإمام الصادق (ع) عن اكتسابية المعرفة الإلهية، فقال: معرفة الله ليست اكتسابية. سئل: فهل هي هبة من الله؟ قال: نعم، ليس للعباد دور في اكتسابها، ودورهم هو أداء الأعمال فقط. ثم قال: إن أفعال العباد مخلوقة لله؛ ولكن خلق تقدير لا خلق تكوين (نفسه، ١٣٩٨ق، ٤١٦).
قال الشيخ المفيد، ممثل العقلانيين، في نقد رأي الصدوق، إنه إذا كان الخلق بمعنى العلم، فإنه بالإضافة إلى أن الخلق في اللغة العربية لم يأت بمعنى العلم، تترتب على هذه النظرية لوازم باطلة. ويكتب في هذا الصدد: “لو كان العلم بالشيء خلقه، لزم أن يكون كل من علم بالنبي قد خلقه، وكل من علم بالسماء والأرض خالقهما، وكل من علم بشيء من مصنوعات الله يُحسب خالقاً لها، وهذا غير مقبول، ووجه خطئه ليس خافياً على عامة الناس وأتباع الأئمة (ع)، فكيف بالأئمة (ع)” (المفيد، ١٤١٣ق (أ)، ٤٢، ٤٣). واعتبر الحديث الذي نقله الصدوق حديثاً لا يُعمل به (نفسه).
يبدو أن تفسير “خالقية أفعال العباد” بـ”الخالقية العلمية” من قبل الشيخ الصدوق يرجع إلى مبناه النصي، حيث لم يستطع ترك الرواية وتصرف في مفردات الحديث لتصحيح معناه، على عكس الشيخ المفيد الذي لكونه عقلانياً، استخدم الاستدلالات العقلية لرد المعنى غير الصحيح للمفردات.
٣-٥. خلق الأرواح قبل الأبدان
ورد في الأحاديث أن الله تعالى خلق أرواح الناس قبل أجسادهم، ومن تلك الأحاديث رواية عن الإمام الصادق (ع): “إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ” (الصفار، ١٣٨١ش، ١: ١٨٣). يقول النصيون، تمسكاً بظاهر هذه الروايات، إن الأرواح كانت موجودة في عالم يسمى “الأظلة”، والذين تعرفوا على بعضهم البعض تألفوا، والذين لم يتعارفوا اختلفوا (الصدوق، ١٤١٤ق، ٤٨).
يعتبر أصحاب التوجه النصي الاعتقاد بالحياة السابقة وتقدم أرواح البشر على أجسادهم جزءاً من عقائد الإمامية (نفسه، ٤٧، ٤٨). وبناءً على المبنى النصي، فإن المقصود بكلمة “خلق” في الحديث هو الإيجاد والاختراع؛ ولكن بعض العقلانيين فسروا المقصود من خلق الأرواح قبل الأبدان بأنه “خلق تقديري في العلم الإلهي”، بمعنى أن الله قد قدر الأرواح في علمه قبل خلق الأجساد، دون أن يعطيها وجوداً خارجياً (المفيد، ١٤٣١ق، ٥٣). يحاول المفيد، بالتصرف في المعنى الظاهري للحديث، نفي الحياة والخلق قبل خلق الأرواح. وسبب نفي هذا النوع من الروايات من قبل العقلانيين، ومنهم الشيخ المفيد، يرجع إلى مبدأ يتعلق بعدم حجية خبر الواحد؛ حيث ينسب مضمون روايات “الحياة السابقة” إلى أصحاب التناسخ، ويعتبر هذه الروايات أخبار آحاد، ثم يستدل على نفيها قائلاً: “لو كانت هناك حياة سابقة، لكنا نعرفها، وعندما يذكروننا بها، نتذكرها” (المفيد، ١٤١٤ق، ٨١).
وفي موضع آخر، يرفض المفيد، حفاظاً على مبناه الذي لا يقبل بالحياة السابقة للأرواح، “الأرواح” في الروايات بمعنى الملائكة، ويعتقد أن الملائكة قبل خلق الإنسان تعرفوا على بعضهم البعض، وبعد خلق الإنسان تألفوا، والملائكة الذين لم يتعارفوا قبل خلق الإنسان اختلفوا بعد خلقه (المفيد، ١٤١٣ (أ)، ٨١).
كما يرد التمسك بظاهر الرواية باستدلال عقلي ويقول: “لو خلقت الأرواح قبل الأجساد، لوجب أن نتذكر ما رأيناه سابقاً وألا يخفى عنا، وكلما ذُكّرنا به تذكرناه. كما أن من يترك مدينة ويذهب إلى أخرى، لا ينسى علمه بالمدينة الأولى، وإذا نسي، كلما أراد أن يتذكرها تذكرها” (نفسه، ٨٤، ٨٥).
وفي رواية أخرى ورد: “الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”. يقول المفيد في شرح هذه الرواية: “الأرواح جواهر بسيطة تتعاون جنسياً وتتباعد عرضياً. ولذلك، الأرواح التي تتآلف بسبب التشابه في الميل تتعارف وتتآنس، والأرواح التي تختلف في الميل والرأي تتنافر” (نفسه، ١٤٣١ق، ٥٣، ٥٤). إذن، الحديث في الرواية عن الجواهر البسيطة في هذه الدنيا، ولا يتحدث عن جواهر بسيطة لها وجود سابق على وجود الإنسان الدنيوي.
بالتدقيق في ما قيل في الروايات المتعلقة بتقدم الأرواح على الأبدان، يلاحظ أن اختلاف التوجهات أدى إلى اختلاف في الفهوم. فالعلماء الظاهريون تمسكوا بظاهر الرواية؛ لأنهم لا يجيزون الاجتهاد والتأويل، وبناءً على مبناهم يقدمون ظاهر الرواية على أي فهم آخر؛ أما العقلانيون فقد لجأوا إلى الاجتهاد ويعتقدون أن الروايات المتعلقة بالحياة السابقة هي أخبار آحاد وغير قابلة للاستناد، كما أن ظاهر هذه الروايات يخالف الأدلة العقلية.
٦. خاتمة
لدى المفكرين الحديثيين الشيعة، في تعاملهم مع الأحاديث الكلامية والمعارف النقلية، مبانٍ متمايزة، والاختلاف في المباني والخطاب أدى إلى تمايز في الفهم أيضاً. ومن بين هذه التوجهات المتمايزة، يبرز توجه النصية والعقلانية في القرن الرابع. وقد اتضح في هذا البحث ما يلي:
١- يعتبر العقلانيون، مثل الشيخ المفيد، العقل أهم معيار في تقييم الروايات العقائدية. ويعتقدون أن تطابق مضمون الحديث مع العقل دليل على صحة الحديث، ومخالفته دليل على عدم صحته، وأن فهم الحديث وإدراك لوازمه دون تدقيق عقلي دقيق غير ممكن. وفي حالة التعارض بين العقل والنقل، يُقدم العقل. وهؤلاء، في مواجهة الروايات العقائدية الغامضة، يلجؤون إلى التوسع العقلي لرفع الإبهام عنها.
٢- يمنح النصيون الأولوية لظاهر الروايات في المعرفة الدينية، ولا يعترفون بقيمة للعقل في فهم وتفسير الروايات، أو غالباً ما يقدمون النقل والاعتماد على الظاهر على العقل. وقد سلك أتباع هذا التيار في مجال المسائل العقائدية، في التعامل مع الروايات وقبولها، طريق التساهل، وفي مقام الفهم توقفوا عند هذا النوع من الروايات وابتعدوا عن الاجتهاد.
٣- بدراسة ثلاث حالات من المباحث الخلافية بين الفريقين، اتضح أن سبب اختلاف فهمهم في مواجهة الروايات العقائدية، رغم التقارب الزمني بينهما، يعود إلى تمايزهم في التوجهات.
٤- لم يستطع النصيون، بسبب التمايز في المباني، في مسألة “سهو النبي” التخلي عن ظاهر الروايات. على عكس العقلانيين الذين، بناءً على مبناهم الاجتهادي، اعتبروا قبول هذه الروايات مخالفاً للعقل.
٥- فسر الشيخ الصدوق في روايات أفعال العباد “خالقية أفعال العباد” بـ”الخالقية العلمية”، وكذلك قبل روايات “خلق الأرواح قبل الأبدان” بناءً على ظاهرها، وهذا بسبب مبناه النصي الذي لم يسمح له بترك الرواية والتصرف في مفردات الحديث لتصحيح معناه. على عكس الشيخ المفيد الذي، لكونه عقلانياً، استخدم الاستدلالات العقلية لرد المعنى غير الصحيح للمفردات.
الهوامش
١. «هَلْ سَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَطُّ؟ قَالَ: لَا، وَلَا يَسْجُدُهُمَا فَقِيهٌ» (الطوسي، ١٤٠٧ق، ٢: ٣٥٠).